ألبرتو مانغويل: الترجمات الأولى للقرآن كان هدفها دحضه

كتاب جديد له صدر حديثاً بالعربية

ألبرتو مانغويل
ألبرتو مانغويل
TT

ألبرتو مانغويل: الترجمات الأولى للقرآن كان هدفها دحضه

ألبرتو مانغويل
ألبرتو مانغويل

كتاب غير تقليدي عن «فنّ الترجمة» لكاتب فذّ، عشق متابِعوه مؤلّفاته الشيقة حول القراءة، فقد تحوّل ألبرتو مانغويل، الكندي الأرجنتيني، إلى ما يشبه الإدمان بالنسبة للبعض، وكتابه الجديد، الذي صدرت ترجمته العربية عن «دار الساقي» في بيروت، لا بد سيلقى اهتماماً كما مؤلّفاته السابقة، سيّما وأن المترجِم مالك سلمان، بذل جهداً للخروج بنص يوازي، قدر الممكن، الأصل، لا سيما وأنه امتُحن في نقل تعابير صعبة، وأسماء أجنبية كثيرة، بينها لاتينية ويونانية، تحتاج عودةً إلى المصادر.

قد يخطر لك أنك ستقرأ تنظيراً في أهمية الترجمة، ودورها، وسقطاتها، والخدمات الحضارية التي قدمتها لتوثيق العُرى الفكرية والإنسانية بين الشعوب، لكنك سرعان ما تكتشف نصوصاً قصيرة لا يتجاوز كل منها الصفحات الثلاث، ولكل نص عنوان من كلمة واحدة، لا يبدو ظاهرياً أنها تَمُتّ للترجمة بصِلة، مثل، «قدّيس»، «هدوء»، «نقي»، «اسم»، «بذرة»، «موت»، «ظلّ»، أي أنها عناوين تزيد إحساس القارئ بالغموض ما لم يقرأ ويتمعّن. أما المضمون فيُعيدك إلى الموضوع الأثير عند مانغويل، ألا وهو القراءة، لا، بل إن الترجمة بالنسبة له نوع آخر من أنواع القراءة ليس أكثر، وهي أسمى أنواعها، وعلى هذا يبني الكتاب.

غلاف الكتاب

مانغويل تحدّث صغيراً ثلاث لغات

في التقديم يشير مانغويل إلى دوافعه الخاصة للاهتمام بموضوع الترجمة، باعتباره نشأ متحدثاً عدة لغات في وقت واحد، فقد تكلّم الألمانية والإنجليزية مع مُربّيته التشيكية، ثم تعلّم الإسبانية في سن الثامنة، وكان يستخدم هذه اللغات الثلاث، ويتنقّل بينها بعفوية، دون شعور بالحواجز، وعندما كبر قليلاً بدأ يترجم بتلقائيةٍ بعضَ النصوص التي يحبها؛ ليتشاركها مع أصحابه، وكأنه يقول لكل منهم: «وأنت أيضاً يجب أن تقرأ هذا!»، من هنا فهم أن القارئ تقتصر معرفته على النص المترجَم، بينما النص الأصلي يختفي تماماً بالنسبة له، ببساطة لأنه لا يجيد التعامل معه.

أما كاتب النص الأصلي، فهو ذاك الشخص الذي يبقى يحاول أن يطابق بين ما يدور في ذهنه وما يسطره، وهو يعلم أن محاولاته تبقى مشُوبة بالنقص، وأنها لن تصل إلى مرحلة الاكتمال أبداً، وبنتيجة استحالة تحقُّق هذا، فإن الفن يستدعي مُشاهداً أو مستمعاً أو قارئاً، «الفن يتخلّق؛ لأن اللغة محكومة بالفشل»، وقد يكون الفن نوعاً من الكذب، بحسب أفلاطون؛ لأنه يشبه انعكاس صورة الواقع على جدار، وفي هذه الحالة تصبح الترجمة هي ظل الظل، أو ظلاً لظل ظل.

