جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده

أحدث كتبه «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟»

جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده
TT

جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده

جمال حسين علي:لم أكتب رواياتي لهذا الجيل ولا للجيل الذي بعده

قبل أن يغادر العراق إلى موسكو للدراسة، والحصول على درجة الدكتوراه في الفيزياء النووية من هناك، كانت قد صدرت له في بغداد 3 روايات و3 مجاميع قصصية. ثم عمل مراسلاً حربياً لعدد من المنابر الإعلامية؛ حيث قام بتغطية حروب كثيرة نشبت ما بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي بعد تفكيكه، خصوصاً في كاراباخ وأذربيجان وأرمينيا والحرب الشيشانية الأولى والثانية وأفغانستان والبلقان وكردستان ودارفور والعراق ولبنان وغيرها. أصدر عدداً من الروايات والكتب، منها ثلاثيته عن بغداد، و«مقاصب الحياة»... وغيرها. ويقيم الآن في الكويت؛ حيث يعمل محرراً ثقافياً لجريدة «القبس». آخر كتاب له هو «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» الذي أثار جدلاً بين أوساط المثقفين.

هنا حوار معه:

> «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» هو أحدث كتبك الصادرة، لكنك لا تتحدث فيه بشكل خاص عن الكراهية السائدة بين المثقفين، كما يُفهم لأول وهلة من عنوانه، بل جاء ذلك تفصيلة من موضوع كبير يخص مجتمع الثقافة والمثقف، من مثل مستقبل الثّقافة، وفردانيتها، وصُعود الثّقافة وانْحِدارها، والثّقافة المشكوك فيها دائماً... ما الذي أردت أن تقوله في هذا الكتاب؟

- لكي أعطي صورة كاملة عن الكتاب، لا بد من الإشارة إلى أن هناك جزءاً ثانياً سيلحقه، وهو عبارة عن كتابين في كتاب واحد، الأول يتم تقليبه من اليمين إلى اليسار وعنوانه «بلطجة المثقفين»، والثاني يتم تصفحه من اليسار إلى اليمين وهو الجزء التطبيقي من الموضوع برمته، وعنوانه «بازار الثقافة الكبير»، وسيصدر أيضاً عن دار «صوفيا» في الكويت في مطلع سبتمبر(أيلول).

بالتالي سيكون لدينا 3 كتب عما أطلقت عليه «مجتمع الثقافة والمثقفين»، لم أطرح أفكاري في هذه الكتب كمفكّر، بل كناقل لتجارب بصفتي أحد السكان السابقين فيما يسمونه «الوسط الثقافي»، فقد بقيت فيه، أو حُسِبت عليه، إلا أني عرفت كيف أخرج منه، منذ سنوات طويلة، ومن ذلك الوقت بدأت أكتب هذه الحكاية، ولكني لم أنشرها إلا الآن.

أعرف النوعية التي استفزها كتابي «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» وسيزدادون كرهاً بقراءة الجزأين الثاني والثالث منه، وسأستمر في إزاحة الغطاء، فهؤلاء اعتاشوا كثيراً وطويلاً على الثقافة، وقدموا أنفسهم كمثقفين. وسنجد في كتابنا المقبل الوصف الذي يستحقونه حقاً. في المقابل، ثمة من اعتاد على التعامل مع المثقفين كتماثيل الشمع في المتاحف، وفجأة رأى كتاباً يضخ الروح في هذه الهياكل التي كان يتعامل معها بقدسية وخشية ورهبة.

> في فصل «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟» نتساءل هل حقاً المثقفون يكره بعضهم بعضاً؟ وهل هذا ما خبرته بشكل شخصي ممكن أن يكون عاماً؟

- الكاتب ليس مهمته الإجابة عن الأسئلة، في الغالب هو يطرحها للنقاش العام. وقد يأتي مؤلفون آخرون يكملون المهمة، لأن هناك أسئلة ما إن تجيب عليها، حتى تختلف ظروفها وتتغير إجاباتها. فهل أجاب سارتر عن سؤال الوجود العدم؟ هل أجاب كانط عن أسئلة جون لوك وجورج بيركلي وديفيد هيوم؟ وهل صحح كارل غوستاف يونغ طرق التحليل الفرويدية؟ هل أكمل سقراط وأفلاطون أسئلة الأخلاق؟ وهل وضع هيغل المنهج الجدلي حيز التطبيق في حياتنا؟ بالمناسبة، حتى آينشتين ترك أسئلته معلّقة لكيلا ينسف الفيزياء، وادّعى جهله متعمّداً.

والإجابة المباشرة على سؤالك: هل يكره المثقفون بعضهم؟ أقول إن المثقفين لا يكره بعضهم بعضاً فحسب، بل لا يقبلون بهدنة في حروبهم، وبعضهم لا يجنحون للسلم، ففي الحروب يظهرون أكثر. والمثقفون لا يسامحون بعضهم، ولا يمكن أن يكرهوا أحداً آخر كما يكرهون المثقف الأفضل منهم؛ لأنهم لا يكرهون الأقل منهم بالمستوى. المثقفون يكرهون من ينافسهم، ولكنهم لا يكرهون الطبيب الذي يعالجهم والسائق الذي يوصلهم وبائع المكتبة الذي يعطيهم تخفيضاً ودار النشر التي تطبع لهم والنادل الذي يسقيهم والصحافي الذي ينشر أخبار كتبهم... لا يكرهون هؤلاء، هُم متخصصون في كره بعضهم.

> كتبت بعد عام 2003 ما نسميه الملحمة العراقية، التي بدأت عندك في رواية «أموات بغداد»، وأعقبتها رواية «رسائل أمارجي»، ثم اختتمتها برواية «حبة بغداد»، التي تناولت فيها حجم الكارثة التي اجتاحت البلد، وما وراءها من أحداث، من استباحة للذاكرة التاريخية... هل ترى أن المشهد العراقي وما رافقه من دمار يستحق التعبير عنه بملحمة؟

- كشاهد عيان على ما حصل، كعراقي وروائي، طرحت على نفسي سؤالاً من شطرين: إذا أنا لم أكتب ذلك، فمَن سيكتبه؟ وإذا لم أكتبه الآن، فمتى سأكتبه. ومن تلك اللحظات بدأ مشروعي الروائي الكبير الذي ذكرته في ثلاثية، تتجاوز ألفَي صفحة، امتدت فترة كتابته لنحو 20 سنة، واصلت فيها الليل مع النهار وبلا توقف، ولعلّ أكثر ما أفخر به في مسيرتي الروائية والأدبية هو تمكني من إنجاز «ثلاثية بغداد» أو «الملحمة العراقية»، التي كتبتها بالدم، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى. مُعيداً ترتيب كومة ذكريات ولّدت في داخلي عوالم بأكملها، وأعتقد أن تشكيلي من كلّ العراقيين المنصهرين بالنظام الكوني عبر آلاف السنين. عن الفتى الذي احتشد في زوايا المكتبات وكتابة رواية تليق بالعراق وأعدها أهم عمل في حياتي، حينما يشعر أيّ عراقي بأنه القصة نفسها.

> يقول القاص والروائي العراقي محمد خضير: «أحسّ جمال حسين بوجوب هذا التنافذ النصي فاختار استراتيجاً بناء يطوف حول مئات المدونات ويأخذ من نصوص الأولين والآخرين ما يدعم موضوعته عن (حقيقة الإنسان)...» هل دفعتك الرواية فعلاً لهذا الجهد؟

- عندما بدأت كتابة رواية «أموات بغداد» منذ ما يقارب العقدين (نشرت الطبعة الأولى عام 2008 في بيروت، دار الفارابي، ثم أعيدت طباعتها في مصر 2015، وفي العراق 2021)، أدركت وقتها أن موضوعها أقوى مني، من كل النواحي (المعرفية والبنيوية والتاريخية والعلمية والطبية والفلسفية) وكتكنيك روائي أيضاً، وهذا دفعني لأتعلّم وأتطوّر لكي أُجاريها وأفعل بها ما أُريد. ذلك لأننا لا نكتب الأشياء التي نعرفها فقط، بل نكتب ما لا نعرفه، لكي نتعلّمه في غضون الكتابة. وهذه إحدى المُتع الأزلية للكتابة. ففي كلّ مرة أكتب فيها رواية جديدة، أدخل في تدريب جديد للمهنة، وقد يستغرق ذلك وقتاً لذيذاً أشعر فيه بالأمان، وفي غضون ذلك أسمح لنفسي بأخذ عيّنات من مصائر الناس الذين سأكتب عنهم. سوف يأتي جيل يقرأ «أموات بغداد» وسيشعر بالقرب منهم أكثر مما شعرت به من قبل، تجاه الأشخاص الذين كنت أعرفهم قبل أن أنسحب من العالم. وأخبر النقد المستقبلي بأني وضعت الكثير من الأسئلة في ملحمتي العراقية، وستبقى هذه الأسئلة وستستمر مع تاريخ العراق.

> في روايتك سعيت لتخليق «آدم» الجديد، من جينات معدلة يستخلصها من جثث ضحايا الاحتلال والميليشيات والعصابات، وهي من مخلفات الغزو الأميركي، هل فقدت الأمل بالخلاص إلى الحد الذي لا يكون إلا بخلق إنسان جديد يعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي؟

- لم أكتب «أموات بغداد» و«رسائل أمارجي» و«حبّة بغداد» لهذا الجيل، ولا حتى للجيل الذي بعده. لا أقول فقدت الأمل بهم، لكن أملي أكبر في الأجيال المقبلة، فنحن لا نكتب ما حدث، بل ما نريده أن يحدث. وهذه هي الطريقة التي نعتقد أن الأشياء تحدث بها. غالباً، لا أكتب إلى الأحياء، فالذي يبقى وفيّاً للأموات، يعرف كيف يخلص للأحياء؛ لأن الأدب هو الطريق الذي يُلغي الزمن، ويتيح لنا أن نتحدث وحدنا مع الموتى وكذلك مع الذين لم يولدوا بعد. وبالنسبة لـ«آدم» الجديد، هو تجسيد للمنتظر في الميثولوجيا الشرقية تحديداً، ونراه في أدب ما بعد الحربين العالميتين بشكل واضح.

> عملت في الصحافة مراسلاً حربياً في مناطق ملتهبة وعديدة من العالم، حتى تتويج عملك بفوزك بجائزة الصحافة العربية في مجال الريبورتاج الصحافي، وثقت أغلبها في كتب عديدة... ما الذي أضافته لك هذه التجربة على صعيد السرد؟

- ذهبت للحروب روائياً بهيئة صحافي. وحتى كتابتي لم تكن تقارير صحافية تقليدية، بل كانت قصصاً عن الناس والأماكن والمشاهدات والأحداث. لقد أحببت الناس، وسمحوا لي بتصويرهم، لكنهم أرادوا مني أيضاً أن أستمع إليهم، وأن يخبروني بما يعرفونه، حتى نروي قصتهم معاً، مثل سؤال بيكيت: «هل نمت بينما عانى الآخرون؟». كانت مهمتي كمراسل حربي تكمن في محاولة معرفة ما الذي يفعله الناس في المدن التي تحترق، وكيف يعيشون ولماذا يحصل كل ما يحصل. لذلك كتبت ما رأيته، وما كنت على استعداد لتحمّله. وقد أتذكّر أولئك الساكتين الذين لديهم الكثير ليقولوه، فقد جرّبت حمل ثقل الحكاية غير المرويّة... وعرفت أن أعيش ولديّ دائماً قصة أرويها.

> رغم تخصصك العلمي الدقيق، لكن الملاحظ أن حرفة الأدب والكتابة أخذتك منه... ما الذي تقوله في ذلك؟

- أكثر حبّ أخفيته وكأنه غير موجود هو حبّي للفيزياء. فقد قضيت حياتي بين الكتب والجامعات، وفي مكاتب الصحف والمجلات، وبدأت الأدب والعلم بالبحث، كطريقة أساسية للتعلّم؛ لذلك كوّنت فكرتي عن الناس والكون والفضاء والتاريخ بشقّ النفس وبشكل ذاتي. استمتعت بالكتب والقراءة والدراسة. درست العلوم المجردة وكنت أدرك أنها تقدّم القليل للتطوّر من دون الأدب والفنّ.

كانت هذه فلسفتي العامة في التعامل مع اهتماماتي العلمية والفنية والأدبية والإعلامية وحتى داخل المجال نفسه؛ لذلك لا أحبذ أن يتم تعريفي - نقدياً - بطريقة إجرائية... أفضّل أن أعوم مثل مادة هلامية غير قابلة للإمساك، مثل كائن مُتغيّر الأنماط والألوان، وليس شخصاً ممتهناً حرفة بعينها. لم تكن هذه فلسفة، بل مجموعة أحاسيس، فحبي للمجالات المتنوعة مثل حبي للطبيعة، لا يشترط أن أعرف لماذا وما هي... المهم وجدت نفسي أحبّ هذا المكان دون سواه.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.