«آخر المدن»... الواقعية الوحشية

زهير الجزائري ينحاز أكثر للروائي عن التسجيلي في روايته الجديدة

«آخر المدن»... الواقعية الوحشية
TT

«آخر المدن»... الواقعية الوحشية

«آخر المدن»... الواقعية الوحشية

تضعنا رواية «آخر المدن» للكاتب زهير الجزائري، الصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع/ بغداد 2023، أمام ثنائية المفارقة بين السرد والوثيقة، فبقدر ما تستدعي لعبة السرد التخيل والإثارة والرغبة بتقويض التاريخ، فإن الوثيقة تعمد إلى مجاورة الواقع وصيانته، وربما استحضار التاريخ نفسه بوصفه مجموعة أحداث وحكايات وصراعات.

لم يشأ الروائي وضع الوثيقة أمام «المتخيل السردي»، بل جعل هذا المتخيّلَ مجسَّه السردي للحفر في المخفيّ من الوثيقة، وهو ما جعل حبكة الرواية تنمو في إطارٍ «سائلٍ» يتسع للتشابك بين ما هو سردي، وما هو وثائقي، فتمارس عناصر السرد خرقها للثابت، والوجود، ولاصطناع رواة خارقين، متمردين، مفتونين بتحويل الشهادة/ التدوين إلى رؤيا، وهو الضد مما حفظته الوثيقة في «لا وعيها» حول حادثة «بشتشان» الدموية، بوصفها مرجعية وثائقية وإطارية للرواية، إذ تحولت إلى «تاريخ» فاصل بين زمنين، استدعت لها كثيراً من أولئك الرواة، الذين عاشوا أزمتها ودمويتها، فحمّلوها إسقاطاتهم النفسية والأيديولوجية. والرواية في هذا السياق لا تعدو أن تكون تمثيلاً لما يرويه عنها أولئك الرواة، الذين تمرّدوا على أصل الحادثة، فحوّلوا الوثيقة إلى «ظل» سحري للذوات المأزومة، مثلما حوّلوا الأمكنة القاسية والمُوحشة إلى دوستوبيات طاردة ومُعادية، عاشوا معها سيرة هروبهم من ذاكرة الحادثة، وكأنهم كانوا يهربون من أوهامهم، إذ بَدَت فكرة الهروب نظيرة للبحث عن فكرة الخلاص، ونفياً لفكرة الموت، ومواجهة مفارقة مع الذات المهزومة والآخر / السلطوي، والآخر / الدوغمائي / الأيديولوجي.

ثنائية السرد والوثيقة تحولت إلى لعبة استقطاب أرادها الروائي أن تكون مجالاً بؤرياً لوضع الفاعل السردي في سياق ضدي لكتابة شهادته الضدية، عبر تتبع رحلة «الأنصار» في الجبال المُوحشة، وتدوين انكساراتهم وخيباتهم، حيث استثارة المسكوت عنه في هذه الرحلة الغرائبية، وفي تحويل هذا الصراع من طابعه السياسي / الأيديولوجي إلى صراع نفسي، عاشت استلابه شخصيات كانت تثق بالحلم الأيديولوجي اليوتوبيي، لكنها اصطدمت بالواقع المتوحش، فتكشف لنا عبر لعبة السرد وجوداً «دوستوبياً» تتمثله فكرة «موت المكان»، بصفتها تورية لموت البطل الأيديولوجي، وموت الحلم الثوري.

العنوان وعتبة الخرق

العنوان الدال على النهاية / آخر المدن، يوحي بنهاية ذلك الحلم، ونهاية السيرة / الرحلة في «المكان الدوستوبي». وعبارة «آخر» هي خرق سيميائي للمكان اليوتوبي، حيث يصنع السرد عبر واقعيته المتوحشة أمكنة سردية طارئة وطاردة، لا حدود لها، ولا أفق لها سوى ما يصلح لتمثيل تلك الواقعية، ولطبائع الشخصيات المستلَبة فيها، ولتحميل «الوثيقة» بعداً إيحائياً يتعالق مع ما تعرّضت له «حركة الأنصار» من خيانة، ومن أخطاء ومن استلابات، جعلتها تعيش مراثي المكان الدوستوبي، بغرائبيته، وبانتهاكاته، وبغرائبية شخصياته التي تحولت وتشوهت، فبدا وجودها في «الجحيم الثلجي»، وكأنه نظير للوجود النفسي القهري لجحيم الذات، في هزيمتها وانكسارها، وفي سيرتها الفارقة.

