جامعة الملك سعود تنظم المؤتمر الدولي «عام الشعر العربي... أصالة الإرث وعالمية الأثر»

تثميناً لقيمة المنجز الشعري وقيمته الحضارية

جامعة الملك سعود في الرياض (واس)
جامعة الملك سعود في الرياض (واس)
TT

جامعة الملك سعود تنظم المؤتمر الدولي «عام الشعر العربي... أصالة الإرث وعالمية الأثر»

جامعة الملك سعود في الرياض (واس)
جامعة الملك سعود في الرياض (واس)

افتُتح في جامعة الملك سعود بالرياض ‏المؤتمر الدولي الرابع «عام الشعر 2023... أصالة الإرث وعالمية الأثر»، ويقيمه قسم اللغة العربية وآدابها بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة بالشراكة مع جائزة الملك فيصل. ويقام المؤتمر، اليوم (الاثنين) وغداً (الثلاثاء).

العلاق والعراق والآخر

بدأت الجلسة الأولى (الاثنين) برئاسة الدكتور فالح العجمي، بتقديم الورقة الأولى وعنوانها «الإشاريات بين الشعرية والدلالة... دراسة تداولية في شعر العلاق» للدكتورة ذكرى القبيلي، إذ أشارت في هذه الورقة إلى دراسة الإشاريات وتوظيفها عند الشاعر والناقد العراقي علي العلاق؛ ثم وقفت بالوصف والتحليل على قصيدته «شبيه بأول هذي البلاد» وإشارياتها الشخصية والمكانية والزمانية والاجتماعية.

كما كشفت الباحثة عن كيفية توظيف الشاعر للإشاريات الشخصية، وخصوصية استعماله لها، وأساليبه في توزيعها وخلق دلالات طريفة ومهمة. وبيّنت أيضاً العمليات التداولية والإسقاطية التي قام بها الشاعر مع العلم الشخصي من جهة، ومع وطنه العراق من جهة أخرى. والدلالات المتعالقة ضمن ثلاثية (العلاق – العراق - الآخر).

كما شارك سعد المطرفي بورقته «شعر الرجز بين الفصحى والعامية: بحث في الامتداد والطبيعة الفنية» التي تناولت دراسته شعر الرجز بين الفصحى والعامية؛ فأبان الباحث عن أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما شكلاً ومضموناً، كما رصد البحث القوالب المتنوعة لشعر الرجز وطرق تأديته، وكذلك الظواهر اللهجية فيه.

وقدم الدكتور عبد الرحيم أحمد في ورقة بعنوان «صور معاني توظيف أمثال التأبيد والاستحالة في الشعر الجاهلي» وهي دراسة تحليلية، رصد فيها الباحث ثماني صور عبّرت عن معاني محددة قصدها الشعر الجاهلي كربط الامتناع عن الفعل الممكن بحدوث فعل يستحيل وقوعه أو حدوثه، أو ربط الامتناع عن الفعل الممكن بفعل يستحيل توقفه أو انتهاؤه، وغير ذلك من الصور.

وأبان البحث أيضاً عن محاور متنوعة لأمثال التأبيد والاستحالة تتمثل في الغياب والثبات والتضاد التي وظَّفها الشعر الجاهلي في سياقات متعددة كالرثاء والفخر والهجاء.

وانتهت الجلسة بورقة للدكتورة غزية الثبيتي وعنوانها «الإبداع الشعري بين الفصحى والعامية في كتاب (نزهة النفوس ومضحك العبوس) لابن سودون البشبغاوي»، وتناولت دراستها المنجز الإبداعي لابن سودون، فوجدت أن إبداعه الأدبي عامة، والشعري خاصة قد تراوح بين مجالي الجد والهزل.

كما أشارت الباحثة إلى أن نصوص البشبغاوي الشعرية الفكاهية لم تكن عامية خالصة، بينما كانت نصوصه الشعرية الجدية فصحى خالصة؛ مما يؤكّد قصدية تخيّره للنمط الشعري العامي ليعبّر من خلاله عن الموضوعات الفكاهية، ويؤكد أيضاً أن ابن سودون كان واعياً بارتقاء المستويات اللغوية لتلائم الأغراض الشعرية التي يكتب فيها.

جانب من المتحدثين في ‏المؤتمر الدولي الرابع «عام الشعر» (الشرق الأوسط)

الشعر والفلسفة

وحملت الجلسة الثانية عنوان «الشعر والفلسفة» برئاسة الدكتورة أمينة الجبرين، وبدأت بورقة قدّمتها الدكتورة بودالية تواتية بعنوان «النّظريّات الفلسفيّة السينوية في الرّجز الطبي: الأرجوزة الطبية لابن سينا أنموذجاً»، وأبرزت الباحثة فيها مختلف نظريات ابن سينا الفلسفية التي شاعت في أرجوزته الشعرية الطبية، كما كشفت عن المؤثرات الفلسفية التي طبعت لغة الأرجوزة، وقد ظهر من خلال البحث تكامل العلاقة بين الفلسفة والشعر والطب.

وحملت الورقة الثانية للدكتور عبد الواسع الحميري عنوان «الشعر العربي في مواجهة تحديات الهوية»، إذ تنطلق دراسته فيها من فرضيّة أساسيّة مفادها: أنّ الشّعر ملاذ الهويّة الآمن وحصنها الحصين، وقد سعى الباحث إلى التحقق من صحّة هذه الفرضيّة من خلال وقوفه على خصوصيّة شبكة العلاقات المتزامنة بين مكوّنات النّسق الشّعري نظرياً وتطبيقياً، من خلال نماذج من الشعر العربي القديم والحديث.

فلسفة الكراهية

وتلت ذلك ورقة للدكتورة عبير الجربوع بعنوان «فلسفة الكراهية في الشعر العربي» بيّنت فيها الباحثة فلسفة الكراهية في الشعر العربي من حيث إن الكراهية صورة من صور الخبرة البشرية، كما استعرضت الآراء المختلفة للكراهية لدى فلاسفة حاولوا فهمها وتسويغها، ثم حللت عدداً من النصوص الشعرية التي تناولت موضوع الكراهية.

وانتهت الباحثة إلى أن الحديث عن الكراهية قليل في الشعر، بخلاف التعبير عن الكراهية. كما أن لدى الشعراء رغبة في فهم الكراهية وأسبابها، وأن التعبير عن الكره في الشعر إما لشخص وإما لشيء وإما لفعل، وقلّما يَرِدُ التعبير عن الكراهية للمخاطب. كما أنه لا يكون الآخر موضوع الكراهية دائماً، بل يمكن أن يعبِّر الشاعر عن كراهيته لنفسه أو لشيء منه، أما أبرز أسباب الكراهية فكانت بسبب العجز، والحزن.

الذات في قصيدة النثر العمانية

واختُتمت الجلسة بورقة للدكتور علي الكلباني (سلطنة عمان) تحدث فيها عن بحثه المعنون بـ«التأويل الوجودي لحضور الذات في الشعر المعاصر (قصيدة النثر العمانية أنموذجاً)» الذي درس الطباع الوجوديّة للذات في قصيدة النثر العمانيّة الحديثة من خلال أمثلة نصيّة لروّاد شعرِ الحداثة في عمان، معتمداً في تطبيقاته على تأويل الفلسفة الوجودية للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، فدرس الباحث الطباع الوجدانيّة التي تتأسس على الأمزجة المتغيّرة وتجعل الذات في مستويات مختلفة من الراحة والاستياء في القسم الأول من البحث.

وفي القسم الثاني درس الطباع التي تمارسها الذات عندما تكون مع الآخر، وأخيراً درس الطباع التي تمارسها الذات عندما تتعلق بالآخرين، ليتوصل البحث بعد ذلك إلى نتيجة مفادها أن الطباع الوجوديّة للذات تحضر في القصيدة العمانية الحديثة بنسب متفاوتة.

الجلسة الثالثة حملت عنوان «الشعر والدرس اللغوي» وعُقدت برئاسة الدكتور صالح الغامدي، وبدأت بورقة الدكتور إبراهيم الشمسان أستاذ النحو والصرف في جامعة الملك سعود بالرياض، بعنوان «منزلة الشعر والشعراء عند اللغويين» وقد وضح في مقدمتها عن الشعر وكيف هو أداة للتعبير عمّا في النفس، وأثر هذا الشعر في وضع قواعد اللغة العربية، ثم تحدث عن الشعر واستعمال اللغويين له، موضحاً تمييز اللغويين ما هو شاهد شعري وما هو مثال. وختم حديثه عن أهمية الاستشهاد والفرق بينه وبين ما يقعّد على الاستشهاد.

