نساء وجثث في أعمال فوكنر وموريسون وخال وآخرين

روايات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباعدة نسبياً

نساء وجثث في أعمال فوكنر وموريسون وخال وآخرين
TT

نساء وجثث في أعمال فوكنر وموريسون وخال وآخرين

نساء وجثث في أعمال فوكنر وموريسون وخال وآخرين

ليست ممكنةً المجادلةُ في أن موضوع المقالة-العرض يُشَكِّلُ ظاهرة سردية أدبية في الإبداع السردي المحلي أو الإقليمي أو العالمي، إذ لا يعدو كونه ثيمةً تتكرر في ثلاث قصص وثلاث روايات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباعدة نسبياً، وتقع الأحداث فيها في أمكنة وأزمنة مختلفة ومتباعدة نسبياً أيضاً. لكنه قابلٌ في الآن ذاته للاتساع ليكون ظاهرة في حال وجود نصوص سردية أو غير سردية موزعة على رقعة واسعة من العالم وتعالج الموضوع الذي أتطرق إليه.

القصص والروايات المشار إليها آنفاً: قصة ويليام فوكنر «وردة لإميلي»، ورواية «أغنية سليمان» لتوني موريسون، ورواية إسماعيل فهد إسماعيل «السبيليات»، ورواية «وشائج ماء» لعبده خال، و«حاملات الجثث» قصة ج. ج. سلفرمان، و«المرأة التي تحمل جثة» قصة تشي هوييْ (ترجمتها من اللغة الصينية جوديث هوانغ). يعرض كل نص منها امرأة - أو نساء كما في إحدى القصص- ترتبط بجثة، لأسباب وغايات بعضها يمكن إدراكها أو الحدس بها، وبعضها غير واضح حتى للشخصية نفسها. وتتباين ارتباطات الشخصيات بالجثث أو الرفات من ناحية تأثيرها عليها (الشخصيات) أو على من حولها، أو في فهم القارئ لها. بالمجمل تؤسس تلك الارتباطات بالجثث بعض ما يميز تلك الشخصيات عن غيرها في العمل نفسه، أو في أعمال أخرى.

عزلة وزرنيخ ونكروفيليا

عند الكتابة عن «وردة لإميلي»، يستحيل نسيان الجثة المحبوسة في الغرفة في الطابق العلوي لأربعين سنة في منزل الآنسة إميلي غريرسون. فبعد وفاتها تقاطر الناس إلى بيتها لإلقاء نظرة على جثمانها، الرجال بدافع «الاحترام تجاه معلم تذكاري قد هوى»، أما النساء فكان يحدوهن «الفضول لرؤية داخل منزلها الذي لم يره أحد... منذ ما لا يقل عن عشر سنوات خلت» (ترجمة سامر أبوهوّاش، 173).

بعد مواراة جثمانها الثرى، يقتحم المشيعون باب الغرفة المغلقة ليكتشفوا أنها مؤثثة كغرفة عرس، وعلى السرير جثة رجل، في وضعية العناق، وعلى الوسادة بجانبه «فجوة أحدثها رأس» وخصلة شعر رمادي قاتم. هنا يدرك القارئ، مثل أهل المدينة، أنها جثة مشرف العمال الشمالي «اليانكي» هومر بارون الذي رافقته إميلي حيناً من الوقت ثم اختفى، وظل اختفاؤه لغزاً. ويتذكر القارئ، أيضاً، الزرنيخ الذي حكى الصيدلاني للناس أنها اشترته، ورائحة العفن التي انبعثت من بيتها بعد ذلك. بلملمة هذه الخيوط تتشكل حكاية أنها قتلت بارون واحتفظت به ومارست «النيكروفيليا» معه.

خلال قراءته للنص، يتساوى القارئ مع أهل المدينة في عدم معرفة ما يحدث في بيتها بسبب توظيف فوكنر السارد بضمير المتكلم الشاهد الذي يتكلم بلسان مجتمعه، مما يُفْقِدُ القارئ التفوقَ المعرفي الذي يحدث عادةً في وجود السارد العليم فيما يسمى المفارقة الدرامية، حيث القارئ يعرف أكثر مما تعرفه الشخصيات، أو ما لا يمكنها معرفته.

امرأة ورفات وحمار

بعد انقضاء سنتين منذ وصولها وأبنائها وأحفادها وحميرهم التسعة للإقامة في الشمال، تقرر أم قاسم العودة وحدها إلى «السبيليات» في الجنوب؛ قريتهم التي أُخْليت من سكانها، مثل قرى أخرى، تنفيذاً لقرار القيادة العراقية إخلاء القرى والبلدات القريبة من ساحات المواجهة بين الجيشين العراقي والإيراني.

وتتوجه أم قاسم وأبو قاسم المريض وأولادهما وأحفادهما وحميرهم شمالاً، لينتهي بهم الترحال في «الطرف الجنوبي لمقبرة النجف الكبرى» (12)، حيث يقررون الإقامة، ولكن بدون أبو قاسم الذي وافته المنية في اليوم الثالث من سفرهم، فدفنوه بين نخلتين على جانب الطريق الدولية عند «المشارف الشمالية لمدينة الناصرية» (11).

تقرر أم قاسم العودة إلى «السبيليات» مدفوعة بالحب والاشتياق والحنين إلى مسقط رأسها، وذكريات الطفولة والصبا وحياتها مع أبو قاسم، إذ لم تحتمل البقاء في الشمال لأنها كانت تحس بالاختناق في الغربة، و«غير قادرة على تقبل واقع بقائها حيث الزمن مفتوح لا نهاية له». وتنطلق في رحلتها بصحبة حمارهم «قدم خير». وبعد سير يومين، تصل إلى قبر أبو قاسم وتنبشه لنقل رفاته، لأنه صارحها في إحدى زياراته لها في حلم بعدم ارتياحه في قبره بأرض قفر، ولن تطيب له الإقامة إلاّ في السبيليات.

تلف أم قاسم رفات زوجها وتيمم و«قدم خير» صوب السبيليات. رحلة امرأة ورفات وحمار، عنوانها الوفاء والحب والحنين إلى المكان الأول.

الجثة وتلك الرائحة في «وشائج ماء»

بين حليمة وأبيها الولي علاقة قوية، جعلتها لا تفكر في دفنه في مقبرة، بعيداً عنها. فأمرت ابنتها أروى بألاّ تخبر أحداً عن موته. وبعد غسله وتكفينه، استعانت بمجموعة من العُمّال الأفارقة لحفر قبر في الفناء، مُدّعيةً وجود أوانٍ نادرة في أكياس الخيش التي غطت بها جثمان أبيها. إصرار مليحة على الاحتفاظ بجثة أبيها يشبه إلى حد ما رفض إميلي فكرة دفن أبيها، قبل إذعانها في النهاية لتهديد القساوسة والأطباء «باللجوء إلى القانون والقوة». ويبدو أن ما لم يتحقق لإميلي مع جثمان أبيها تحقق مع هومر بارون الذي قتلته واحتفظت بجثته وفعلت معها ما فعلت كما يشي منظر الجثة في السرير. لكن مليحة لا يوجد من يمنعها من دفن أبيها في البيت، رغم الأذى والمعاناة اللذين يسببهما ذلك لأفراد أسرتها.

يروي حفيدها أمين عن معاناته من العفونة المنبعثة من قبر جد أمه ويُعبِّر عن استغرابه من قدرة تحمل رئتي جدته لتلك الرائحة، فلم يرها تتأفف أبداً. وبسبب رائحة بيتهم النتنة انهالت السخرية على سمعة أمه، كما عانى من ابتعاد أقرانه عنه. وبلغت المعاناة ذروتها في تحمل عناء الارتحال من بيت لآخر بسبب تأذي وشكوى الجيران من الرائحة، ما جعله لا يشعر بعلاقة حميمية مع ستة من البيوت التي سكنوها. أما في السابع، فالقبر فقد رائحته الكريهة وأصبح مزاراً. يبدو أن مليحة تحقق لها ما تريد.

انتشار الرائحة في الفضاء والمكان نقطة التقاء أخرى لرواية خال وقصة فوكنر.

حاملة الجثة والمجنون

من الشمال جاءت المرأة حاملة الجثة، يقول السارد مستهلاً قصة تشي هويي. ثمة تباين وتناقض واضحان في الشكل والمظهر بين المرأة والجثة: المرأة بشعرها الأبيض ووجهها الذي نبتت فيه الأخاديد والتجاعيد وجسمها الموسّم بالجروح والرضوض، بينما تبدو الجثة مصقولة وبرّاقة، بملابس فاخرة وألوان لامعة وزركشة ذهبية، فكأنها (الجثة) تعرض ثراءها، حسب قوله. منظر لافت كفاية لجذب الأنظار وإثارة الأسئلة الفضولية. فتتغير هوية الجثة حسب السائل ونوع السؤال.

لا تتذكر المرأة متى بدأت تحمل الجثة، العبء الذي لا تستطيع المشي بدونه، أو لا تريد التخلص منه أو لا تقدر على ذلك لأنها جثة أحد أقاربها، كما تقول لسائليها وآخرهم المجنون. لكنها تظهر في النهاية مبتهجة، تغني مع المجنون احتفالاً بالتخلص من الجثة عندما أثار كلامه فضولها فالتفت للخلف، لأول مرة، بقامة منتصبة لتنظر إلى الجثة، فانزلقت الجثة عن ظهرها. كان المجنون قد قال لها إن الجثة «ربها» الذي على ظهرها، نبت عليه العشب وأزهر وأثمر فاكهة.

تتباين ارتباطات الشخصيات بالجثث أو الرفات من ناحية تأثيرها عليها أو على من حولها، أو في فهم القارئ لها

مدينة حمّالات الجثث

في قصتها «حاملات الجثث»، تدفع ج.ج. سلفرمان بالثيمة-الفكرة إلى مستوى عال من الغرابة والقبح، بتصوير مدينة كاملة، الإناث فيها يتوزعن في ثلاث فئات: النساء اللاتي أعفين من حمل الجثث المحنطة لكبر سنهن، والنساء اللائي على رأس العمل-الحمل، ومن يتنظرن التكليف بالحمل المفروض مجتمعياً. كان الأمرُ عادةً في البداية ثم أصبح قانوناً يُنفَّذُ كل عام بإقامة طقس لتكليف الفتيات عندما يبلغن سناً معيناً. أما الذكور، الأولاد، فمعفون من حمل الجثث. تقول الفتاة الساردة: «الأولاد لا يحصلون على جثث. يتجولون بدون أعباء، يتمتعون بالحرية لفعل كل ما يريدون». أما الفتيات فَيُلَقّنّ أنهن محظوظات لتعلم معنى الحياة، والنظر إلى الموت في عيونه، ولفهم التضحية بعمق. إن حمل الجثث سيجعلهن أفضل.

قبل طقوس التكليف، تتكرر ما تسميها الساردة «جائحة» الظهور والأذرع والسيقان والأعمدة الفقرية المكسورة عمداً للتهرب من حمل الجثث، أو الهروب، والأخير أحد الخيارات التي تفكر فيها الساردة. تنتهي القصة بدفنها جثة خالها توأم أمها، العبء الذي حملته شقيقته إلى أن لم تعد قادرة على حمله.

وينتهي عرض حكايات حاملات الجثث، بـ«بايليت» موريسون، المرأة بدون سُرّة، صاحبة الاسم الخارج من الكتاب المقدس، الحكواتية و«المركز الأخلاقي» في الرواية، وأشياء أخرى. كانت تعتقد أن الكيس الأخضر الذي تحمله، طول الوقت، يحوي عظام الرجل الأبيض، وآخرون يظنون أن فيه ذهباً، لتعلم، قبل مقتلها، أنها كانت تحمل عظام أبيها.

* ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».