«كتارا» تتوّج الفائزين بجائزة الرواية العربية

تشمل روائيين ونقاداً من 8 دول عربية

الدكتور خالد السليطي المدير العام لمؤسسة الحي الثقافي يسلم الفائزين جائزة «كتارا» (تصوير: ميرزا الخويلدي)
الدكتور خالد السليطي المدير العام لمؤسسة الحي الثقافي يسلم الفائزين جائزة «كتارا» (تصوير: ميرزا الخويلدي)
TT

«كتارا» تتوّج الفائزين بجائزة الرواية العربية

الدكتور خالد السليطي المدير العام لمؤسسة الحي الثقافي يسلم الفائزين جائزة «كتارا» (تصوير: ميرزا الخويلدي)
الدكتور خالد السليطي المدير العام لمؤسسة الحي الثقافي يسلم الفائزين جائزة «كتارا» (تصوير: ميرزا الخويلدي)

توّجت مؤسسة الحي الثقافي بقطر «كتارا»، الخميس، الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها العاشرة 2024.

وفاز في فئة «الروايات العربية المنشورة» كلّ من: علاء حليحل (فلسطين) عن روايته «سبع رسائل إلى أم كلثوم»، ومحمد طَرزي (لبنان) عن روايته «ميكروفون كاتم صوت»، ويوسف حسين (مصر) عن روايته «بيادق ونيشان». وتبلغ قيمة كل جائزة 30 ألف دولار أميركي، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى اللغة الإنجليزية.

وفي فئة الروايات «غير المنشورة» فاز كل من: قويدر ميموني (الجزائر) عن روايته «إل كامينو دي لا مويرتي»، وليزا خضر (سوريا) عن روايتها «حائط الفضيحة»، وياسين كنيمن (المغرب) عن روايته «ع ب ث»، وتبلغ قيمة كل جائزة 30 ألف دولار، مع طباعة الأعمال الفائزة وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية.

وفاز في فئة «الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي»، 3 نقاد، وهم: الدكتور بلقاسم عيساني (الجزائر) عن دراسته «الفكر الروائي»، والدكتور بوشعيب الساوري (المغرب) عن دراسته «تخييل الهوية في الرواية العربية»، والدكتور هاشم ميرغني (السودان) عن دراسته «الروايةُ مسرحاً لجدل الهُويَّات وإعادة انبنائها»، وتبلغ قيمة كل جائزة 30 ألف دولار، مع طبع الدراسات ونشرها وتسويقها.

أما في فئة «رواية الفتيان» ففاز كل من: أبو بكر حمّادي (الجزائر) عن روايته «أنا أدعى ليبرا»، وشيماء جمال الدين (مصر) عن روايتها «بيتُ ريما»، وعلاء الجابر (العراق) عن روايته «أرض البرتقال والزيتون»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، مع طباعتها ونشرها. وعن «الرواية التاريخية غير المنشورة» فاز ضياء جبيلي (العراق) عن روايته «السرد الدري في ما لم يروهِ الطبري - ثورة الزنج». وفازت في «الرواية القطرية المنشورة» الدكتورة كلثم جبر الكواري عن روايتها «فريج بن درهم».

وجرى الإعلان عن الجوائز بحضور وزراء وسفراء وممثلي بعثات دبلوماسية، وعدد كبير من الأدباء والمثقفين والإعلاميين وجمهور غفير من المهتمين بالشأن الثقافي.

وقال الدكتور خالد السليطي، المدير العام لـ«كتارا»، خلال كلمته أمام الحفل، إن الجائزة، التي أطلقتها المؤسسة عام 2014، تهدف إلى «ترسيخ حضور الروايات العربية المتميزة عربياً وعالمياً، وتشجيع وتقدير الروائيين العرب المبدعين؛ لتحفيزهم على المضي قدماً نحو آفاق أرحب للإبداع والتميز»، مضيفاً: «مدينة الرواية (كتارا) تحتفل اليوم بالأسبوع العالمي للرواية، الذي كان للمؤسسة إسهام في اعتماده من قبل (اليونسكو) خلال الفترة بين 13 و20 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام»

السليطي يتحدث عن جائزة «كتارا» وجهود المؤسسة لدعم الرواية العربية (تصوير: ميرزا الخويلدي)

وتابع: «كما نحتفل بمرور 10 سنوات على إطلاق الجائزة التي استطاعت خلال عقد من الزمان الوصول بالرواية العربية إلى فضاءات جديدة، عبر معالجة كثير من الإشكالات التي كانت تحدّ من انتشارها، ومن بينها صعوبات النشر والترجمة إلى لغات أخرى غير (العربية)»، مبيناً أن «مبادراتها العديدة أتاحت الربط بين الرواية والترجمة والدراما والفن التشكيلي، وأسهمت في ظهور مواهب أدبية واعدة استفادت من فرص نشر وتسويق الروايات الفائزة وترجمتها للغتين الإنجليزية والفرنسية».

وعدّ السلطي اختيار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، المؤسسة «مدينة الرواية»، تتويجاً لجهود «كتارا» المستمرة «في دعم تقدم وتطوير الرواية العربية باعتبارها صاحبة المكانة الأولى في أدبنا الحديث»، متعهّداً باستمرار دعمهم للرواية والروائيين العرب عبر برامج وأنشطة المؤسسة، التي تتضمن ورش عمل لتعليم فنون الكتابة الإبداعية، لمختلف الفئات العمرية، وتنمية التجربة الإبداعية بمواصلة إصدار دورية «سرديات» تعنى بتقويم مسيرة الرواية من خلال المناهج النقدية الحديثة.

وشهد الحفل الافتتاحي عزف «سيمفونية الرواية»، وهي تجربة موسيقية من تصور وإشراف الدكتور ناصر سهيم، وثمرة تعاون بين «كتارا» و«أوركسترا قطر الفلهارمونية»، حيث استمتع الحضور بالمزج المبتكر بين سحر الموسيقى الأوركسترالية والسرد المشوق في الرواية، الذي يعد شهادة على قوة التناغم والإمكانات اللامحدودة لمكونات الفن.

1697 مشاركة

وشهدت الدورة العاشرة لعام 2024 مشاركة 1697 عملاً، شملت 886 رواية غير منشورة، و437 رواية منشورة صدرت عام 2023، و177 رواية فتيان غير منشورة، و91 دراسة نقدية غير منشورة، بالإضافة إلى 7 روايات قطرية منشورة، و99 رواية تاريخية غير منشورة.

وجرى إعلان القائمة الطويلة التي تضم 18 عملاً من بين الأعمال المشاركة، وتشمل مختلف فئات الروايات. وضمّت روائيين من 17 دولة عربية، تصدرتها مصر بـ26 رواية ودراسة نقدية، تلتها المغرب بـ19، ثم سوريا بـ9 روايات، والأردن بـ8 روايات ودراسات نقدية، والعراق بـ5 .

فعاليات ثقافية

وشهد «مهرجان كتارا للرواية العربية» في نسخته العاشرة ندوات حوارية وفكرية، من بينها ندوة «الرواية والمجتمع»، وتحدث فيها الكاتبان؛ السوداني أيمن خير، والآريتري هاشم محمود، وأيضاً ندوة ثانية عن «الرواية العربية وشبكات التواصل» شارك فيها الروائي فيصل الأنصاري، الحائز على «جائزة كتارا للرواية العربية» عام 2021 عن «فئة اليافعين»، والروائية أسيل سامي، وندوة «الرواية والاغتراب... الكتابة في الغربة والغربة في المكان»، شاركت فيها السينمائية والروائية السويدية (من أصل عراقي) ميسلون فاخر، والروائي والإعلامي السوري عبد الله مكسور.

وشارك في ندوة «أدبيات علمية حديثة في دراسات الأديان»، الباحث في «مركز الدوحة لحوار الأديان» سيكو مارفا توري، والباحث في الحضارة الإسلامية مختار خواجة، والباحثة هند الحمادي. كذلك شارك في ندوة «الرواية القطرية وعلاقتها بالنقد العربي» الروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، والباحث الدكتور مرزوق بشير، والروائية الدكتورة هدى النعيمي، بإدارة الكاتب الكويتي الدكتور فهد الهندال. وتحدث في ندوة «الرواية العربية في ظل الذكاء الاصطناعي» الروائي الجزائري واسيني الأعرج، والسوداني أمير تاج السر، والمصري إبراهيم عبد المجيد، وأدارتها الدكتورة أسماء فرنان.

واختارت جائزة كتارا للرواية العربية، في دورتها العاشرة، المؤرخ والصحافي والأديب المغربي التهامي الوزاني (1903 - 1972) شخصية العام، باعتباره يمثّل «تجلياً متميزاً للمثقف الشامل».


مقالات ذات صلة

رفض سعودي - بريطاني لاستخدام «هرمز» أداة ضغط سياسي أو اقتصادي

الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال لقائه مع نظيرته البريطانية إيفيت كوبر في لندن الثلاثاء (واس)

رفض سعودي - بريطاني لاستخدام «هرمز» أداة ضغط سياسي أو اقتصادي

شدَّدت السعودية وبريطانيا على أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفض استخدامه أداةً للضغط السياسي أو الاقتصادي بما من شأنه أن يخل بالنظام والقوانين الدولية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عربية المهاجم القطري المخضرم سباستيان سوريا (منتخب قطر)

سوريا نجم قطر يستعد لأن يكون أكبر لاعب في تاريخ المونديال

أصبح المهاجم القطري المخضرم سباستيان سوريا يمتلك فرصة حقيقية ليصبح أكبر لاعب (ليس حارس مرمى) يشارك في تاريخ كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عربية جولين لوبيتيغي (رويترز)

34 لاعباً في قائمة منتخب قطر الأولية لكأس العالم 2026

أعلن الإسباني جولين لوبيتيغي، المدير الفني لمنتخب قطر، القائمة الأولية لـ«العنابي» التي ستخوض منافسات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (الدوحة )
الاقتصاد ناقلة «الخريطيات» للغاز الطبيعي التي حُمّلت بميناء «راس لفان» في قطر (إكس)

ناقلة غاز قطرية تعبر مضيق هرمز

عبرت ناقلة محملة بغاز طبيعي مسال من قطر مضيقَ هرمز، لتسجل بذلك أول عملية تصدير تجريها البلاد من المنطقة منذ اندلاع حرب إيران...

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزيرا خارجية السعودية وقطر يبحثان التطورات في المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية قطر، السبت، تطورات الأوضاع في المنطقة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.