كما قدم البروفسور أيمن الجندي، أستاذ النحو والصرف بكلية اللغة العربية في جامعة الإمام، بحثاً بعنوان «الشاهد الشعري في كتاب (نكت الأعراب في غريب الإعراب) لجار الله الزمخشري (ت538هـ)»، وتحدث فيه عن إبداع الزمخشري في توظيف الشاهد الشعري ومنهجه فيه، استدلالاً بكتابه «نكت الأعراب في غريب الإعراب» موضحاً مهارة الزمخشري في الربط بين الوجه الإعرابي والشاهد الشعري، وختم الباحث حديثه بموقف الزمخشري من الاحتجاج بشعر المولدين.

جانب من المتحدثين في ‏المؤتمر الدولي الرابع «عام الشعر» (الشرق الأوسط)

كما قدم البروفسور رمضان القسطاوي، أستاذ النحو والصرف بجامعة الملك سعود بالرياض، بحثاً بعنوان «الأثر الجمالي للضرورة الشعرية في النحو العربي» كشف فيه عن الأثر الجمالي للضرورة الشعرية في الدرس النحوي، وذلك استدلالاً بأعمال علماء النحو القدماء، وطرح في ختام حديثه عن أهمية الضرورة وكيف تعطي أثراً جمالياً، والمعادلة بين خفة اللفظ وثقله مع ثقل المعنى وخفته في نفس الشاعر.

وألقى نايف الشدي، أحد موظفي وزارة التعليم، بحثاً بعنوان «مكامن المعاني للأفعال المزيدة في ديوان النابغة الذبياني - دراسة صرفية» أوضح فيه مراد الشاعر، وأثر سياق الصيغ في فهم النص العربي وتذوقه جيداً وذلك عبر دراسة استقرائية لصيغ في ديوان النابغة الذبياني.

جانب من الحضور خلال المؤتمر الدولي الرابع «عام الشعر 2023... أصالة الإرث وعالمية الأثر» في جامعة الملك سعود (الشرق الأوسط)

وانتهت الجلسة الثالثة بورقة للبروفسور يوسف فجال، أستاذ اللغويات في جامعة الملك سعود بالرياض، وعرض فيها بحثاً بعنوان «الوظيفة التفسيريّة في قصيدة (واحرّ قلباه) للمتنبّي- دراسة مقارنة بين وظيفتَي النعت والحال» راجع فيها جهود النحويين حول الوظيفة النحوية، ثم أمعن بالحديث عن الوظيفة التفسيرية التي تجلّت في بعض الأبواب النحوية، والاستشهاد بها من شعر المتنبي، خاتماً حديثه بأبرز النتائج التي تطرق إليها.


مقالات ذات صلة

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)
خاص يشارك الفنان التونسي ظافر العابدين في «مهرجان عمّان» كاتباً ومخرجاً وممثلاً (إدارة المهرجان)

خاص عن سابق تصوّر وتصميم... ظافر العابدين يطمح للسينما العالمية إخراجاً وتمثيلاً

حوار خاص مع الفنان ظافر العابدين على هامش مشاركته في «مهرجان عمّان السينمائي» مخرجاً سينمائياً، وليس ممثلاً فحسب.

كريستين حبيب (عمّان)
العالم كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)

تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

وقّعت تركيا وأرمينيا، الاثنين، اتفاقاً لترميم جسر آني العائد إلى العصور الوسطى على الحدود بين البلدين، في خطوة رمزية على طريق تطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان.

«الشرق الأوسط» (أنقرة - يريفان)
خاص الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)

خاص ندى أبو فرحات وإيلي كمال... شراكةٌ على مسرح الحياة

بين إيلي كمال وندى أبو فرحات شراكة مزدوجة. هما زوجان، والفنّ ثالثُهما. منذ اللقاء الأول في تصوير فيلم عام 2012 حتى مسرحيتهما الجديدة، يوازيان بين الحب والفن.

كريستين حبيب (بيروت)
إعلام وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته...

ميشال أبونجم (باريس)

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة


«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة
TT

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام من حياة كاملة وأحلام مشروعة وذكريات وتفاصيل حميمة عابرة لأصوات القصف ودوي القنابل وأزير الرصاص الذي يلاحق المدنيين والأبرياء.

يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهو من تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد فؤاد، وتقع الطبعة العربية في 336 صفحة، تجمع نصوصاً مختارة من مقالات وتأملات مفتوحة تستكشف قضايا وهموم الذاكرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل.

تستعيد تلك الكتابات تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من طموحات مهنية وثقافة، وتتوقف عند أماكن عزيزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشياء التي تمنح الحياة معناها وسط الحصار والعنف.

من هنا يرفض هذا العمل فكرة «القصة الواحدة» عن غزة، فالقارئ يجد أشباح الخوف والموت والفقد تطل برأسها عبر النصوص، لكنه يجد كذلك الحب والطموح والدراسة والفن والمرح والحنين إلى الأماكن والأحلام المؤجلة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، هؤلاء الشباب بأنهم جعلوا من الكتابة «فعلاً تحررياً ووسيلة لمقاومة محو غزة من الوعي العالمي». وأوضح أحمد الناعوق، في تصريح لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه كان حريصاً منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها، حتى لا تظل صورة القطاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الكتاب، قصة فتاة مراهقة تحدق في سقف منزلها وتتمنى ألا ينهار فوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عادية، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدراً للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تجربته في البحث عبر الإنترنت عن صور المكتبات في أنحاء العالم، حيث يحلم بأن يتمكن يوماً من زيارتها، على نحو يكشف أن الطموح والتعليم والمعرفة مفردات ربما تستمر في الإلحاح على وعي الأفراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة.

وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول في شوارع المدينة وتدوّن أسماء المباني التي تحلم بإصلاحها، وهذا شاب يحاول متابعة شغفه بعلم الفلك في مكان يصعب فيه الوصول إلى التلسكوبات، كما تتناول إحدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة.

ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى حماد عن غزة بعد حرب 2014، حيث تصف انتقال المشهد تدريجياً من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعادة تلوين المكان تصبح فعلاً رمزياً للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار.

اللافت هنا أن الكتاب لا يقتصر على أحداث الحرب الأخيرة، فالنسخة الأصلية تجمع 74 نصاً مختاراً من نتاج مشروع «We Are Not Numbers» أو «لسنا أرقاماً» على مدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمنياً عبر سنوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حياة جيل كامل من الشباب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات.

وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظل طبيعة التجربة الفلسطينية في غزة، لكن الكتاب لا يتحدث عن فقدان «عدد من الأشخاص» فقط، وإنما عن آباء وإخوة وأبناء وأصدقاء، وعن ذكريات مرتبطة بهم. وتكتسب تلك المسألة بعداً شخصياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى محرر الكتاب أحمد الناعوق، الذي فقد 21 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من بينهم والده وإخوته وأطفالهم، بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». اللافت أن مشروع «لسنا أرقاماً» نفسه بدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب غزة عام 2014. ووفق الرواية التي قدمها الناعوق، فقد دفعته وفاة شقيقه إلى كتابة قصة شخصية عن فقدانه، بمساعدة بام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة تمنح شباب غزة فرصة سرد تجاربهم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع عام 2015 مع نحو 20 كاتباً شاباً، ثم توسع تدريجياً، ونشر خلال السنوات التالية أكثر من 1500 نصاً.


تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته
TT

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي، بوصفها مدخلاً لاختبار صور مختلفة للوجود، مستعيناً بالغرائبي لإعادة النظر في شكل الحضور الإنساني.

المجموعة الصادرة أخيراً عن دار الشروق بالقاهرة، تتنقل فيها مقاعد الأبطال بين حاضر وغائب، إنسان وطائر، متفرج ومادة للفرجة، وهي انتقالات لا تقوم جميعها على التحوّل بمعناه الجسدي، بقدر ما تنشأ أحياناً من تبدل الموقع الذي تحتله الشخصية، أو الزاوية التي ترى منها حياتها.

يبدو التحوّل في تجليه الأكثر وضوحاً في القصة التي تمنح المجموعة عنوانها، حين تستيقظ البطلة في غرفة الرعاية الفائقة لتجد أن جسدها قد اختفى، وحلّ محله جسد ضئيل ملوّن، بمنقار وجناحين قادرين على حملها إلى خارج الغرفة والمستشفى.

