«القلم الذهبي» تنقل الرواية الشعبية من الهامش إلى متن السينما

ليس ملائماً حضور الرواية الأدبية مُطوقة ومحصورة في «الواقعية» فقط

«القلم الذهبي» تنقل الرواية الشعبية من الهامش إلى متن السينما
TT

«القلم الذهبي» تنقل الرواية الشعبية من الهامش إلى متن السينما

«القلم الذهبي» تنقل الرواية الشعبية من الهامش إلى متن السينما

في يوم من أيام 1910، نشر الكاتب الأمريكي بيتر ب. كاين قصته القصيرة «برونكو بيللي والرضيع» في صحيفة «ساترداي إيفننغ بوست». وصادف أن المُنتج والممثل ج. م. أندرسون قرأ القصة وأعجبته، فترجمها سينمائياً إلى فيلم لعب فيه دور البطولة، حسب جِم هِت في كتابه «كلمات وظلال، 1992، 3». كان ذلك في زمن الأفلام الصامتة، التي لم تكن صامتة تماماً، إذ كان يصاحب عرض الفيلم عزف على الأورغ، مع وجود «مُحاضر» يقف بجانب الشاشة يروي ويعلق على الأحداث، ويملأ الثغرات، ويوجه انتباه المشاهدين، حسب وارِن بكلاند في «الحكاية والسرد،2021».

بعد مشاهدة الفيلم وإعجابه به، زار كاين المُنْتِجَ والممثل أندرسون، وأوضح له أنه يتوقع الحصول على مبلغ من المال مقابل قصته. استجاب أندرسون لطلبه، وحصل على ما يريد دون الحاجة للجوء إلى القانون. بطلبه ثمناً لترجمة قصته للشاشة، أرسى كاين حجر أساس العلاقة بين الأديب وصانع الأفلام. وله يدين بالفضل الأدباء الذين انفتحتْ أمام رواياتهم الممرات إلى عالم السينما. يمكن القول إنه لولا مبادرة كاين، ما تجرأ الروائي الأمريكي ثيودور درايزر، مثلاً، أن يطلب مائة ألف دولار عندما أبدت «باراماونت» رغبتها في ترجمة روايته «مأساة أمريكية، 1925» للشاشة الكبيرة. كان مبلغاً كبيراً بمقاييس ذلك الزمان، لدرجة أن وكيل درايزر حاول إقناعه بخفض المبلغ إلى 25 ألف دولار. لكن باءت محاولات الوكيل بالفشل أمام إصرار درايزر على الحصول على المائة ألف. وبعد مفاوضات ساخنة ومتوترة، وافق الروائي على «90» ألفاً. وأنتجت «باراماونت» الفيلم بعنوان الرواية نفسه في 1931، بإخراج الروسي سيرجي آيزنشتاين «كلمات وظلال، 1992، 60». ذكرت بعض ما ورد أعلاه في العرض التقديمي «القصة القصيرة على الشاشة» الذي قدمته في 2016، في جمعية الثقافة والفنون في الدمام.

روائيون أثرياء

وتكرر الرقم «9»، ولكن في «9 ملايين دولار» هذه المرة، دفعتها «باراماونت» لمؤلف روايات الإثارة القانونية الروائي جون غريشام لشراء حقوق ترجمة روايته «الشركة» إلى فيلم بالعنوان نفسه أخرجه سيدني بولاك، ولعب دور البطولة فيه الممثل توم كروز. ويُعد غريشام، الذي تقدر ثروته بـ400 مليون دولار، من الكُتّاب الأكثر ثراءً في العالم، ضمن قائمة يهيمن عليها كُتّابُ الرواية الشعبية بأنواعها المختلفة (الفانتازيا، الإثارة، التشويق، الرعب، الجريمة، الرومانسية، الخيال العلمي، الغموض). تتربع في رأس هذه القائمة الروائية ج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة «هاري بوتر»، إذ تقدر ثروتها بمليار دولار، وآخرون مثل جيمس باترسون «900 مليون دولار»، ودانييل ستيل «600 مليون»، وستيفن كينغ «500 مليون».

