محمد بركة: مساحة الحرية في عالمنا العربي لا تكفي كاتباً واحداً

الكاتب المصري يقول: أكتب ما أحب ولا تخيفني الاتهامات الجاهزة

محمد بركة
محمد بركة
TT

محمد بركة: مساحة الحرية في عالمنا العربي لا تكفي كاتباً واحداً

محمد بركة
محمد بركة

يُبدي الكاتب والروائي المصري محمد بركة اهتماماً لافتاً بالتناقضات الإنسانية في أعماله، ويبني عليها مفارقات الشخوص وصراعها مع ذواتها وواقعها، كاشفاً من خلال ذلك عن أقنعتها التي تخفى هشاشتها وأحلامها المنكسرة... وفي هذا الإطار، تدور روايته «عرش على الماء»، الصادرة أخيراً عن «دار أقلام عربية» للنشر بالقاهرة. وكان قد صدر له من قبل: «الفضيحة الإيطالية» و«أشباح بروكسل» و«حانة الست» و«آيس هارت في العالم الآخر»، هنا حوار معه حول روايته الجديدة وتجربته الروائية:

* برغم التنويه في بداية روايتِك الأحدث «عرش على الماء» بأنها عمل إبداعي بحت، فإن ثمة تقاطعات بين بطل الرواية وشخصية داعية شهير، تجعل القارئ يشعر بأن الرواية سيرة مُستلهمة من حياته. هل توقعت هذا الأمر؟

- نحن نعيش ثقافة النميمة والتفتيش في ضمائر المؤلفين والهوس بالتأويل على نحو يسمح بالقيل والقال. والربط بين الشخصية الرئيسية في الرواية وبين نظيرها في الواقع كان شيئاً متوقعاً، لذلك جاء التنويه ليضع الأمور في نصابها، لكن يبدو أن هذا لم يكن كافياً لدى البعض. وللأسف مثل هذه التأويلات المتعسفة القائمة على قراءة النص في ضوء الواقع هي ما جعلت الناشرين يحجمون عن نشر الرواية لأكثر من عامين رغم اعترافهم بأنها «عمل فذ وبديع»، بتعبير بعضهم، لكنهم اعتذروا عن عدم إصدارها. وأذكر أن أحدهم قال لي نصاً: «لقد اجتمعنا مع لجنة القراءة أربع مرات لنجيب عن سؤال واحد: هل يمكن أن نطالبك بعمل بعض التعديلات لنمرر العمل واكتشفنا أن التعديلات المطلوبة من الكثرة بحيث سيبدو كأننا نطلب منك إعادة كتابة الرواية».

* تطرح الرواية تعقيدات بالغة مُتصلة بتناقضات البطل والتباساته، بين صورة براقة كداعية ديني «مؤثِر» وبين جوهر مُشوه يُنافي هذا الخطاب. حدثنا عن بنائك لهذه الشخصية المركبة؟

- تناقضات البطل والتباساته هي ما تصنع إنسانيته كنموذج فريد يتوق إلى لمس سماء الروحانيات بيده، لكن قدميه غائصتان في قاع الشهوات الضارية للمال والنساء والصعود الطبقي. لقد أحب «مشهور الوحش» بكل أشواق الغرام الأولى فتاة تدعى «ست الدار» وكان يصفها بأنها «أغنية الليل، والوعد المؤجل في مملكة الذكورة المقموعة». وحين خانته، أصيب بلعنة الرغبة في الانتقام من كل النساء كما تحول إلى خائن يبيع وطنه من أجل حفنة من الدولارات وأيضاً تحول إلى قاتل. حاولت أن أبحث عن لغة تناسب تلك الشخصية التي لا تخلو رغم كل شيء من حس صوفي فكانت الابتهالات التي تنم عن نهم وجشع، والتي تتصدر كل فصل، وسيلة مهمة في هذا السياق، كما جاءت اللغة نفسها لتمزج بين التراث والشعر في سبيكة واحدة.

* صنعتَ حالة من المُقاربة بين نشأة البطل وتطلعاته النهِمة، وبين التطورات السياسية والطبقية العاصفة التي يمر بها وطنه وسط تشكيل خطاب ديني موائِم لطبيعة تلك السياقات... إلى أي مدى تطلّب العمل بحثاً موازياً في تطورات هذا الخطاب وصولاً للخطاب الموجه للغرب؟

- الخطاب الديني الذي يتبناه البطل يرتكز تاريخياً على حقبة السبعينيات حيث تحالفت السلطة السياسية في مصر آنذاك مع جماعات اليمين الديني المتطرف، وأنتج الطرفان خطاباً معادياً للمرأة والفنون ومضاداً لفكرة التحضر. ومن ثم تختزل شخصية البطل أبعاد وطوايا فكرة تستمر عبر العصور عمادها دس السم في العسل وتبرير كل قبيح من خلال تأويلات مغلوطة لصحيح الدين. هو فكرة والفكرة لا تموت بل تعيش في أزمنة مختلفة وسياقات جغرافية متعددة وتنتقل من الريف إلى المدينة ومن الشرق إلى الغرب بكل سلاسة.

* لكن، هل يُجري الكاتب حالة من التفاوض بين خياله الروائي، وبين محاولة تجنب سجالات متوقعة مثل الاتهام بتشويه صورة رجل الدين أو خدش المقدسات؟

- كان بودي أن أجيب عن هذا السؤال، وأقول إنه على الكاتب أن يقول كلمته بكل قوة وصراحة ويمضي، لكن الثقافة العربية بشكل عام ضاغطة وأسوأ سلطة يعاني منها المبدع هي سلطة المجتمع وهوس الرأي العام بلعب دور رقيب فظ متعسف. في ظل هذه الملابسات، لا بد من اللجوء للحيلة والذكاء لتمرير ما نود قوله في ظل مناخ عام من التربص.

الرواية لا تتضمن أي إساءة أو تجريح أو خدش من أي نوع يُذكر بشهادة الجميع، الشخصية الرئيسية خانت الأمانة وتنكرت لثقة الناس، وهذا شيء عادي يحدث في أي مهنة وكل مجال.

وفيما يتعلق بتجربتي في الكتابة بشكل عام، لا تخيفني الاتهامات الجاهزة، ولا ترهبني سهام الإدانة المجانية التي تتخذ من حساسية بعض الموضوعات الشائكة وسيلة لترويع الأدباء. أكتب ما أحب، وفي الوقت نفسه أدرك أن مساحة الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي كاتباً واحداً، وأنه من الجنون الرسمي أن أعبر عن كل ما أشعر به بمنتهى الأريحية والحرية.

كثير من الأدباء يقدمون حالياً نصوصاً رديئةً لكنهم يظنون حسب المواصفات والطلب أنها تتوافق مع منظور هذه الجائزة أو تلك

* هل استشعرت خلال كتابتك للرواية أن من شأنها إثارة جدل، أو أن تواجه صعوبة في النشر؟

- توقعتُ أن يثار جدل فني أو إبداعي لكني لم أتوقع أن يتحول هذا الجدل إلى نوع من الاتهام المجاني. وبالطبع لم أتوقع أي صعوبة في النشر لأن الرواية مكتوبة بنضج ومسؤولية، فأنا لست كاتباً مراهقاً، وأعرف أننا لسنا في سويسرا بنهاية المطاف.

* تناولت شخصية سيدة الغناء العربي في روايتك «حانة الست»... حدثنا عن «الصوت» السردي الذي منحته لأم كلثوم وهي تتحدث عن نفسها؟

- كانت الفكرة تتمثل في نزع القداسة عن أم كلثوم، ورفض أن تتحول إلى متحف تعلوه لافتة «ممنوع الاقتراب أو التصوير». الرواية تقترح طريقاً جديداً لمحبة أم كلثوم، والتأكيد على عظمتها يتمثل في استعادة وجهها الإنساني ورصد ما في شخصيتها من ضعف وتناقضات وغيرة وغيرها من الانفعالات الإنسانية. الرواية تدور على لسان أم كلثوم التي أتخيل أن روحها قررت أن تقص على الأجيال الجديدة «القصة المحجوبة» لكوكب الشرق.

* في هذا العمل، بدَت «أم كلثوم» تعاني من هاجس يتعلق بـ«الأنوثة» كصوت لا واع موازٍ لسطوتها «الأسطورية»...

- التاريخ الحقيقي لأم كلثوم لم يُكتب بعد، رغم أن المصادر التاريخية موجودة وموثقة وأغلبها متصل بأم كلثوم نفسها مثل «أم كلثوم التي لا يعرفها أحد» للكاتب الصحفي الراحل محمود عوض الذي يتضمن حواراً مطولاً معها. هناك حالة عامة من التواطؤ في تجنب الحقائق في حياة أم كلثوم، مثل تأثير ارتدائها الزي الرجالي لفترة طويلة تمتد إلى ما بعد العشرين على نفسيتها وعلاقتها بذاتها الأنثوية، وكذلك تعرضها للتنمر من أخيها الأصغر «خالد»، فضلاً عن المعاملة القاسية التي تلقتها من أبيها «الشيخ إبراهيم».

* في روايتك «آيس هارت في العالم الآخر» انتقلت بسردك للعالم الآخر ليس فقط كفكرة وإنما كمسرح روائي، ما هو الهاجس الأدبي الذي دفعك لعالم بطل الرواية؟

- الموت ليس مخيفاً أو مرعباً كما تصوره المخيلة الجماعية لنا. هذا ما تؤكده تجارب «العائدين من الموت» أو «الموت السريري» لهؤلاء الذين ماتوا لثوان أو دقائق أو ساعات ثم عادوا للحياة وحكوا لنا ما شاهدوه. وبينما يحكي هؤلاء عن أشياء لا تكاد تملأ صفحة واحدة، كان علىّ أن أسافر على جناح الخيال وأرصد عبر نص كامل ما يحدث بعد الموت في سردية غير تقليدية.

* جدلية الشرق والغرب انعكست كثيراً في أدبنا العربي، هل شغلك هذا الخاطر وأنت تكتب روايتك «أشباح بروكسل»؟

- لم يشغلني كثيراً لأن المنظور عندي مختلف والمتغيرات عديدة مقارنة بالروايات السابقة التي تناولت تلك الجدلية منذ توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، وفق منظور رومانسي حالم أو مفرط في البراءة حين كان الفارق حاسماً بين الشرق والغرب، لكن في «أشباح بروكسل» اختلطت الحدود واختفت الفواصل وأصبح العرب والمسلمون والأفارقة شبه أغلبية في كثير من المدن والأحياء الغربية، كما أن الغرب متاح لدينا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

* هل، برأيِك، تُؤثر حالة الصخب المواكِبة للجوائز الأدبية وترشيحات مواقع التواصل على مشروع الكاتِب وعلاقته بأسئلة الكتابة لصالح حسابات أخرى كالرواج أو تصدر المشهد؟

- ينبغي ألا يكون لها تأثير- برأيي- لكن للأسف يحدث العكس. كثير من الأدباء يقدمون حالياً نصوصاً رديئة، لكنهم يظنون حسب المواصفات والطلب أنها تتوافق من منظور هذه الجائزة أو تلك. الجوائز أفادت الحركة الأدبية وأحدثت نوعاً من الرواج، لكنها في الوقت نفسه أضرت الإبداع حين تحولت إلى معيار وحكم قيمة، وكأن من لم يفز بجائزة يصنف في مستوى أدنى.


مقالات ذات صلة

أفعالٌ صغيرة تصنعُ تواريخ كبيرة

كتب براين كلاس

أفعالٌ صغيرة تصنعُ تواريخ كبيرة

كثيراً ما نميلُ إلى التفكّر الحثيث في تاريخنا البشري والطبيعي، ووضعه موضع الاستنطاق والمساءلة.

لطفية الدليمي
كتب كاثرين ماكينّون

قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

في ظل عالمنا المعاصر الذي أصبح قرية كونية بفضل التكنولوجيا المتطورة من جهة، وبسبب ميل الإنسان نحو السيطرة على الطبيعة

د. حسن منصور الحاج
ثقافة وفنون غلاف الرواية

«الواقعون»... رواية كوبية عن سقوط العائلة في عالم يتداعى

عن دار «الكرمة» للنشر بالقاهرة صدرت رواية «الواقعون» للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألباريس

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
ثقافة وفنون تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد

تماثيل صلصالية من «قصر أوبيري» في «قلعة البحرين»

أُدرج موقع «قلعة البحرين» في قائمة التراث العالمي لـ«منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (اليونيسكو)» في عام 2007.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون نيتشه للقرن الحادي والعشرين

نيتشه للقرن الحادي والعشرين

«نيتشه قريب للقراءة، لكن الوصول إلى مغازيه أمر من الصعب بمكان». بهذه الجملة يقدّم البروفسور فيرنر ستيغماير كتابه الأحدث عن الفيلسوف الألماني المثير أبداً

ندى حطيط

المنتدى العالمي لثقافة السلام يؤكد دور الثقافة والتعليم والتنمية في تحقيق الاستقرار

جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

المنتدى العالمي لثقافة السلام يؤكد دور الثقافة والتعليم والتنمية في تحقيق الاستقرار

جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم الخميس في القاهرة (الشرق الأوسط)

أكد المنتدى العالمي الثالث لثقافة السلام العادل الذي اختتم أعماله مساء اليوم (الخميس) في القاهرة، على الدور المحوري للثقافة في ظلّ الصراعات العالمية وتضليل الرأي العام وتفشي التعصب والكراهية والتحريض على التطرف والعنف.

وأقيم المنتدى تحت عنوان «السلام العادل من أجل التنمية» ونظمته «مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية» في الكويت بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وشارك في أعماله نخبة بارزة من القادة والمفكرين ورجال السياسة والاقتصاد والإعلام ودعاة السلام من العالم العربي والعالم.

وحيا المنتدى ذكرى مؤسسه الراحل عبد العزيز سعود البابطين الذي توفي أواخر عام 2023، ووجّه سعود عبد العزيز البابطين، رئيس مجلس الأمناء في «مؤسسة البابطين الثقافية» كلمة دعا فيها القادة السياسيين ورجال الفكر للعمل معاً لوقف دولاب العنف ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

وقال البابطين: «نثمنُ جهودكم الدؤوبة في العمل على ترسيخ قيم الحرية والحوار والتفاهم والمشاركة في بناء مستقبل أفضل نجني فيه معاً ثمار الدعوات الجادة لتحقيق السلام».

وأضاف: «ابْذلوا كل ما في وسعكم من جهود لإنهاء هذا الجحيم المستعر في قطاع غزة (...) يا زعماء العالم إننا نتوجه بنداء مخلص إلى ضمائركم، إن التاريخ لن يتسامح مع كل من أخطأ في حق الإنسانية... ولا تزال الفرصة متاحة أمامكم لاتخاذ خطوات جادة باتجاه الطريق الصحيحة».

سعود عبد العزيز البابطين رئيس مجلس الأمناء في «مؤسسة البابطين الثقافية» (يساراً) وإلى اليمين وزير الإعلام والثقافة الكويتي عبد الرحمن المطيري (الشرق الأوسط)

البيان الختامي

واستمر المنتدى ثلاثة أيام تناول فيها المجتمعون عبر سبع جلسات القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية ذات العلاقة بالتنمية، كما ركّزت على أهمية السلام لاستقرار جميع بلدان العالم خصوصاً في المنطقة العربية.

وثمّن البيان الختامي أعمال الراحل عبد العزيز سعود البابطين «الذي نذر نفسه ووقته وماله للدفاع عن القضايا العربية من خلال ثقافة مستنيرة جامعة وغير مفرّقة».

وأكد البيان أن «السلام العادل يحتاج إلى تنمية سياسية حقيقية وإرادة معاصرة وتسخير التقنية الحديثة في خدمة الجمهور العام».

كما شدد على أهمية التعليم، وقال: «إن رأس الحربة في السلام العادل هو التعليم النوعي المستنير الذي يتوجب أن يكون مسايراً للعصر؛ ولذلك فإن الاهتمام بالأجيال وتقديم تعليم نوعي بمنهج منفتح هو بمثابة (فرض عين)».

أكد المنتدى على الدور المحوري للثقافة في ظلّ الصراعات العالمية وتضليل الرأي العام وتفشي التعصب والكراهية والتطرف (الشرق الأوسط)

وأكد أن «الاقتصاد قائد للتنمية ودور القطاع الخاص في النهوض به دور حيوي؛ لذلك فإن العناية بالتشريعات الاقتصادية المحفّزة لهذا التنوع وضبطها من خلال تعزيز ثقافة الادخار والاستثمار وتسخيرها لخدمة الجمهور العام».

كما شدد على الدور المحوري للثقافة «في ظلّ الأجواء السائدة اليوم والتي يتغشاها تضليل للرأي العام والزج به في صراعات تفتت المجتمع وتحرّض على التعصب والكراهية ووليدهما التطرف والعنف؛ لذلك ينبغي الحض على ثقافة منفتحة ومتسامحة تتقبل الآخر وتؤمن بالحوار».

ورأى أن «القضية الفلسطينية المسألة المحورية في وعي الأمة العربية، ونصرتها من الواجبات الوطنية من خلال الدفع باتجاه توحيد البيت الفلسطيني وتحرير الخطاب الفلسطيني من التأثيرات الإقليمية التي تضرّ بالقضية مع تشديد إدانتنا لحرب الإبادة بحق الشعب العربي الفلسطيني التي تجري في الأشهر الأخيرة أمام العالم بقطاع غزة».


رحيل الممثل والمسرحي اللبناني أنطوان ملتقى

الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)
الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)
TT

رحيل الممثل والمسرحي اللبناني أنطوان ملتقى

الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)
الفنان اللبناني أنطوان ملتقى (متداولة)

نعت نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان، الممثل والمسرحي القدير أنطوان ملتقى، الذي تُوفي، اليوم الأربعاء، عن عمر يناهز الـ91 عاماً.

وُلد أنطوان ملتقى في 9 يونيو (حزيران) 1933، في بلدة وادي شحرور اللبنانية، متأهِّل من الفنانة لطيفة شمعون ملتقى، ولهما ابن وحيد (زاد).

يُعدّ ملتقى من كبار أساتذة «كلية الفنون الجميلة» في الجامعة اللبنانية، وواحداً من عمالقة العصر الذهبي للفن في لبنان.

أطلّ على المسرح للمرة الأولى في عام 1937 بدور مُزارعٍ صغيرٍ. أما المسرحية الأولى التي تولّى إخراجها ومثّل فيها، كانت «الزّير» لفولتير، في عام 1950، ببلدته وادي شحرور.

الفنان اللبناني أنطوان ملتقى بدور «القاضي» في مسلسل «عشرة عبيد زغار» سنة 1974 (لقطة من المسلسل)

عمله المسرحي الأول كان مع المخرج منير أبو دبس في مسرحية «ماكبث» لشكسبير.

بعدها شارك بالعديد من الأعمال المسرحية، منها: «ضاعت الطاسة»، «سمسم»، «الأزميل»، وغيرها.

من أشهر الأدوار التلفزيونية التي لعبها ملتقى ولا تزال راسخة في الذاكرة الشعبية اللبنانية، شخصية «القاضي»، في مسلسل «10 عبيد زغار»، عام 1974.


اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات

اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات
TT

اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات

اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات

يصادف اليوم، 21 فبراير (شباط)، «اليوم العالمي للغة الأم» الذي يعدُّ مناسبةً يُحتَفل بها في جميع أنحاء العالم لِتعزيز الوَعي بالتنوع اللغوي والثقافي وتعدد اللغات.

وأعلنت منظمة «اليونيسكو» للمرة الأولى هذه المناسبة 17 ديسمبر (تشرين الثاني) 1999م، ومن ثمّ أقرّته الجَمعية العامة للأُمم المُتحدة، وتَقرر إنشاء سَنة دَولية للغات عام 2008.

احتُفِل بـ«اليوم العالمي للغة الأم» منذ عام 2000 لتعزيز السلام وتعدد اللغات في جميع أنحاء العالم وحماية جميع اللغات الأم.

ورغم وجود أكثر من 6500 لغة في العالم، فإنّ نحو 2000 من هذه اللغات يقلّ عدد المتحدثين بها عن 1000 متحدّث.

واللغات الأكثر انتشاراً، وفقاً للأمم المتحدة هي: المندارين الصينية، والإسبانية، والإنجليزية، بالإضافة إلى العربية، والهندية، والبنغالية، والبرتغالية، واليابانية، والألمانية، والروسية، والفرنسية.

تعدّ اللّغة العربيّة واحدة من أقدم لغات العالم، وتتميّز بثراء مفرداتها وجمالها وقواعدها اللّغويّة المتنوّعة. فضلاً عن ذلك، فهي طيّعة، قابلة للتّطوّر، شأنّها شأن كلّ لغة تماشي العصر وتراعي مفرداته. غير أنّها لا تتخلّى عن أصالتها وإن داخلها الغريب من الكلمات، ذلك أنّها تسعى، بشتّى الطّرق، إلى تعريب كلّ دخيل طارئ على عالمها، لا سيّما أنّنا في عصر أصبح فيه العالم قرية كونيّة، بفضل وسائل التّواصل الاجتماعيّ والإعلام وغير ذلك من الأمور التي قرّبت المسافات، وربطت بين مختلف أصقاع الكرة الأرضيّة.

وعلى الرّغم من أنّ لغتنا لم تكن، بدايةً، لغة التّكنولوجيا، فإنّ تقدّم تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات أدّى إلى تغييرات كبيرة في كيفيّة استخدام اللّغة العربيّة وتأثيرها في المجتمعات النّاطقة بها.

في العقود الأخيرة، شهد العالم تطوّراً هائلاً في مجال تكنولوجيا المعلومات، ما أدّى إلى إدخال اللّغة العربيّة إلى عالم الإنترنت والحوسبة. ومن خلال تقدّم البرمجيّات وتطبيقات الهواتف الذّكيّة، باتت لغة الضّاد متاحة على نطاق واسع في العالم الرّقميّ.

ويمكننا ملاحظة تأثير تكنولوجيا المعلومات في اللّغة العربيّة بشكل واضح في جوانب متعدّدة، منها:

1- اللّغة العربيّة على الإنترنت: بفضل تقدّم تكنولوجيا المعلومات، ومع ازدياد استخدام الإنترنت، أصبح من الممكن نشر المحتوى باللّغة العربيّة على الإنترنت بشكل سهل وسريع، مما أسهم في زيادة الوعي باللّغة العربيّة، وتعزيز استخدامها، وجعلها متاحة أمام جميع الأفراد على اختلاف معارفهم وانتماءاتهم. وقد شمل هذا الأمر المواقع الإخباريّة والمدوّنات والمواقع التّجاريّة، وغير ذلك...

2- تطوير تطبيقات وبرمجيّات باللّغة العربيّة: بفضل الطّلب المتصاعد على البرمجيّات والتّطبيقات باللّغة العربيّة، بدأت الشّركات في تطوير منتجاتها لتلبية هذه الحاجة، بما في ذلك أنظمة التّشغيل، والبرامج المكتبيّة، والتّطبيقات الذّكيّة. وقد أسهم ذلك في توفير تجربة أفضل للمستخدمين الذين يتحدّثون ويتعاملون باللّغة العربيّة.

3- التّرجمة الآليّة: شهدت تقنيّات التّرجمة الآليّة تقدّماً كبيراً، مما أدّى إلى تحسين جودة التّرجمة بما في ذلك اللّغة العربيّة. وقد أسهم هذا الأمر في تسهيل التّواصل وتبادل المعرفة بين الثّقافات المختلفة.

صحيح أنّ هذا النّوع من التّرجمة سهّل التّفاهم أحياناً كثيرة بين مختلف الشّعوب النّاطقة بالعربيّة وغيرها من النّاطقين بلغات أخرى، إلّا أنّه لا بدّ من الإشارة إلى الثّغيرات التي لا تزال تعانيها ترجمة نصّ عربيّ إلى لغة أجنبيّة أو العكس، وذلك بسبب عجز التّقنيّات عن سبر أغوار الدّلالات والصّور التي قد يحملها نصّ أدبيّ مثلاً.

4- التّعليم عبر الإنترنت: هناك كثير من الموارد التّعليميّة عبر الإنترنت باللّغة العربيّة، بما في ذلك دورات تعليميّة، ومقاطع فيديو، وموادّ تعليميّة متنوّعة؛ فنجد مثلاً دروس نحو وصرف ووظائف كلام وشرح مفردات، والكثير من الأمور التي تساعد على الإلمام باللّغة العربيّة، والتّمكّن من قراءتها وفهمها، واستخدامها بشكل أفضل. كما أدّى ذلك إلى توسيع نطاق الوصول إلى التّعلّم والمعرفة بشكل كبير.

5- المحتوى الرّقميّ باللّغة العربيّة: يسهم الإنترنت ووسائل التّواصل الاجتماعيّ في إنشاء المحتوى باللّغة العربيّة ونشره. وهذا يشمل المقالات والفيديوهات والبودكاست والموادّ التّعليميّة التي تسهم في تعزيز استخدامها وجعلها لغة عالميّة منفتحة وواسعة الانتشار.

بهذه الطّرق وغيرها، تشكّل تكنولوجيا اللّغة العربيّة وتكنولوجيا المعلومات جزءاً حيويّاً من التّطوّر الحديث في العالم. فاللّغة العربيّة، التي تمتاز بثراء تاريخها وتنوّعها تلعب دوراً مهمّاً في التّواصل والتّفاعل في العالم الرّقميّ الحديث. وفي المقابل، تسهم تكنولوجيا المعلومات في تمكين اللّغة العربيّة وتعزيز استخدامها في مختلف المجالات.


رحلة الرواية في الخمسين سنة الأخيرة

كازو إشيغورو
كازو إشيغورو
TT

رحلة الرواية في الخمسين سنة الأخيرة

كازو إشيغورو
كازو إشيغورو

كيف تبدو صورة الفن القصصي في الفترة من 1970 حتى يومنا هذا؟ كيف ستكون صورته في المستقبل؟ سؤالان يجيب عنهما الناقد الإنجليزي بيتر كمب (Peter Kemp) في كتاب صدر عن «مطبعة جامعة ييل» خلال العام الماضي (2023) في 371 صفحة وعنوانه «أرض الرجوع إلى الوراء: مرشد القارئ إلى التنوع الباهر للقصص الحديثة»: Retroland: A Reader's Guide to The Dizzying Diversity of Modern Fiction.

يرمي الكتاب، كما يقول مؤلفه، إلى أن يكون خريطة طريق وخزانة زجاجية للعرض في آن. فهو دراسة لأهم الأعمال الروائية التي صدرت باللغة الإنجليزية منذ عام 1970 تقريباً حتى يومنا هذا، لا في بريطانيا وحدها وإنما أيضاً في أمريكا الشمالية وشبه القارة الهندية وأفريقيا وأستراليا والشرق الأقصى.

يرى كمب أن الملمح المميز لفن القصة في الفترة التي يعالجها هو اهتمام واسع النطاق بالماضي. وقد اقترن هذا بتنوع يكاد يكون لا نهائياً في تقنيات السرد: ثمة روايات بالغة الطول وأخرى بالغة القصر. روايات مكتوبة في صورة شعر مرسل أو مقطوعات مكونة من ثلاثة سطور. روايات مسلسلة أو مذاعة. روايات مصحوبة بصور فوتوغرافية وخرائط. روايات مكتوبة في شكل رسائل بريد إلكتروني. روايات مطبوعة بألوان مختلفة، أو يمكن قراءتها طرداً وعكساً... إلخ.

مارغريت آتوود

ومؤلفو هذه الأعمال لا يقلون عن ذلك تنوعاً فهم يشملون ساسةً، وممثلين كوميديين، وطهاةً، ومراسلين أجانب، وعارضات أزياء، وراقصات، وأبطالاً في التنس، وعازفي بيانو، ورجال دين، إلى آخره.

والراوي قد يكون رجلاً أو امرأةً أو طفلاً أو جنيناً، بل قد يكون إناءً سومرياً من 6500 سنة مضت، أو شجرة تين، أو زجاجة نبيذ، أو كتاباً، أو مبنى عالياً، أو دباً يعزف موسيقى جاز على آلة ساكسوفون. وقد تكون للشخصيات أجنحة أو قرون أو أظلاف. وقد تكون منحرفة مرضياً أو إجرامياً. وقد تجيء من مختلف مسالك الحياة. ثمة كلاب تروي قصصاً. وبطل إحدى الروايات خنزير. وثمة مصاصو دماء. وموتى يتحركون بقوة دفع خارقة. هناك روايات تستخدم آلة الزمان التي تخيلها هـ. ج. ولز، أو تتخيل عوالم بديلة تكون فيها بريطانيا مستعمرة يحكمها الاتحاد السوفياتي أو الرايخ الثالث الهتلري.

لكن المفارقة هي أن هذا التنوع الكبير متسق داخلياً، وله نسق. وهذا النسق، كما أسلفنا، هو الارتداد إلى الوراء زمنياً.

ما الصور التي اتخذتها هذه العودة إلى الماضي؟ يذكر كمب أربع صور هي (أولاً) الاهتمام بالماضي السياسي تزامناً مع تقلص ظل الامبراطورية البريطانية و(ثانياً) الاهتمام بالماضي الشخصي في حياة الرجال والنساء، وخبرات الطفولة والصدمات الناجمة عن معايشة حربين عالميتين وحروب أخرى كثيرة. و(ثالثاً) الماضي التاريخي أو أحداث الماضي وشخصياته، و(رابعاً) الماضي الأدبي أو استيحاء الأعمال الأدبية التي أبدعها كتاب عصور سالفة. ويضرب كمب أمثلة لكل نوع من هذه الفئات الأربع.

جورج أورويل

فالماضي المتمثل في الإمبراطورية البريطانية وغيرها من الإمبراطوريات قد شكل خلفية روايات بول سكوت، وسلمان رشدي، وفيكرام سث، وف. س. نايبول، وتوني موريسون، وكازو إيشيغورو وغيرهم.

من ممثلي هذا الاتجاه الروائي الأميركي جور فيدال وهو مؤلف سلسلة من سبع روايات تحمل عنواناً عاماً هو «حكايات الإمبراطورية» (1967- 2000).

والسلسلة دراسة لارتفاع وسقوط إمبراطورية الولايات المتحدة في العصر الحديث مقارنة بالإمبراطورية الرومانية: كلتاهما بدأت في صورة جمهورية ثم هجرت مبادئها الرفيعة الأولى منصاعة لمغريات القوة والسلطة والثروة. واشنطن - مثل روما- بها مبنى كابيتول ومجلس شيوخ. وكمثل يوليوس قيصر اغتيل بعض الرؤساء الأمريكيين بدءاً بإبرهام لنكولن. وفي كلا البلدين كان ثمة نظام للرق أو العبودية.

والماضي الشخصي وانعكاسه على الحاضر يتمثل على أنحاء مختلفة في أعمال توني موريسون، ومرغريت درابل وهيلاري مانتل، وجوليان بارنز، وإيان ماكوين، وآخرين.

ففي رواية كازو إيشيغورو (ياباني المولد، بريطاني الجنسية، حاصل على جائزة نوبل للأدب في 2017) المسماة «العملاق الدفين» (2015) تغيم معالم الأشياء ويخيم ضباب ثلجي على بريطانيا في العصور الوسطى وذلك بعد رحيل الرومان عنها (كان يوليوس قيصر قد غزا بريطانيا في القرن الأول ق. م) بزمن طويل. ومن خلال الظلمة نستطيع أن نتبين آثار حضارة بائدة وبهاء زائل: طرق مهدمة، وفيلا خربة كانت أرضها قديماً مرصعةً بفسيفساء جميلة. وعبر هذا المشهد المتداعي نرى زوجين عجوزين يشقان طريقهما بحثاً عن ابن مفقود. وكلاهما مصاب بفقدان للذاكرة، فهما لا يكادان يتذكران شيئاً عن ابنهما ولا عن الجانب المظلم من حياتهما الزوجية الطويلة. هذه أرض تعمرها غيلان وتنانين ورهبان أشرار وملاح زورق ينقل الناس إلى جزيرة الموتى مثل خارون في الأساطير الإغريقية، وشخصيات أسطورية من التراث الأدبي والتاريخي الإنجليزي: بيولف المحارب الملحمي ضد وحش البحيرة جرندل في قصيدة أنجلو - سكسونية قديمة، والسير جاوين أحد فرسان المائدة المستديرة.

العالم قد خطا خطوات واسعة نحو عالم كابوسي يجاوز بمراحل ما تنبأ به أولدوس هكسلي أو جورج أورويل

وبعث الماضي يتجلى في الروايات التاريخية ومن أمثلتها رواية جوليان بارنز «تاريخ العالم في عشرة فصول ونصف فصل» (1989) وفيها نرى الحياة في فلك نوح، أثناء الطوفان الذي غمر الأرض، من منظور دودة آكلة للخشب تمكنت من التسلل إلى الفلك. ورقعة خيال الكاتب واسعة تجلب إلى الرواية غرق الباخرة تايتانيك، ورحلة كولومبوس لاكتشاف العالم الجديد، وقارباً أسترالياً يحاول النجاة من إشعاعات انفجار نووي، وسفينة فضاء.

وأخيراً فهناك استيحاء التراث الأدبي المنحدر إلينا عبر العصور، وهو ما قد يتخذ صورة التقاط شخصيات قصصية من أعمال أدبية سابقة مثل دراكيولا أو ديفيد كوبرفيلد أو شرلوك هومز أو جيمز بوند، والتنبؤ بما سيؤول إليه مصيرها. ومن أمثلة ذلك رواية الروائي الأمريكي جون أبدايك المسماة «غرترود وكلوديوس» (2000) وهي استيحاء تخيلي لمسرحية شكسبير «هاملت» (غرترود هي أم هاملت، وكلوديوس هو العم الذي قتل أبا هاملت)... ويقيم أبدايك تقابلاً بين عقلية العصر الحديث وعقلية العصور الوسطى مبرزاً التباين بين اتجاهاتهما الوجدانية والسلوكية.

كيف ستكون صورة القصة في السنوات المقبلة؟ يقول كمب إن العالم قد خطا خطوات واسعة نحو عالم كابوسي يجاوز بمراحل ما تنبأ به أولدس هكسلي في روايته «عالم جديد جميل» (1932) أو جورج أورويل في روايته «1984». أما إذا آثرنا أن ننظر إلى النصف المليء من الكوب فسنجد أن الصورة ليست سواداً كلها. إن هـ.ج.ولز الذي كان متشائماً في قصصه العلمية الأولى قد أصبح أكثر تفاؤلاً في أعماله الأخيرة، وبدأ يتطلع إلى مستقبل جديد للبشرية يتكئ على إيمان بالتقدم. وتشاؤم الروائية الكندية مرغريت أتوود في روايتها المسماة «حكاية الخادمة» (1985) قد أفسح الطريق في ثلاثيتها المسماة «أوريكس وكريك» (2003) لرؤية أكثر إشراقاً. والأمر كله مرهون بالدرب الذي يسلكه الإنسان (ويصوره الأدب) في المستقبل: أيحافظ على البيئة الطبيعية، ويمحو أسباب الصراعات السياسية، ويضع موارده في خدمة البشر، أم يمعن في شن حروب لا تجلب إلا الخراب والمعاناة ودمار مقتنيات الإنسان الروحية والمادية؟


«الواقعون»... رواية كوبية عن سقوط العائلة في عالم يتداعى

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«الواقعون»... رواية كوبية عن سقوط العائلة في عالم يتداعى

غلاف الرواية
غلاف الرواية

عن دار «الكرمة» للنشر بالقاهرة صدرت رواية «الواقعون» للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألباريس، ترجمة: أحمد محسن. تتناول الرواية فكرة السقوط بمعناه المادي والمعنوي، سواء على مستوى العائلات أو على مستوى أفراد تعطب أرواحهم وتصاب نفوسهم بالخراب. تتجسد تلك الفكرة من خلال قصة عائلة تتكون من ابن لا يؤمن بالثورة وأب يتمسك بحلم باهت ويقتبس من «تشي جيفارا» متى استطاع. وهناك في المقابل أم تسقط مريضة وترى الحياة تنفلت من بين يديها، وكذلك ابنة تفعل كل شيء من أجل تدبير أمورها حتى لو كان هذا يعني الاستسلام للوهم والخداع.

تجسد العائلة وتداعياتها صورة مجتمع في حالة سقوط حر نتيجة لعدم الوفاء بالوعود التي تجسد أحلام الناس، وهي تقدم نظرة جديدة لم نعهدها لكوبا المعاصرة بكل تناقضاتها بقلم أحد أهم أدبائها المعاصرين.

وصفَ الملحق الأدبي لصحيفة «نيويورك تايمز» الرواية بأنها «عمل أدبي مميز ومؤلم وسردية مزعجة ومذهلة تكشف بدقة متناهية قصة عائلة في أزمة تنفجر من الداخل».

واحتفى النقاد بالنص احتفاءً بالغاً، إذ علّق عليه إميليانو مونجي قائلاً: «أفضل ما في أدب أميركا اللاتينية موجود هنا، بمهارة ناضجة لشخص يعد نموذجاً لمصادر السرد والحساسية، إذ يصور كارلوس مانويل بوضوح كيف أن الهوية الوحيدة المهمة حقاً ليست قومية بل الإنسانية، كما يمكن اعتبار الرواية متحفاً للوحدة وللشقوق التي تفصل عالمنا الداخلي عن العالم الذي نعيش فيه وعن أولئك الذين نعيش معهم».

ويعد كارلوس مانويل ألباريس أبرز أديب كوبي شاب في الوقت الحاضر، وقد اختير في 2016 بوصفه واحداً من أفضل عشرين كاتباً من أميركا اللاتينية، كما اختير في قائمة «بوغوتا 39» لأفضل عشرين كاتباً من أميركا اللاتينية تحت سن الأربعين. صدرت روايته «الواقعون» عام 2018 وتُرجمت إلى عدة لغات وهي أول عمل يُنشر له باللغة العربية. وبالإضافة إلى الأدب فكارلوس مانويل ألباريس صحافي معروف وحاصل على عدة جوائز ويسهم في الكتابة بانتظام في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«يكمن أصل السعادة في أن تنام عدد الساعات الضروري في الوقت الذي تختاره. ليس مؤكداً أن تنعم بالسعادة إذا نمت الوقت الكافي لكن المؤكد إن لم تفعل أو نمت في الوقت غير المناسب أنك لن تستطيع أن تنعم بها. في مركز الضيق العالمي، في قلب الرداءة، تكمن حقيقة أن هذه الكتلة عديمة الشكل من الرجال والنساء والفتيان والفتيات، عليها أن تستيقظ الفجر في الساعة الخامسة والنصف أو السادسة أو السادسة والنصف صباحاً وتذهب على مضض إلى أعمالها أو مدارسها برؤوس منخفضة كالماشية، مقودة إلى المذبح اليومي من مؤسسات يكرهونها بكل ما فيهم من نعاس وفتور لكنهم يستمرون في تقديم فروض الطاعة لها.

يولد اليوم معوجّاً، وكل ما يحدث بعد ذلك سيؤول حتماً إلى الفشل لأنه ماذا يمكن أن ينجح فيه شخص استيقظ فجراً؟ من المحتمل أن هناك روتيناً أبشع من سماع المنبه ومد اليد وإغلاقه، والنهوض في الظلام، وإطلاق تلك السلسلة شديدة الحزن من التثاؤبات، وإزالة غمص أعينهم، والإفطار خبزاً قديماً وقليلاً من الحليب، وغسل أسنانهم، ولبس رداء السجين الاجتماعي... كل ذلك من دون أن يستيقظوا تماماً واليوم لا يزال مظلماً، وبرد الصباح يغسل بشرتنا.

روتين الجنود الذي عشته في الخدمة داخل الجيش في الواقع أسوأ. أربع ساعات خدمة وأربعٌ راحة، يوماً بعد يوم. اليوم الذي لا خدمة فيه تشغله بعمل جانبي، ودائماً ما يكون عملاً شاقاً كنقل صومعتين من الألغام المضادة للدروع من مكانيهما، أو كمية من صناديق بنادق كلاشينكوف، أو تنظيف عشرات من مخازن البنادق بالزيت، أو الدهان بالجير جزءاً كبيراً من السور الجانبي للوحدة الذي يرتفع طوله مترين ونصف المتر وقد سقط طلاؤه، أو قضاء ست ساعات في فرك أرضية الفناء الخلفي أو كشط قشرة السخام التي تتراكم في المطبخ».


تماثيل صلصالية من «قصر أوبيري» في «قلعة البحرين»

تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد
تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد
TT

تماثيل صلصالية من «قصر أوبيري» في «قلعة البحرين»

تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد
تماثيل صغيرة من «قلعة البحرين» تعود إلى المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد

أُدرج موقع «قلعة البحرين» في قائمة التراث العالمي لـ«منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (اليونيسكو)» في عام 2007. في العام التالي، افتُتح «متحف قلعة البحرين» بهدف حماية الملامح التاريخية لهذا الموقع الأثري، وتوثيق الحقب الأثريّة التي شهدها. يحوي هذا المتحف عدداً كبيراً من القطع الأثريّة التي خرجت من بين أطلال هذه القلعة، ومنها مجموعة من التماثيل المصنوعة من الطين الأبيض المحروق، عُثر عليها في قاعة من قاعات مجمّع يُعرف اليوم باسم «قصر أوبيري».

شكّلت جزر البحرين في الماضي جزءاً من إقليم امتدّ على مناطق واسعة من ساحل شبه جزيرة العرب وعُرف باسم دلمون. بين عامي 2050 و1650 قبل الميلاد، نعمت دلمون باستقلالها، واشتهرت بتجارتها البحرية، إلى أن سيطرت عليها سلالة الكيشيين البابلية بشكل كامل، وظلّت تحت هذه السيطرة على مدى قرون من الزمن، ودخل اسمها في غياهب التاريخ. في عام 1225 قبل الميلاد، سار الملك الآشوري توكولتي نينورتا الأول بجيشه إلى الأراضي البابلية، وأسر الملك الكاشي كشتيلياش الرابع، وأضاف إلى ألقابه لقب «ملك دلمون»، غير أن دلمون ظلت بعيدة عن آشور، ولم تستعد بريقها في ذلك الزمن كما يبدو.

بعد خمسة قرون، لمع اسم دلمون من جديد، وتكرّر ذكره في النقوش المسمارية التي تعود إلى عهد سرجون الثاني؛ ملك الإمبراطورية الآشورية الحديثة بين عامي 722 و705 قبل الميلاد. على بعد 12 ميلاً إلى الشمال الشرقي من الموصل، على الضفة الغربية لنهر دجلة، مقابل أطلال نينوى، في القرية التي تُعرف اليوم باسم خورسباد، شيّد هذا الملك قصره الهائل في «دور شاروكين»؛ أي «قلعة سرجون»، وهو القصر الذي ضم أكثر من مائتي حجرة و30 فناءً، ومنه خرجت حلل فنية بديعة انتقلت إلى «متحف اللوفر» في باريس و«متحف المعهد الشرقي» في شيكاغو. حوى هذا القصر نقوشاً مسمارية كثيرة تمجّد مآثر سرجون الثاني، وفي هذه الكتابات تكرّر اسم أوبيري؛ «ملك دلمون الذي كان يعيش كالسمكة في وسط بحر الشروق؛ البحر الذي تشرق عليه الشمس، وعلى مسافة 30 ساعة مضاعفة». يستدلّ من هذا النص على أن «الوصول إلى دلمون كان يتطلب نحو 60 ساعة ملاحة من مصب الفرات؛ أي إنها كانت تبعد نحو 300 ميل، وهي نفس المسافة إلى جزر البحرين»، كما أشار محمد أبو المحاسن عصفور في كتابه «معالم الشرق الأدنى القديم».

من جهة أخرى، تؤكد هذه النصوص أن أوبيري؛ ملك دلمون، سمع بجلال عظمة سرجون الثاني، فأرسل بهدايا إليه... «وفي هذا الخبر إشارة واضحة إلى استقلال البحرين؛ أي جزيرة دلمون وخضوعها لحكم ملك لعله كان من أهلها. ولما كان القسم الجنوبي من العراق تحت حكم الآشوريين في هذا العهد، وللبحرين علاقات تجارية متينة مع هذا القسم، لذلك أرسل هدايا ثمينة إلى ملك آشور»، كما كتب جواد علي في موسوعته «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام».

في «قلعة البحرين» المرتفعة فوق تل يقع على الساحل الشمالي للجزيرة، كشفت بعثة فرنسية عن أسس مُجمّع شُيّد فوق أنقاض قصر يعود إلى الحقبة الكاشية، وتبّين أن هذا المجمّع يعود إلى الحقبة الأخيرة من دلمون، وهي الحقبة التي انتهت في القرن الخامس قبل الميلاد، حيث خضعت هذه البلاد لسلالة الأخمينيين التي أنشأت الإمبراطورية الفارسية الأولى. بدأت هذه البعثة الفرنسية مهمّتها في سنة 1977، وشرعت في تحديد معالم هذا المجمّع في سلسلة من الحفريات جرت بين عامي 1989 و1993، وأطلقت عليه اسم «قصر أوبيري»، وتبقى هذه النسبة افتراضية إلى يومنا هذا في غياب أي شاهد أثري يؤكّدها بشكل قاطع. في ركن من أركان هذا القصر، عثر المنقبون على مجموعة كبيرة من التماثيل الصلصالية الصغيرة، بلغ عددها نحو مائة قطعة. وقيل إن هذه التماثيل ترتبط على الأرجح بمعبد في القسم الغربي من الموقع، مما يعني أنها مجسّمات نذرية، غير أن هوية هذا المعبد لم تتضح بعد.

يصعب تحديد تاريخ هذه التماثيل بدقّة... ويُجمع أهل الاختصاص على القول إنها من نتاج المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد

يصعب تحديد تاريخ هذه التماثيل بدقّة، ويُجمع أهل الاختصاص على القول إنها من نتاج المرحلة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، وكلّها من الطين الأبيض المحروق، وهي من الحجم الصغير الذي لا يتجاوز طوله بضعة سنتيمترات؛ منها ما وصل بشكل شبه كامل، ومنها ما فقد بعضاً من معالمه. تمثّل هذه التماثيل رجالاً ملتحين، وتتبع في تأليفها قالباً واحداً جامعاً، يتجلّى في تكوين الرأس كما في تحديد ملامح وجهه. يحلّ هذا الرأس في مجمل الأحيان فوق مساحة عمودية تُمثّل النصف الأعلى من جسم جُرّد من مفاصله. هكذا يبدو صدر البدن عارياً من أي ملامح، مع نتوء بسيط عند طرفي الكتفين، يشير إلى أعلى الذراعين الغائبتين.

تتكرّر ملامح هذا الرجل الملتحي بشكل لافت. تظهر العين على شكل دائرة تستقرّ في وسطها دائرة أصغر حجماً تُمثّل البؤبؤ. وتبرز كتلة الأنف العريض الأفطح وسط العينين. ويتحوّل الفم إلى خط أفقي غائر يستقرّ وسط شاربين ولحية نصف بيضاوية، تعلوها شبكة من الخطوط العمودية الغائرة تُحدّد خصلات شعرها. تُظهر النماذج التي وصلت بشكل شبه كامل أن صاحب هذا الوجه يعتمر قبعة مدبّبة كبيرة، تحدّ طرفها الأسفل مساحة أسطوانية بارزة. ومع هذه القبعة، تأخذ كتلة هذا الرأس شكل ما يُعرف في الهندسة باسم المُعيَّن، وهو شكل رباعي مكوّن من مثلثين لهما قاعدة مشتركة. تشكل قمّة القبعة المدبّبة رأس المثلث الأعلى، بينما يشكّل طرف اللحية الأوسط رأس المثلث الأسفل.

يبرز وسط هذه المجموعة الكبيرة من المجسمات الصلصالية تمثال فريد من نوعه يجمع بين هذا الرأس الآدمي الملتحي المميّز، وجسد حيواني ضاعت منه قوائمه الأربع. يشكّل هذا الكائن الهجين العجيب لغزاً يصعب حلّه في غياب الشواهد الأثرية التي تسمح بتقديم قراءة تأويلية لهويّته، والأرجح أن جسد الدابة يرمز إلى قوّة هذا الرجل الملتحي الذي تتكرّر صورته على عشرات من التماثيل النذرية.


نيتشه للقرن الحادي والعشرين

نيتشه للقرن الحادي والعشرين
TT

نيتشه للقرن الحادي والعشرين

نيتشه للقرن الحادي والعشرين

«نيتشه قريب للقراءة، لكن الوصول إلى مغازيه أمر من الصعب بمكان». بهذه الجملة يقدّم البروفسور فيرنر ستيغماير كتابه الأحدث عن الفيلسوف الألماني المثير أبداً للجدل فريدريك نيتشه (1844 - 1900)، الذي نُقِل إلى اللغة الإنجليزية بترجمة من الدكتور رينهارد جي مولر، وصدر بداية بنسخة إلكترونيّة ثمّ مطبوعة عن دار النشر التابعة لوقفيّة «فاونديشن فور أورينتيشن فيلوسوفي» في الولايات المتحدة الأميركيّة بعنوان «توجيه بشأن فلسفة فريدريك نيتشه». An Orientation to the Philosophy of Friedrich Nietzsche قد يفترض المرء، ونحن على مشارف الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، أن كل ما يمكن أن يُكتب عن فكر نيتشه قد نُشِر بالفعل، وأن فلسفته مهما كانت مفصليّة في مرحلة سابقة من التاريخ، فإن الزّمن تجاوزها، ولم تعد سوى جزء من سياق تتبع تطور الفكر الفلسفي الذي يقوم به الأكاديميون من قاطني الأبراج العاجيّة ليس إلا. لكن الواقع أن نصوصه ما زالت آسرة وقادرة على إثارة الجدل؛ سواء في أسلوب عرضها الفريد أو فيما تتضمنه من ثراء الأفكار، رغم أنّ كثيراً مما تحمله من المعاني صادم وغريب، بحيث يصعب على المرء أن يتقبله، أو حتى يستند إليه لتكوين مفهوم نظري متكامل عن العالم.

إن طروحات نيتشه تثير الحنق ربّما أكثر مما تقدّم ما يريح، وهي كذلك تماماً كما أرادها صاحب «هكذا تحدّث زرادشت»، و«كيف تتفلسف حاملاً مطرقة». لقد أقدم عامداً متعمداً على حرث الفضاء الفلسفي بأكمله من جديد، مقوضاً في طريقه جبالاً من مفاهيم طالما اعتصم الناس بها، بمن فيهم الفلاسفة والمثقفون، لمئات، بل آلاف السنين: الحقيقة، والعقل، والمنطق، والعلم، والأخلاق، والدين، والقانون، والدولة، والجوهر، والموضوع، والسبب، والنتيجة، والوعي، والإرادة والحرية، والحفاظ على الذات، والتقدم، وما إلى ذلك، دون أدنى محاولة لتقديم ولو حفنة صغيرة من يقين جديد، أو منظومة نظرية متكاملة بديلة.

بتحرر وصرامة يواجه نيتشه جمهوره بحقيقة الحياة البشريّة، فيشرّحها كما هي، دون ألوان أو رتوش، كواقع لا يمكن إنكاره، ولكن لا يمكن مع ذلك تحديده، وتتعذر معه محاولات إصلاحه. ولذلك ففلسفته تتعايش مع المفارقات وتتقبلها، وتتسبب لقارئها بالارتباك، حتى وإن قصد صاحبها التوجيه.

إننا ندرك اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن تأطيراً نظريّاً لوجهة ممارسة العيش في هذا العالم أمر لم يعد ممكناً بالاعتماد على منظومات يقينيّات كبرى متوارثة، ما لم يتجاوز المرء الحياة ذاتها، ويتبنى موقفاً (فلسفيّاً) متعالياً منها، عبر عبارات نقيّة لكنّها خارج سياق الواقع المجرّد.

على أن نيتشه يذهب (وفق ما يقول البروفسور ستيغماير) إلى أن الفلسفة تأتي من داخل الذات. فالبشر، ومنهم فلاسفتهم، ما هم في الخلاصة إلا كائنات حيّة لها احتياجات ومتطلبات، وتواجه تحديات وصراعات تشكِّل أفكارهم عن العالم بشكل لا إرادي، ولذلك فإن المرء يأتي بتصورات نابعة من تجربته الحياتية في ظل ظروف عيش معينة، ما يجعل من توجهه الفلسفي نتاج حاجة ذاتيّة، وتكون نظريته بالضرورة، سواء أكان إنساناً عادياً أو فيلسوفاً، كشفاً عن شخصيته الفريدة المتفردة.

وبناء على هذا التصوّر، فإن أي نظرية فلسفيّة عند نيتشه لن تكون صحيحة أو خاطئة، بقدر ما هي أعراض ألم ذاتي يريد شخص ما التغلب عليه. ومن نقطة الانطلاق هذه شكَّك نيتشه خلال حياته بكل شيء دون إبداء أي تحفّظ، وافترض أن التّفلسف مرجعه ومصدره دائماً شخص المتفلسف نفسه، بآفاقه ووجهات نظره وتوجهاته، التي عبرها فقط يمكنه استكشاف فلسفات الآخرين؛ ما يجعل إمكان وجود نظام فلسفي عالمي مجرّد تأمل مهلهل ومبالَغ به، فتنهار التفسيرات القائمة على المذاهب العقائدية، وتفقد الموضوعيّة الفلسفيّة المفترضة قيمتها لمصلحة وجهات النّظر الشخصيّة المحض.

ولذلك يذهب البروفسور ستيغماير إلى التنبيه إلى أن الاشتباك بكتابات نيتشه، لا سيّما نصوصه من الشّذرات، لا يمكن معها التوصّل إلى موقف نهائي يمكن الاستناد إليه في عملية اختيار توجُّه محدَّد نحو العلاقة بالحياة والعالم، وإنما يمكن للقارئ أن يستعين بمعول الهدم النيتشوي بقدر ما يشاء، بحسب رغباته واحتياجاته وآلامه، وهكذا عندما يوغل في أي من كتبه سيتسنى له أن يحدد إلى أي مقدار من نيتشه يمكنه تحمّله، وإلى أي مدى يستطيع عليه صبراً، في مواجهة عدم ثقته ضد كل يقين مطلق. والحق أنّ أغلبيتنا الساحقة ستصل معه إلى نقطة الفراق، حيث يحتاج البشر الضعفاء في النتيجة إلى شيء نهائي، وثابت، وسرمدي، للتمسُّك به، بعض سلوى الميتافيزيقا، وإن لم تظهر بشكل صريح أو منهجي، وتسربلت بثياب الدين، أو الأخلاق، أو السياسة، أو العلم، أو المنطق، أو حتى في مجرد الانغماس في اليومي والعابر مما يتطلبه كسب العيش والتعامل مع الآخرين.

إن فلسفة نيتشه، بخلاف مَن سبقه أو لحق به من المفكرين العظماء، تمرين مستمرّ على محاولة تبني توجُّه بشأن علاقتنا بالحياة والآخرين والعالم دون ميتافيزيقيا، وأداة تفلسف لممارسة نقد ذاتي راديكالي لمجمل تجربة الفكر البشري، وهذان، يقول البروفسور ستيغماير، يوسعان بشكل أو آخر مساحات اختيار مسار التوجه في الحياة، وهو أمر محرر دون شك لم يسبق إليه بهذه الصرامة والوضوح أي من الفلاسفة الكبار، لكنّه أمر مخيف أيضاً.

من هنا تكتسب فلسفة نيتشه قيمة إضافيّة لها عند إنسان الرأسمالية المتأخرة في القرن الحادي والعشرين، بعدما تناثرت صيغ الأفكار العالميّة الكبرى كِسَفاً، وتسارعت وتيرة التغيير المستمر على نحو غير مسبوق حتى لم يعد بمقدور جيل واحد أن يتوقع من الجيل التالي له أن يستوعب صيغ العيش التي اعتاد وتأقلم عليها وعدَّها مسلَّمات، وإطارات وعي جمعي مشترك.

ولعله يمكن الزّعم بأن «توجيه بشأن فلسفة فريدريك نيتشه» قد يكون أفضل تمهيد يمكن لقارئ معاصر أن يستعين به، إن هو قرر عبور بحر الفكر النيتشوي العاصف، وذلك بحكم ترفّع مؤلفه، البروفسور ستيغماير، عن تعجرف المتخصصين وفذلكة الخبراء، وقرب مترجمه البروفسور مولر من مزاج الفلسفة الألمانية والمناخ الفلسفي الأميركي في آن، فيقدّم ممراً يشق بحر الكتابات الأكاديمية الكثيرة في استكشاف تجربة نيتشه، لا بوصفها مشروعاً فلسفياً وإنما كنتاج مفكر يأتي من خارج التصنيفات الفلسفيّة والمذهبيّة المعتادة، وذلك من خلال استقراء المصادر التي شكّلت أفكاره، بما في ذلك تقلبات حياته ومزاجه، ومصاعبه الصحيّة، والمعارف الذين التقاهم، وقراءاته، ونماذج الكتابة الفلسفية التي جرّبها، وتوقعاته وأشواقه، و«المهمة» التي نذر نفسه لها، وخطوط التوجيه الذاتية التي تعامل بها، ومنهجيته النقدية في تناول التوجهات والنظم الفكرية المستندة إلى أوهام الميتافيزيقا، ومغامراته في «إعادة تقييم جميع القيم»، ودوافع استعداده الدائم لمساءلة كل عقيدة توافقت عليها مجموعة من البشر، متصدياً في الوقت ذاته للمحاولات الضحلة لتعليب المنهج النيتشوي في مفاهيم ونظم فكريّة تسهِّل إساءة تفسيرها، مثل فكرة الإنسان الأعلى (أوبرمنش)، وإرادة السلطة - ما دفع كثيرين إلى تبنى صورة نيتشه كنبيٍّ ملهم للفكر النازي - وكما ذلك التكرار المملّ على وسائل التواصل الاجتماعي لمقاطع مجتزأة مما وضعه نيتشه على لسان زرادشت، ما يخلّ بما أراد التعبير عنه.

وتتميز النسخة الإنجليزية من الكتاب بحاشية إضافية لا تتوفر في الأصل الألماني تتوجه قصداً إلى القراء في العالم الأنغلوساكسوني حول كيفية دراسة نيتشه اليوم، بالاستفادة بأبعد من نصوصه المنشورة، وذلك من خلال استقراء مراحل وعتبات تطور توجهاته الفكرية، كما تفهم؛ لا من النصوص المعروفة فحسب، بل وأيضاً من دفاتر ملاحظاته الشخصيّة التي نُشرت ونُقحت بعد أكثر من قرن على وفاته، وأمكن منها معرفة المزيد عن فلسفته، وكذلك، وهو ربما الأهم، عن طريقته بالتفلسف.


نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث

نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث
TT

نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث

نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث

تقول لنا كتب التاريخ ما فحواه: في أواسط القرن الثامن الميلادي، حصل شجار داخلي كبير أدى إلى زعزعة العالم العربي. فقد تغلَّب العباسيون على الأمويين، واستولوا على السلطة بعد أن أعملوا المجازر فيهم. كل العائلة الأموية أُبيدت عن بكرة أبيها. ولم يبقَ منهم إلا شخص واحد نجا من الموت وهرب إلى آخر الدنيا: هو عبد الرحمن الداخل، الملقب بصقر قريش. وهذا الشخص الواحد المذعور الهارب استطاع أن يؤسس إمبراطورية جديدة في الأندلس! من يصدق ذلك؟ معجزة حقيقية. على أي حال، هكذا انتقلنا من عهد السلالة الأموية التي استمرت قرناً تقريباً إلى عهد السلالة العباسية التي استمرت خمسة قرون. وقد بلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية أوجها؛ بلغت ذروة العظمة والمجد. عندئذ انتقل مركز الإسلام والعروبة من سوريا إلى العراق، ومن دمشق إلى بغداد. وعندئذ أشرق العصر الذهبي بأنواره على العالم.

ينبغي العلم بأن الصراع بين العباسيين والأمويين دار حول مفهوم الإسلام الصحيح: أي صحيح الدين. كل طرف كان يتهم الطرف الآخر بالانحراف عنه، وعن نهج العقيدة القويمة المستقيمة، وذلك لكي يزيحه عن السلطة ويحل محله. والواقع أن العباسيين استخدموا هذا الأسلوب في الدعاية و«البروباغندا» لكي يسفِّهوا الأمويين ويشوِّهوا صورتهم. وقد نجحوا في ذلك كل النجاح. فقد أشاعوا عنهم أنهم انحرفوا عن نهج القرآن والشريعة، وأنهم منافقون، فاسدون، ماجنون، لا أثر للإيمان في قلوبهم. ونجحت الإشاعة وانتشرت في كافة الأمصار الإسلامية، الشيء الذي أدى إلى سحق الأمويين عام 750م وحلول العباسيين محلهم على رأس الإمبراطورية العربية الإسلامية. وهذا ما يدعوه المؤرخون «الثورة العباسية».

وهذا يعني أنك لا تستطيع أن تسقط أي نظام بالقوة «الخام» -إذا جاز التعبير- أو بالقوة المحضة فقط. وإنما ينبغي أن تسقط مشروعيته الإلهية أو الدينية أولاً. الآن نقول: مشروعيته الآيديولوجية أو السياسية. انظر الصراع الجاري حالياً بين التيارات الظلامية للإسلام السياسي، وبين تيار الإسلام المستنير الصاعد بكل قوة على الرغم من كل شيء. صحيح أنه لا يزال أقلية قليلة، ولكن حركة التاريخ تمشي في اتجاهه، والمستقبل له حتماً.

متى سنكف عن فهم الإسلام على أساس أنه تكفير وحرب وضرب وتفجيرات وطائفيات مشتعلة؟ متى سندرك أنه يوجد فهم آخر للإسلام: فهم حضاري وأخلاقي وروحاني عظيم. لأن «الربيع العربي» لم يدرك ذلك؛ فشل فشلاً ذريعاً. (أفتح هنا قوساً وأقول بأن سكوت معظم المثقفين العرب عن المجازر المخزية التي ارتكبها الأصوليون خلال العشرين أو الثلاثين سنة الماضية في الداخل والخارج، وكذلك اغتيال المثقفين والصحافيين في الجزائر وسواها، هو أكبر دليل على مدى تخلف الثقافة العربية؛ ليس فكرياً فقط، وإنما أخلاقياً وإنسانياً أيضاً. ولهذا السبب لا توجد لنا أي مصداقية ولا أي احترام على المستوى العالمي).

كنوز التراث أو ذخائر العرب

بين عامي 750 و1100م، كان جميع العلماء إما عرباً، وإما فُرساً، وإما أتراكاً من آسيا الوسطى، وإما بربراً أمازيغيين في الأندلس وشمال أفريقيا، وإما يهوداً، أو مسيحيين، أو مسلمين بطبيعة الحال. ولكن كانت هناك خاصية مشتركة تجمع بينهم جميعاً، ألا وهي: أنهم كلهم كانوا يفكرون ويكتبون باللغة العربية. صحيح أنهم كانوا يتحدثون بلغتهم الأم عندما يعودون إلى بيوتهم وعائلاتهم وأطفالهم، ولكن لغة العلم والفلسفة والمناقشات الفكرية الكبرى المحتدمة كانت تتم باللغة العربية. ولهذا السبب جرى استخدام تعبير «الحضارة العربية» وتفضيله على تعبير «الحضارة الإسلامية». لماذا؟ لأن كثيراً من العلماء آنذاك ما كانوا مسلمين؛ بل إن معظم المترجمين الكبار كانوا عرباً مسيحيين. ولكن كانوا كلهم يتقنون العربية ويؤلفون كتبهم الأساسية بها.

كانت اللغة العربية آنذاك لغة الحضارة العالمية. لهذا السبب نقول بأن مستقبل اللغة العربية أمامها لا خلفها، ولكن بشرط واحد: ألا وهو تبسيط قواعدها ونحوها وصرفها وصياغاتها التعبيرية. ثم بشرط تخلي المثقفين العرب عن ظاهرة التفاصح والتقعر. كنا ننتظر منهم تطوير اللغة العربية وتسهيلها، فإذا بهم يعقِّدونها أكثر فأكثر بنوع من الشطارة البهلوانية المزعجة والمقلقة فعلاً. ثم بشرط نقل كل العلوم والفلسفات الحديثة إليها. ثم بشرط اشتقاق آلاف المصطلحات الجديدة المقابلة للمصطلحات الإنجليزية والفرنسية، بغية مواكبة روح العلم والعصر واستدراك ما فات. كل يوم ينبغي أن نبتكر مصطلحاً جديداً في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية أيضاً. ثم بشرط حرية الإبداع والابتكار. ثم بشرط نقد الأصولية الظلامية وتفكيكها من جذورها، من أساسات أساساتها. وهذا هو الشرط الأساسي لتدشين حركة التنوير العربي القادم. على هذا النحو يمكن أن يعود العصر الذهبي مرة أخرى.

هذا وقد أبدع علماء الإسلام في كافة المجالات بين القرنين الثامن والثاني عشر للميلاد (بين قوسين: أخشى ما أخشاه أن يصحح لي أحدهم تعبير «في كافة المجالات» فيصبح «في المجالات كافة»! يكاد يجن جنوني. هذا هو التقعر والتفاصح اللغوي بعينه. هذا التقعر المتفاصح سوف يلجم اللغة العربية، ويمنعها من التطور والانطلاق، وربما قتلها أو خنقها في نهاية المطاف. ومن الحب ما قتل. ومن الحب ما خنق. وهذه المعركة الكبرى كانت هي أيضاً معركة جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وبقية الرواد النهضويين. متى ستقترب اللغة العربية من لغة الحياة؟ هذا هو السؤال. متى سنردم الفجوة الحاصلة، والهائلة، بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية؛ بدلاً من أن نوسعها ونفاقمها ونصبح أضحوكة للأمم والشعوب؟).

حركة «الإخوان المسلمين» التي تأسست عام 1928 هي التي قصمت ظهر النهضة العربية التي كانت صاعدة بقوة من خلال التفاعل مع أفضل ما أعطته أوروبا

انتصار عصر الانحطاط

نعود إلى صلب الموضوع، ونقول: ولكن هذا العصر الذهبي كان قصيراً مع الأسف الشديد؛ لأنه لم يستمر أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون في بغداد العباسية أولاً، ثم في قرطبة الأموية ثانياً. بعدئذ ابتدأ عصر الانحطاط الطويل الذي لم نقم منه إلا بعد سقوط السلطنة العثمانية عام 1918. وهي السلطنة التي هيمنت على مقدرات العالم العربي من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين. وفي تلك القرون الظلامية الأربعة لم يواكب المسلمون الحركة العلمية والفلسفية إطلاقاً؛ بل ولم يسمعوا بها. بل كانوا يغطون في نوم عميق عندما كانت أوروبا تنهض وتصنع العلوم والحضارات والمعجزات. وهكذا انعكست الآية؛ في تلك القرون الأربعة ظهر كل علماء وفلاسفة أوروبا الكبار، من أمثال: كوبرنيكوس، وغاليليو، وديكارت، ونيوتن، وكانط، وهيغل، وعشرات آخرين؛ ولكن هل سمع بهم قادة السلطنة العثمانية وشيوخها الكبار؟ أبداً، لا. لم يسمعوا بهم، ولم يترجموا لهم كتاباً واحداً، ما عدا كتاباً واحداً في الطب؛ لأن السلطان كان مصاباً بمرض جنسي. وهذا يعني أن عصر الانحطاط استمر مدة ستة أو سبعة قرون؛ أي منذ القرن الثاني عشر، تاريخ سحق المعتزلة والفلاسفة وانطفاء أنوار قرطبة بعد أنوار بغداد، وحتى القرن التاسع عشر، تاريخ انطلاقة النهضة العربية في مصر وبلاد الشام، على يد: محمد علي، والطهطاوي، وبطرس البستاني، ويعقوب صروف، وشبلي شميل، والأفغاني، والكواكبي، وعشرات النهضويين الآخرين.

أخيراً، هكذا نلاحظ أن عصر الانحطاط والظلام هو الأكثر استمرارية ورسوخاً في تاريخنا. من هنا صعوبة الاستيقاظ والنهوض. كلما حاولنا النهوض انتكسنا وعدنا إلى الوراء. هناك قوى هائلة تشدنا دائماً إلى الخلف. من هنا صعوبة التخلص من الحركات الظلامية التي تهيمن علينا الآن. فالعصر الذهبي الأول لم يستمر أكثر من بضعة قرون في بغداد وقرطبة. والعصر الذهبي الثاني لم يستمر أكثر من قرن ونصف قرن: وأعني به عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى عام 1970. بعدئذ صعدت الموجة الأصولية بقوة وعنفوان هائل، وتسلَّمت زمام الأمور منذ خمسين سنة وحتى الآن؛ بل وحتى قبل ذلك. يمكن القول بأن حركة «الإخوان المسلمين» التي تأسست عام 1928 هي التي قصمت ظلنهضة العربية التي كانت صاعدة بقوة من خلال التفاعل مع أفضل ما أعطته أوروبا. وهي التي أرعبت العلماء والمثقفين في شتى الأقطار. انظر محاولة اغتيال عباس محمود العقاد الفاشلة لحسن الحظ.

والآن، نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث: أي عصر التنوير العربي الذي ابتدأت ملامحه ترتسم على الأفق. فهذه الموجة الأصولية سوف تنحسر عاجلاً أو آجلاً، وسوف يحل الإسلام المستنير محل الفكر الإسلامي الظلامي المهيمن علينا حالياً. ولكن ذلك لن يتم قبل أن تحصل معركة كسر عظم مع الأصوليات السوداء المزمجرة. لن يتم قبل أن ننخرط في معركة فكرية شرسة جداً مع ذاتنا التراثية العميقة. وهي معركة ظل المثقفون العرب يتحاشونها خوفاً من الاشتباك معها. ولكن في نهاية المطاف لا بد مما ليس منه بد.


طبعة ثانية من «الإمبراطورية الجديدة» لعمر كوش

طبعة ثانية من «الإمبراطورية الجديدة» لعمر كوش
TT

طبعة ثانية من «الإمبراطورية الجديدة» لعمر كوش

طبعة ثانية من «الإمبراطورية الجديدة» لعمر كوش

صدر عن دار «جدار للثقافة والنشر» بالإسكندرية كتاب «الإمبراطورية الجديدة» للكاتب والصحافي عمر كوش، وجاء في 192 صفحة من القطع المتوسط. وضم الكتاب، الذي صدر في طبعته الثانية بعد طبعة أولى بدمشق، ثلاثة أقسام؛ الأول بعنوان «الإمبراطورية الجديدة»، واشتمل على خمسة فصول ناقشت مفهوم الإمبراطورية الجديدة من خلال النموذج الإمبراطوري ومستوياته، والإمبراطورية المضادة، ثم التحديات والإشكاليات، ليختم بفصل عن مجتمع المشهد.

أما القسم الثاني من الكتاب، فكان بعنوان «الحدث والنظام»، واشتمل على فصلين وهما: المعادل الواقعي، والعالم بين أصوليتين. وأخيراً القسم الثالث، وكان بعنوان «تغاير المفاهيم»، وتندرج تحته ثلاثة فصول، ناقش فيها المؤلف تفكيك المفاهيم، وتوظيفات الخطاب السياسي، وختم هذا القسم بفصل عن خطاب النهايات.

وعمر كوش كاتب وصحافي تركي الجنسية، سوري الأصل، مقيم في إسطنبول. يكتب بشكل دوري مقالات ثقافية وسياسية في بعض الدوريات والمواقع الإلكترونية العربية. وهو باحث مشارك في بعض مراكز البحوث العربية.


ريشما راميش: الشعر ضرورة وجودية في عالم اليوم

الشاعرة الهندية ريشما راميش
الشاعرة الهندية ريشما راميش
TT

ريشما راميش: الشعر ضرورة وجودية في عالم اليوم

الشاعرة الهندية ريشما راميش
الشاعرة الهندية ريشما راميش

تُعد الشاعرة الهندية ريشما راميش من أبرز الأصوات الشعرية النسائية في بلادها، كما أنها معروفة في محيطها الآسيوي. تتسم قصائدها بالرهافة والحس العالي بمعاناة الإنسان، وتكتسب لغتها بعداً بصرياً يمنح النص هويته الخاصة، متأثرة بكونها مصورة فوتوغرافية محترفة، تقيم المعارض بين حين وآخر. تُرجمت قصائدها إلى أكثر من 16 لغة حول العالم، من بينها الإسبانية والفرنسية، كما أنها وجه مألوف -بزيها التقليدي المميز- في كثير من مهرجانات الشعر الدولية؛ وحصلت على تكريمات وجوائز من دول وهيئات مختلفة، مثل: صربيا، وتركيا، ونيبال، ومنظمة «اليونيسكو».

«الشرق الأوسط» التقتها على هامش مشاركتها في معرض الكتاب بالقاهرة، في هذا الحوار، حول الطفولة وعلاقة الشعر بالتصوير والموسيقى.

* من خلال ما قرأته لك، يبدو أن لطفولتك تأثيراً حاسماً في تحديد مسارات الشعر في حياتك؟

- هذا صحيح تماماً، فأنا ابنة المدينة؛ لكن هناك واقعة مهمة بالغة التأثير في دفعي نحو الشعر وقعت خلال طفولتي. زرت جدتي في القرية ومكثت معها بعض الوقت، فسحرتني الطبيعة ونمط الحياة البسيطة والاستغناء الكامل عن التكنولوجيا. لك أن تتخيلي أنه حتى التلفاز لم تكن جدتي تبالي به.

عندما عدت إلى المدينة، كنت شخصاً آخر مفعماً بروحانيات ومشاعر داخلية ونظرة مختلفة على العالم، ومن هنا بدأت علاقتي بالشعر.

* إلى أي حد أثرت الطبيعة إذن في شعرك؟

- استلهمت موسيقى البهجة، وتعلمت أسرار الشعر من غناء الفلاحين الجماعي في الحقول، كما استوعبت كيف أن للكلمات سحراً لا يقاوم، وموسيقى داخلية علينا فقط أن نعرف كيف ننصت إليها. الشعر يتطلب دائماً أن نفهم كيف يتحدث الكون إلينا؛ سواء عبر ذواتنا الداخلية أم كان ذلك عبر الطبيعة من حولنا.

* تقولين دائماً إن الشاعر ينبغي أن يكون سفيراً لبلاده، كيف ذلك؟

- نعم، وأعني أن عليه مسؤولية حقيقية في نقل ثقافة بلاده إلى الآخرين، عبر قصائده وعبر مشاركاته في الأحداث العالمية، مثل مهرجانات الشعر الدولية التي تعد دائماً بمثابة مختبر أو بوتقة تنصهر فيها ثقافات العالم، بمختلف ألوان البشرة واللغات والأزياء. هذا التنوع الذي يثري جوهرنا بوصفنا بشراً، على الشاعر أن يساهم فيه.

* تمارسين التصوير الفوتوغرافي بشكل محترف، إلى أي حد يتقاطع ذلك مع الشعر؟

- الصورة الفوتوغرافية بالنسبة لي هي الوجه الآخر للقصيدة، فكلتاهما تسعى للإمساك بالحقيقة والزمن والتعبير عن اللحظة الراهنة. صحيح أن إحداهما تتوسل بالضوء والظلال والأخرى بالكلمات؛ لكنهما في النهاية وجهان لعملة واحدة. أنا مشغولة بفكرة الفنون البصرية للغاية، وأعتقد أنها تتكامل بشكل رائع مع الفنون الكتابية. وإذا كانت لعبة الضوء والظلال هي الأداة المفضلة لفن التصوير، فإن القصيدة تعد هي أيضاً بمثابة عدسة لرصد الروح.

* وماذا عن علاقة الشعر بعملك طبيبة أسنان؟

- نقطة الالتقاء بين القصيدة والطب تتمثل في الدقة والتركيز والصبر. تعلمت من مهنتي –طبيبة- أن أنصت إلى آلام الآخرين وأحاول التخفيف عنها، وهو بالضبط ما يستهدفه الشعر بطريقة ما. لا يمكن لأي طبيب أن يكون شاعراً؛ لكن يمكن للشاعر أن يكون طبيباً أو مهندساً أو أي مهنة أخرى. الشعر يختارنا، نحن لا نختاره؛ بل نترك له أنفسنا ليحدد هويتنا بوصفنا مبدعين وبشراً.

* لماذا تكتبين شعرك باللغة الإنجليزية، ولا تكتبين بلغتك الأصلية «الكانادية»؟

- الأمر له علاقة مباشرة بسهولة وصول صوتك إلى العالم حين تكتب بالإنجليزية. هذه حقيقة ثابتة شئنا أم أبينا. هذا لا يقلل بالطبع من اعتزازي وفخري بلغتي الأصلية.

* إلى أي حد هناك محاذير أو خطوط حمراء تواجهك -بوصفك امرأة- في مجتمع محافظ حين تمارسين فعل الإبداع؟

- على المستويات الحسية الإيروتكية، وكذلك على مستوى الموروث المقدس، أكتب بحرية شديدة دون خطوط حمراء تقريباً. المشكلة تأتي حين يتعلق الأمر بالشأن السياسي. وأذكر هنا أن إحدى الشاعرات الهنديات لقيت حتفها ثمناً لتمسكها برؤيتها الرافضة للتعصب العرقي، وهجومها الصريح على كثير من الأوضاع الخاطئة القائمة.

تعلمت من مهنتي (طبيبة) أن أنصت إلى آلام الآخرين وأحاول التخفيف عنها وهو بالضبط ما يستهدفه الشعر بطريقة ما

* يرى البعض أن العالم لم يعد بحاجة إلى الشعر، وأنه أدار ظهره للقصيدة في زمن الحروب والكوارث، كيف ترين الأمر؟

- أرى العكس تماماً، فالشعر ليس رفاهية؛ بل هو متصل مباشرة بكل ما هو نقي وجميل داخل النفس الإنسانية. إنه ضرورة وجودية في عالم اليوم، فهو وحده القادر على إيجاد القواسم المشتركة بين البشر؛ لا سيما الحق والخير والجمال؛ وكلما زاد جنون العالم وتعددت حماقاته من حيث الحروب والكوارث، أصبحنا أكثر احتياجاً للشعر؛ لأنه يمنح السلام.

* مع ذلك، يرى البعض في المقابل أنه يمكن الاستغناء عن الشعر، من خلال الاستعانة بالذكاء الاصطناعي مثلاً، وغيره من التطبيقات التي يمكن أن تنتج لنا قصيدة بديلة؟

- لا أخشى على مستقبل القصيدة من الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الجديدة التي اقتحمت عالم الأدب والتأليف، وذلك لسبب بسيط للغاية، وهو أن فكرة الإبداع تقوم في جوهرها على تجاوز ما سبق أن قدمه الآخرون في التراث الأدبي الإنساني، في حين أن الذكاء الاصطناعي ليس أكثر من وسيلة لإعادة ترتيب وإنتاج الإبداعات السابقة، في صورة قد تبدو جديدة؛ لكنها في جوهرها قائمة على التكرار. سيظل الخيال البشري صاحب الكلمة العليا في التعبير عن جمال الحياة وحزنها، أما الذكاء الاصطناعي فهو مفيد وحيوي في مجالات أخرى بالطبع.

* حصدت كثيراً من الجوائز، فما الذي يعنيه لك ذلك؟

- المبدع يسعد بالطبع حين ينال تكريماً؛ لكن الجوائز لا تشغلني كثيراً، والجائزة الحقيقية تظل متمثلة في وصول صوت المبدع إلى الآخر. أعني أنني لا أستهدف التكريم أو الاعتراف في حد ذاتهما، وأنشغل فقط بتحقيق أقصى درجات الصدق مع الذات والمتلقي.