عبد الله حبيب: لا مكان للشاعر في هذا العالم

الشاعر العماني يرى أن «نقد الآخر» يغلب على «نقد الذَّات» في الثَّقافة العربيَّة

عبد الله حبيب
عبد الله حبيب
TT

عبد الله حبيب: لا مكان للشاعر في هذا العالم

عبد الله حبيب
عبد الله حبيب

عُرف الشاعر والسينمائي العُماني عبد الله حبيب بوصفه واحداً من أهم محركات الحداثة في الخليج، زاوج بين الشعر والسينما، وكتب عدداً من النصوص والمجموعات الشعرية، إلى جانب الدراسات السينمائية، وهو حاصل على الدكتوراه في الدراسات النقديَّة السينمائيَّة، وقبلها الماجستير في الدراسات السينمائيَّة والثقافيَّة، والبكالوريوس في الفلسفة.

وهو عضو الجمعية العمانية للكُتَّاب والأدباء، وكان عضواً في جمعية الدراسات النقدية السينمائية والميديا الأمريكية، (1997 - 2006)، وعضو جماعة الدراسات ما بعد الكولونياليَّة في جامعة أوتاجو بنيوزيلاندا، وعضو اللجنة التأسيسية للسينما في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عضو مؤسس للجمعية العُمانيَّة للسينما. هنا حوار معه:

(*) ما الرابط بين الشعر والسينما؟ ماذا يعطي أحدهما الآخر؟

- تعريف «السِّينمائي» و«الفيلمي» قد يكون أقل صعوبة من تعريف «الشِّعري» و«الشَّاعري»، وهذه، بالطبع، مسألة نظريَّة، أو أكاديميَّة... إلخ. ومع ذلك فإن «الشِّعر» في سلوكه المتمرد خارج التعريف الكتابي الذي حاقَ به في كل ثقافات العالم يتجاوز التَّراكم المعرفي والتَّعريفي الذي تمكنَّا من إنجازه حتى الآن، في محاولة سبر غوره. وهذا يقودنا إلى مسألة معرفيَّة ووجوديَّة أخرى، هي حقَّاً أكثر تعقيداً، حول الرَّابط بين الشِّعر والسينما؛ فالمُشاهد قد لا يكون ضليعاً بالمحاججات السِّيميولوجيَّة المعقَّدة التي أوردها بيير باولو بازوليني، مثلاً، في سياق إصراره على أن السِّينما لغة للشِّعر وليس النَّثر، لكنه - أي المُشاهد - يستطيع أن «يرى» الشِّعر متحقِّقاً في فيلم بازوليني «الإنجيل وفقاً لمتَّى»، على سبيل المثال لا الحصر.

وسأضيف أن مُخرجي السِّينما الكبار إنما يُعتدُّ بهم لأنهم حوَّلوا الشِّعر إلى صور سمعيَّة وبصريَّة على الشَّاشة. خُذ، مثلاً، بيرغمَن، وبارادجانوف، وتاركوفسكي، وغيرهم.

• النص الإبداعي

(*) هل يحتاج إنتاج النصّ الإبداعي لوجود «حالة ثقافيَّة» تُواكب هذا النص وتوازيه؟

- مبدئياً، لا أعتقد ذلك، على الأقل ليس بالمعنى المباشر. الغرابة، واليتم، بل حتى الشيطانيَّة من صفات النص الإبداعي المتفرد، بغض النَّظر عن معطيات البيئة التي وُلِد فيها، ومع ذلك فإن النص الإبداعي (أيَّاً كان جنسه) ليس إلا نتاجاً للغة التي هي (أيَّاً كان شكلها) «حالة ثقافيَّة» بالمعنى الأنثروبولوجي والسوسيولوجي للتعبير، شئنا ذلك أم أبيناه.

لكن ما أقوله سيبدو محرجاً جداً حين نتأمل في موضوع «النَّص الإبداعي» و«الحالة الثقافيَّة»، بعد انقضاء ربع القرن الحادي والعشرين فيما يخص الثَّقافة العربيَّة. أعتقد أن هذه المشكلة صارت تخصُّنا نحن العرب فقط؛ فالثقافات الأخرى (ولا أقصد الغربيَّة فقط، بل ثقافات مناطق أخرى من آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية) تجاوزت هذا السؤال، وأعادت إنتاجه في ممارستها ومسارها، بعيداً عن التناقضات المبدئيَّة التي فرضتها الحالة السياسيَّة والتَّعقيدات التقليديَّة المرافقة لها. التاريخ يصنع الأسئلة، لكنه أيضاً يلغيها ويجددها بحيث إن بعض الأسئلة يتجرَّد من المعنى القديم بالتقادم.