الرواية الأسرع وصولاً إلى الشاشة

إن الرواية الشعبية بأفرعها هي ما كان يفكر فيه المستشار تركي آل الشيخ وهو يُخطط لـ«جائزة القلم الذهبي»، وترجمة الروايات الفائزة إلى أفلام، كاشفاً عن وعيه ومعرفته لحقيقة أن الرواية الشعبية هي الأسرع والأكثر وصولاً إلى الشاشات في صالات السينما الترفيهية التجارية، وإلى منصات البث التدفقي، مثل «نتفليكس». ولبعض الكُتّاب المذكورين أعلاه نصيب كبير من الروايات (والقصص) «المحَوَّلة» إلى أفلام: جون غريشام (10) روايات، ج. ك. رولينغ (11)، وستيفن كينغ (51) رواية وقصة، متوفقاً على أغاثا كريستي برقم واحد (50). لهذه الأسباب جاءت تغريدة آل الشيخ الأولى، التي أعلن فيها مشروع الجائزة خاليةً من أي ذكر، أو إشارة إلى الرواية الأدبية، سواء الواقعية أم غيرها. وقد استهل تغريدته، التي أطلقها في 20 يوليو (تموز) 2024، بذكر أنه سيطلق قريباً «(جائزة القلم الذهبي للرواية) التي تركز على الأعمال الروائية الأكثر شعبية والأكثر قابلية للتحويل لأعمال سينمائية». وتضمنت تغريدته قائمة بجوائز مسارات الرواية: الرواية الرومانسية، رواية الإثارة والغموض، الرواية الكوميدية، رواية الحركة، رواية الفانتازيا، الرواية البوليسية، رواية الرعب، الرواية التاريخية.

القلم الذهبي للرواية الشعبية

واضح تماماً أن الهيئة العامة للترفيه خصصت الجائزة للرواية الشعبية، ولا يبدو أن آل الشيخ فكّر في الرواية الأدبية، باستثناء الرواية التاريخية. ورغم ذلك استقبل المشهد الثقافي، بابتهاج شديد، الإعلان على أنه يشمل الرواية بشكل عام. وجاء البيان الصحفي في 25 يوليو بعنوان يفتح الجائزة على الأدب الأكثر تأثيراً، دون احتواء المتن ولو على شرح مختزل لمعنى عبارة «الأدب الأكثر تأثيراً». وأضاف البيان جائزة إلى الجوائز المعلنة سابقاً: جائزة الرواية الواقعية، وقد وردت في نهاية قائمة الجوائز، كأنما إضافتها حصلت بصفتها فكرة تالية.

يفتح عنوان البيان باب الجائزة على مصراعيه على «الأدب الأكثر تأثيراً» كله، والمتن يغلقه على الرواية الشعبية والتاريخية والواقعية. فماذا، على سبيل المثال، عن الرواية الحداثية المحلية والعربية؟ وما بعد الحداثية المحلية والعربية؟ فإذا كانت القابلية للتحويل إلى عمل سينمائي أحد شروط فوز أي رواية مشاركة في المسابقة بإحدى الجوائز، فقد أثبتت بعض الروايات الحداثية العالمية، وعلى سبيل المثال أيضاً، قابليتها للترجمة السينمائية. وقد ينطبق ذلك على الرواية المحلية والعربية. من الأفلام المُحَوَّلة من روايات حداثية: فيلم «السيدة دالَوِي» عن رواية فرجينيا وولف، وفيلم من روايتها الأخرى «إلى الفنار» بالعنوان نفسه، وفيلم «طريق إلى الهند» عن رواية إِ. م. فورستر، وبالعنوان نفسه أيضاً. أما بخصوص الرواية الما بعد حداثية، فإن أفضل مثال هي رواية جون فاولز «امرأة الملازم الفرنسي»، التي ترجمت إلى فيلم بالعنوان نفسه؛ والفيلم «محبوبة» من رواية «محبوبة» للروائية الأمريكية توني موريسون. وفيلم «كائن لا تحتمل خفته» عن رواية ميلان كونديرا. أكتفي بهذه الأمثلة، رغم أن اسم الجائزة المُشرّع على «الأدب الأكثر تأثيراً» كله يغري بأن أُشرع باب الكتابة على المسرح أيضاً. وماذا عن القصة القصيرة التي افتتحت الكتابة بها؟ في البال هذه اللحظة 35 قصة جمعتها الأميركية ستيفاني هاريسون في «أنثولوجيا»، ووصفتها بأنها 35 قصة عظيمة ألهمت/أوحت بأفلام عظيمة. ذكرتُ عدداً منها في تغريدة أطلقتُها بعد إعلان «جائزة القلم الذهبي للرواية» أو «جائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيراً». وأضاف الروائي عواض شاهر في تعليق على التغريدة الفيلم «دخان» عن قصة بالعنوان نفسه لبول أوستر، وهي، في الحقيقة، واحدة من القصص في «أنثولوجيا» هاريسون.

