اليمني أحمد الزين يتأمل تاريخاً مخادعاً

لوعة الوطن المفقود وعنف المنفى في «رماية ليلية»

اليمني أحمد الزين يتأمل تاريخاً مخادعاً
TT

اليمني أحمد الزين يتأمل تاريخاً مخادعاً

اليمني أحمد الزين يتأمل تاريخاً مخادعاً

تميّز عمل أحمد زين في رواياته الخمس بجهد كيفي يتطلّع إلى الإتقان المُرتجَى، برهن على أن الرواية من الراوي، وأنها من دون اجتهاده المتراكم حكايات مألوفة المحتوى فقيرة الأشكال، جاء تميّزه من منظور روائي بصير، يستولد الشكل من موضوعه، ويشتق الأخير من تاريخ يمني معيش زامَله الأمل فترة، وصدمه إخفاق غير منتظر في فترة لاحقة، التبس بالفجيعة.

قرأ، حال كل روائي بصير، تطوّر اليمن من زمن الاستقلال الوطني إلى تداعيه وسيطرة أسياد الظلام، ألزمَته تلك القراءة، المستمَدة من وطن يستيقظ ويكبو اقتفاءَ ما كان منتظراً، وحاصَره عثار متقادم ومتجدّد عاينه، بجرأة يُداخلها الشجن في روايته «ستيمر بوينت»، وأضاء وجوهه بنظر دامع في «فاكهة الغربان»، قبل أن يرثي وطناً افتُقد ولن يعود كما كان، في عمله الأخير «رماية ليلية» (منشورات المتوسط 2024).

حمل أحمد زين أوجاع يمني اغترب عما كان، واغترب بدوره وهو يكتب، عن «وطنه القديم»، دفع، في حالين، بالاغتراب إلى حدوده القصوى؛ ذلك أن الاغتراب، في حالاته المألوفة، يتلوه «تحقّق الإنسان»، على مَبعَدة من اغتراب يمني يلتهم فيه الحطام ما تبقى واقفاً، سأل ملتاعاً كيف تكون روائياً في زمن يذهب فيه اليمن إلى غرق أخير. وصفت/ سردت رواية «رماية ليلية»، الساخرة العنوان، تكامل الفقد وبؤس النسيان، حيث الباحث عما فقد يفقد ذاته وهو ينتظر عودة المفقود، معتقداً أنه عثر على ذاته وعلى المفقود معاً، كما لو كان قد قايض «اليمن السعيد» بمنفى بائس الجوهر، تتوالى أيامه مرتاحة، أو هكذا تبدو، قبل أن يسقط في خلاء من أشواك ونفايات.

عاين زين، في رواياته الأربع الأولى، تاريخاً مقيّداً تُقلق حركته سلطة «تؤبّد ذاتها»، وتصيّر الاستقلال إلى ألغاز متوالية، تُراكم جشعها، وتُطلق النار على أحلام اليمنيين، عاد في روايته «رماية ليلية» إلى «القادة المسوخ» الذين توهّموا أنفسهم قادة، ذات مرة، وحملوا خواءهم المحتجب إلى المنفى، فبدوا عُراة، وظهر فقرهم أكثر عرياً، تأمّل الروائي تاريخاً مخادعاً فتّتَه جشع سلطوي يُحسن الخداع، إلى حين، يسخر منه التاريخ، الذي يكسر عنق القادة المسوخ المأخوذين بأرباح صغيرة، داخل الوطن المفقود وخارجه.

رسم زين لوعة الوطن المفقود، وعنف المنفى، في صورة جمعت بين ذكريات صنعاء البعيدة، وجراح كرامة وطنية، والبكاء على أطلال وطن لم يَعُد وطناً، أطلق صوتاً متشكّياً مختنق الشكوى، أوكل إلى اللغة تبيان الفرق بين الوطن كما يمكن أن يكون، وأرض مقلقة يبيعها مرتزقة إلى مشترٍ يكره اليمن، ويعبث بيمنيين قصّروا عن وعي الوطن والتاريخ والسياسة والسلطة، لكأن اليمن مسرح مهجور ترتع في أرجائه مخلوقات عجيبة غريبة تُحسِن الخراب وتعتبر المسرح عدواً جاء به الكفرة، مخلوقات تتأبّط الكلام، وتحرص على الكلام الفخيم بديلاً عن الفعل الوطني والكرامة الذاتية المهدورة.

استهلّ الروائي الكتابة بقول الشاعر الآيرلندي ييتس: «لا أكره الذين أقاتلهم، ولا أحب من أحرسهم»، مايَز الشاعر المتمرد، الذي تُذكّر قصائده بالفلسطيني محمود درويش، بين عدو مقاتل جدير بالاحترام، ومسؤول متداعي الكرامة يحتاج إلى حراسة.

تناول أحمد زين في روايته عدواً بصيغة الجمع، أعداء يمنيين أقرب إلى المرتزقة، بينهم «سفير أو وزير سابق فارّ، صعب عليه افتقاد الرفاه الذي غمره فجأة، وجنرال عجوز حياته كلها حروب خاسرة، ولم يعدم بعدُ الصفاقةَ ليتكلم عن خطة حربية منتصرة»، حشر بين هؤلاء شيخ قبيلة لم يتبقَ له من نصير، تخلّى عنه الذين يحترمون أنفسهم، يردّد في سرّه: «عز القبيلي بلاده...» (ص: 34).

أشاعت الرواية من صفحتها الأولى فضاءً ناصع السواد، حدّه الأول ألم نازف وفزع مما جاء وسيجيء، وحدّه الآخر موات يُكمله منفى يستدعي موتى أُجّل دفنهم، استجاروا بإخفاق أخير لا يُجير أحداً، وبأمانٍ مؤجّلة كلما اقتربت زادت بُعداً.

تبدأ الرواية بكلمات قابضة: «سرعان ما أطبقت يداك على عنقي»، ما يبتدئ بالشروع بالموت يُستكمل بما ينتسب إليه: «المعاناة، التمزّق، الصراخ، الدم، الاختناق...»، مناخ كابوسي ينفتح على يأس صريح ونظرات تائهة: «غيوم تنزف دخاناً، وجوارح ترتفع في تحليق كسول تحطّ على بقايا حيوانات نافقة وصيحات قبيحة تنمّ عن سأم ونباح ضجر لكلب وأكثر...»، لكأن اللغة ضاقت بتشقّق الوضع اليمني، وقصّرت عن وصفه، والتمست صبراً يحتضن ما لا يمكن احتضانه، أو لكأن رواية الموات المهين تعيّن السرد شخصيةً مسيطِرة تفيض على الشخصيات المحتملة.

أنتجت رواية «رماية ليليّة» خطابها المتأسي، متوسّلة مستويَين؛ أحدهما: تقليدي خادع البساطة، قوامه شخصيات محدودة تُرى ولا تَرى، إذ المتداعي المهزوم لا يمكن القبض على جوهره المتناثر، وثانيهما: رمى بالتقليدي جانباً، وانتهى إلى بنية روائية معقّدة من الإشارات والصور واللغة الطليقة، ومجازات تحايث حكايات ناقصة، وجُملاً معترضة ووقائع صارخة خانها الصوت، واكتفت بتنهّد مخنوق، وشخصيات تحترف الكلام ولا تقول شيئاً.

لا تُقصد شخصيات أحمد زين، في مستواها الأول، لذاتها، بل لما تشهد عليه في منفى مشتّت الأفق، شخصيات مرايا تعكس

مآلها الذاتي، وتعكس أكثر «بقايا» الذين أوصلوها إليه، فالأولى، وهي الأكثر وضوحاً، مذيعة تشهد على «مسؤول» يستغرقه السفر، تلازمه «سكرتيرة» تردّد حركاته، تقاسمه بلاغة الاختراع الكذوب؛ إذ «صنعاء في متناول اليد بعد أيام»، تستهلك المذيعة المفترضة فراغها، ويستهلكها فراغها بعد أن هربت من صنعاء.

أما الشخصية الثانية، وهي أقل حضوراً، فتتذكر أباً رسخت في صدره صورة بطله المصري الأثير، الذي حلم بعروبة منتصرة، تكمل شهادة الشخصية السابقة، تراقب كرنفال الأرواح الميّتة، وترتكن إلى أنوثتها الطاغية، لـ»تحتقر»«مسؤولين كباراً» انصرفوا إلى استهلاك بذيء، وأحلام اختصرت اليمن في سلع غالية الأثمان تافهة الاستعمال.

أنتج السرد الملتفّ على ذاته شخصيات من ظلال، أضاع قوامها، واكتفت بالاستهلاك والكلام، وجسّر بينها بمتواليات من حكايات باكية، تمتد من امرأة يمنية شجاعة افتقدت القيادة ووسائل القتال، إلى يمني يرفع علم بلده بيد مبتورة، وآخر يعطي روحه إلى رفيق غادرته الروح، بعد اليمن الموحَّد يأتي يمن مبدَّد الأوصال، معفَّر بالذل والهوان.

رأى أحمد زين الحاضر اليمني وما سيأتي بعلاقات فنية، تتساند وتتكامل وتقترح وتنتهي، دون أن تنتهي، باجتهاد لغوي حافل بالأسئلة، فـ«الحال»، أو الجملة الحالية، مبتدأ الكلام لا تصف؛ إذ في الوصف حركة، تنفتح على حطام لا ضرورة لوصفه، والأفعال المستقبلية، أو صيغ الاستقبال، لا تشير إلى مستقبل لن يأتي إلا على صورة حاضرة، إنما تقرّر العجز عن الفعل وتصويب الحال. والخبر يسبق المبتدأ الذي غدا من متاع الماضي، والإخفاق الشامل كامل الحضور، يستغرق يمنيين سقطوا في متاهة، يصنع صنعاء تقوّضت، وأحجاراً حالت ألوانها، وأناشيد يمنية سقطت في الطريق.

يكتفي السرد الروائي بالشظايا، أكانت شخصيات أم حكايات، فمن العبث حضور السليم في فضاء من حطام، ومن العبث أكثر الأخذ بسرد خطّي قوامه بشر يعرفون مصيرهم؛ لذا تأتي الشخصيات مشظّاة، ويكون مسارها مرصوفاً بالشظايا، يستولده منفى، ويصادر حركته منفى لاحق، يخفق في أرجائه إخفاق شامل يُنهى عن الحركة، لا تتبقى إلا الذكرى التي تسكن الشخصيات وأفعالها، ذكريات مستقرة عن يمن لن يعود، بعيداً عن التذكر الذي يلازمه فعل محتمل، ولعل سقوط الشخصيات في ذكريات مستقرة؛ ما يختصرها في أقنعة متناظرة، تتبادل جملاً ناقصة، تتذكّر ولا تحلم، وتنتقل من تلعثم كسيح إلى وعود مؤجّلة.

تتضمن «رماية ليليّة»، في كثافتها المدهشة، أبعاداً تاريخية وسياسية وأيديولوجية واجتماعية، تُنصت إلى التاريخ القريب، وأصوات القبائل والمظاهرات الحالمة السابقة.

عمل زين على تجسيد «علم جمال الخسارة»، الذي أنجز عملاً لغوياً متفرداً، قدّم شهادة عن الخسران الكامل، شهادة ترثي وطناً كان، وتستبقي آثاره المتبقية في لغة تدوم، كأن المصائب الكبرى تأتي، أحياناً، بشهادات أدبية كبرى تضيف إلى الإبداع الأدبي العربي أبعاداً غير مسبوقة، وتصرخ عالياً بأنها «تحترم الأعداء الذين يدافعون عن قضاياهم، وتحتقر موتى يحرسون موتى أعلى رتبةً، ساقوهم إلى الموت والمنفى».

برهن أحمد زين على أن الوقائع الوطنية الكبرى، التي تلازمها الخسارة، تستولد وقائع أدبية كبرى، ترد على الخسران الوطني بالإبداع الأدبي، ولا تعد بشيء، في عمل روائي هامس التوثيق مبدع الكتابة ترجم زين مأساة اليمنيين داخل اليمن وخارجه، وأومأ إلى واقع عربي منخول العظام، تتصادى فيه أصوات عرفت الخراب الشامل وتحذّر منه.

*ناقد وباحث فلسطيني.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي