الحب بين اعتلال الجسد وجنون العقل

النظرة إليه تدرّجت من السخرية والاستنكار إلى الإشفاق والجزع

الحب بين اعتلال الجسد وجنون العقل
TT

الحب بين اعتلال الجسد وجنون العقل

الحب بين اعتلال الجسد وجنون العقل

لطالما اعتُبر الحب، مرئياً إليه من الخارج، نوعاً من التورط التدريجي اللاسوي للشخص العاشق في مغامرة متهورة وغير مأمونة العواقب. وسواء تعلق الأمر بالمحيط الاجتماعي الواسع، أو بدائرة الأقارب الضيقة، فإن تورط المرء في الحب، ظل يثير في الدائرتين معاً ردود فعل متباينة، تتراوح بين الاستهجان والإشفاق والجزع من جهة، وبين السخرية والتندر من جهة ثانية. وقد أسهمت اللغة نفسها في توأمة هذه العاطفة الإنسانية مع كل ما يدل على الوهن والاستسلام، حيث باتت تعابير مثل «السقوط في الحب» أو الوقوع فيه، لا الصعود نحوه، أقرب إلى بديهيات تعبيرية تم ترسيخها في الوجدان الجمعي، وجرت البرهنة عليها من خلال ما يكابده العشاق من آلام ومكابدات، وصولاً إلى المرض والاختبال.

الواقع أن الربط بين الحب والمرض لم يقتصر على جماعة أو أمة أو حضارة بعينها، بل بدا هذا التوصيف عابراً للثقافات والمجتمعات والأزمنة. ففي كتابه الشهير «طوق الحمامة في الألفة والألّاف» يشير ابن حزم الأندلسي إلى الحب، باعتباره الداء الذي يستلذ به المحبون، ويتمنون البقاء طويلاً تحت وطأة عذاباته، فيقول «والحب أعزك الله داء عياء، وسقام مستلذ وعلة مشتهاة، لا يودّ سليمها البرء، ولا يتمنى عليلها الإفاقة. يزيّن للمرء ما كان يأنف منه، ويسهّل عليه ما كان يصعب عنده». لا بل إن ابن حزم يلاحظ أن بين المحبين من يتمنون على الدهر ألا يصفو البتة، مستدرجين بشكل إرادي المعاناة التي تؤجج في دواخلهم مشاعر اللهفة والاشتياق.

كما أن النظرة إلى الحب ليست واحدة بأي حال، بل تتفاوت زاويتها بين علوم النفس والاجتماع والطب العصبي، بما يجعلها خليطاً شديد التعقيد من الاشتهاء الجسدي الصرف، والحاجة الموازية إلى التوازن النفسي والإشباع العاطفي. وإذ تتداخل في هذه العاطفة النزعتان المازوشية والسادية، حيث الرغبة في التملك تقابلها رغبة مضادة في الإمحاء، والميل إلى تعذيب النفس يقابله ميل مضاد إلى تعذيب الآخر، يقيم البعض بالمقابل نسباً من نوع ما، بين الحب في مراحله المتقدمة وبين بعض الأمراض النفسية والعقلية كالعصاب والهستيريا والوسواس القهري وغيرها. وهذه الرؤية للحب لم تكن لتغيب قبل ذلك عن بال الفلاسفة والمبدعين والشعراء، الذين رأوا فيه مرضاً جسدياً من جهة، وصدعاً في الروح واعتلالاً في العقل من جهة أخرى.

وفي حين عدَّ باسكال أنه «لا يوجد ما هو أكثر إيلاماً للمرء من أن يكون عاشقاً، حيث يبرق الأمل للحظة ثم يستبد الخوف وحرقة الفراق»، رأى الشاعر الألماني نوفاليس أن الحب مرتبط بعدم الإشباع الأبدي للذات الإنسانية، وهو بالتالي «خبل نفسي صريح، بقدر ما هو مرض الروح وانجذابها المؤلم نحو العدم». فيما أكد نيكولا دي شامفور من جهته على أن الحب «يشبه المرض المعدي، حيث بقدر ما نخشاه نلتقط عدواه بسرعة فائقة». وهو ما يذكّرنا بقول مجنون بني عامر مخاطباً شخصاً أراد الاقتراب منه بالقول:

بيُ اليأس أو داء الهيام أصابني

فإياك عني لا يصيبك ما بيا

ولا يبتعد رولان بارت عن فرويد في اعتباره أن السقام العشقي ناجم عن «العبور من الليبيدو النرجسية إلى الليبيدو الغيرية»، فيرى من جهته أن هذا السقام يتولد من شهوة الكائن الغائب إلى شهوة الكائن الحاضر. وهو في الوقت ذاته يتبنى مقولة لاكان حول الاختلال الطفولي، والمتأتي عن جوعٍ بلا إشباع، للجسد العاشق، الأمر الذي يذكّرنا بحالة الطفل الذي يرى في سقوطه مريضاً وسيلته الأنجع لمعاقبة أبويه المشيحين بوجهيهما عنه، والطريقة الملائمة للحصول على ما يحتاجه من العاطفة والحدب والاهتمام.

أما التعامل مع الحب بوصفه مرضاً يقع الجنون عند تخومه الأخيرة، فهو يحتل مساحة راسخة في الوجدان والذاكرة العربيين، حيث يكتظ المعجم العربي بالمفردات التي تربط الحب بالاختلال الجسدي والعقلي، من بينها الجوى والخبل والوله واللوعة والحمّى والكلف والوصب والهيام والضنى والضنك والمس والاختلاط. ولن نعدم في هذا السياق عشرات الشواهد التي أثبتها في قصائدهم شعراء من مختلف الحقب، أنهك العشق أبدانهم وأرواحهم، وفي طليعتهم عروة بن حزام، الذي راح يبحث عبثاً عن دواء يشفيه من حب عفراء، فقال في ذلك:

جعلتُ لعرّاف اليمامة حكْمهُ

وعرّاف نجدٍ إن هما شفياني

فقالا: نعم نشفي من الداء كلّهِ

وقاما مع العُوّاد يبتدرانِ

فما تركا من رقْيةٍ يعلمانها

ولا شربةٍ إلا وقد سقياني

فقالا: يمين الله، والله ما لنا

بما ضُمّنتْ منك الضلوع يدانِ

ولم تنحصر العلاقة بين الحب والجنون بالباحثين والأطباء وعلماء النفس وحدهم، بل كانت منذ أقدم الأزمنة جزءاً من المعتقدات الشعبية الراسخة في الأذهان. كما أن اعتراف النصوص الدينية المختلفة بوجود الجن، دفع الكثير من المهرطقين والمشعوذين والمشتغلين بالسحر إلى الدخول على خط العلاقة المفترضة بين الإنس والجن، وتحويل أمر اختبال العشاق، والعمل على إصلاح عقولهم إلى مهنة للعيش وتحصيل الرزق. وإذا كان أصل الكلمة مشتقاً من الفعل «جُنَّ»، الذي يفيد الخفاء والاستتار، كما في جملة «جُنّ عليه الليل»، أي ستره وأخفاه، فإن الجنون العشقي يصبح من بعض زواياه الستار الذي يحجب صاحبه عن العالم الواقعي ويوصله بالعالم غير المرئي للجن والشياطين.

وإذا كان أبو الفرج الأصفهاني قد ذهب في «الأغاني» إلى القول بأن الجنون بات سمة ملازمة لعشاق بني عذرة، فإن تفرد قيس بن الملوح بلقب المجنون، كان عائداً إلى سلوكه اللاسوي، الذي تسبب به التوق غير المتحقق إلى الارتباط بليلى، والذي تمت ترجمته عبر السيْر عارياً واللعب بالتراب، والعيش في البراري بصحبة الوحوش. ومن يتأمل ملياً في هذه الأعراض لا بد له أن يربطها بالنكوص نحو الطفولة، الذي تبدو أشكاله الاحتجاجية قريبة من تلك التي توصل إليها لاكان في أبحاثه. وقد أفرد مجنون ليلى الكثير من الأبيات لتسويغ ما بلغته نفسه من الوهن والتصدع، وبينها قوله:

وبي من هوى ليلى الذي لو أبثه

جماعةَ أعدائي بكت لي عيونُها

أرى النفس عن ليلى أبتْ أن تطيعني

فقد جُنَّ من وجدي بليلى جنونُها

وإذا لم يكن جميل بن معمر قد دخل إلى السراديب المظلمة للجنون، والانفصال عن الواقع، والإقامة مع الوحوش في البراري، كما كان حال ابن الملوح فإن شعره يزخر بالإشارات الدالة على حالة البلبلة والتيه والتباس الحدود مع الآخر، التي تمخض عنها حبه لبثينة. وهو إذ يحرص في علاقته الصعبة مع ذويه ومحيطه الاجتماعي، يعترف بأنه بات في حبه لبثينة مسلوب الهوية والإرادة، ويرد على لائميه والمطالبين إياه بالتعقل، بأن خروجه من المحنة التي يكابدها قد فات أوانه، لأن ما تبقى له من العقل بات في عهدة بثينة ورهن مشيئتها:

أحلماً؟ فقبل اليوم كان أوانه

أم أخشى فقبل اليوم أوعدتُ بالقتلِ

ولو تركتْ عقلي معي ما طلبتها

ولكنْ طِلابيها لما فات من عقلي

التعامل مع الحب بوصفه مرضاً يقع الجنون عند تخومه الأخيرة فهو يحتل مساحة راسخة في الوجدان والذاكرة العربيين

ومع أن اعتراف العشاق باختلاط عقولهم لم يكن شأناً مقتصراً على شعراء بني عذرة وحدهم، فالملاحظ أن تجربتهم في الحب باتت السقف الأكثر علواً الذي يرغب الآخرون بمجاراته، سواء تعلق الأمر بالتجربة العاطفية الشاقة، أو بتعبيراتها الشعرية والإبداعية. فالحسين بن مطير الأسدي، الذي أورثه الحب اعتلال الجسد وذهاب العقل يحذو بدوره حذو جميل بثينة، تجربةً وتعبيراً، فيقول:

فواعجباً للناس يستشرفونني

كأنْ لم يروا بعدي محبّاً ولا قبلي

يقولون لي: اصْرمْ يرجعِ العقلُ كلهُ

وصرْمُ حبيبِ النفس أَذهبُ للعقلِ

فيا عجباً من حب مَن هو قاتلي

كأني أجازيهِ المودةَ عن قتلي

كما أن أي عودة متفحصة إلى تاريخ العشق، تقودنا إلى الاستنتاج بأن الربط بين الحب والمرض والجنون، لم ينحصر في جغرافيا محددة أو زمان بعينه. فنيتشه يعلن بلسان بطله زرادشت أن ما نسميه حباً «ليس إلا سلسلة من لحظات الجنون القصيرة»، موائماً في الوقت نفسه بين الحب والجنون من جهة، وبين الزواج والغباء من جهة أخرى. وإذ لا يتردد هولدرلن، الذي عدّه هايدغر المجسد الأمثل للكينونة وللبراءة المطلقة للشعر، في القول «الحب الذي أعاني منه أشبه بمرض مخجل»، لم يلبث أن دخل بعد رحيل المرأة التي أحبها في الدهاليز المعتمة للجنون الكلي.

أما لويس أراغون فقد رأى في سقوط الأندلس الخلفية النموذجية لعمله الفريد «مجنون إلسا»، حيث بدا الحب من خلاله بمثابة الجبل الأخير الذي يعصم البشر من الطوفان. وإذ أظهر الشاعر حرصه التام على إقامة نسبٍ ما بين مجنون بني عامر ومجنون غرناطة، الذي بشّر بظهور إلسا قبل قرون أربعة من ولادتها الفعلية، كان يهدف في نهاية المطاف إلى القول بأن المرأة هي المستقبل الحقيقي للرجل، وبأن جنون الحب هو الرد الأمثل على جنون العالم وحروبه الضروس وصراعاته المدمرة.


مقالات ذات صلة

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

للكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة

حمزة عليوي (بغداد)
ثقافة وفنون أنتونيس في مكتبه

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات.

آدم نوسيتر

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».