«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة

نجم والي يجمع «أخبار» العمة وكناياتها العجيبة

«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة
TT

«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة

«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة

يستعيد نجم والي في روايته الأخيرة عمتي الرومانتيكية وصديقاتها ورجالها... وأنا «روايات: الشارقة، 2024»، أجواء ثمانينات العراق الدامية الممتدة لحقبة التسعينات الكئيبة. إنها أزمنة الديكتاتور بأسوأ حالاتها وأقنعتها المختلفة من حرب وحصار وذاكرة متورمة. وهي الأزمنة الأكثر تمثلاً لإشكالية السرد في مدونة والي كلها؛ فهي، عنده، ميدان الذاكرة الأصيل وصندوقها الأسود بشخوصها وحكاياتها ورواتها المتماثلين إلى حد كبير؛ إذ نادراً ما نجد السرد يفارق زمنه الأثير، سوى أنه يتخذ صياغات متعدِّدة تختلف عن بعض باختلاف الحكايات وعوالمها السردية. في العمة الرومانتيكية، هذه المرة، نستعيد ميراث الخاسر كل شيء: الخاسر الصديقات، الرجال، الزهور وأزمنتها الزاهية، الحب، الذاكرة برمتها. إنه حال العمة الرومانتيكية الخاسرة الأبدية والممثلة الأصلح، ربما، لصيغة الفقدان والخسارة الكلية؛ وهل هناك خسارة وفقدان أكثر من الحرمان من الاسم ذاته والاكتفاء بصفة «العمة»؛ عمة الراوي ذي الاسم القناع «صبري: أمين صندوق البصرة؛ كما غنت يوماً صديقة الملاية، أو حافظ أسرار (أخبار) العمة كما تريد الرواية أن تقنعنا» كناية عن حفظ الأسرار غير المباحة، مما لا يمكن الجهر بها في عراق الثمانينات شأن اسم الحي البغدادي الذي سكنه الراوي وعائلته جوار عمته الرومانتيكية. لا ذكر للاسم، إذن، في حالتي العمة والراوي، في مقابل بذخ في ذِكر الوقائع والأسماء، وهذه إحدى الكنايات الكبرى في قصة العمة.

كنايات العمة الخاسرة

أربع كنايات رئيسية استخدمها الراوي بصفتها مداخل لا غنى عنها في كتابة قصة العمة، وهي أقسام الرواية الأربعة: «في خبر رجالها» و«في خبر صديقاتها» و«في خبر زهور عمتي» و«في خبر الحب وتبعاته». تنشغل الكنايات الثلاث الأولى بقصة العمة وحدها، في حين يشترك الراوي مع العمة في القسم الرابع. وهذه أحد مقاصد العنوان الفرعي للرواية «وصديقاتها ورجالها وأنا»، سوى أن كنايات الرواية الأربع، لنقل أقسامها، لا تلتزم بتراتبية العنوان الفرعي المقترحة؛ فنص الرواية يبدأ بـ«خبر رجالها»، ثم «خبر صديقاتها»، ثم «خبر زهورها»، ثم «خبر الحب» الخاص بالراوي. ماذا تريد أن تقول لنا الرواية باصطناع هذا الاختلاف؟ أزعم أن الإجابة كامنة في نظام الكناية ذاته، أقصد في تحويل الخبر كناية. نتحدث، هنا، عن الأخبار الأربعة التي تشكَّلت منها قصة العمة. وفي اختيار صيغة «الخبر» ما يُفيد معنى الجهر بما جرى إخفاؤه أو تغييبه. وهي تقنية جديدة تضاف إلى مدونة «والي» السردية، وتقوم على تحويل نظام الخبر إلى كناية سردية تتضافر مع كنايات أخرى لتؤلف خطاباً كنائياً مفارقاً في الرواية، يعمل على دمج الأخبار الأربعة مع بعض. لنتأمل المقاصد المتوخاة من تحويل وظيفة الخبر نحو النظام الكنائي. يظهر القصد الأول، والأهم ربما، في ربط الخطاب الكنائي السردي ببنية الإخفاء، وهذه الأخيرة إحدى نتائج سردية القاتل المتخفية في الرواية. نتحدث، هنا، استعارات تقنية وثيمية كثيرة أخذتها الرواية من نظام الرواية البوليسية، وإن شئنا الدقة أكثر فإن الكلام هنا عن إعادة تكييف لبنية هذه الرواية بما ينسجم مع مقولات قصة القاتل، وفي مقدمتها بنية الإخفاء: إخفاء اسمي العمة والراوي والحي السكني، بل إخفاء البشر بسجنهم مثلاً، أو حتى تغييب ذاكرتهم كما حصل مع العمة عندما فقدت ذاكرتها.

لكن مقولة «الرومانتيكية» تعيد توجيه الإخفاء بما يحقق التوازن المطلوب بين الاقتصاد السردي ونقيضه الإسراف. أفكّر، هنا، بمقدار الإسراف الموجود في الرواية «لماذا لا أقول الراوي!»، الإسراف بذكر الوقائع السردية غير الضرورية، ربما. هل للأمر صلة بسردية العمة وكناياتها؟ وقد يكون الأحرى أن نسأل عن معنى الرومانتيكية في أزمنة الحرب والموت وتغييب البشر؟

في المهاد الحكائي للرواية المعنون بـ«في خبرها» يتكتم الراوي على الدلالة الكلية لمقولة «الرومانتيكية»، فلا ذكر ولا احتفاء سوى بمهمة الراوي الخاصة بكتابة قصة العمة. لكننا نقرأ في المهاد ذاته تلميحاته عن «صندوق» حكايات العمة، ونعثر على إشارات مفيدة تخص معاني الرومانتيكية المتخيلة. وهي محض إشارات عامة غير دالة، في مقدمتها جُمل الافتتاحية الخاصة بمعنى الرومانتيكية؛ فالدلالات الحقة لصفة العمة تأتينا عن طريق كنايات النص السردية كلها ومدخلها أيضاً. أفكر بوظائف النظام الكنائي في الأخبار الأربعة. أتحدث عن الرابط الجامع بينها، وهي عندي الدلالة الكلية لمقولة «الرومانتيكية»؛ فذكر الرجال المحبين، رجال العمة، لا سيّما «آدم» المتوج الأخير لخسارتها الفادحة، بعد أن تخلى عن حبها وشقَّ لنفسه حياة مختلفة في باريس، ثم في ذِكر الرجال السابقين بما أضافوه من دلالات لرومانتيكية العمة، فإبراهيم كان سبباً في اغتصابها من قِبل خال إبراهيم، العقيد في الجيش، وممثل القاتل في حياة العمة، وسمعان أو إسماعيل الفنان المنتحر، ثم آدم الذي زرع في نفس العمة الرغبة الأصيلة في الفرار من زمن القاتل والهجرة من بلاد الحروب اللانهائية إلى بلاد أخرى نجهلها كلياً.

هؤلاء برعوا في تأبيد الصفة المهيمنة في الرومانتيكية وهي معنى المأساة؛ فأن تكون رومانتيكياً في بلد القاتل فهذا لا يعني سوى أن تكون ذا مصير مأساوي. ولا تبلغ المأساة سرديتها القصوى من دون تحقُّق المصائر التعيسة لرفيقات العمة في السجن والعمل والحياة؛ ألا تقول العمة نفسها للراوي: «قل لي من هو صديقك، أقل لك من أنت!؛ فكيف إذا كانت الصديقة، أو الصديقات، ممن يصفهن الراوي بـ«العجيبات». وهن كذلك في حياتهن ومصائرهن التعيسة، لا سيّما رفيقات السجن وصديقات الحياة لاحقاً.

تختلف كنايات الصديقات، أو أخبارهن كما يجادل الراوي، بتباين وظائف كلٍّ منهن؛ لنأخذ «فاتن» مثلاً لصديقات الجامعة، ما قبل السجن، فرقاً عن منار، السجينة الطارئة، ثم صديقة العمة وحبيبة الراوي. حالة فاتن تظل جزءاً من تفاصيل الحكاية الأصلية، حكاية العمة قبل منعطف السجن، فهي مادة سردية تضاف، وقد لا تضاف، إلى متن الحكاية، وهي موجودة في الحالتين. وهذا الوصف يختلف عن حالة منار؛ إذ تؤلف «سردية» مختلفة وحالة جديدة تولِّد تحوِّلاً كبيراً في مسار السرد برمته، وقد نبالغ فنقول إن حكاية العمة، ومن خلفها حكاية الراوي أيضاً، كادت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة لولا منعطف السجن، فكانت حالة منار إضافة حقيقية إلى النص كله؛ فقد أسهمت بمدِّ السرد بمواد حكاية جديدة، وهي ذاتها من منحت الراوي قيمة كبرى بوصفه شخصية سردية أو فاعلا رئيسا في النص وليس محض راوٍ. والنتيجة أن منار كانت سببا في القسم الثالث «في خبر زهور عمتي» والرابع «في خبر الحب وتبعاته»؛ إذ لولا سردية منار ما كان للسرد أن يتقدَّم خطوة واحدة للأمام، ولظل النص يعاني من التضخم الحكائي غير المجدي.

ثمة تأكيدات كثيرة تصدر عن الراوي نفسه تقول لنا إنه مكلَّف من العمة سرد قصتها... لكن النص وكناياته يقولان لنا إنها قصة الراوي أيضاً

حكاية العمة أم حكاية الراوي؟

ثمة تأكيدات كثيرة تصدر عن الراوي نفسه، تقول لنا إنه مكلَّف، من العمة، حتماً، سرد قصتها. عنوان الرواية نفسه «عمتي الرومانتيكية»، يقول لنا، ابتداءً، هذا الأمر: إنها قصة العمة فقط، لكن النص وكناياته يقولان لنا إنها قصة الراوي أيضاً. سردية الراوي شاهد حي، ليس على موثوقيته المؤكدة من قِبل العمة فقط، إنما هي دليل إضافي على فاعلية النظام الكنائي المساهم بتدعيم الحكاية الأصل، حكاية العمة، وعلى توريط الراوي بسرد حكاية لم يكن شاهداً حقيقياً على أغلب تفاصيلها؛ بحكم سنه الصغيرة؛ فهو ابن السنوات الأربع عندما تحوَّلت العائلتان إلى الحي البغدادي، ولا دليل على صحة مروياته السردية من حكايات عمته. هو صندوق حكايات العمة، وهو صبري أمين البصرة كما يصر على هذا الاسم؛ حتى غلب على الاسم الحقيقي غير المذكور. وهو وريث صندوق العمة الأسود، وإن شئت الدقة قل إنه وريث ذاكرتها بعد فقدانها الذاكرة وضياعها في متاهة ما في بغداد. يمكننا أن نضيف توصيفات أخرى تصف هذا الراوي، وهذه كلها لا تحقِّق للراوي الموثوقية المطلوبة، كما نعتقد، في سرد وقائع حكاية العمة. هل نريد القول إن «لحظة» ما بعد السجن وظهور منار ثم زواجه منها هو التسويغ الحكائي المفترض لتحقيق بعض الموثوقية؟ ربما؛ فحالة ما بعد السجن هي «انقلاب» سردي كامل على صُعد النص كلها، ومنها التحوِّل التدرجي للحكاية ذاتها من الصيغة الفردية المطلقة، التي لا يشغل فيها الراوي سوى وظيفة السرد وإدارته، إلى الصيغة الحكائي المشتركة بين العمة والراوي، حتى كأننا نشهد تنازعا بينهما على من يكون موضوع الحكاية الأصلي، لا سيّما في القسم الرابع والأخير «في خبر الحب وتبعاته»، الذي نشهد فيه تراجع حضور العمة مقابل تنامي حكاية الراوي الشخصية.

«عمتي الرومانتيكية» الرواية الثالثة في سياق روايات تعطي البطولة المطلقة للنساء؛ فقد سبق لوالي أن أصدر «إثم سارة: 2018»، و«سعاد والعسكر: 2021»، والآن «عمتي الرومانتيكية». وأغلب الظن نحن إزاء متتالية روائية سردية موضوعها حكايات النساء في أماكن عربية مختلفة: «الرياض، والقاهرة، وبغداد». وفي الرواية الأخيرة يبرع «نجم والي» كثيراً في انتشال الحكاية النسوية من براثن «السياسة»؛ دافعاً الأخيرة إلى الوراء لتكون محض ديكور ذي وظيفة تفسيرية. نحن، هنا، أمام حكاية امرأة تنفتح على حكايات النساء الأخريات من جارات السكن في الحي البغدادي أو صديقات أو سجينات. إنه عالم العمة النسوي المستقل بنفسه. عالم يحتفي بسردية المرأة وحكاياتها، وينتصر لذاكرتها المفقودة.


مقالات ذات صلة

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

ثقافة وفنون تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

كشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.