«الزمن المفقود»... رواية صينية عن هموم البسطاء

«الزمن المفقود»... رواية صينية عن هموم البسطاء
TT

«الزمن المفقود»... رواية صينية عن هموم البسطاء

«الزمن المفقود»... رواية صينية عن هموم البسطاء

عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، صدرت رواية «الزمن المفقود» للكاتب الصيني وانغ شياوبو، بترجمة عن الصينية مباشرة للمترجم والباحث أحمد السعيد. تنتمي الرواية إلى الأعمال الإبداعية القصيرة؛ إذ تقع في 150 صفحة من القطع المتوسط وتتسم بالإيقاع السريع والأسلوب الساخر لشخصيات عدة تنتمي إلى البسطاء والطبقة المتوسطة في المجتمع الصيني في حقبتي الستينات والسبعينيات إبان ما عرف آنذاك باسم «الثورة الثقافية».

البطل هو وانغ أر الذي يحكي «زمنه المفقود»، وهناك السيد بروفسور الرياضيات الجامعي الذي أصيب بضربة بين فخذيه من سائق سببت تسميته باسم غريب يسبب حرجاً اجتماعياً. وكذلك هناك السيد ليو الميت في سبيل بطة، ومن النساء يعرفنا الراوي وانغ أر على بطلتين، أولاهما «فتلة»، زميلة التهور ونجمة الزمن المفقود والحب الضائع ورفيقة المغامرة وتشوان لي التي تشبه أغلب نساء الأرض، طيبة وجميلة وعادية، ويمكن أن يكون ذنبها في الزمن المفقود أنها عادية. ويتقاطع اسم هذه النوفيلا مع الرواية الخالدة للكاتب الفرنسي مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود»، ولكن وانغ شياوبو هنا لا يبحث عن أي زمن، بل يسرده ليجعلنا نعيش مفارقة أن هذا المفقود ما زال يعيش في عقله وهو يمسك جيداً بكل تفاصيله كحاضر يعيشه.

ويقول المترجم أحمد السعيد في تقديمه للرواية إن المؤلف وانغ شياوبو يبدو كما لو كان صعلوكاً يقطر حكمة، هائم يحول الغريزة إلى بلاغة. يكتب عن الجنس فيجبرك على التفكير في السياسة، يكتب عن الحب فتفكر في مغزى الحياة وتناقضاتها. يسرد قصصاً عن حياته فلا تعرف إن كان تقمص ماركيز في واقعيته السحرية أم تلبسه برنارد شو في سخريته اللاذعة. قيل عنه في الصين: «سحق وانغ شياوبو كل من كتب عن الجنس قبله وأغلق الطرق على من سيأتي بعده». إنه الشاب الذي توقف قلبه فجأة وهو في منتصف عقده الرابع ويٌعدّ بحساب الأرقام من أكثر كتاب العالم تأثيراً، كيف لا وهو ملهم وملك متوج في الصين على قلوب مواليد منتصف السبعينات حتى نهاية الثمانينات وينافس الأحياء اليوم على لافتات الأكثر مبيعاً في الصين. وعلى الرغم من مرور أكثر من عشرين عاماً على رحيله، لا يخلو عام من طبعة جديدة لأعماله.

ولد وانغ شياوبو في بكين عام 1952 وهو العام نفسه الذي اتُهم فيه والده الثوري الشيوعي الذي عمل في فيلق الجيش الصيني طوال عمره بتهمة «الطبقية ومعاداة الاشتراكية»؛ فتكدرت الأحوال على الأسرة. بعد خمس سنوات تغيرت الظروف للأفضل قليلاً حينما قابل والده ضمن وفد من الشيوعيين زعيم الصين ماو تسي تونغ. انتظم الطفل شياوبو في دراسته الابتدائية، ولكن ما هو إلا عام حتى قامت حركة «القفزة الكبرى للأمام» التي لا تخلو كتاباته من الإشارة إليها وصولاً لعام 1968 وهو في الصف الأول بالمرحلة الثانوية، حيث اندلعت «الثورة الثقافية الكبرى» وكلف العمل في فيلق الجيش الصيني في مقاطعة يوننان الحدودية، وهى مسرح أحداث معظم أعماله الأدبية.