وهكذا فإنه ليست لديَّ إجابة مثاليَّة عن سؤالك، لكنني سأقول بأنني بدأت التَّعالق مع أسئلة الثَّقافة والسِّياسة في بلداننا منذ أكثر من أربعين سنة، وعبر ما أتاحه التَّدرج العمري والثَّقافي. وبصراحة، أشعر، اليوم، بالسَّأم من مثل تلك الثُّنائيات الضِّدية التي لا تزال تهيمن على حواراتنا، في الوقت الذي ينهمك فيه بقية العالم في توكيد أو دحض أمور أخرى.

(*) هل يمكن أن يُنتَج نصّ حداثي في محيط لا يؤمن بالحداثة؟

- نظريَّاً، نعم. وأقول ذلك ببعض الثِّقة، خصوصاً بالنَّظر إلى الحالة العربيَّة التي تنتج نصوصاً أصيلة الحداثة في بيئة تنتمي بعض شروطها السياسيَّة والاجتماعيَّة إلى عصور ما قبل التاريخ تقريباً.

شخصيَّاً، لا أستطيع الانفكاك عن تصوُّر يكاد يكون سحريّاً وميتافيزيقيّاً عن حالة الحداثة في النَّص، لكن كلامي هذا يبقى متكئاً إلى النصوص الكلاسيكيَّة الكبرى. غير أنني، ومع إيماني بإنتاج نصٍّ حداثي في محيط لا يؤمن بالحداثة بل يحاربها، لا أستطيع أن أطمئن إلى هذا اليقين، إلى أن أموت. لماذا؟ لأن التَّاريخ والإنسان يتقدمان، ولا أستطيع أن أفرض على النَّص الحداثي أيَّ توقعات؛ هو نفسه - أي النصّ الحداثي - من سيغربلها.

وكلامي هذا متَّسق بالضَّبط مع الإصرار على الاستحقاقات المدنيَّة والحضاريَّة التي تليق بالمواطن العربي في القرن الحادي والعشرين، وبمتطلبات الحداثة فيه بشروط أبسطها الحريَّة؛ أي أن السؤال هنا يصير استفساراً عن المعطيات التي تنتج النَّص الحداثي لدينا. وغياب تلك الحريَّة سيتسبب في عُسْر كبير عند الحديث عن النَّص الحداثي في بلداننا. وفي غياب تلك الحريَّة المبدئيَّة والضروريَّة سيكون الأمر أشبه بالحديث عن الغيبيَّات.

• نقد الذات

(*) إلى أي حدّ يمكن للنَّقد أن يخلق نقاشاً يبدأ من نقد الذات؟

- قديماً قال سقراط «اعرف نفسك»، وأظن أن هذه كانت من أبكر الدعوات في الفلسفة الغربيَّة لنقد الذَّات. لكن، في الثَّقافة العربيَّة الرَّاهنة، صار يغلب علينا «نقد الآخر» أكثر من «نقد الذَّات»، وذلك من باب التَّهرب من المسؤوليات والاستحقاقات.

هذا التهرُّب المؤسف قد تكون له أسبابه الموضوعيَّة والوجيهة التي لا يمكن التخفيف من وطأتها؛ فذاتنا المعاصرة (بوصفنا «أُمَّة») إنما تكونت تحت سنابك ومؤامرات الغزاة الغربيين، وصولاً إلى ما يسمى «الدولة الوطنية»، غير أنني أعتقد أن «نقد الآخر»، خصوصاً مع صعود تيار دراسات ما بعد الكولونيالية، صار مِشجباً جاهزاً، وعذراً مجانيّاً، اتكاليّاً كسولاً، لتبرير إخفاقات الذات وإلقائها على «الآخر» في كل شاردة وواردة. من السهل أن تنقد الآخر، وليس من السهل أن تنقد نفسك.

(*) كنتَ تقول إنّ النصّ الإبداعي يصفق بيد واحدة، ما اليد الأخرى التي يحتاج إليها؟

- سأصارحك بأنني من الأشخاص الذين يستطيبون أن يصفِّق النص الإبداعي بيد واحدة، لكن، إذا كان لا بد من التصفيق مع النص الإبداعي بيد ثانية، فذلك يقع على عاتق الخطابات والمؤسسات التي لا يروقها أن يصفق النص الإبداعي، حتى في الأحلام، بل تجند كل أدواتها، ومنابرها، وسكاكينها من أجل التيقن من قطع كل أصابع تلك اليد الواحدة واليتيمة.

(*) أنت تقول: «الشعر يأتي أولاً، والقصيدة هي النسخة الثانية من الشعر أو هي أشبه بالترجمة، أو الصورة الفوتوغرافية من الشعر». أليست هناك مبالغة في تعظيم دور الشعر؟

- لا أظن أن هناك مبالغة كبيرة إذا ما كنا مقتنعين بأن الشِّعر يتعلق بما نتوق إليه أكثر مما ننجزه على أرض الواقع، أو أنه يقع في نطاق معرفتنا وما هو مألوف ومُتوقَّع لدينا. أتذكر جملة من دوستويفسكي في «الإخوة كارامازاوف»: «إن الجَمال مستحيل لأن الرب لم يمنحنا سوى الألغاز»، وأظن أن هذا يلخص ما أريد قوله من ناحية أن الشِّعر مُطالب بالذهاب إلى ما وراء «الجَمال» و«الألغاز» معاً. في السينما استخدم روبير بريسون مفهوم «السينماتوغرافيا» المتداول بمعنى العمل التقني الذي يقوم به الشخص المتمهن الذي يقف خلف الكاميرا، لنكتشف لاحقاً أن «السينماتوغرافيا»، لدى بريسون، تعني نوعاً من ضروب التَّوق الروحي المستحيل، شكل جديد من «النرفانا» لا يمكن الوصول إليه بالأدوات والأساليب السينمائية التي كانت سائدة في عصره. بهذا المعنى نحن لا نعظِّم دور الشِّعر، ولكننا نطالبه بمزيد من التحولات التي عليها أن تضيء حياتنا. والشِّعر سيبقى دوماً مشروعاً ناقصاً.

(*) أين مكان الشاعر في هذا العالم؟ سأقتبس لك: «مشكلة الشَّاعر في الحرب مُضاعَفة وكارثيَّة: عليه أن يكون في المقدِّمة، والمؤخّرة، والميمنة، والميسرة. وبعد أن تضع الحرب أوزارها يقتلُ الشَّاعرَ المنتصرون والمهزومون معاً».

- سأجيبك باختصار وإيجاز. لا مكان للشاعر في هذا العالم. في الحقيقة، وخارج الأغراض البراغماتيَّة والمنفعيَّة التي زُجَّ فيها الشاعر (العرب، مثلاً، كانوا يستخدمونه بوصفه متحدثاً باسم القبيلة) لا يليق بالشَّاعر أن يكون له أي مكان. لكن أضعف الإيمان يقتضي أن مكان الشَّاعر هو أن تكون أعماله متاحة لمن أراد، وأن يتذكره خمسة أشخاص على الأكثر بعد انقضاء مائة سنة على الأقل من وفاته.

مخرجو السِّينما الكبار نجحوا لأنهم حوَّلوا الشِّعر إلى صور سمعيَّة وبصريَّة على الشَّاشة

• السينما والإنسان

(*) كيف كانت أول علاقتك بالسِّينما؟ كيف لفتى يعيش في بلد من آخر البلدان التي دخلها التلفزيون أن يكون شغوفاً بالسِّينما إلى هذا الحدّ؟

- في إجابتي عن سؤالك أجد نفسي متكئاً، بطريقة المُكرَه لا البطل، على «التَّطرف» الذي لم يكن منه بد في حياتنا العُمانيَّة المعاصرة، والذي أظن أنه أصابني بصورةٍ ما. أنت تعلم أنه كانت لدينا في عُمان ثورة مسلَّحة تقاتل تحت النجمة الماركسيَّة بوازع الصِّراع الطَّبقي. لكن أين؟ في جبال ظفار التي، للمفارقة، لم يكن نمط الإنتاج الاقتصادي فيها رأسماليَّاً حتى، بل هو نمط إنتاج آسيوي هجين من المشاعيَّة، والتبادل السِّلعي، والملكيَّة المحدودة.

لكن في الوقت الذي كانت فيه البنادق تلعلع في ظفار، شاهدت، أنا القادم من قرية لم تكن حتى فوانيس الجاز متوافرة في كل بيوتها السعفيَّة المتهالكة، أول فيلم في حياتي الصغيرة في الكويت ذات الكهرباء، والصُّحف، والطُّرق المسفلتة، والتيَّارات السياسيَّة، وقد كان ذلك في أواخر السِّتينات. كنت هناك بمعيَّة والدي في زيارة أشخاص؛ منهم المرحوم عبد الله زكريا الأنصاري الذي كان من أقارب أو أرحام العائلة البعيدين. أحد أو بعض من أولاد المرحوم الأنصاري، أو أولاد أقاربه، أخذوني إلى السِّينما، ذات ليلة. من تلك الزيارة السِّينمائية الأولى أتذكَّر مشهداً مُحدَّداً من الفيلم (الذي من الأرجح أنه كان كوميدياً): ثمَّة لصوص أشقياء يختبئون وسط قطيع ماشية كانوا يريدون سرقة بعضها، والجمهور يضحك لبؤس وفشل محاولاتهم المفضوحة.

بهذا أنظر إلى تلك التجربة السينمائيَّة الباكرة الراسخة في ذاكرتي. لقد كنت أعيش المفارقة التاريخيَّة ذاتيّاً وموضوعيّاً من دون أن أريد أو أدري. في الحقيقة، لم أفهم ذلك إلا بعد سنوات حين انخرط الوعي في قراءة الأشياء بصورة استعاديَّة وإسقاطيَّة.


مقالات ذات صلة

جنون الشعر أو شعر الجنون

ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت»

«الشرق الأوسط» (برلين)
ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.