يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

الكاتب العماني يرى أن القصة العربية لا تحظى بالقراءات النقدية الكافية

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب
TT

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

يحيى المنذري: قصصي تعبر عن واقعي ومعايشتي له كسارد ومراقب

يعشق الكاتب العماني يحيى سلام المنذري القصة القصيرة وعلى مدى 30 عاماً ظل مخلصاً لها، لا يحيد عنها أو يتخذها نقطة انطلاق لكتابة الرواية، مخالفاً بذلك القاعدة الشهيرة: «السارد يبدأ قاصاً وينتهي روائياً». في ظلال هذه المحبة وبحس شاعري مفتوح على فضاءات التجريب والحداثة صدرت مجموعته القصصية الأولى «نافذتان لذلك البحر» عام 1993 ثم توالى إنتاجه ليضعه في مكانة بارزة على خارطة الأدب العربي. من أبرز أعماله «رماد اللوحة»، «الطيور الزجاجية»، «بيت وحيد في الصحراء».

هنا حوار معه حول أعماله وتمسكه بفن القصة القصيرة وهموم الكتابة.

* في مجموعتك القصصية الأخيرة «وقت قصير للهلع»، تبرز السخرية سمةً أساسية، إلى أي حد كنت واعياً بذلك وكيف ترى دور السخرية عموماً في الأدب؟

- يبدو أن السخرية حضرت بشكل غير مخطط له، وتوغلت في سياق الأحداث لأن الحكاية وقعت في حياتنا وحياة البشر، تعوم في بحر من التناقضات والغموض والأسئلة، والكاتب وهو يسرد الحكاية يمكن أن ينقد ويحلل المجتمع والواقع بطريقة ساخرة ضمن سياق السرد. وهذا يعتمد على أسلوبه في طرح سرده الحكائي، فهناك كتّاب معروفون بأسلوبهم الإبداعي الساخر مثل عزيز نيسين ونقده اللاذع غير المباشر للواقع، وطرحه لكوميديا سوداء، ربما تضحك القارئ وتبكيه في الوقت نفسه. ولا ننسى تحليل ونقد الشاعر محمد الماغوط للواقع والحياة عبر إبداعه الشعري والسردي، وكذلك جورج أورويل في معظم أعماله الشهيرة مثل روايته «مزرعة الحيوانات»، فالسخرية أسلوب له لغته وعمقه في تحليل وفضح حقائق الواقع، والمبدع يتخذه كأداة ومعالجة أدبية.

* تحضر في هذا العمل وبقوة قضية العمالة الآسيوية في المجتمعات الخليجية من منظور إنساني رهيف، ما سر هذا الحضور وكيف ترى تناول الأدب العربي عموماً لتلك القضية؟

- حضور العمالة الآسيوية لأول مرة وبشكل لافت كان في مجموعتي القصصية «بيت وحيد في الصحراء» وخصصت لها فصلاً كاملاً بعنوان «زارعو غابة الإسمنت»، بسبب وجودهم في حياتنا، حيث نتعامل معهم بشكل شبه يومي، ونتعرف عليهم وعلى حكاياتهم ونتحاور معهم.

والقصص التي أكتبها تعبر عن واقعي وبيئتي، فمن الطبيعي أن يكونوا أبطالاً في بعض هذه القصص، فهم في بلد غير بلادهم، ويتعاملون مع ثقافة مختلفة عن ثقافتهم، لكنهم انصهروا بيننا، ومن هنا يأتي الفن ليعبر عن قضاياهم التي تتمثل في الغربة والحنين والكفاح من أجل الحصول على الرزق، والتكيف مع واقع جديد، وما يعانونه من صراع نفسي وقلق، وكل ذلك من وجهة نظري كسارد ومراقب نتيجة تعاملي معهم ومشاهدتي لهم.

والكثير من الأعمال السردية العربية ومن ضمنها الخليجية تناولت مواضيع الوافدين من كل الجنسيات وليس تحديداً العمالة الآسيوية، فالفكرة الأساسية في الطرح الإبداعي هنا رؤية الكاتب مع المغترب، المقيم في بلد ما، المهاجر، وقد يأتي الطرح من تجربة الكاتب الذاتية إذا كتب عن تجربة غربته في بلد ما.

* يطل الهلع عبر ثنايا الكتاب كهاجس يطارد البشر ويجعلهم يرمق بعضهم بعضاً بتوجس وخوف، كيف استلهمت الفكرة؟ وهل تحرص على أن تحمل كل مجموعة قصصية خيطاً درامياً ونفسياً يربط بين نصوصها؟

- المجموعة احتوت على 3 قصص، كان الرابط بينها قلق وخوف أبطالها، كتبتها متفرقة، وفي فترات زمنية مختلفة، ويمكن أن أقول بأنني لم أخطط لذلك، ربما كان الهاجس موجوداً دون دراية مني، فأجواء وأسلوب القصة الأولى تختلف عن الثانية والثالثة، برغم أن بطلها يلفه الخوف والقلق والوسواس.

كثير من القراء والنقاد قدموا قراءات جميلة في هذا الجانب، وتناولوها من زوايا مختلفة، فكانت قراءات ثرية، وكنت سعيداً ومتفاجئاً بأن المتلقي لديه قراءاته الذكية للنصوص وبشكل مغاير ومختلف، وهذا يزيدني علماً ومعرفة وحباً للقصة القصيرة، بل يدفعني لمزيد من الكتابات القصصية. أما عن ملاحظة الربط بين النصوص فأتذكر أيضاً أن في مجموعاتي السابقة كان يوجد خيط ورابط بين القصص، وتارة تكون عبر فصول في كتاب واحد، ولكل فصل رابط، فمثلاً في مجموعة «بيت وحيد في الصحراء» احتوت على جزأين؛ الأول يغلب عليه أجواء الطفولة والمراهقة، بينما الثاني كانت نصوصه عن العمالة الآسيوية.

* ما سر حضور الصورة البصرية عبر تقنيات السينما أو التشكيل اللوني في إنتاجك الأدبي بشكل عام؟

- ربما هذا بسبب تداخل الفنون، والاستفادة بعضها من بعض، إلى جانب أنني أميل إلى الكتابة التجريبية، ففي كل عمل أطمح إلى تجريب أسلوب يختلف عن الذي سبقه، وحتى من ناحية الأفكار والموضوعات. طبعاً هذا لا يمنع من وجود تكرار الأساليب في المجموعات السابقة، ولكن بقدر الإمكان أحاول طرح الجديد، وتأثير التقنية السينمائية أو الفن التشكيلي واضح في بعض النصوص التي كتبتها، فهناك قصص تعتمد على مقاطع أو مشاهد سينمائية وكأن القارئ يشاهد فيلماً قصيراً، وهكذا بالنسبة إلى الرسم، من خلال وصف لوحات وأبطال قصص يرسمون ويتأملون المشاهد والألوان، ولا ننسى أيضاً الشعر والمسرح فلهما التأثير نفسه.

* كيف أمكنك أن توازن في أعمالك بين «حضور الحكاية» على مستوى المضمون، وبين «طموحات الحداثة والتجريب» على مستوى الشكل؟

- برغم احتفائي باللغة الشعرية في إصداري الأول عام 1993 فإنني لم أغيّب الحكاية، والقصة القصيرة هي الحكاية، ولا بد من وجود حدث وحبكة وتشويق، وهذه عناصر أساسية لهذا الفن الأدبي الرشيق، إلى جانب اللغة وتماسكها وسلاستها وشعريتها. وكما ذكرت سابقاً أن لديّ هاجس التجريب وطرح الجديد في كل إصدار، وهذا يحتاج إلى نوع من المغامرة أولاً، وثانياً الانتباه إلى العناصر التي ذكرتها أعلاه، وكيفية صياغة نص تجريبي لا يطمرها، بل يجعلها موجودة وحتى وإن كانت مثل خيط رفيع، فالهدف أيضاً ألا يكون النص سهلاً ومباشراً، بل يهدف إلى مشاركة القارئ وجعله يفكر ويتأمل، بل يتفاجأ أحياناً.

* عناوين مجموعاتك القصصية لافتة للغاية ومشوبة بحس شاعري، هل لديك فلسفة ما في اختيار ذلك؟

- مرحلة اختيار عنوان الكتاب صعبة، أحاول بقدر الإمكان أن يعبر العنوان عن روح النصوص، وأحرص على ألا يكون أحد سبقني في طرحه، أحاول أن يكون فريداً وجديداً، وأتجنب الكلمة الواحدة لعنوان الكتاب. وعدا مجموعتي الأخيرة «وقت قصير للهلع» فكل مجموعاتي حملت عنوان إحدى قصص المجموعة، فكان أسهل من خلق عنوان جديد. في المجموعة الأخيرة اقترحت على نفسي عناوين كثيرة، ومرت بمراحل فرز، وأخذت رأي بعض أصدقائي الكتاب، حتى وصلت إلى ارتياح تام عن العنوان الذي حملته.

