جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده

أحدث كتبه «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟»

جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده
TT

جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده

جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده

قبل أن يغادر العراق إلى موسكو للدراسة، والحصول على درجة الدكتوراه في الفيزياء النووية من هناك، كانت قد صدرت له في بغداد 3 روايات و3 مجاميع قصصية. ثم عمل مراسلاً حربياً لعدد من المنابر الإعلامية؛ حيث قام بتغطية حروب كثيرة نشبت ما بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي بعد تفكيكه، خصوصاً في كاراباخ وأذربيجان وأرمينيا والحرب الشيشانية الأولى والثانية وأفغانستان والبلقان وكردستان ودارفور والعراق ولبنان وغيرها. أصدر عدداً من الروايات والكتب، منها ثلاثيته عن بغداد، و«مقاصب الحياة»... وغيرها. ويقيم الآن في الكويت؛ حيث يعمل محرراً ثقافياً لجريدة «القبس». آخر كتاب له هو «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» الذي أثار جدلاً بين أوساط المثقفين.

هنا حوار معه:

> «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» هو أحدث كتبك الصادرة، لكنك لا تتحدث فيه بشكل خاص عن الكراهية السائدة بين المثقفين، كما يُفهم لأول وهلة من عنوانه، بل جاء ذلك تفصيلة من موضوع كبير يخص مجتمع الثقافة والمثقف، من مثل مستقبل الثّقافة، وفردانيتها، وصُعود الثّقافة وانْحِدارها، والثّقافة المشكوك فيها دائماً... ما الذي أردت أن تقوله في هذا الكتاب؟

- لكي أعطي صورة كاملة عن الكتاب، لا بد من الإشارة إلى أن هناك جزءاً ثانياً سيلحقه، وهو عبارة عن كتابين في كتاب واحد، الأول يتم تقليبه من اليمين إلى اليسار وعنوانه «بلطجة المثقفين»، والثاني يتم تصفحه من اليسار إلى اليمين وهو الجزء التطبيقي من الموضوع برمته، وعنوانه «بازار الثقافة الكبير»، وسيصدر أيضاً عن دار «صوفيا» في الكويت في مطلع سبتمبر(أيلول).

بالتالي سيكون لدينا 3 كتب عما أطلقت عليه «مجتمع الثقافة والمثقفين»، لم أطرح أفكاري في هذه الكتب كمفكّر، بل كناقل لتجارب بصفتي أحد السكان السابقين فيما يسمونه «الوسط الثقافي»، فقد بقيت فيه، أو حُسِبت عليه، إلا أني عرفت كيف أخرج منه، منذ سنوات طويلة، ومن ذلك الوقت بدأت أكتب هذه الحكاية، ولكني لم أنشرها إلا الآن.

أعرف النوعية التي استفزها كتابي «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» وسيزدادون كرهاً بقراءة الجزأين الثاني والثالث منه، وسأستمر في إزاحة الغطاء، فهؤلاء اعتاشوا كثيراً وطويلاً على الثقافة، وقدموا أنفسهم كمثقفين. وسنجد في كتابنا المقبل الوصف الذي يستحقونه حقاً. في المقابل، ثمة من اعتاد على التعامل مع المثقفين كتماثيل الشمع في المتاحف، وفجأة رأى كتاباً يضخ الروح في هذه الهياكل التي كان يتعامل معها بقدسية وخشية ورهبة.

> في فصل «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» نتساءل هل حقاً المثقفون يكره بعضهم بعضاً؟ وهل هذا ما خبرته بشكل شخصي ممكن أن يكون عاماً؟

- الكاتب ليس مهمته الإجابة عن الأسئلة، في الغالب هو يطرحها للنقاش العام. وقد يأتي مؤلفون آخرون يكملون المهمة، لأن هناك أسئلة ما إن تجيب عليها، حتى تختلف ظروفها وتتغير إجاباتها. فهل أجاب سارتر عن سؤال الوجود العدم؟ هل أجاب كانط عن أسئلة جون لوك وجورج بيركلي وديفيد هيوم؟ وهل صحح كارل غوستاف يونغ طرق التحليل الفرويدية؟ هل أكمل سقراط وأفلاطون أسئلة الأخلاق؟ وهل وضع هيغل المنهج الجدلي حيز التطبيق في حياتنا؟ بالمناسبة، حتى آينشتين ترك أسئلته معلّقة لكيلا ينسف الفيزياء، وادّعى جهله متعمّداً.

والإجابة المباشرة على سؤالك: هل يكره المثقفون بعضهم؟ أقول إن المثقفين لا يكره بعضهم بعضاً فحسب، بل لا يقبلون بهدنة في حروبهم، وبعضهم لا يجنحون للسلم، ففي الحروب يظهرون أكثر. والمثقفون لا يسامحون بعضهم، ولا يمكن أن يكرهوا أحداً آخر كما يكرهون المثقف الأفضل منهم؛ لأنهم لا يكرهون الأقل منهم بالمستوى. المثقفون يكرهون من ينافسهم، ولكنهم لا يكرهون الطبيب الذي يعالجهم والسائق الذي يوصلهم وبائع المكتبة الذي يعطيهم تخفيضاً ودار النشر التي تطبع لهم والنادل الذي يسقيهم والصحافي الذي ينشر أخبار كتبهم... لا يكرهون هؤلاء، هُم متخصصون في كره بعضهم.

> كتبت بعد عام 2003 ما نسميه الملحمة العراقية، التي بدأت عندك في رواية «أموات بغداد»، وأعقبتها رواية «رسائل أمارجي»، ثم اختتمتها برواية «حبة بغداد»، التي تناولت فيها حجم الكارثة التي اجتاحت البلد، وما وراءها من أحداث، من استباحة للذاكرة التاريخية... هل ترى أن المشهد العراقي وما رافقه من دمار يستحق التعبير عنه بملحمة؟

- كشاهد عيان على ما حصل، كعراقي وروائي، طرحت على نفسي سؤالاً من شطرين: إذا أنا لم أكتب ذلك، فمَن سيكتبه؟ وإذا لم أكتبه الآن، فمتى سأكتبه. ومن تلك اللحظات بدأ مشروعي الروائي الكبير الذي ذكرته في ثلاثية، تتجاوز ألفَي صفحة، امتدت فترة كتابته لنحو 20 سنة، واصلت فيها الليل مع النهار وبلا توقف، ولعلّ أكثر ما أفخر به في مسيرتي الروائية والأدبية هو تمكني من إنجاز «ثلاثية بغداد» أو «الملحمة العراقية»، التي كتبتها بالدم، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى. مُعيداً ترتيب كومة ذكريات ولّدت في داخلي عوالم بأكملها، وأعتقد أن تشكيلي من كلّ العراقيين المنصهرين بالنظام الكوني عبر آلاف السنين. عن الفتى الذي احتشد في زوايا المكتبات وكتابة رواية تليق بالعراق وأعدها أهم عمل في حياتي، حينما يشعر أيّ عراقي بأنه القصة نفسها.

> يقول القاص والروائي العراقي محمد خضير: «أحسّ جمال حسين بوجوب هذا التنافذ النصي فاختار استراتيجاً بناء يطوف حول مئات المدونات ويأخذ من نصوص الأولين والآخرين ما يدعم موضوعته عن (حقيقة الإنسان)...» هل دفعتك الرواية فعلاً لهذا الجهد؟

- عندما بدأت كتابة رواية «أموات بغداد» منذ ما يقارب العقدين (نشرت الطبعة الأولى عام 2008 في بيروت، دار الفارابي، ثم أعيدت طباعتها في مصر 2015، وفي العراق 2021)، أدركت وقتها أن موضوعها أقوى مني، من كل النواحي (المعرفية والبنيوية والتاريخية والعلمية والطبية والفلسفية) وكتكنيك روائي أيضاً، وهذا دفعني لأتعلّم وأتطوّر لكي أُجاريها وأفعل بها ما أُريد. ذلك لأننا لا نكتب الأشياء التي نعرفها فقط، بل نكتب ما لا نعرفه، لكي نتعلّمه في غضون الكتابة. وهذه إحدى المُتع الأزلية للكتابة. ففي كلّ مرة أكتب فيها رواية جديدة، أدخل في تدريب جديد للمهنة، وقد يستغرق ذلك وقتاً لذيذاً أشعر فيه بالأمان، وفي غضون ذلك أسمح لنفسي بأخذ عيّنات من مصائر الناس الذين سأكتب عنهم. سوف يأتي جيل يقرأ «أموات بغداد» وسيشعر بالقرب منهم أكثر مما شعرت به من قبل، تجاه الأشخاص الذين كنت أعرفهم قبل أن أنسحب من العالم. وأخبر النقد المستقبلي بأني وضعت الكثير من الأسئلة في ملحمتي العراقية، وستبقى هذه الأسئلة وستستمر مع تاريخ العراق.

