قراءات المثقفين اللبنانيين في عام 2024

شغف خاص بالرواية وسردية الحرب وكتب التاريخ (3-3)


محمود شريح
محمود شريح
TT

قراءات المثقفين اللبنانيين في عام 2024


محمود شريح
محمود شريح

مرت الثقافة العربية بعام قاسٍ وكابوسي، تسارعت فيه وتيرة التحولات بشكل دراماتيكي مباغت، على شتى الأصعدة، وبلغت ذروتها في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة وطالت لبنان، ولا تزال مشاهدها الدامية تراكم الخراب والدمار على أرض الواقع... في غبار هذا الكابوس تستطلع «الشرق الأوسط» أهم قراءات المثقفين والمبدعين العرب خلال 2024.

في لبنان احتلت الرواية مكانة مهمة في قراءات الكتاب والمثقفين لهذا العام، ورأوا فيها شغفاً خاصاً بالحياة وذكرياتها القصية والقريبة. وبرغم أن هذه الشغف لم يسلم من شظايا العدوان الإسرائيلي الغاشم على البلاد، إلا أنه تحول فعل مقاومة وزاداً معرفياً من نوع فريد.

إيمان حميدان

الروائية إيمان حميدان: «كأن فعل القراءة يغدو مستحيلاً»

هذا السؤال بدا لي مختلفاً هذا العام. كل عام يطرح هذا السؤال، ونجيب. لكن هذا العام أشعرني بالغربة. قد يكون ما أكتبه هنا بعيداً عن سؤال ماذا قرأت؟ قد يكون، كيف قرأت؟ وماذا شعرت حين كنت أقرأ؟

لأبدأ أولاً، إنه كان عاماً صعباً، صعباً بالنسبة لي على كل المستويات، وأهمها ما يجري حولي، وفي داخل لبنان، وما تعرض له الناس من همجية يعجز أي كتاب عن وصفها. ثم عليّ أيضاً أن أجيب عن سؤال: ماذا قرأت. كنت أبدأ بكتاب ثم لا أنتهي منه. أجد صعوبة في التركيز. أشعر بقلق حادٍ لم يصبني من قبل. كأن فعل القراءة يغدو مستحيلاً في تلك اللحظات الشرسة. القراءة تغدو إراحة للعقل الذي لا يريد أن يهدأ والذي يلف ويدور فيه ألف سؤال. وأنا لم أشأ الراحة، بات القلق صفة تلازمني في المساء والليل. أقرأ وأتوقف كي أوقظ أسئلتي التي تنخر دماغي. أسأل ماذا جرى لنا؟

كتب عديدة لم أنته من قراءتها. كان عليّ أن أعيد برمجة قراءاتي، كي أهدأ وأرتاح. الكتاب الذي أنهيته فعلاً هو «فجر في غزة»، صدر باللغة الإنجليزية. قام فيه محمود منى وطوماس تيللر بتوثيق مقابلات مع فلسطينيين كانوا في بداية 2024 لا يزالون في غزة ويتعرضون لخطر الموت والإبادة. هزّني الكتاب، هزتني قصص الحياة والأمل وسط الدمار والخراب والموت. الناس الذين أثثوا صفحات الكتاب بقصصهم ما زالوا أحياء أو أنني أقرأ قصصاً لأناسٍ عرفتهم عبر الكتاب، ماتوا ولم يدر أحد بموتهم. حين علمت بموت إحدى المساهمات في الكتاب هبة المقادمة، بكيت. هي التي وثقت يوميات حياتها وحياة عائلتها. أرى الآن الكتاب على الطاولة الصغيرة في غرفة نومي، أفكر أحياناً أن قرب سريري شواهد لا تعد لأشخاص أخبروني حكاياتهم ثم رحلوا بصمت، بل قتلوا، وهم مأخوذون بحكايات الحياة والغد التي سُلبت منهم.

أنتقل من كتاب «فجر غزة»، ومن «رسالة إلى أبي» إلى كتابي المفضل «رسائل إلى ميلينا»، ثم أرى نفسي أعود لمرة جديدة إلى كافكا (لا أستطيع أن أعد كم من المرات قرأتها) إلى روايته «المسخ»، أتابع غريغور سامسا، بطل الرواية الذي تحول إلى حشرة عملاقة وأتحسس جسدي، وأتأكد أنني ما زلت أنا... وأنني ربما نجوت. رغم كل ما كتب عن كافكا وجدت في إعادة قراءة هذه الرواية طريقة جديدة لتنويم قلقي ولو لوقت.

ماري طوق

الكاتبة والمترجمة ماري طوق: «الجوع العتيق» وروايات إنسانية فريدة

استوقفتني هذه السنة روايتان تجمعهما أجواؤهما اللبنانية، «أغنيات للعتمة» للكاتبة إيمان حميدان، المشرّعة على أسئلة التاريخ اللبناني والسياسة، وتلك المتعلّقة بمصائر النساء، ورواية «قصر موّال» للفرنكوفونية دومينيك إده، المغلّفة بعزلة قصر تسائل مصير «البيت اللبناني الكبير».

في «أغنيات للعتمة» تسرد إيمان حميدان بلغة رشيقة حيوات نساء عائلة الدالي، وفي خلفية السرد تتراءى حقب من تاريخ لبنان: الحرب الكبرى وويلاتها، والحرب العالمية الثانية المتقاطعة مع حقبة الاستقلال والألغام الكثيرة المعترضة طريقه، وصولاً إلى الحرب الأهلية. أحداث ومحطات ترويها نساء العائلة وشكّلت على نحوٍ أو آخر مصائرها: ظهور «الداهشية» في بيروت وما استتبع ذلك من خنق لحرية أتباعها، إعدام أنطون سعادة الذي جرى دون محاكمة فعلية فكان نقطة تحوّل كبيرة في حياة أفراد العائلة، الأحداث التي سميّت بثورة 1958، محاولة الانقلاب التي قام بها الحزب القومي، إفلاس بنك أنترا، ومن ثم اندلاع الحروب الأهلية.

«أغنيات للعتمة» حكاية المكان بوجهيه القروي والمديني، تتقاسمه قريتا كسورة في جبل لبنان وأجمات في البقاع الغربي وبينهما بيروت التي تعيش على وقع الانهيارات. ومع حكاية المكان سيرة المحطات المأساوية المتعدّدة التي تجعلنا نعاف التاريخ: الحرب الأهلية واجتياح إسرائيل لبنان ليتوقّف الزمن هناك: إنه الوطن الاستحالة على أكثر من صعيد حيث ما برحت كل تلك الأمكنة تفضي إلى الهجرة خارجها: «خرجنا ونجونا لكن ما معنى النجاة هنا. وأيّ نجاة؟» تحت هذه السماء الضيقة كسقف ثمة ما يدفئ عتمة الروح وينعش ذوابلها: السؤال والأغنيات، فهل من يسمع نداء الأغنيات؟

أمّا رواية «قصر موال» لدومينيك إده فقرأتها بهذا «الجوع العتيق» إلى روايات تحاكي تجارب إنسانية فريدة يمتزج فيها الحبّ بالأدب ونشدان كل ما هو جميل ونبيل. «مشاهد من الحياة الزوجية» على طريقة إده تدور في قصر موّال البيروتيّ حيث يحتلّ المقدّمة زوجان: ليونورا الإيطالية الشجاعة التي قادتها تجربة الترهّب إلى لبنان، وسليم البرجوازي اللبناني المرهف الذي يملك قصر موال لكنّه اختار التخفّف من زحام المكان والعيش في فندق مجاور. إنّها رواية الانسحاب والغلوّ في آن واحد.

ولا بدّ من الإشارة إلى رواية فرنسية ترجمتها مؤخّراً «الأخوات الخمس» للكاتب بيرسي كمب الذي تتقاطع في شخصه جذور إنجليزية ولبنانية. وجدت لذة في قراءتها لأنّها أخذتني إلى عوالم مختلفة باستعارات مدهشة يمتزج فيها التاريخ العالمي بالسياسة والجاسوسية والجوائح الفيروسية والرقمية.

صهيب أيوب

الروائي صهيب أيوب: «أعمال أتمنى لو تترجم للعربية»

سعدت هذا العام بقراءة أعمال أدبية كثيرة وباللغتين العربية والفرنسية. رواية هدى بركات «هند أو أجمل امرأة في العالم»، توجت قراءاتي، وكانت الخاتمة مثل هدية بهذه الرواية البديعة، التي أجدها عميقة بطبقات كثيرة، وتحتاج إلى قراءة مختلفة وإلى إنصات داخلي، لما تضمره من حيوات وطرق وسرديات، تتعمق في فهم الإنسان لوجوده وحاجته إلى النجاة والأمل. مع «هند» نتكشف ذواتنا الباحثة، من خلال السرد الذي يطوف بنا بعوالم عدة ومدن وشوارع وروائح وخرائط وجغرافيات ومعارف، تشكل فضاء روائياً دسماً، وقراءة تقدم الكثير للقارئ ولخياله. واحتاجت مني هذه الرواية إلى قراءة ثانية للتوغل أكثر في البحث داخل هذه الشخصية التعددية.

قرأت أيضاً رواية «روض الحياة المحزون»، وهي من أولى أعمال الروائي اللبناني حسن داوود، وأنصح بالعودة إليها، خصوصاً أنها رواية باطنية وتحتاج إلى قراءة بطيئة كأسلوب كاتبها.

أيضاً قرأت كتاب هيثم الورداني «بنات آوى والحروف المفقودة»، وهو إعادة ذكية وشفافة في قراءة الخرافات العربية، وأشبه بتأملات في كتاب «كليلة ودمنة» وكائناته ومساءلة لابن المقفع. وقرأت ديوان الشاعر الطرابلسي والناقد فادي العبد الله «البياض الباقي»، الصادر عن «دار الجديد». ديوان رقيق بلغة متينة تذكرنا بشعر الأقدمين وبحساسية عميقة، يحاول الشاعر، أحياناً بصوفية، قراءة تفاصيل العالم الذي يحيطه بعين مرهفة، لا تخلو من التحسر والحنين.

بالفرنسية أكثر ما أعجبني رواية ساندرين كوليت «مادلين قبل الفجر»، وأتمنى أن تحظى بترجمة يوماً ماً إلى اللغة العربية، وقرأت ديوان نينار اسبر، بعنوان: «mes instantanés, beyrouth- paris 1990 -2021». وهو قصائد تتعمق بإحساس المنفى. تستعيد فيه الشاعرة مدينتها بيروت وتحاول التوغل بمشاعرها في شتاتها وصور الماضي والذكريات ومعنى وجودها بين زمانين ومكانين وأثر الحرب والهجرة على دواخلها وتصوراتها، وهو كتاب أتمنى أيضاً ترجمته للقارئ العربي.

وقرأت مسرحيات، منها أعمال الحائزين على «نوبل» يون فوسيه وبيتر هاندكه، وأخص عمل فوسيه «أنا الريح/الأيام تذهب» وعمل هاندكه البديع «outrage au public».

سليمان بختي

الناشر سليمان بختي: «عن الأمكنة والسقوط الأخلاقي»

قرأت كثيراً في الفترة الأخيرة ولا يزال أمامي الكثير. قرأت رواية «الأشجار تمشي في الإسكندرية» لعلاء الأسواني، إذ نقلنا بسهولة ويسر إلى الإسكندرية في زمن جمال عبد الناصر، والتحولات التي عصفت بها ونسيجها الاجتماعي المنقلب من الملكية إلى الثورة. أعجبني الفضاء الكوزموبوليتي الذي صنعه الأسواني وانطلق منه إلى رصد مصائر الشخصيات في ذروة صراعها مع الواقع والتاريخ والدولة. تصوير دقيق لهزيمة الضمير والسقوط الأخلاقي للفرد والمجتمع في آن.

الرواية الثانية هي «أطلال رأس بيروت» للكاتب اللبناني محمد الحجيري. الذي استطاع أن يوثق لمرحلة التسعينات من القرن الماضي في رأس بيروت، وعلاقة المثقفين بالمقهى والمكان. السؤال الذي يطرحه المؤلف: ماذا يبقى بعد زوال الأمكنة؟ في الرواية جو ساحر من انهمار اللحظات واليوميات الذي يشبه انهمار الدموع والكلمات، مع نهاية عبثية بورقة بيضاء تطير في مهب الريح والحرب ونفاذ الأحوال.

أعجبتني أيضاً رواية «قناع بلون السماء» للكاتب الفلسطيني الأسير باسم خندقجي. استوقفتني المحاولة الصادقة، في تصحيح السردية العربية عن أحداث فلسطين. أحسن المؤلف استخدام الآثار وتوظيف الأسطورة وعلاقة كل ذلك بالتاريخ. رواية مميزة كتبت بنبض حي ولغة أنيقة وتحمل إضافة مميزة في بناء الرواية لأجل معرفة مختلفة ووعي معمّق.

الكتاب الرابع هو «الوجه الآخر للظل» للروائي رشيد الضعيف استطاع فيه أن يمزج الأدب والأسطورة، وعلى مستوى آخر ارتباط الإنسان بالواقع والوجود. السرد الجميل الذي اعتمده الضعيف يعيد الحلم والأمل بأن الكلمة تستطيع أن تفتح أبواب العالم وتمزج الأزمنة.

بالإنجليزية هناك كتاب «الحنين: عاطفة خضراء» لاغنيس فورستر، وأتمنى أن ينقل إلى العربية، يتحدث عن تاريخ هذه العاطفة منذ القرن السابع عشر وصولاً إلى جماعة «فيسبوك» واصطفافهم وراء مراحل وذكريات ورموز. ويبحث الكتاب في السبب الذي يجعلنا نرى الماضي زاهياً، ونحن المرء إلى ماض نعتبره مثالياً؟

محمود شريح

الكاتب محمود شريح: «عن بواكير الأدبيّات اللبنانية حول الصهيونيّة»

قرأت جديد د. غسّان الخازن «رؤية يوسف الخازن للدولة اليهوديّة: دراسة تحليليّة» (دار نلسن، بيروت، 2024)، وهو إضاءة على كتيّب الشيخ يوسف الخازن الصادر عام 1919 إبّان ذروة الصراع البريطاني - الفرنسي على بلاد الشام، وكان ردّةَ فعل على مؤتمر السلام المنعقد آنذاك في باريس الذي «رأى لتقرير مصير فلسطين، الاستماع إلى الصهاينة، ممّن لا ناقة لهم ولا جمل في تلك البلاد بدل الإصغاء إلى ممثّلي فلسطين المعتمدين».

الكتيّب، حسب غسان الخازن، من بواكير الأدبيّات اللبنانية حول الصهيونيّة. فحين انصبّ اهتمام معظم مثقّفي متصرفية جبل لبنان على المطالبة بتوسيع مساحة لبنان، وتعميق استقلاليته عن الدولة العثمانيّة، انصرف الشيخ يوسف الخازن إلى تفنيد المزاعم الصهيونية في فلسطين بأسلوب واضح ومختصر وجانح إلى السخرية على عادة الخازنيّين في ظرف أدبهم ليعدّ مداخلة له في مجلس النوّاب لا تتعدّى دقائق معدودات هي متن الكتيّب، ركّز فيها على مناقشة الفكرة الصهيونية، تاريخاً وعقيدة، فلم يخامره شكّ في أن الحركة الصهيونية تسعى إلى إنشاء دولة يهوديّة في فلسطين.

أصدر الشيخ يوسف الخازن كتيّبه هذا بالفرنسيّة، وهو محاضرة ألقاها في باريس بعنوان «الدولة اليهودية في فلسطين - وجهة نظر أحد أبناء البلاد».

وقرأت د. إدمون ملحم، في جديده «الفلسفة الرواقية من زينون إلى سعادة» الصادر عن «دار أبعاد للطباعة والنشر» في بيروت، يضيءُ من مهجره على الفلسفة الرواقية التي شيد أعمدتَها الفيلسوف الفينيقي زينون في القرن الثالث قبل الميلاد، وجدّد دعوتها في النصف الأوّل من القرن العشرين أنطون سعادة، إذ اعتبرَ أنّ زينون أحدثَ ثورة فكرية ذات أثر بليغ في تحرير الفرد من التقليد وحفزه على اتّخاذ العقل شرعاً أعلى في سبيل الوصول إلى الخير ومطالب الرّقي. زينون المتحدِّر من مدينة صُوْر الكنعانية الراحل إلى أثينا الآخذ من فلسفة سقراط مبدأ الفضيلة، جدّد دعوته سعادة وأرساها في صلب عقيدته، ومن هنا أهمية جديد د. ملحم في سرده السيرة الفكرية لهذين النابغتين.

زياد كاج

الروائي زياد كاج: «جواد علي لم يعط حقه»

عدت لقراءة جواد علي، وكتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، وهو في تسعة أجزاء. وأعتبر هذه الأجزاء مرجعاً مهماً جداً لفهم التاريخ الإسلامي. فقد وجدت الكاتب هو الأقرب إلى المنطق والموضوعية في مجاله. معه نفهم الخلفيات التاريخية للأحداث، ونقرأ تفاصيل الحياة الاجتماعية قبل الإسلام. ومن بين ما لفتني قصة تأسيس مكة كمدينة بعد أن كان الناس يعيشون على المرتفعات المحيطة بها بسبب كثرة السيول، وحديثه عن جذور الخلاف السني - الشيعي، الذي بدأ قبل الإسلام بسبب خلاف وتنافس بين أولاد العم، بني أمية وبني هاشم. هذا المرجع الموسوعي لا يعطى حقه وهناك تعتيم على جواد علي، رغم أهميته. أيضاً أوصي بقراءة «إحكي جالس» لرمزي علم الدين، صادرعن «دار نلسن». أحببته لأنه يحكي، بأسلوب سلس قريب من القلب تجربة الكاتب الغنية، ويبرهن، أنه ليس من الضروري أن يكون صاحب الكتاب أديباً محترفاً ومكرساً. المؤلف هو والد المحامية أمل علم الدين، ويكشف كيف تعرف هو على جورج كلوني، ولم يكن قد سمع به من قبل. ذات يوم يرى صورته مع ابنته، فيصعقه الأمر، وهو المعروف في بلدته المحافظة، فجن جنونه. وحين اتصلت به ابنته تقول له جورج يريد أن يتعرف عليه، ويلعب معه الغولف. أخبرها أنه ابن جبل، من يريد التعرف إليه فليأت إلى لبنان، وبما أن لبنان غير آمن، اتفق على مكان محايد، عند أهل زوجته آل مكناس في دبي. وبعد قضاء ثلاثة أيام معاً وجده ذكياً، مخلصاً متواضعاً، وكريماً. كذلك أحببت رواية حسن داوود «نساء وفواكه وآراء» صدرت عن «نوفل، هاشيت - أنطوان» تحكي عن تجربته في كلية التربية في «الجامعة اللبنانية»، أواخر الستينات. أسلوب ممتع، سلس، قريب من القلب، لرواية تحكي عن الزمن الجميل.

الشخصية المحورية، مترددة في الحب والسياسة والاجتماع، ومعظم الشخصيات من أصول ريفية نزلوا إلى المدينة من الريف واصطدموا بعالمها وقيمها. هؤلاء تأتي الحرب وتفرقهم، لكن مصائرهم متشابهة. قرأت رواية ثانية لهذا الكاتب القادم من الجنوب، والمتواضع والمثقف «لا طريق إلى الجنة»، أحببتها أكثر من الأولى. تحكي قصة شيخ دين شيعي من الجنوب يرث المشيخة عن والده، وهو غير مقتنع بدوره الجديد في القرية. يعيش حالة صراع بين دراسته الدينية وما يعيشه. رواية تسبر أغوار إنسان فرض عليه دور، سرعان ما يكتشف أنه لا ينسجم مع طموحاته ويدخل في صراع عنيف مع ذاته. يعيش مع امرأة لا هو يحبها ولا هي تحبه. في الوقت نفسه معجب بزوجة أخيه المتوفى، ويعاني من عقدة ذنب. بعد قصة غرام وإصابة بالسرطان يدخل المستشفى وتبقى النهاية مفتوحة.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