ومنذ عبارته الأولى: «حين استيقظت إيمان خيري ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب»، يستدعي النص استهلال «المسخ» لفرانز كافكا، لكن التحوّل الكافكاوي، وإن ظل حاضراً في الاستهلال، ينهض هنا على دلالة مغايرة؛ فبدلاً من الجسد الذي يتحول إلى سجن ويعزل صاحبه عن العالم، يبدو الجسد الجديد في هذه القصة أكثر خفةً وقدرةً على تحرير صاحبته من المرض والألم.

وإذا كان جريجور سامسا ينكفئ بعد تحوله داخل غرفته وتتآكل صلته تدريجياً بالآخرين، فإن إيمان تطير إلى خارج غرفتها، ترى الشمس وتستنشق الهواء، قبل أن تتسلل إلى من أحبتهم عبر أحلامهم، ليصبح التحوّل عتبة حياة ثانية لا تنقطع تماماً عن الحياة الأولى، وإنما تستعيد صلاتها بها من موقع جديد.

تتفتت القصة إلى أحلام قصيرة يرويها أشخاص مختلفون تزورهم البطلة إيمان، غير أن اللافت أن الحالمين أنفسهم يبدون واعين بتحوّلها وبقدرتها على العبور بين الهيئتين؛ فهم يرونها بطلة «تبدل هويتها كطائر وكإنسان بخفة»، ويخشى كلما لاح حضورها البشري في الحلم «أن تتبدل إلى طائر مرة أخرى».

مع تكرار هذه الزيارات، لا يعود التحوّل واقعةً غرائبيةً معزولة، إنما صيغة جديدة للوجود، تستفيد فيها القصة من مدلول «الطائر» المرتبط بالتحليق والقدرة على عبور الحدود، لتمنح بطلتها وجوداً يتجاوز الموت وحدود الجسد وعالمه.

ولا تتوقف فكرة التحوّل عند حدود تلك القصة الرئيسية للمجموعة، فتلوح عبر القصص في صور أقل مباشرةً، ففي قصة «شخصيتين في رواية» ينتقل التحوّل من الجسد إلى الوعي؛ إذ يتبنى الراوي هُوية «شخصية روائية»، ويتعامل مع هذا اليقين الفانتازي كحقيقة يحاول إشراك من حوله فيها.

لا يبدو ثمة موقع ثابت للشخصية هنا، فيتصور الراوي أن الرجل «قد يكون في خفة الفراشات في روايتي، لكنه قد يكون بطلاً في رواية أخرى»، فلا تتبدل الهيئة هذه المرة، إنما تتبدل مواقع الشخصيات، في لعبة سردية تبحث في موقع الإنسان داخل حكايات الآخرين. يتأمل الراوي الرجل المقابل له ويتخيل الحياة التي كتبها له مؤلف الرواية، قبل أن يصل إلى إدراك أكثر اتساعاً: «كلنا شخصيات في روايات بعضنا البعض».

ويصنع حافظ هنا تناصاً مع عالم الروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتزي، مستدعياً شخصيته «إليزابيث كوستلو»، التي عبرت من رواية إلى أخرى داخل أعماله. لكنه يدفع اللعبة خطوةً أبعد، حين يتخيل أن كوتزي نفسه قد يكون شخصيةً روائيةً في نص يكتبه مؤلف آخر، فتتسع لعبة تبدل المواقع لتشمل الكاتب وشخصياته معاً.

تمتد فكرة تبدل المواقع تلك إلى قصة «الحكاية غير العادية للأشخاص العاديين»، التي تقوم إحدى مفارقاتها على تلصص متبادل بين الجيران، يتحول تدريجياً إلى ما يشبه تبادل الحيوات؛ إذ تتنقل الشخصيات بين موقعي المتفرج والمُشاهَد. غير أن القصة لا تبني مفارقتها على الغرائبي، بقدر ما تستخرج الغرابة من قلب اليومي الرتيب، كأن يشتري أحد أبطال القصة بطانية أطفال مستفيداً من خصم كبير في «تصفيات الشتاء»، ويفكر في أنها سوف تفيده في الشتاءات المقبلة، قبل أن يعقب السارد: «وكان بصحة جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل».