«متاحف الأدباء»... أي دور في الثقافة العربية؟

كتّاب عرب يناقشون واقعها وطرق استعادة تأثيرها

متحف طه حسين ( مركز رامتان)
متحف طه حسين ( مركز رامتان)
TT

«متاحف الأدباء»... أي دور في الثقافة العربية؟

متحف طه حسين ( مركز رامتان)
متحف طه حسين ( مركز رامتان)

تنطوي فكرة إقامة متحف لأديب أو فنان ما في بلده على معنى شديد النبل والجمال، حيث يتم تحويل منزل أحد رموز الإبداع إلى وجهة معرفية وسياحية، تنطلق من الفكر وتكرم أبناء الوطن وتحفظ لهم تراثهم. رأينا ذلك في نماذج عالمية عدة، منها متحف «ياسنايا بوليانا» الخاص بالكاتب الروسي ليو تولستوي، ومتحف «تشارلز ديكنز» المقام بلندن منذ عام 1925، وبيت الكاتب الأميركي مارك بولاية كونيتيكت. ولا يعدم الوطن العربي نماذج مماثلة، وإن كانت بدرجة أقل على مستوى الكم، لكن المشكلة تكمن في الضعف المتزايد لدور وتأثير تلك المتاحف داخل تيار الثقافة العربية على مستوى الكيف كذلك، فكيف يمكن استعادة هذا الدور وتنشيطه؟

في هذا التحقيق تستطلع «الشرق الأوسط» آراء مثقفين وأدباء في هذا السياق، ومقترحاتهم لجعل متاحف الأدباء أكثر حيوية وأعمق تأثيراً.

متحف أحمد شوقي (كرمة ابن هانئ)

شوقي وطه حسين

تعد مصر من أكثر البلاد العربية احتواء على متاحف أدبية، كما الحال في متحف أمير الشعراء أحمد شوقي المعروف بـ«كرمة ابن هانئ» ومركز «رامتان» الثقافي الخاص بعميد الأدب العربي طه حسين، ويعدّ متحف نجيب محفوظ الأحدث في هذا السياق، لكن لماذا تبدو تلك المتاحف بعيدة عن التأثير الفعال في الجمهور العادي؟ وهل هناك خطط مستقبلية في هذا الشأن؟

تقول أمل محمود، أمينة متحف أحمد شوقي: «تم وضع المتحف على الخريطة السياحية من خلال توقيع بروتوكول مع وزارة السياحة، يستهدف الترويج للمكان عن طريق شركات متخصصة، وإدراجه في برامجها السياحية، إلى جانب بروتوكول تعاون ثانٍ مع وزارة التربية والتعليم».

د.خالد عزب

وأضافت: «يقدم المتحف خدمة ثقافية يومية على صفحته الرسمية بموقع (فيسبوك) تتعلق بالتعريف بتراث أمير الشعراء. ويفتح المتحف أبوابه من 9:00 صباحاً حتى 4:00 عصراً، عدا يومي الاثنين والجمعة، وذلك بأسعار رمزية للغاية، كما نفتح أبوابنا مجاناً في السبت الأول من كل شهر، كما نستقبل أعداداً كبيرة من الطلاب والدارسين خلال الموسم الدراسي، أما فترة الإجازة الصيفية فنستقبل فيها زواراً من جنسيات مختلفة، فضلاً عن تنظيم كثير من الورش الإبداعية واللقاءات الفنية والأمسيات الشعرية».

وتوضح مروة محيي حسين، مديرة متحف طه حسين، أن الخدمات التي يقدمها المتحف تشمل إقامة ورش فنية وإبداعية للكبار والصغار، مع اهتمام خاص بذوي الاحتياجات الخاصة، مشيرة إلى أن فكرة الفنون تعد مركزية في أنشطة المتحف، لأنه يتبع قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، ويركز على الإسهام في تنمية منطقة الجيزة ثقافياً بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم وإدارة التربية المتحفية لذوي الاحتياجات الخاصة بقطاع المتاحف بوزارة السياحة والآثار.

حاتم رضوان

مقترحات تنتظر التنفيذ

يرى الباحث والمؤرخ الثقافي د. خالد عزب أن متاحف الأدباء في نسختها المصرية هي إنجاز بارز ينقصه أن تقوم وزارة الثقافة بإدارتها بصورة أكثر مهنية تليق بها، كما أن متحف نجيب محفوظ غير مناسب في موقعه الحالي بمنطقة «الجمالية» الشعبية بالقاهرة، وهناك حاجة ملحة لمراجعة طبيعته ونوعية الخدمات التي يقدمها. ويطالب د. خالد بتنظيم رحلات مدرسية تجعل من متاحف الأدباء وجهة ثابتة، حتى يتفاعل الطالب مع الكاتب وحياته، وهو ما يحفز الأجيال الجديدة على الإبداع، كما يجب أن تكون هناك مكتبة ملحقة بالمتحف تضم كل ما نشره الأديب وما كُتب عنه وإتاحة ذلك علي الموقع الرقمي للمتحف.

ويطالب الكاتب الروائي د. حاتم رضوان بإقامة متاحف جديدة لرموز أخرى في الأدب المصري بمسقط رؤوسهم خارج القاهرة، مثل جمال الغيطاني بمحافظة سوهاج جنوب مصر، وعبد الرحمن الأبنودي بمحافظة قنا، ويوسف إدريس بمحافظة الشرقية، وكذلك أنيس منصور بمدينة المنصورة، وإدوار الخراط بالإسكندرية. ولمزيد من تفعيل دور هذه المتاحف، يقترح رضوان إنتاج أفلام تسجيلية عنها باللغات الأجنبية، وليس بالعربية فقط، لعرضها بمختلف بلدان العالم، وإلحاقها كمزارات ضمن البرامج السياحية للأجانب الوافدين، كما يجب أن تصبح هذه المتاحف بمثابة منارات ثقافية تقدم جرعة مكثفة من الندوات والمسابقات والورش الإبداعية.

صبحي فحماوي

مخاطر متعددة

تصف الكاتبة والشاعرة السورية المقيمة ببيروت، غادا فؤاد السمان، المتاحف الأدبيّة بأنها «منارات شاهقة للتاريخ والإهمال»، فهي عنوان من عناوين الثقة بالحضارة، لكننا العرب لم نعتد ثقافتها بعمق كما ينبغي، فالشعوب العربيّة – برأيها - لا تملك الشغف الكافي للتفرّس في الحقب التاريخيّة للوقوف على الماضي وربطه بالحاضر. وتشير السمان إلى أن المتاحف عموماً، ومتاحف الأدباء في القلب منها، تواجه مخاطر كثيرة، وبحاجة إلى استقرار أمني بالدرجة الأولى، فمثلاً المتاحف في لبنان أثناء الحرب الأهلية 1975 - 1990 فقدت كثيراً من مقتنياتها التي تمّ تسريبها إلى أوروبا، ومثلها في حرب بغداد 2003، ولا يخفى على أحد الخسارات التي لحقت بالثروات التراثية الحضارية الهائلة، في المتاحف السورية التي نهشها «الدواعش» ونهبتها أيادي الغدر التي فتكت بأهم المعالم في معظم المدن السورية، كما حدث في متحف وبيت الشاعر «أبي الطيّب المتنبّي» الذي تعرّض للتخريب والعبث، ومثله متحف وبيت «الشاعر أبي فراس الحمداني»، ومن فضائل صمود دمشق أنّها احتفظت ببيت الشاعر الكبير «نزار قباني» شاهداً على الخلفيّة الجماليّة والأصالة والعراقة الإنسانيّة التي ترشح بها قصائد نزار قباني في بيئة خصبة من الاستقرار والتوازن لأسرته الدمشقيّة.

غادا فؤاد السمان

بينما ترى «السمان» أن لبنان يحتوى على كثير من المتاحف لمشاهير الأدباء، كما الحال مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وسعيد عقل وغيرهم ممن نجح القائمون عليها في الحفاظ على طابعها الحضاري، وتحوّلت البيوت إلى متاحف يقصدها أبناء لبنان وكثير من السياح من كل حدبٍ وصوب، وذلك بجهود أهالي الراحلين، وبعض البلديات الحريصة على التميّز بانتساب المناطق إلى مبدعيها، وليس العكس.

قامات غائبة

تشير الكاتبة والباحثة التونسية فاطمة بن محمود إلى أنه يوجد في تونس قامات إبداعية كبيرة لها بصمتها على المنجز الفكري واﻷدبي والفني إﻻ أنه يلّفها النسيان، وتتعامل الدولة مع هذا الإرث بكثير من اللامبالاة، باستثناء «روضة الشابي» التي تضم ضريح الشاعر أبي القاسم الشابي فقط، وتحولت إلى مزار لبعض ضيوف تونس أثناء فعاليات المهرجان الدولي للشعر بتوزر (مسقط رأس الشاعر) لكن هذا لا يكفي.

فاطمة بن محمود

وتضيف: «لا نحتاج من المبدع قبره، فهو لا يموت، لكن نحتاج متحفاً يضم ما يشير إلى الحياة، أنه كان يعيش ويكتب ويمشي هنا، لذلك أدعو أن يتحول مرقد (الشابي) إلى متحف، كما أننا بحاجة ماسة إلى إنشاء متاحف لعدد من الرموز الثقافية الأخرى، مثل محمود المسعدي والطاهر الحداد وغيرهما، ممن يستحقون، وهم كثّر، حيث يتصدر المثقفون المشهد الذي يبدو أن البعض يريد أن يحتكره لنفسه».

ويكشف الكاتب الأردني صبحي الفحماوي عن محاولات كثيرة قامت بها الجماعة الثقافية الأردنية لتحويل منزل الأديب العربي المعروف غالب هلسا إلى متحف، لكن تلك المحاولات باءت بالفشل، مشيراً إلى أن أسباب رفض إقامة متحف لأديب ما بشكل عام تتنوع في الأردن ما بين رغبة العائلة في الاحتفاظ ببيته وعدم التفريط فيه لدوافع اقتصادية بحتة، أو وجود خلافات وصراعات داخل العائلة الواحدة.

ويضيف: «متاحف الأدباء في الأردن محدودة للغاية، وأحياناً ما تتبع عشيرة ما تريد أن تحتفي بأحد أبنائها النابغين، فتقيم له متحفاً كما في حالة متحف عرار (1899 - 1949)، الشاعر الأردني المعروف بريادته، ما أسس للقصيدة التقليدية في نسختها الجزلة الرصينة».


مقالات ذات صلة

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.