مثاقفة محمد جابر الأنصاري الباريسية

مقالاته خلت من التفاعل الثقافي والأدبي مع ما كان يدور في عاصمة الأنوار

طيب تيزيني
طيب تيزيني
TT

مثاقفة محمد جابر الأنصاري الباريسية

طيب تيزيني
طيب تيزيني

ذكرت في محاضرتي «مع الأنصاري في توفيقيته صراع الأضداد» مساء يوم 6 ديسمبر (أيلول) الماضي، بمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة بالمحرق، أنني دعوت الدكتور محمد جابر الأنصاري إلى كتابة مقال أسبوعي في جريدة «الرياض» الأسبوعية كل جمعة بين سنة 1982- و1983. أحصيتها فوجدتها قرابة خمسين مقالاً، كان يرسلها إلي كل أسبوع من باريس، حين كان الأنصاري يعمل مستشاراً ثقافياً في سفارة خليجية بين سنة 1979 و1983م، وهي مقالات تراوحت بين المعالجة السياسية والثقافية والأدبية، تحت عنوان «مساحة للعقل العربي».

وقتذاك كان أفرغ وسعه وبذل جهده في أطروحته للدكتوراه، التي انتهى من مناقشتها سنة 1979م في جامعة بيروت الأميركية، محورها حول النزعة التوفيقية، مفصلاً التتبع التاريخي للتجارب السياسية والمداولات الفكرية في عصر العرب الحديث، ابتداءً من حملة نابليون على مصر سنة 1798 إلى هزيمة 1967، متوقفاً ودارساً نقائضها المتراوحة، بين الوطنية والاستعمار والتراث والنهضة والأصالة والمعاصرة، وذلك في ما أصدره بعد ذلك من كتاب ضخم بعنوان «الفكر العربي وصراع الأضداد».

محمد جابر الأنصاري

غير أن ما لفت نظري في مقالاته الباريسية، خلوها من التفاعل الثقافي والأدبي، مع ما كان يدور في عاصمة الأنوار، من سجالات فلسفية وحراكات أدبية وفنية، طاولت بثوراتها قضايا وصرعات، لم تستثن الأزياء والمطبخ والألعاب الرياضية. وكما نعلم، فإن باريس شكّلت مثاقفة مستمرة في العالم العربي، منذ قامت الظاهرة الاستعمارية في بعض بلدانه، فزارها رحالة وأدباء وشعراء، وابتُعث إلى جامعتها عدد من الطلاب العرب... وقد جسد علاقة الأنا العربي بالآخر الفرنسي عدد من أبرز الرحالة والروائيين، خاصة من خضعت بلدانهم للاستعمار الفرنسي - مشرقاً ومغرباً - بل إن هناك من يذهب إلى أن ترجمة أنطوان غالان «ألف ليلة وليلة» من العربية إلى الفرنسية في القرن الثامن عشر، ما كانت لتتم لولا مساعدة الرحالة الحلبي حنا دياب، الذي أضاف إلى الليالي قصة علاء الدين، كما اعترف غالان نفسه.

فكيف أغفل الدكتور الأنصاري ما كان يجري في باريس من أفكار وآداب وفنون في مقالاته الخمسين وغيرها؟ بل إنه لم يتطرق إلى ما كتبه قبله من مفكرين عرب جدد، حول موضوعه النهضوي الأثير الذي انشغل به.

فقد كتب الأنصاري في مقاله «جمود الفكر كيف نفسره» بتاريخ 18 أبريل (نيسان) 1982:

«أن تكون ثمة أزمة في المجتمع وفي الأمة... معنى هذا أن هناك مخاضاً يجري وتحولاً من طور إلى آخر... ومن سنة إلى أخرى... وأن شيئاً جديداً يتبلور... أو لا بد أن يتبلور في نهاية المطاف مهما طال الزمن. ولكن أن تصل أزمة الثقافة والفكر إلى حد العقم والإفلاس مع كل هذه المعاناة التي نعانيها الأمة وأجيالها في مختلف المجالات».

علي الشوك

ويتساءل الأنصاري في نهاية مقاله «فما بال فكرنا العربي في هذه الأيام لا يستجيب لهذا القانون... وما باله يشذ عن هذه القاعدة الحضارية الحياتية، رغم كل هذه الأزمات والمعاناة والنكبات القومية؟».

قبل تاريخ سؤال الأنصاري بسنوات، كان المفكر المغربي عبد الله العروي بدأ ينشر مقالاته أواخر الستينات في مجلة «دراسات عربية» ومجلة «مواقف» اللبنانيتين حول تاريخ الأفكار والنقد الآيديولوجي، وفي سنة 1970 فاجأ الساحة العربية بأطروحته العميقة المنشورة في بيروت سنة 1970 حول «الآيديولوجيا العربية المعاصرة» بمقدمة المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون الضليع في دراسة المجتمعات وتحليل الأفكار في العالم العربي والإسلامي، وقد ترجم الكتاب الباحث اللبناني محمد عيتاني، الذي بدأ - وقتذاك - ينشر دراساته عن الفكر الإسلامي والقرآني بمنظور ماركسي.

وقد ذهب العروي في كتابه أن الآيديولوجيا ليست شقشقة لسان فارغة لا معنى لها، بل حاول أن يظهر في كتابه اللافت أنها ذات دلالة وفكر منظم متماسك، هدفت إلى إرشاد المصلحين إلى مسالك العمل والإنجاز، لكنه في الوقت نفسه كشف عن أنها تستعيد منطق تطور الغرب في سياق تطور التاريخ الحديث، واصفاً هذه الآيديولوجيا العربية بالتعالي المستقل عن حركة المجتمع العربي، مدللاً على وجود تماثل عاضوي وبنيوي بينه وبين سيرورة العقل الحديث.

عبد الله العروي

أما كتابه الآخر «العرب والفكر التاريخي» الصادر سنة 1974، فأول ما سمعت به على لسان القاص المصري يوسف إدريس، وأنا أزوره في منتجعه الصيفي على شاطئ الإسكندرية، واقتنيته إثر ذلك من مكتبة «مدبولي» بالقاهرة، فوجدت العروي يتطرق في مؤلفه إلى استلاب الفكر العربي المعاصر بشقيه التقليدي والعصري، باحثاً عن كيفية استيعاب الفكر العربي للفكر الليبرالي طريقاً نحو فكر تقدمي، معالجاً أوضاع التأخر العربي عن ركب العالم الحديث، وداعياً المثقف العربي إلى أن ينفلت نهائياً عنها بالنفاذ إلى الجذور، محذراً أن يكون العرب آخر شعب يقوم من سباته، رغم أنه عرف أول نهضة فكرية في العالم الثالث، داعياً إلى اجتثاث الفكر التقليدي... وحينما يرد عليه بأن ثقافتنا المعاصرة هذه ستكون تابعة لثقافة الغير، يجيب العروي وهو يرفع لواء القطيعة مع التراث... فليكن ذلك!

هذا هو ما كان بدأ يتطارحه - وقتذاك – الدكتور زكي نجيب محمود، وقد عاد من مغتربه البريطاني إلى كرسي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، ليعود متأخراً إلى دراسة التراث العربي والإسلامي برؤية عصرية، تجلت في كتابه «تجديد الفكر العربي» وكتابه «المعقول واللامعقول في تراثنا العربي». داعياً المفكرين العرب من وحي الفلسفة الوضعية، إلى صياغة مشروع فكري عربي جديد.

ولم يكن العروي المهمَل وحده في اهتمام الأنصاري الفكري، كما يتجلى لا في مقالاته الباريسية وحدها وإنما كذلك في أطروحته «الفكر العربي وصراع الأضداد»، فهو مثلاً لم يتطرق قط إلى ما تطارحه المفكر السوري الدكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق؛ إذ أصدر كتابه «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط» سنة 1971م في دمشق وكان الكتاب متداولاً في أوساط اليسار في المشرق العربي، وهو ينبّههم إلى ما في التراث الفكري العربي من ظواهر اجتماعية وفكرية ثورية، سبقه إلى استثارتها كتاب «تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام» لبندلي جوزي (1878 – 1942) الباحث الفلسطيني الذي استوطن روسيا قبل الثورة البلشفية على القياصرة وعاش فيها بعدها، وقد حصل على الدكتوراه حول المعتزلة في جامعة قازان، وأصبح أستاذاً للفلسفة الإسلامية في جامعة باكو لسنوات، وله الكثير من الدراسات الفكرية والأدبية واللغوية.

أما على الصعيدين الأدبي والفني، فقد تناول الأنصاري في 22 يوليو 1983 مقالاً بعنوان «جديد باريس... فن بدائي يمد لسانه لبيكاسو» انتقد فيه بشدة الفن التشكيلي الحديث، مقارناً ما شاهده في باريس من لوحات فنية غمض عليه فهمها، وقد أصبحت مدرسة وحركة فنية، ولوحات مؤثرة عالمية، لا يحصيها العد لفنانين من مختلف دول أوروبا الغربية والشرقية، وقد احتلوا لأنفسهم مكانة في ساحة الفن بباريس... مقارناً هذه اللوحات بما كان يشاهده صبياً وشاباً على جدران دكاكين الهنود وعلى واجهات محالهم في أحياء المحرق! وهي تصور الريف البسيط وموكب المهراجا بزخارفه المترفة، ومسيرة الأفيال بسروجها البراقة، وأعراس الفلاحين ومواسم الحصاد ولهو الأطفال، ومهرجان المياه الملونة التي يتراشق بها الهنود في الأعياد.

لم يكن العروي المهمَل وحده في اهتمام الأنصاري الفكري فهو مثلاً لم يتطرق قط إلى ما تطارحه المفكر السوري طيب تيزيني

نعم، إنه بحساسيته الفنية الرومانسية وحنينه النوستالجي، يقارنها بما شاهده في ساحة الفن بباريس الثمانينات، واصفاً إياها بأنها مسورة بأكثر من سياج مادي ومعنوي وفني؛ إذ لا تستطيع اقتحامها، ما لم تكن سوريالياً أو تكعيبياً، إذ يرى أنها ذهبت ببساطة الفن الأصيل الجميل، ونفرت الناس منه، فكلما كانت اللوحات مغرقة في الغموض والسوداوية والتشاؤم مثقلة بالرموز حافلة بالنقائض والمعاني العكسية - وهذا ما ينطبق على تجربة بيكاسو المتعاقبة بين الواقعية والسوريالية والتكعيبية كما تجلت في لوحته الشهيرة «الغرنيكا» - زاد حظك من القبول لدى كهان الفن الباريسي، الذين لم يمد لهم بيكاسو لسانه!

ولا يقتصر نقد الأنصاري الساخر اللاذع على ظاهرة الفن الحديث، وإنما يصبّ جام غضبه كذلك على نقاده، الذين يزيدون غموض هذه اللوحات غموضاً بقراءاتهم النقدية... في حين يعترف بأن هذه الظاهرة لم تنبت من فراغ ولم تظهر دون مبررات، فهي تعبر عن التأزمات النفسية للحضارة الغربية، مشوبة بفكرة اللاوعي الفرويدي، والتشاؤم والعبث الوجودي.

ويواصل الدكتور الأنصاري تذمره من ظواهر باريس الأدبية والشعرية في مقال آخر عنونه بـ«أدب اللامعقول... هل يتفق وإيقاظ العرب»، داعياً فيه الشباب العربي إلى ألا يقعوا في الإشكالية التي وقع فيها التيار السوريالي العربي المعاصر في لبنان، بتأثره الميكانيكي بما كان يحدث في فرنسا من رد فعل على طغيان الموجة العقلانية الواقعية، قادت بعض شعرائه (بريتون) خاصة إلى كتابة شعر خرج على المألوف الفني، معبراً عن التقلبات النفسية التي عاشتها فرنسا، بعد الحربين العالميتين، وقد عجز العقل الاجتماعي والثقافي من استيعاب آثارها على النفسية الاجتماعية.

العجيب هنا، أن الأنصاري الذي نشر مقاله في 22 أبريل 1983 كان الناقد العراقي علي الشوك قد تناوله بإحاطة شاملة في كتابه «الدادائية» المنشور في بيروت سنة 1970، كما أنه كتب عن السوريالية وتبدياتها العربية في قصيدة النثر والفن التشكيلي، الكثير من الدراسات النقدية والمقالات الصحفية، منذ بداية بروزها على يدي اللبناني بشر فارس، بعد عودته من الدراسة الأكاديمية في ألمانيا، وبدأ ينشر منذ الثلاثينات الميلادية قصائده النثرية ومقالاته النقدية التجديدية، فوق صفحات مجلة رسالة الزيات التقليدية.


مقالات ذات صلة

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل
ثقافة وفنون جانب من المعرض

حضور نوعي ومبادرات رائدة

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق.

فيء ناصر (لندن)
كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».