دأب الجزائري في أغلب كتاباته على ممارسة هوايته «التسجيلية» مع الأمكنة، عبر عين «كاميرا السرد»، و«لغة الريبورتاج»، فاصطنع عبرها مدوَّنات ووثائق زاوجت بين الواقعية التسجيلية وسردية الصحافة، لكنه في رواية «آخر الأمكنة» بدا أكثر انحيازاً إلى الروائي، حيث تحولت الوثيقة / الحدث إلى مُحفز للسرد، ولكشف ما عاشته شخصيات الرواية في رحلتها الدامية، على مستوى فنطازية مواجهتها للطبيعة القاسية، أو على مستوى وقوفها أمام محنة المجهول والعدو والرهاب الأيديولوجي، فكانت الرواية مأخوذة بتوصيف مُركّب وغرائبي زاوَج فيه الروائي بين رعب المكان الجحيمي، وأرخنة التحولات / الهروبات النفسية والصراعات التي عاشتها شخصياتها في جبال كوردستان الثلجية بعد حادثة «بشتشان» التي مثّلت انكساراً حقيقياً في تاريخ الحركة، وفي تحويل المكان اليوتوبي / الثوري إلى مكان دوستوبي مسكون بجحيم الهروب والمطاردة والعزل والإحباط. وبقدر ما كشفته سيميائية السرد من خرق في المكان «الثوري» من دلالات فاجعة، فإنها انفتحت على خروقات أخرى، مسّت «الذات الأنصارية» في أسئلتها الوجودية، وفي غربتها داخل المكان الغرائبي، وصولاً إلى ما أفضت إليه من تداعيات - أيديولوجية وسياسية ونفسية - أسهمت في صناعة الخرق الأكبر؛ وهو المنفى، الذي عُدّ خياراً للخلاص، مثلما عدّه البعض هزيمة وجودية للحركة ولحُلمها الثوري، وذهاباً إلى «اللامكان»، وربما كان هروباً من سرديات الذات القلِقة إلى الآخر، حيث لم يعد هذا الآخر «جحيماً»، كما قال سارتر، بل إن الجحيم ظلّ عالقاً بالذات، ومسكوناً بقلقها الوجودي، وهوسها بالبحث عن المكان التعويضي / الإشباعي الذي يتضادُّ مع قسوة التاريخ / الوثيقة.

«أمكنة زهير الجزائري يغلفها الضباب»، هذا التوصيف للكاتب علاء المفرجي تعبير عن هوس الجزائري بالأمكنة، إذ هي جزء من لعبته في أسفاره الصحافية، لكنه في رواية «آخر المدن» جعل تلك الأمكنة خارج لعبته الصحافية، وداخل تخيلات الرهان السردي، ليدوّن من خلالها محنة واغتراب الإنسان، الغاطس في «جحيم الثلج»، فيكشف عن ملامحه الشاحبة والمُعذَّبة، وعن موته العلنيّ وجودياً وأيديولوجياً، مثلما يكشف عن ملامح الطبيعة الناتئة، غير المُؤَنْسنة، والتي فقدت أثرها لولا ما أطلقه عليها «الشاعر...» الذي التقطته فرق الحركة، فهو جندي هارب من أهوال المعارك العبثية الأخرى، ومن «خنادق مُهدّمة»، ومن ذاكرة محشوّة صور جثث في «سورة الماء وأخرى معلَّقة على الأشجار أو نائمة في حقول الخشخاش»، «فأسبغ بحضوره البوهيمي نوعاً من الشغف الشعري، عبر هلاوسه، وأحلامه، وعبر ما اصطنعته مخيلته التائهة من توصيفات ظلّت عالقة بذاكرة الأمكنة مثل «فم الذئب» و«جبل العاشق»