* عبر رحلة تمتد لأكثر من 30 عاماً، يبدو أنك خالفت مقولة «إن السارد يبدأ قاصاً وينتهي روائياً»، ما سر إخلاصك لفن القصة القصيرة؟

- كتابة الرواية لم تقتصر على كتاب القصة القصيرة، وإنما شملت المفكر والشاعر والمسرحي والأكاديمي والصحافي والرسّام، فهناك ظاهرة تسمى كتابة الرواية، حتى الذين لا يمتلكون موهبة الكتابة والسرد أو لا يمتلكون موهبة في فنون أخرى كتبوا الرواية كيفما اتفق.

وكتابة الرواية تظل جاذبة لمن يريد المغامرة في كتابتها ومن حق الجميع ذلك؛ لأن فيها مساحة واسعة للبوح والتحدث وربما الثرثرة، لكنني آثرت ألا أقترب من كتابتها، على الأقل حتى الآن. بالنسبة لي فإن كتابة القصة القصيرة تجلب لي السعادة والراحة النفسية، وهي مساحة للبوح والتجريب والمغامرة، التصقت بهذا الفن والتصق بي، لم أتجرأ بعد لفتح باب الاغتراب والابتعاد عن القصة القصيرة والدخول في عالم الرواية، ولكن في الوقت نفسه أقول بأنه لا يمنع في يوم ما البدء في مغامرة كتابة رواية. فأنا لا أكتب من أجل جائزة أو مسابقة، إنما أكتب القصة القصيرة بهدف حبي لهذا الفن واستمتاعي بكتابته. من وجهة نظري، التخطيط للجوائز يكسر عملية الإبداع، فالعمل الإبداعي الذي يستحق هو الذي يلتفت إليه القراء ويهتمون به، وهذه هي الجائزة التي يريدها المبدع.

* ألا تشعر أحياناً بحاجتك الشديدة للبوح والجلوس على كرسي الاعتراف، وهو ما توفره الرواية كجنس أدبي؟

- حتى الآن استطرادي وبوحي في الكتابة السردية في حدود القصة القصيرة، حتى وإن طالت أحداثها، ومشروع كتابة الرواية هو بمثابة عالم آخر حتى الآن ما يزال بعيداً عني. وأشكال البوح كما نعرف تتمثل في جميع أنواع الأدب والفنون، ولا تقتصر على الرواية.

* كيف ترى واقع القصة القصيرة الراهن على مستوى منطقة الخليج العربي؟

- لا يزال هذا الفن الجميل مستمراً ونابضاً بالمبدعين، والدليل على ذلك كتاب القصة القصيرة المستمرون في الكتابة، ومن ضمنهم الذين اتجهوا إلى كتابة الرواية وعادوا إلى كتابة القصة القصيرة. كما أن هناك إصدارات سنوية لكتاب جدد، ويمكن متابعتها عبر المجلات والملاحق الثقافية، إضافة لمواقع التواصل الاجتماعي. ولكن هناك نقص كبير في عدد المؤتمرات والجلسات النقدية التي تتناول القصة القصيرة والاحتفاء بها وبكتابها، بخاصة فيما يتعلق بالقراءات النقدية.

*أخيراً، هل تنظر خلفك في غضب أم في رضا، حين تقوم بتقييم تفاعل النقاد والإعلام مع مجمل تجربتك؟

- أنا سعيد بتفاعل القراء والكتاب والنقاد مع مجمل إصداراتي، فمجموعتي الأخيرة «وقت قصير للهلع» استطاعت جذب شريحة واسعة من القراء والمبدعين والنقاد، وكُتب فيها العديد من القراءات، التي بلا شك كانت مفيدةً جداً بالنسبة لي، كذا إصداراتي السابقة. وبالنسبة للإعلام، فأنا أشكر وسائل الإعلام المحلية التي احتفت بإصداراتي، عبر الحوارات الصحافية والتلفزيونية والإذاعية وخاصة التابعة لوزارة الإعلام كجريدة «عمان» ومجلة «نزوى» وقناة «عمان» التلفزيونية والإذاعة العمانية، إضافة إلى مكتبة «قراء المعرفة» والجمعية العمانية للكتاب والأدباء و«النادي الثقافي» وجهات أخرى ثقافية وإعلامية. أيضاً تحويل كتابي القصصي «الطيور الزجاجية» إلى كتاب صوتي من قبل قناة «عين» التابعة لوزارة الإعلام العمانية، فلهم كل الشكر والتقدير.



رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.