تطويق الرواية الأدبية

قد لا يكون ملائماً إضافة جائزة للقصة القصيرة في قائمة تُهيمن عليها الرواية، أي الرواية الشعبية، ولكن ليس ملائماً أيضاً حضور الرواية الأدبية مُطوقة ومحصورة في «الواقعية» فقط. يبدو حضورها بهذا الشكل نشازاً وضعيفاً، ويشي وجودها في ذيل القائمة بهامشيتها، وأنها ألصقت بها استدراكاً. «الرواية الأدبية» هو المسمى والخيار الأفضل لانفتاحه على أي نوع من أنواع الرواية. الخيار الثاني أن تُزال الرواية الأدبية، ممثلة بالرواية الواقعية، من القائمة، وتبقى الرواية الشعبية متسيدة فيها، وهذا أكثر اتساقاً وانسجاماً مع عمل واختصاص الهيئة العامة للترفيه. ثمة خيار ثالث يتمثل في إبقاء الرواية الأدبية الواقعية، مشروطاً بحرص لجنة التحكيم على الميل إلى ترشيح الروايات الشعبية التي تُجَسِّرُ الفجوةَ بينها والرواية الأدبية، أي التي تجتمع فيها خصائص الرواية الشعبية والأدبية، الرواية الهجين، إذا صح التعبير. من الكُتاب الذين حققوا هذا المزيج والمزاوجة والمعادلة مؤلف روايات الـ«ويسترن» الروائي لاري ماكميرتي. فازت روايته «يمامة وحيدة» بجائزة «بوليتزر 1986». وفازت رواية كولسون وايتهيد «السكة الحديدية تحت الأرض» بجائزة «بوليتزر 2017»، كما وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة آرثر سي. كلارك البريطانية للخيال العالمي 2017. ورُشِّحَت رواية الإثارة «الفتاة المفقودة/ Gone Girl» لجيليان فلين لجائزة «بيلي» البريطانية للأدب النسائي 2013.

لكن الخيار الثاني هو الأفضل؛ لأنه يعيد الرواية الأدبية إلى هيئة الأدب والنشر والترجمة، فهي إلى ذلك المكان تنتمي، وحيث ينبغي أن تبقى فقد يأتي اليوم الذي تحظى فيه بجائزة كبيرة لها، إضافة إلى إيقافه الازدواجية، والتداخل بين الهيئات في مجالات العمل والاختصاص.

نتائج محتملة للقلم

من المتوقع إسهام جائزة القلم الذهبي في انتقال الرواية الشعبية من هامش الأدب إلى متن السينما. وستُغري جوائزها كثيرين بالقفز على عربة فرقة كتابتها. بعضهم بموهبة وشغف وجدية، وبعضهم الآخر تقودهم الرغبة في الجائزة والمال والشهرة عند وصول رواياتهم، إن وصلت، إليها، إلى الشاشة. هؤلاء هم الـ«هاكس - Hacks» المعاصرون، المقيمون في «Grub Street» الثالث، الذي قد تُسبب الجائزة ظهوره المجازي إلى الوجود على امتداد العالم العربي. سَيُقبِلون على كتابة الرواية الشعبية اعتقاداً بسهولتها، ومُحَفَّزِين بسهولة نشرها. أتوقع أن مهمة لجنة الفرز لن تكون نزهة!

** ناقد وكاتب سعودي



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.