الزمن بوصفه مجالاً سيميائياً

قد يكون الزمن «التاريخي» أكثر تعلّقاً بحمولات ما تُدوّنه الوثائق عن الحروب والأحداث الكبرى، وعن سيرة الإنسان الذي يكتب عن أسفاره ورحلاته، لكن حضور «الزمن النفسي» في الرواية جعلها أكثر إثارة؛ ليس لأنه يلعب على فكرة تقويض «الزمن التاريخي» أو سرديته؛ بل لأنه استغرق في الكشف عن رهاب الصراعات التي عاشتها شخصيات الرواية في دواخلها، وفي المكان الدوستوبي، وعلى نحو جعل صاحب كتاب «ضباب الأمكنة» مشغولاً بإيهامات رصد تلك التحوّلات النفسية الصاخبة لشخصياته، عبر مراقبة انفعالاتها وتمرداتها، فجعل الزمن النفسي أكثر تمثيلاً للكشف عن تلك التحولات، وعن رصد تشوهات علاقتها بالمكان، وبما أعطى لـ«المكان الثلجي» من بُعد سيميائي للعذاب الإنساني، حيث استعارة ميثولوجيا العذاب في «الجحيم الدانتوي» بوصفه معادلاً نفسياً لمحنة شخصياته وهي تعيش «الاغتراب» القاسي بمفهوميه الفلسفي والتطهيري، فلا تملك سوى التمرد، والرحيل الفاجع إلى «آخر المدن» بوصفه اعترافاً وتطهيراً وخلاصاً.

تجاوزُ الروائي الجزائري وثائقية الزمن الكورنولوجي الخارجي وضَعَنا أمام زمن داخلي يتحطم فيه النموذج النمطي، فجعل زمن الهزيمة / الحادثة هو زمن اللاوعي الذي تتسرب من خلاله إيحاءات ما يخصّ مصائر شخصياته وتحولاتها، فاصطنع لها مقاربات سردية يتمثل فيها النفسي بوصفه تعبيراً عن القلق والخوف والعجز، مثلما يتبدى فيها الاغتراب بوصفه طرداً من «الحلم» وكشفاً فاجعاً عن الهزيمة الذاتوية، إذ تشظّى وجودها بين رعب الأمكنة القاتلة التي لجأت إليها تلك الشخصيات، وبين رعب الانكسارات النفسية الفاجعة التي أخذت تتضخم، بهلاوسها وكوابيسها وهاجسها، المأخوذة بمطاردة البرد والسلطة ورقابة «البختيار».

الشخصيات والتمثل البوليفونيقد يبدو الروائي العليم حاضراً وفاعلاً في الرواية من خلال ضمير المتكلم الجمعي «نحن»، لكنّ مفارقة هذه الوظيفة - أحياناً - تُعطي بعض الشخصيات الأخرى حضوراً تؤدي من خلاله وظائف تمثيل خطابها الوجودي في سياق الأحداث، بوصفها ناقلة لها، أو للتعبير عبر «ضمير الغائب هو» عن المخفي، وهذا ما أسهم في تعزيز مستويات البناء السردي في الرواية، على حساب التدوين الوثائقي، فجعل لعبة السرد مربوطة بشبكة علائق ذات طاقة تمثيلية، تدخل فيها اللعبة البوليفونية بوصفها واسطة تجمع بين فواعل وبين سردية «السيرذاتي»، وتدوينها للشهادة / الوثيقة، وهو ما ألقى ظلاله على اشتراطات لعبة السرد، فجعل فضاء الحكي مرهوناً بتخليق سرديّ تُمارس فيه عين الكاميرا وظيفة راصدة، مثلما جعل عين السارد تمارس وظيفة الاستغراق في اليومي والتفصيلي، فجعل شخصياتٍ مثل هشام، جوتيار، رؤوف، سمية، د. عشتار، د. مالك، رائد الخائن، الشاعر، بهاء الأيديولوجي، هشام المسؤول العسكري، البختيار، وغيرهم، عناصر أو وحدات رمزية في السياق الروائي، تمنح الرواية تكاملاً يقوم على ثنائية أرخنة الحدث في بشتشان، وأثر المضمر في تقويض الحلم، وبين فاعلية السرد وما تنطوي عليه من آليات تستجيب لضرورات واستراتيجيات بناء الرواية، على مستوى تغذية خطوط السرد بالحركة، أو على مستوى تقديم شخصيات تتبادل وظائفها بقسوة، فتعيش صراعاتها وتقاطعاتها، دون وجود مركزية لوظيفة «البطل»، إذ تبدو البطولة الغامضة قرينة ببطولة «الإنسان» الذي يُقتل، أو الذي يعيش محنة المكان والهزيمة والإحباط، وهذا ما جعل الشخصية الروائية أكثر تمثيلاً لسيكولوجيا الرعب في «المكان الثلجي» بوصفه معادلاً لسيكولوجيا الرعب الذي يعيشه الإنسان في مواجهة العدو، ومواجهة الدوغما الأيديولوجية، حيث «تسقط المدن الفاضلة» (ص 217)، وحيث «يبدو التاريخ أمامنا مثل كيان يتحلل، حتى يوشك على فناء حقيقي» (ص 16).

الهروب ونبوءة البختيار

«سيموت هؤلاء قبل نهاية الرحلة» (ص 7)، هذا الاستهلال هو ما أخبر به البختيار «القادة الشيوخ»، وكأنه يرسم تلك الرحلة بأفقها، عبر المعرفة بالطبيعة المتوحشة، وربما عبر حدسه لمحنة الإنسان الذي سيواجه أخطارها، إذ تتحول الطبيعة إلى عدو آخر يمارس سطوته في استثارة أعداء «داخليين» يتوزّعون بين الخيانة والخذلان واليأس والعجز والخوف، فضلاً عن العدو الخارجي الذي يفرض سيطرته على الجغرافيا.

ما بين لعبة الأعداء المتعددة تأخذ لعبة السرد تواليات جعلها الروائي تنمو في إيقاع بطيء، وكأنه إيقاع الإنسان في محنته، وفي غربته عن المكان والحب والجسد، وهذا ما أسبغ على لغة الرواية واقعية قاسية، جعلتها بلا حميمية، وغير مُؤَنسنة، حيث تعيش الشخصيات رهابها وقلقها، وحيث يصطخب وجودها بأصوات تكشف عن أزمتها الداخلية، لكن دون تحديد هوية لسانية لها، فالأمكنة «كردية»، وأغلب الأنصار من المهاجرين إليها، فلم نجد لهذه المفارقة اللسانية أثراً واضحاً في الرواية.

الشخصيات التي رحلت من «حافة الأرض الحرام» بَدَت وكأنها تستسلم إلى قدَرٍ لها، يستبق مع نبوءة «البختيار»، حيث تتحول تلك الرحلة إلى ما يشبه «السيرة الهلالية» في المخيال الشعبي، بحثاً عن وجود ما، عن مدنٍ تمنحهم إحساساً بالخلاص من عقدة «البشتشان»، لكن هذه الرحلة تحولت إلى مسار للرعب، وإلى ما يشبه «الوثيقة السردية» التي تسنفر قوة التخيّل، كاشفة عن دوستوبيا المكان، وعن أزمات الشخصيات، وعما تعرضت له من فقد، ومن جروح «نرجسية» و«أيديولوجية» جعلتها تنزع إلى التمرد، «لقد امتلكوا حق التصرف كاملاً حين اختاروا الذهاب بدونه» (ص 217)، حيث تركوا قائدهم الأيديولوجي وهم مسكونون بهوس البحث عن آخر المدن.


مقالات ذات صلة

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي» في القطاع، بهدف ترسيخ ممارساتٍ واعية ومسؤولة وعادلة في توظيف التقنيات بالصناعات الإبداعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ما أكلوه ذات يوم... يروي اليوم كيف عاشوا (واس)

ماذا كان يُطبخ في سوريا قبل 4500 عام؟

كان طهاة المدينة يستخدمون أوانيَ تختلف خصائصها في امتصاص الحرارة وتوزيعها، وفق نوع الطعام الذي يعتزمون إعداده...

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق «أنغام وأفلام»... حفل تجلس فيه الذاكرة بين مقاعد الجمهور (الجهة المنظّمة)

«أنغام وأفلام»... الماضي الذي لم يُغادرنا له موعدٌ في بيروت

اختار المايسترو هاروت فازليان الاقتراب من الأعمال في صيغتها الأصيلة، بعيداً عن التغيير لمجرّد إظهار الاختلاف...

فاطمة عبد الله (بيروت)

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي عام 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.

صدرت الرواية عن دار الفارابي، وكانت لوحة الغلاف بريشة الفنانة سكينة حويلا.


«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي
TT

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخّرة لخدمته، وإنما عقل موازٍ يشارك في تشكيل تجربته واختبار إرادته.

صدرت الرواية أخيراً عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا القرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صورة من الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكثر إغراءً من واقعه؛ فرغم عمله مديراً لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، وما يبدو عليه من استقرار مادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصوّر أنه لو استُبدل مدير آخر به «لما شعر أحد بفارق يُذكر»، ولا ينفصل خوفه من أن يصبح «قابلاً للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُصنع من أفكاره ورغباته.

يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشعور بانعدام المعنى مع انتصاف عمره، عندئذ يجد في المقاطع التي تروّج لتجربة «أخوية صفر فاصل خمسة» وعداً بعالم آخر، خصوصاً أنها تخاطب أزمته مباشرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعوراً قديماً بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقدّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها.

عالمان وذهنان

يتشكّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بداية أزمته العمرية، ووظيفته، وعلاقته بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كلٌّ في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مرتدياً «نظارة المحاكاة»، ليجمع المكان الواحد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالماً لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي.

أما المستوى الثالث فهو العالم الذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نحو الجنون. وتقوده مفاجآت الرحلة إلى مواجهة ذاته «الأخرى»، وإعادة اكتشاف علاقته بزوجته وعالمه العائلي، وكأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب ما يكمن داخل البطل، ويمنحه هيئة أشخاص وأماكن ومواقف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهةً مع الذات.

وتتجسد الصلة بين العالمين في «سلمى»، وهي كيان مطوّر من الذكاء الاصطناعي يتجسد للبطل وراء النظارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك في الحدود بين الخوارزمي والواقعي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة.

تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفكارك وهواجسك، يترجمها إلى حياة وأحداث، وقد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هجين» من ذهنين؛ فالبطل يمدّ الآلة بأفكاره وهواجسه، وهي تحوّلها إلى أمكنة وشخصيات وأحداث. فلا يكون المكان الروائي امتداداً خالصاً لوعيه، ولا ابتكاراً مستقلاً للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة.

من هذا التبادل تنشأ سردية الرواية المضادة؛ فالعقل الاصطناعي يحتاج إلى خبرة البطل كي يتعلم ويطوّر أدواته، بينما يتعلّق البطل بالعالم الذي تفتحه له التجربة، تعلقاً يقترب من «الإدمان»، إذ يختبر فيه احتمالات ومشاعر لا تبدو له أقل «حقيقية» مما يعيشه خارجها. ويصبح في الوقت نفسه مشاركاً في صنع التجربة ومادةً تتغذى عليها، وكلما أمدّها بالمزيد من ذاته، ازدادت قدرتها على منحه عالماً يصعب عليه الانفصال عنه.

اختبارات فلسفية

يصف البطل تجربته بمفردات تستدعي أسئلة قديمة عن الحقيقة والوجود وإرادة الإنسان، فهو يتحدث عن «الحقيقة» و«حُلكة العدم»، ويتساءل عن حدود اختياره في عالم تستخدم فيه الخوارزمية رغباته وهواجسه لتقوده إلى مسار قد تكون رسمته له مسبقاً، وهنا لا يتعلق الشك بما إذا كانت الصور التي يراها مصنوعة، فهو يعرف أنه يرتدي نظارة محاكاة، بل بما إذا كانت معرفته هذه تمنحه قدرة فعلية على مقاومة تأثيرها فيه.

فيصف «باتريشيا»، التي يلتقيها خلال التجربة، بأنها «حقيقية، مطلقة، جوهرية، داحضة للشك»، فتبدو هذه الصفات محاولةً منه للتمسك بيقين واحد، في وقت لم يعد يستطيع فيه الجزم بما إذا كان ما يراه نابعاً من وعيه أم من العالم الذي تصنعه له الخوارزمية، كلما اشتد يقينه بحقيقة شعوره تجاهها.

تحافظ لغة الرواية على صلتها بالتفاصيل اليومية الراهنة، من حصار مقاطع «الريلز»، وأداة الذكاء الاصطناعي «جيميناي»، إلى حضور السجائر الإلكترونية «الأيكوس» بديلاً للسجائر التقليدية، وهي مفردات يستخدمها القرملاوي لرسم عالم بطله قبل دخوله المحاكاة، فلا تبدو التجربة قطيعة مفاجئة مع حياته، إنما امتداد لواقع تتدخل فيه التكنولوجيا بالفعل في انتباهه وعاداته اليومية، وصورته عن نفسه. ومن هذا الواقع نفسه ينتقل البطل تدريجياً ليصبح أحد «مواد» العالم الاصطناعي وموارده.

ويكثف عنوان «صفر فاصل خمسة» المنطقة البينية التي تتحرك فيها الرواية؛ فرغم غموض دلالته، يوحي الرقم الكسري، الواقِع بين الصفر والواحد، بحالة البطل المعلّقة بين الحقيقة والمحاكاة، والاختيار والخضوع، وربما موقع ذكاء اصطناعي لم يكتمل تعلّمه، وإنسان لم يصل إلى يقين بعد.


«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».