كل ترجمة هي حياة جديدة للنص

يلفت الكاتب إلى أن كلمة «ترجمة» (ترانسلشو) في اللاتينية في العصور الوسطى كانت تعني نقل رُفات قدّيس من مكان إلى آخر، «وعلى غرار حاملي الرُّفات المقدّس، يجرّد المترجمون النص من مظهره الخارجي، ويُعِيدون زراعته في تربة لغتهم الأصلية»، من هنا فإن الترجمة «معجزة تنطوي على فِعل قياميّ»، وهي بمثابة رثاء للنص الأصلي، واستنبات لنص جديد من السُّبات والموت. هذا طقس على كل مترجِم أن يؤديه: «اسمح لـ(الموت) أن يظهر في النص، وللأحرف أن تتجمر، ولآخِر نفَسٍ أن يخرج، ومن ثم وبعد أن يشهد وحده على حضور الموت، يحصل المترجِم على الإذن ليقلب الصفحة الأخيرة، ويبدأ الترجمة من الصفحة الأولى».

وكل قراءة هي يقظة جديدة للنص، وتصبح جميع هذه اليقظات المتعاقبة جزءاً من النص نفسه، «نحن لا نقرأ النص الأصلي أبداً، بل نقرأ التاريخ المتراكِم لقراءاته المتكررة».

كائنات أريستوفان

يستعين مانغويل بالأساطير حيناً، وبالفلسفة حيناً آخر، وبالقصص والاستشهادات الأدبية ليوضح فكرته، وفي رأيه أن كل نص في البداية هو كائن مفرد ملتفّ على نفسه، ثم يبدأ النص بالتخلُّق والتشكُّل، ويُقسَم إلى اثنين؛ النص الأصلي من جانب، ومن ثم النص المقروء والمؤوّل والمترجَم من جهة أخرى.

وعلى غرار كائنات أريستوفان المشطورة، فإن النصوص المنفصلة تتُوق إلى الاتحاد مرة أخرى، ولمن لا يعرف ما ورد عند أفلاطون حول كائنات أريستوفان، فإن البشر الأوائل كانوا مخلوقات مخنّثة، لها جسد كروي، وأربع أرجل، كما أربع أذرع، ووجهان، ومجموعتان من الأعضاء الجنسية؛ أنثوية وذكورية. هذه المخلوقات التي كانت متعجرفة وقوية، هدّدَت بالصعود إلى السماء، فلجأ زيوس إلى شطر كل منها إلى نصفَين، ومنذ ذلك الوقت يتُوق كل نصف لملاقاة نصفه الآخر، وهكذا هي علاقة النص الأساسي بالنصوص التي تتولّد عنه في ذهن القارئ، أو عبر عمل المترجم.

الترجمة نوع من التأويل

ليست كل الترجمات بالجودة نفسها، كتب فولتير: «اللعنة على صانعي الترجمات الحرفية، الذين يقومون بتحويل كل كلمة وتجريدها من معناها! فهنا يمكننا القول بدقة: إن الحرفية تقتل، والروح تخلُق الحياة».

لكن قد تبُوء كل الاجتهادات في الترجمة بالفشل كما يشرح لنا دانتي؛ لأن التناغم المنبثق من الوحي الأدبي لا يقبل الترجمة دون التضحية بعذوبته وتناسقه. قال في كتابه «اللقاء» إن «هذا هو سبب افتقار الأشعار في سِفر المزامير إلى عذوبة الموسيقى، والتناغم، فقد تمت الترجمة من العبرية إلى اليونانية، ومن اليونانية إلى اللاتينية، وبدءاً من الترجمة الأولى أخذت تلك العذوبة في الانحسار حتى التلاشي».

فكل ترجمة هي ولادة جديدة، و«يُحدِث المترجم في النص نوعاً من التقمّص الروحي، فمن خلال الترجمة يعود النص إلى الحياة في جسد آخر... الترجمة شكل من أشكال التأويل»، وكل نص يمكن استنطاقه تبعاً لما يتخيّله القارئ، أو يريده المترجِم.

من هنا يأتي تعريف بورخيس، الذي يرى أن أي ترجمة هي «مسودة أخرى للنص الأصلي مكتوبة بلغة أخرى، والترجمة بهذه الحالة هي ببساطة حلقة أخرى في السلسلة الإبداعية، لا تقِل أو تفُوق في جودتها أي مسودة أخرى، بل تختلف عنها».

وتأتي ترجمة الكتاب الواحد، نسخة بعد أخرى، دون أن تتمكّن أيّ منها من أن تدّعي أنها الأخيرة، أو أنها الأفضل، فقد اعتُبرت «أوديسة» بوب مثلاً، تجربة شائنة، أما اليوم فهي تصنّف على أنها نص كلاسيكي.

ويعرّج الكتاب على تنزيل القرآن، فهو كلام الله؛ لذا «هو غاية في النقاء، ولا يمكن إعادة إنتاجه بلغة أخرى أو شكل آخر؛ لأنه نزل بالعربية»، والترجمة تكون للمعنى في هذه الحالة.

تُرجم القرآن في البدء ليُدحَض

ومن طريف ما يذكره أن الترجمات الأولى التي وُضِعت للقرآن، جاءت بهدف إنكاره، لا إيصاله إلى أمم أخرى، ففي القرن التاسع قام نيسيتاس بيزانتوس، الدارس المقيم في القسطنطينية، بإنجاز ترجمة يونانية، تحمل عنوان «دحض القرآن»، وبعد ثلاثة قرون قام روبرت ألكيتوني، بطلب من رئيس دير كلوني، بإنجاز ترجمة لاتينية أسماها «شريعة النبي المزيّف محمد»، تعمّد فيها تشويه ترجمة بعض الآيات؛ لكي يسهل عليه دحضها.

إشارات عديدة في الكتاب إلى نصوص عربية، منها «رسالة حي بن يقظان» لابن طفيل، الذي كان طبيباً وفقيهاً وفيلسوفاً، وشكّل كتابه ما يعتبره مانغويل «السلف السحري» لرواية روبنسون كروزو، وقرأه كل من سبينوزا ولايبنتز، وليسينغ، وغراسيان، وآخرين، وجدوا فيه دفاعاً عن العقل الطبيعي، وإقراراً بأهمية الإيمان في الوقت نفسه.

بدا العالم بالنسبة لحي بن يقظان وكأنه نصّ، عليه أن يفهمه ويفسّره من خلال العقل والشعور، وهي استراتيجية ستمكّنه من الاستنارة، بدون حاجة إلى الفلسفة.

 

مضمون الكتاب يُعيدك إلى الموضوع الأثير عند مانغويل ألا وهو القراءة لا بل إن الترجمة بالنسبة له نوع آخر من أنواع القراءة ليس أكثر

يشرح مانغويل: «بدا العالم لحي كتاباً مترجَماً قابلاً للفهم والإدراك، هكذا أصبحت الجزيرة التي وُجد عليها هي مكتبته، ومكاناً للتعلّم من خلال فضوله الطبيعي وذكائه»، وحين يلتقي بإنسان آخر هو «أبسال» الذي يعيش على جزيرة أخرى، اعتزل فيها سعياً إلى التنسك الروحي، وجدنا «أن الاستنارة التي وصل إليها حي هي أقرب إلى تلك التي وجدها أبسال من خلال مكتبته، فمكتبة أبسال المكوّنة من الكتب، ومكتبة حي الطبيعية، كلتاهما مكرّستان للتعليم».

يقسم غوته الترجمة إلى ثلاثة أنواع؛ أولاً: الترجمة التي تُعرّف القارئ بالثقافة الأجنبية، من خلال نقل حرفي، مثل إنجيل لوثر. ثانياً: الترجمة التي تسعى إلى إيجاد معادل في النص المترجَم للنص الأصلي، وتحاول إيجاد مصطلحات ومفاهيم توازي المفاهيم والمصطلحات الأصلية، وثالثاً: الترجمة التي لا تلتزم بشكل دقيق بالنص الأول، وتسعى لأن تكون بذاتها عملاً فنياً يتمتع بمزايا جمالية وأدبية، كالتي يتمتع بها الأصل.

المترجِم مغبون

لكن تبقى مشكلة الترجمة أننا نحن القرّاء في عجز عن قراءتها بطريقة محايدة وبريئة، فحالما نعرف أن النص مترجَم، نبدأ في التعامل معه بمعايير جديدة، ونادراً ما نُضفي على المترجِم تلك الخصائص التي نعزوها للمؤلف.

ويعيش المترجمون غُبناً كبيراً، فهم يعملون في منطقة مجهولة أو خفية، فلا تُذكَر أسماؤهم، ولا يُعترَف لهم بفضل.

ويُنقل عن شكسبير أنه بينما كان يترجم مع صديقه بن جونسون «إنجيل الملك جيمز»، سأله بن جونسون بعد ترجمة عدة أسطر من «سفر إسحاق»: «من سيعرف أننا شاركنا في العمل؟»، يجيبه شكسبير: «الله ربما».



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.