درس الإدارة حتى عام 1984 وانتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية مع زوجته لي ينخه التي اقترن بها عام 1980، والتحق بمركز الدراسات والبحوث الآسيوية وحصل على درجة الماجستير ثم تجول في أنحاء أميركا لفترة وعاد إلى الصين ليعمل مدرساً في جامعة الشعب الصينية ومن بعدها جامعة بكين محاضراً لمادة المحاسبة. استقال من العمل الأكاديمي في عيد ميلاده الأربعين وتفرغ للكتابة، ولم تمضِ إلا خمس سنوات من التفرغ الذي تمناه حتى جاء يوم 11 من أبريل (نيسان) عام 1997 وتوقف قلبه فجأة دون مقدمات ليفارق الحياة وهو في أوج عطائه الأدبي وذروة نضج إبداعه قبل حلول عيد ميلاده الخامس والأربعين.

كتب وانغ شياوبو الراوية القصيرة والمقال والشعر، وله سلسلة قصصية هي أشهر أعماله الروائية تحمل اسم «العصور الثلاثة»، أي العصر الذهبي والفضي والبرونزي، وتشترك أعماله القصصية في أن جميع أبطالها شخصية واحدة تحمل اسم «وانغ أر»، وفيها يقصد وانغ شياوبو نفسه بهذا الراوي أو البطل الثابت في أعماله، فالشخصية لها اسم العائلة نفسه الذي يحمله الكاتب وانغ، ولكن الاسم الشخصي مختلف في تعمّد من شياوبو ليكون اسم بطله «أر» الذي يعني بالصينية الرقم 2، لكنه في اللغة الدارجة لأهل بكين يعني الشخص الأرعن الأبله الذي لا يحسن التصرف.

من أجواء الرواية نقرأّ:

«دخل السيد لي حجرة الاجتماعات الكبيرة، بداخلها منضدة مربعة كبيرة يجلس عليها شخصان، أحدهما مساعد رئيس المنجم والثاني فتاة ترتدي معطفاً عسكرياً له أزرار مفتوحة وتحته زي أزرق تشي ياقته المفتوحة برداء أحمر زاهٍ. بيضاء البشرة، وجهها يشبه ثمرة الخوخ، عيناها رطبتان وفمها صغير وشفتاها حمراوان، باختصار هي جميلة للغاية. لم يكن هناك شيء غير مفهوم، فتاة جميلة تأتي للمنجم. يقولون إنها جاءت للبحث عن شخص ما وصحبها مساعد الرئيس، لا يوجد ما هو غير طبيعي ولا غير مألوف. يقول السيد لي: تعجبت لماذا جاءت للبحث عني؟ بنظرة متفحصة أجدني أعرف هذه الفتاة. رأيتها من قبل في معهد التعدين أو في مدرسة الكوادر، ولكني لا أعرف اسمها. رفعت الفتاة رأسها ناحية السيد لي وصرخت: (يا خالي)! انتبه السيد لي وفكّر قائلاً: مَنْ؟ أنا خال هذه الفتاة، ليس لدي أخوات من الأساس، من أين أتت؟ قال مساعد الرئيس: سأترككما قليلاً لتتحدث بحرية مع بنت أختك».



الفتى حامل الطير وعنقود العنب

شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر
شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر
TT

الفتى حامل الطير وعنقود العنب

شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر
شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر

يحتفظ متحف البحرين الوطني في المنامة بمجموعة كبيرة من شواهد القبور الأثرية المزينة بنقوش تصويرية آدمية، منها شاهد مميّز يمثّل فتى يحمل عصفوراً وعنقوداً من العنب، وفقاً لتأليف خاص، اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية، عروس بادية الشام ولؤلؤتها.