> في روايتك سعيت لتخليق «آدم» الجديد، من جينات معدلة يستخلصها من جثث ضحايا الاحتلال والميليشيات والعصابات، وهي من مخلفات الغزو الأميركي، هل فقدت الأمل بالخلاص إلى الحد الذي لا يكون إلا بخلق إنسان جديد يعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي؟

- لم أكتب «أموات بغداد» و«رسائل أمارجي» و«حبّة بغداد» لهذا الجيل، ولا حتى للجيل الذي بعده. لا أقول فقدت الأمل بهم، لكن أملي أكبر في الأجيال المقبلة، فنحن لا نكتب ما حدث، بل ما نريده أن يحدث. وهذه هي الطريقة التي نعتقد أن الأشياء تحدث بها. غالباً، لا أكتب إلى الأحياء، فالذي يبقى وفيّاً للأموات، يعرف كيف يخلص للأحياء؛ لأن الأدب هو الطريق الذي يُلغي الزمن، ويتيح لنا أن نتحدث وحدنا مع الموتى وكذلك مع الذين لم يولدوا بعد. وبالنسبة لـ«آدم» الجديد، هو تجسيد للمنتظر في الميثولوجيا الشرقية تحديداً، ونراه في أدب ما بعد الحربين العالميتين بشكل واضح.

> عملت في الصحافة مراسلاً حربياً في مناطق ملتهبة وعديدة من العالم، حتى تتويج عملك بفوزك بجائزة الصحافة العربية في مجال الريبورتاج الصحافي، وثقت أغلبها في كتب عديدة... ما الذي أضافته لك هذه التجربة على صعيد السرد؟

- ذهبت للحروب روائياً بهيئة صحافي. وحتى كتابتي لم تكن تقارير صحافية تقليدية، بل كانت قصصاً عن الناس والأماكن والمشاهدات والأحداث. لقد أحببت الناس، وسمحوا لي بتصويرهم، لكنهم أرادوا مني أيضاً أن أستمع إليهم، وأن يخبروني بما يعرفونه، حتى نروي قصتهم معاً، مثل سؤال بيكيت: «هل نمت بينما عانى الآخرون؟». كانت مهمتي كمراسل حربي تكمن في محاولة معرفة ما الذي يفعله الناس في المدن التي تحترق، وكيف يعيشون ولماذا يحصل كل ما يحصل. لذلك كتبت ما رأيته، وما كنت على استعداد لتحمّله. وقد أتذكّر أولئك الساكتين الذين لديهم الكثير ليقولوه، فقد جرّبت حمل ثقل الحكاية غير المرويّة... وعرفت أن أعيش ولديّ دائماً قصة أرويها.

> رغم تخصصك العلمي الدقيق، لكن الملاحظ أن حرفة الأدب والكتابة أخذتك منه... ما الذي تقوله في ذلك؟

- أكثر حبّ أخفيته وكأنه غير موجود هو حبّي للفيزياء. فقد قضيت حياتي بين الكتب والجامعات، وفي مكاتب الصحف والمجلات، وبدأت الأدب والعلم بالبحث، كطريقة أساسية للتعلّم؛ لذلك كوّنت فكرتي عن الناس والكون والفضاء والتاريخ بشقّ النفس وبشكل ذاتي. استمتعت بالكتب والقراءة والدراسة. درست العلوم المجردة وكنت أدرك أنها تقدّم القليل للتطوّر من دون الأدب والفنّ.

كانت هذه فلسفتي العامة في التعامل مع اهتماماتي العلمية والفنية والأدبية والإعلامية وحتى داخل المجال نفسه؛ لذلك لا أحبذ أن يتم تعريفي - نقدياً - بطريقة إجرائية... أفضّل أن أعوم مثل مادة هلامية غير قابلة للإمساك، مثل كائن مُتغيّر الأنماط والألوان، وليس شخصاً ممتهناً حرفة بعينها. لم تكن هذه فلسفة، بل مجموعة أحاسيس، فحبي للمجالات المتنوعة مثل حبي للطبيعة، لا يشترط أن أعرف لماذا وما هي... المهم وجدت نفسي أحبّ هذا المكان دون سواه.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.