الحب والعمى وجهان لمتخيَّل واحد

الوهج الشمسي للمعشوق يشلُّ قدرة العاشق على تبيُّن ملامحه

طه حسين
طه حسين
TT

الحب والعمى وجهان لمتخيَّل واحد

طه حسين
طه حسين

لم يترك الفلاسفة والشعراء والباحثون وجهاً واحداً من الوجوه الكثيرة للحب، إلا وتناولوه عبر حقب التاريخ المختلفة بالدرس والتمحيص والتحليل. ورغم أنهم أسرفوا إلى أبعد الحدود في امتداحه أو هجائه، واختلفوا في تأويله واكتناه طبيعته، مدبجين حوله الكثير من الكتب والمصنفات، دون أن يصل أحدٌ في تأويله له إلى مرسى أو يقين، فقد أكد الجميع، وبمعزل عما يصاحبه من فرح غامر أو تكلفة باهظة، بأن الحب هو العنصر الملازم للحياة نفسها، والأكسير الأكثر نجاعة الذي من دونه يتحول الكوكب الأرضي إلى صحراء.

ولم يكونوا بعيدين عن الصواب، أولئك الذين توصلوا إلى الاستنتاج بأنه ليس علينا أن «نفهم» الأشياء لكي نصادقها، وأن نحيل كل ما نود عيشه أو تعاطيه، إلى مشغل التفكر والتفكيك. ليس فقط لأننا بذلك نحول الحياة إلى جحيم من الكوابيس والهواجس العصية على التبدد، أو نسلخها عن متعة انسيابها التلقائي، بل لأن سعينا المفرط للوقوف على الجوانب الحسية الظاهرة من المعشوق يمكن أن يُفسد الخلطة السحرية اللازمة لكل افتتان، والتي يشكل المتخيل ممرها الإلزامي ورأس حربتها الأهم.

شوبنهاور

ولعل عبارة «الحب أعمى»، التي يتداولها العرب وغيرهم من الشعوب، لم تأت من فراغ محض، أو تأويل اعتباطي لهذه العاطفة المشتركة بين بني البشر، بل هي الترجمة الفعلية لطبيعته الملتبسة، وللانجذاب الغامض الذي يؤلف بين قلبين، كما للمعايير الجمالية المتفاوتة، التي من دون طابعها النسبي كان يمكن للرجال أن يعشقوا امرأة واحدة، وللنساء أن يفتتنوا برجل واحد. والواقع أن الشخص المحبوب لا يلزمه أن يبذل كبير جهد لكي يوقع المحب تحت سطوته الجاذبة، «فعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ»، كما يقول الإمام الشافعي، والعاشق تبعاً لذلك يخلق المعشوق من عندياته، مؤالفاً بينه وبين نموذجٍ للجمال ماثلٍ في بهاء التصورات أو في حياة سابقة، كما ذهب أفلاطون.

على أن مفهوم العمى لم يكن واحداً لدى الفلاسفة والدارسين وعلماء النفس والاجتماع. فالإغريق تحدثوا عن قدرة الجمال المعشوق على حجب الحقيقة عن عيني العاشق الرائي، وعن الإشعاع الشمسي للكائن المشتهى، بما يملأ عينيه بغبش دامع، ويسد عليه سبل الإبصار. ولم يكن تشبيه الحبيبة بالشمس في الشعر العربي وغيره، سوى ترسيخ إضافي لهذا المفهوم، حيث يتدفق من جهة المعشوق جمالٌ عصيٌّ على الفهم، لا تملك العين لسحره دفعاً، «وله كل ساعة تجديد»، وفق ما وصف به ابن الرومي جمال وحيد المغنية. أما رولان بارت فيرى أن الشخص المصاب بالعشق يبدو وكأنه يتخبط في عتمة واسعة، دون أن يعرف الجهة التي باغتته من صوبها ضربة الحب. ولأنه محروم من نور إدراك الأسباب والغايات، فهو يتعلق بشكل أعمى بالأشياء، أو بما ينجم عنها من فوضى. ومع أن الشهوة التي تعتريه ناقلة للضوء، فيما لو شاء البحث عن مخرج، فهو لا يكف عن استبدال ليل بآخر، مؤثراً بشكل طوعي أن يلازم عتمة اللامعنى، لأنها بالنسبة إليه «بوابة العجائب». واللافت في هذا السياق أن نيتشه، بتأثير من علاقته الفاشلة بسالومي، ومن سوء تكيفه مع المحيطين به، لا يكتفي بجعل الحب حالة من أحوال العمى، بل يضع الصداقة في خانة مشابهة، مختزلاً العلاقتين بقوله «الحب أعمى والصداقة تغلق عينيها».

ساراماغو

وإذا كان أكثر الفلاسفة والدارسين قد اتفقوا على الربط بين الحب والعمى، إلا أنهم اختلفوا حول الأسباب والأدلة التي قادتهم إلى ذلك الاستنتاج. فقد رأى شوبنهاور بأن المخاتلة هي من طبيعة الشخص المعشوق. والمرأة على نحو خاص «تشبه سمك الحبار الذي يطلق حبره الداكن، لكي يحيل الماء من حوله ماءً حارقاً، فهي لا تمتلك للدفاع عن نفسها في مواجهة الرجل سوى الخداع والتمويه». والعمى، وفق ساراماغو، في روايته التي تحمل الاسم نفسه، هو أن لا نرى سوى لون واحد من الألوان، حتى لو كان الأبيض لا الأسود هو اللون المرئي، وسواء تعلق الأمر بالحب أو بالأفكار والمعتقدات. أما جان لوك ماريون فيرى في كتابه «ظاهرة الحب، ستة تأملات» أن كل حب جارف لا بد أن يولّد الغيرة والوساوس المؤرقة، وليست مقولة الحب الأعمى سوى طريقة البشر في التعبير عن خوفهم من اكتشاف الحقيقة «المبصرة». ولأن الحب نقيض الفكر، فإن الآخر عنده لا يحضر بوصفه مفكراً بل بوصفه معشوقاً. فالعاشق لا يرى مَن يحبه كما هو بالفعل، بل كما تتخيله رغبته. ولأنه لا ينظر إلا بعيون الحب العمياء لشدة بلبالها، «تصبح المرأة الكبيرة عنده مهيبة، والصغيرة لذيذة، والهستيرية شغوفة، والفاجرة مثيرة، والبلهاء عفوية، والمماحكة نبيهة».

ومع ذلك فنحن لا نستطيع إشاحة النظر عن الآراء المضادة لفلاسفة وباحثين آخرين رفضوا بإصرار مقولة الحب الأعمى، معتبرين أن هذا الأخير ليس مجرد عاطفة بحتة وكلمات خاوية، بل هو طاقة «مضادة للعقم، ولا تقايَض إلا بالحب نفسه»، وفق تعبير كارل ماركس. فالحب بالنسبة لإريك فروم فن نتعلمه بالدأب والخبرة، كما نتعلم الرسم والهندسة والموسيقى، بقدر ما هو رعاية وحدب وعطاء، «فأن تحب الزهور يعني بالضرورة أن تسقيها، وإلا فإن حبك كاذب». ويسخر فروم من مقولة الحب الأعمى، لأنها تضع الشخص العاشق في مرتبة انعدام الشعور بذاتيته، بما يجعله يغترب عن قواه ويميل إلى تأليه المحبوب وعبادته. وإذا كان هذا النوع من الحب لا يعكس سوى جوع العاشق وبؤسه وامحائه، فإن الحب الحقيقي في رأي فروم، لا يكون ممكناً إلا بتواصل العاشقين من مركز وجودهما الإنساني والمتكافئ.

وخلافاً لما ذهب إليه شاتوبريان من أن إقحام العقل بالعواطف، وإخضاع ذلك الجزء من كياننا الذي يعيش بالحب للمراجعة والتحليل، هو عملية شائنة ورعناء، فإن باسكال يعتبر بأن الحب والعقل هما الشيء ذاته مع فارق قليل في التوقيت، وما يفعله الأول ليس سوى استعجال الثاني وتمهيد الطريق له. والشعراء وفق باسكال «ليسوا على حق حين يصورون الحب بأنه أعمى، إنما يجب أن ننزع عن عينيه العصابة التي تحجب عنه نور العالم».

ولم تغب ثنائية الإبصار والعمى عن أذهان الشعراء العرب، الذين أعشى العشق أبصار بعضهم عن جمال النساء كلهن، ولم يضئ لهم سوى النور الذي يشع من جهة المرأة المعشوقة. وهو ما يعكسه قول عروة بن أذينة، في أبياته الحوارية مع حبيبته سعدى:

قالت، وأبثثْتُها وجدي فبحتُ به

قد كنتَ عندي تحب الستْر فاستترِ

ألستَ تبصر مَن حولي ؟ فقلت ُلها

غطّى هواكِ وما أَلقى، على بصري

وإذا كان بعضهم قد رأى في الحب ضياعاً للبصر والبصيرة، فقد رأى فيه آخرون العيون التي يبصرون بها، والتي يفقدون بفقدها الطريق إلى فردوس الوجود الآمن. وهو ما جسّده قول الفرزدق في نُوار، وقد عمد إلى تطليقها في لحظة غضب، قبل أن يأخذ منه الندم والأسى كل مأخذ:

ندمتُ ندامة الكسَعيّ لما

غدتْ مني مطلّقةً نُوارُ

وكانت جنتي فخرجتُ منها

كآدمَ حين لجّ بها الضِّرارُ

وكنتُ كفاقئٍ عينيه عمداً

فأصبح لا يضيء له النهارُ

إذا كان بعضهم قد رأى في الحب ضياعاً للبصر والبصيرة فقد رأى فيه آخرون العيون التي يبصرون بها

لكن الأمر يختلف تماماً حين يتعلق بالعشاق المكفوفين، وفاقدي البصر بالمعنى المحسوس. فهؤلاء لا يحتاجون إلى مزيد من العزلة المعتمة لكي يتمكنوا من مواصلة حياتهم، بل إلى الحب الذي يؤنس وحدتهم، ويتحول عندهم إلى عصا النجاة من الوحشة والتعثر. ووفق مبدأ التعويض عن الحاسة المفقودة بأخرى غيرها، فإن المصابين بالعمى الفيزيولوجي يعولون على الأذن بدلاً من العين، وعلى إشراقة القلب والبصيرة بدلاً من البصر المطفأ. وهو ما جسّده بوضوح بشار بن برد، الذي لم يمنعه عماه من الشغف بالحياة والنساء والملذات، قبل أن يقع في حب «عبدة»، المرأة التي سحره جرْس صوتها وأشجته حلاوة ألفاظها، وبات قوله فيها «والأذن تعشق قبل العين أحيانا» أحد الأمثال السائرة عند العرب. أما الإبصار بعين القلب فيختصره بشار بقوله:

يزهّدني في حب عبدةَ معشرٌ

قلوبهمُ فيها مخالفةٌ قلبي

فقلتُ دعوا قلبي وما اختار وارتضى

فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحبِّ

وإذا كان بورخيس الذي فقد بصره باكراً، قد وجد في الكتابة حبل النجاة المشع الذي مُدَّ له في ليل حياته الدامس، وفق اعترافاته لألبرتو مانغويل، فإن طه حسين، وقد تقاسم مع نظيره الأرجنتيني وطأة العمى وملكة الابداع، لم يجد خلاصه في الكتابة وحدها بل في الحب. وهو ما يؤكده قوله لسوزان، حبيبته وزوجته الفرنسية، «أشعر بدون وجودك أنني أعمى حقاً. أما وأنا معكِ فأتوصل إلى الشعور بكل شيء، وأمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي».


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.