خرج هذا الشاهد من مقبرة أثرية تُعرَف بالمقشع، وهو اسم القرية التي تحاذيها، وتقع غرب المنامة، وتبعد عنها بنحو 5 كيلومترات. عُثر على هذا الشاهد في مطلع تسعينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب التي قامت بها بعثة محلية، وهو من الحجر الجيري المحلّي، طوله 36 سنتمتراً، وعرضه 16 سنتمتراً، ويتكوّن من كتلة مستطيلة مجوّفة في الوسط، تعلوها مساحة هلالية أفقية. يحدّ هذه الكتلة عمودان ناتئان يعلوهما مكعّبان يشكّلان تاجين مجرّدين من أي عناصر تزيينية. وفوق هذين التاجين، يستقر الهلال الأفقي، مشكّلاً ما يُعرف باسم قوس النصر في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي.

في وسط المساحة المجوفة، وتحت قوس النصر، تنتصب قامة آدمية، وتبدو أشبه بتمثال نصفي حوى الجزء الأعلى من الساقين، تبعاً لتقليد اعتُمد بشكل واسع في البحرين بين القرنين الأول والثاني للميلاد، في الحقبة التي أطلق المستشرقون الإغريقيون على هذه الجزيرة الخليجية اسم تايلوس. تقف هذه القامة في وضعيّة المواجهة، وتنتصب بثبات في كتلة يغلب عليها طابع الجمود والسكون. تُمثّل هذه القامة فتى يافعاً يقف بثبات، رافعاً يده اليسرى نحو أعلى الصدر، محتضناً في قبضته عصفوراً كبيراً حُدّدت معالمه بشكل مختزل. يحضر هذا الطير المجرّد في وضعية جانبية خالصة، ويتميّز بجناح وذنب طويلين ومنقار بارز، ممّا يوحي بأنه يمامة. الذراع اليمنى ملتصقة بالصدر، وهي ممدّدة عمودياً، ويظهر في قبضة يدها عنقود من العنب يتكوّن من حبات كتلويّة كبيرة متراصة.

اللباس بسيط، ويتألّف من قطعة واحدة تشابه الجلباب، يتوسّطها حزام رفيع معقود حول الخصر، وهو اللباس الذي يُعرف باسم الفرثي، نسبة إلى الإمبراطورية الفرثية التي شكّلت قوة سياسية وثقافية كبيرة في إيران القديمة، بلغت العالم اليوناني ومن ثمّ العالم الروماني، غرباً وشرقاً. ثنايا هذا اللباس محدّدة بأسلوب هندسي، وتتمثّل بشبكة من الخطوط العمودية تنطبع على مساحة الصدر والساقين، وتحجب مفصل البدن، إضافة إلى شبكة صغيرة من الخطوط الأفقية تلتفّ حول الذراع اليمنى، وتشكل ثنايا الكمّ الخاص بهذا الثوب التقليدي. يعلو هذه الكتلة رأس يستقرّ فوق عنق عريضة وقصيرة. الوجه بيضاوي، ووجنتاه مكتنزتان. العينان لوزتان فارغتان، يعلوهما حاجبان عريضان. الأنف مهشّم، والأذنان محتجبتان، والثغر شفتان صغيرتان مطبقتان، يفصل بينهما شقّ بسيط. خصل الشعر محوّرة، وهي هنا على شكل سلسلة متراصة من الكتل الدائرية، تنعقد حول هامة الرأس في إطار متين يُعمّق ثبات الوجه وسموّه.

يبدو تأليف هذا الشاهد فريداً من نوعه في الفن الجنائزي الخاص بالبحرين، وتكمن هذه الفرادة في حضور العصفور وعنقود العنب بوجه خاص. في الواقع، يحاكي هذا النصب مثالاً شاع بشكل واسع في مدينة تدمر الأثرية التي تقع في بادية الشام، وتتبع حالياً محافظة حمص، في الجزء الأوسط من دولة سوريا. ازدهرت هذه المدينة قديماً وعُرفت بثرائها الكبير بفضل موقعها عند نقطة تقاطع عِدَّة طرق تجارية، وتميّزت بتعدّديتها الثقافية. اعتمدت تدمر لغة آرامية خاصة بها، كما استخدمت اللغة اليونانية في مداولاتها التجارية والسياسية، وجمعت بين ديانات عديدة، منها الديانات السامية والأديان العربية القديمة والأديان اليونانية والرومانية، وظهر هذا التمازج في فنونها المعمارية، كما في فنونها الجنائزية، حيث امتزجت الأنماط اليونانية والهلنستية والأنماط الفنية الشرقية في قالب محلّي خاص بها.

خضع النحت الجنائزي التدمري لقواعد شرقية، أبرزها وضعية المواجهة والاعتماد على الخطوط المحددة للأشخاص والمعالم. واعتمد النحات التدمري في إنجاز أعماله بشكل واسع على الحجر الكلسي الطري الذي يسهل تطويعه، وتمثّلت منحوتاته بتماثيل نصفية وألواح مستطيلة تضمّ شخصين أو أسرة جنائزية تحضر في مشهد جامع يُعرف باسم الوليمة الجنائزية، ويتمثّل بسرير جنائزي يتصدر المدفن أو جناحاً منه. نُصبت هذه المنحوتات التدمرية في المدافن حيث ثُبّتت في واجهة القبور، واتّسمت هذه الشواهد بسمات مشتركة، تجلّت في سمات الوجه الواحد الجامع، كما في أسلوب نقش ثياب بشكل تزييني غير خاضع لحركة الجسم. بدت الوجوه متجهة إلى الأمام، واتّضح أنها تتبع نماذج ثابتة، منها الوجه الأنثوي، والوجه الذكوري الملتحي، والوجه الذكوري الحليق الخاص بالكهنة، إضافة إلى الوجه الطفولي الخاص بحديثي السن. من جهة أخرى، حملت هذه الشواهد نقوشاً كتابية تذكر اسم المتوفى وسنّه وعبارة محلية تعني «وا أسفاه»،

عُثر على هذا الشاهد في مطلع تسعينات القرن الماضي خلال أعمال المسح والتنقيب التي قامت بها بعثة محلية

في هذا الميدان، يحضر مثال الفتى الذي يحمل طيراً وعنقوداً من العنب، ويتكرّر بشكل واسع، والأمثلة لا تُحصى، منها شاهد محفوظ في متحف تدمر يتميّز بقمّته الهلالية، يشابه بشكل كبير الشاهد الذي خرج من مقبرة المقشع. يحتفظ متحف اللوفر بشاهد مستطيل يماثل في تكوينه هذا التأليف، ويتميّز بحضور عصفور كبير يطلّ من بين أصابع اليد التي تقبض عليه. في كل هذه الأعمال التدمرية، يحضر فتى أمرد نضر الوجه، يرتدي اللباس الفرثي التقليدي، مع حزام رفيع معقود حول الخصر. يصعب تحديد رمزية الطير وعنقود العنب، والأكيد أنها رموز أخروية ترتبط بالموت وبخلود النفس، وتتعلّق بنوع خاص بالحياة القصيرة العهد، كما تشير سن حاملها الذي رحل باكراً.

يعود هذان العنصران الرمزيان في الأصل إلى العالم اليوناني على الأرجح، اللافت أنهما يرافقان في هذا العالم فتيات صبايا، وأشهر الأمثلة نصب محفوظ في متحف الآثار الوطني في أثينا، مصدره مدينة بيرايوس الأثرية. يمثّل هذا النصب صبية تقف منتصبة، حانية ساقها اليمنى، وفقاً للجمالية الكلاسيكية الني تتجلّى كذلك في التجسيم الواقعي الحسّي الذي يسيطر على سائر عناصر الصورة. على عكس ما نرى في تدمر وفي البحرين، تحمل هذه الصبية العنقود بيدها اليسرى، وتقبض على الطير بيدها اليمنى، ويبدو هذا الطير أشبه بإوزّة.