مجلة «المسرح» الإماراتية... الإرث الكلاسيكي لمسرح ما بعد الحداثة

مجلة «المسرح» الإماراتية... الإرث الكلاسيكي لمسرح ما بعد الحداثة
TT

مجلة «المسرح» الإماراتية... الإرث الكلاسيكي لمسرح ما بعد الحداثة

مجلة «المسرح» الإماراتية... الإرث الكلاسيكي لمسرح ما بعد الحداثة

صدر حديثاً العدد 61 (أكتوبر/ تشرين الأول 2024) من مجلة «المسرح»، التي تصدرها شهرياً دائرة الثقافة في الشارقة، واحتوى مجموعة من القراءات والحوارات والمتابعات والرسائل حول النشاط المسرحي المحلي والعربي والعالمي.

في باب «مدخل» نشرت المجلة استطلاعاً مع عدد من الفنانين المحليين حول منظورهم لتطور صناعة الأزياء المسرحية، إضافة إلى تغطية لأبرز الفعاليات التي قدمتها الدورة الحادية عشرة من «مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة».

وفي «قراءات» كتبت ليندا منير عن توظيف فن الكاريكاتير في مسرحية «فردة حلم»، أحدث أعمال المخرج السوري رائد خليل، وكتبت منار خالد عن البنية الدرامية في عرض «الاختبار» للمخرج المصري عبد الرحمن محمد، وأبرز عوّاد علي رسالة الوحدة والسلام التي طرحها عرض «روميو وجولييت» للمخرج العراقي فاضل الجاف، وكتب جوان جان عن «البخيل» للمخرجة السورية رنا جمول، وتناول إبراهيم الحسيني النص والعرض في قراءته لمسرحية «زغرودة» للمخرج الإماراتي عبد الرحمن الملا.

وفي «حوار» نشرت المجلة مقابلة أجراها سامر محمد إسماعيل مع المخرج الأردني عبد السلام قبيلات، تحدث فيها عن بداياته وتأثره بدراسة المسرح في روسيا، وتجربته في إنشاء «مسرح الشمس» المستقل في العاصمة الأردنية.

وفي «رؤى» كتب فهد الكغاط تحت عنوان «مساحة بيتر بروك... بين الفراغين الكمي والمسرحي»، وكتب سعيد كريمي تحت عنوان «الإرث الكلاسيكي لمسرح ما بعد الحداثة».

في «أسفار» حكى جمال ياقوت إحدى رحلاته إلى العاصمة اليونانية أثينا، مبرزاً جماليات عمارتها وفضاءاتها الثقافية وصروحها المسرحية. وفي «أفق» حاور الحسام محيي الدين المخرج اللبناني هاشم عدنان. وفي «رسائل» كتب شريف الشافعي عن أحدث عروض المسرح الصيني، ووائل سعيد عن انتعاش «المسرح الغنائي» في مصر، وسعيدة شريف عن قائمة العروض الجديدة التي سيشاهدها جمهور المسرح في المغرب، بينما كتب رابح هوادف عن الحضور المتجذر والمتجدد للمرأة الجزائرية في مجال الإخراج المسرحي.

في «مطالعات» نقرأ لمنتجب صقر مقالاً حول كتاب «نظرية الدراما الحديثة» للناقد الألماني بيتر سوندي. وتتضمن «متابعات» مقابلتين قصيرتين مع المخرج التونسي عيسى الطاهر بالعربي، والممثلة المغربية فاطمة الزهراء شتوان، وقراءة في مسرحية «هاملت» وفق الصيغة الإخراجية للكندي روبرت لوباج، كتبتها باترشيا كيني، وترجمتها إلى العربية لمياء شمت. وتضمّن الباب مقالة لصبري حافظ حول جماليات مسرحة الأجناس الأدبية انطلاقاً من رؤيته لمسرحية «إليزابيث كوستيللو: سبعة دروس وخمس حكايات أخلاقية» للمخرج البولندي كريستوف فارليكوفسكي.



واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».


الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم