الثقافة السعودية... 2023 عام الشعر بامتياز

عشرات الفعاليات من معارض للكتب ومهرجانات المسرح والسينما

لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)
لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)
TT

الثقافة السعودية... 2023 عام الشعر بامتياز

لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)
لقطة من فعاليات مهرجان «امرؤ القيس - شاعر الغزل» في الدرعية، ضمن مبادرات «عام الشعر العربي 2023» (واس)

شهدت السعودية في عام 2023 زخماً ثقافياً، تشكّل عبر باقة متنوعة من الفعاليات الكبيرة والنوعية، من معارض للكتب، ومهرجانات للمسرح، والسينما، لكن عام 2023 كان عام الشعر بامتياز، مع إطلاق مبادرة «عام الشعر العربي 2023» التي تهدف إلى تعزيز مكانة الشعر العربي في ثقافة الفرد والمجتمع، فشهد هذا العام انبعاثاً جديداً لروح الشعر العربي ومفرداته وتراثه وتراتيله التي توزعت في أرجاء البلاد، تعيد مضامين القصائد وصورها ولغتها الشعرية، وتحتفي برموزها التاريخية وبالشعراء العرب المعاصرين.

شاعر الغزل

بداية الفعاليات الكبيرة كانت مع مهرجان امرؤ القيس «شاعر الغزل» الذي أقيم في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في محافظة الدرعية بالرياض، ومثّل تجربةً فريدةً، لاستلهام الروح الأدبية التي عبّر عنها امرؤ القيس، والانخراط في فعاليات مستوحاةً من حياة الشاعر وترمز إلى عصره، حيث يأخذ المهرجان زوّارَه في رحلةٍ ثقافية تفاعلية على مدى 9 أيامٍ متتالية، مُسلّطاً الضوء على سيرة وحياة الشاعر، وإعادة إحياء قصائده بقالبٍ إبداعي. مع تقديم عروض بصرية مخصصة للتوثيق البصري، تركز على الشعراء وأشعارهم والمحيطِ الذي عاشوا فيه عبر موادَّ مرئيةٍ وتفاعلية، وأعمال فنية مرتبطة بالمعلقات السبع، وأشكال مختلفة للتعبير والإبداع.

شعار «عام الشعر العربي»

مهرجان «طَرْفَة بن العبد»

كما أطلقت وزارة الثقافة السعودية ضمن مبادرة «عام الشعر العربي 2023» مهرجان «طَرْفَة بن العبد» في الأحساء، خلال الفترة من 16 إلى 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ليمثل هو الآخر تجربةً فريدةً من نوعها، عبر فعالياتٍ مستوحاةً من حياة الشاعر في عصره، تُعرف بحياته، وشخصيته، وسيرته الشعرية، وأعماله التي خلدتها ذاكرة الشعر العربي. وشهد المهرجان إقامة 4 ندواتٍ علميةٍ مرتبطةٍ بموضوعاتٍ حول حياة الشاعر، و5 أمسياتٍ شعريةٍ شارك فيها نخبة من شعراء المنطقة الشرقية؛ لإيصال مضامين الشعر العربي القديم إلى الجمهور، وتحديداً قصائد طَرْفَة بن العبد. ومسرحية تتناول في محاورها سيرة الشاعر وشعره، وتقوم فكرتها حول حياة الشاعر، وشخصيته، وقصائده، وتُراعي الجو العام لطبيعة الحياة في عصر ما قبل الإسلام، والأزياء، وعنصري اللغة والدراما، وآليات الاستثمار الثقافي والإبداعي في الشعر العربي القديم وشعراء جزيرة العرب.

كما تمّ تنظيم معرض مخصص للشاعر، فيه مجسّم طرفة بن العبد، وشجرة عائلة الشاعر، ورسمة وجغرافية الشاعر، كما يُعرّف بأغرب الألفاظ في شعر طرفة بطريقة تفاعلية.

«معلّقة 45»

وضمن الاحتفاء بالشعر العربي، وبرعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة في وزارة الثقافة السعودية، انطلق في 11 ديسمبر (كانون الأول) الموسم الأول من أكبر مسابقة تلفزيونية للشعر العربي باسم «معلّقة 45»، تجتذب نخبة من الشعراء في المملكة والعالم العربي، في خطوةٍ تُعيد إحياء المعلقات الشعرية من أرض جزيرة العرب التي احتضنت خيال شعرائها وشكّلت قرائحهم، وهي أول مسابقةٍ شعريةٍ سنويةٍ من نوعها تجمع كبرى المؤسسات الثقافية في العالم العربي، وتأتي كمنصةٍ تجمع الشعر الفصيح، والشعبي، والحر، للاحتفاء بالشعر والشُعراء، وتتيح هذه الفرصة للمتنافسين الانضمام لنادي الشعراء الذي سيتم تأسيسه لاحقاً.

شعار برنامج مسابقة «معلقة 45»

وركزت المسابقة على 3 فئات رئيسية، هي الشعر الموزون (العمودي - التفعيلة)، والشعر الشعبي، والشعر الحر، وستُقدَّم جوائز مالية لـ3 فائزين، سيحصل الأول منهم على مبلغ مليون ريال، وتُعلّق قصيدته بأحد المواقع المميزة بالرياض، وصاحب المركز الثاني على نصف مليون ريال، وصاحب المركز الثالث على مبلغ 250 ألف ريال، كما سينال كل متسابقٍ ترشَّح للمشاركة في المسابقة على مكافأة مالية قدرها 50 ألف ريال، إضافةً إلى دعوةٍ خاصة لحضور عشاء الشعراء السنوي الذي يُقام على شرف وزير الثقافة.

وتألفت لجنة تحكيم البرنامج من 6 محكمين، 3 منهم يصوتون لاختيار الأفضل في الشعر الحر والفصيح. وهم؛ فوزية أبو خالد، ومحمد إبراهيم يعقوب، وعارف الساعدي. أما المحكمون الثلاثة الآخرون فيصوتون لاختيار الأفضل في الشعر النبطي. وهم؛ فهد عافت، وسفر الدغيلبي، ومدغم أبو شيبة.

القناة الثقافية

في ذكرى اليوم الوطني السعودي 23 سبتمبر (أيلول)، انطلقت هذا العام القناة «الثقافية» السعودية التي تبث فضائياً ضمن باقة قنوات «إم بي سي» (MBC)، ورقمياً عبر منصة «شاهد»، وتم إعادة إحياء القناة مع حزمة برامجية تضم محتوى ثقافياً وأدبياً متنوعاً في مزيجٍ إبداعي من البرامج والأعمال والعروض الثقافية، واهتمت القناة في الدورة البرامجية الأولى بمبادرة «عام الشعر العربي 2023» مع التركيز على دور الجزيرة العربية وشعرائها في بناء التاريخ الأدبي والفكري للتراث العربي.

ويشتمل محتوى القناة على البرامج الوثائقية، والمسرحيات، والحفلات الغنائية، والتغطيات الموسعة للفعاليات الثقافية، وذلك من خلال تشكيلة واسعة من البرامج الثقافية والفنيّة التي تغطي مختلف القطاعات الثقافية، ويُقدّمها عدد من المثقفين والكُتاب والشعراء والأكاديميين.

منتدى الأفلام السعودي

«الفن والثقافة يمثلان روح المجتمع السعودي، كما أنهما ركيزتان أساسيتان في مسيرة التنمية»، بهذه العبارة استهلّ نائب وزير الثقافة حامد بن محمد فايز كلمته في افتتاح النسخة الأولى لـ«منتدى الأفلام السعودي»، الذي أقيم في «واجهة الرياض»، خلال الفترة من الأول حتى 4 أكتوبر 2023، بحضور نخبة من صانعي الأفلام العرب والعالميين، وعدد من المخرجين والمنتجين والمستثمرين والممثلين الوطنيين والإقليميين والعالميين، وخبراء الصناعة في السعودية.

المنتدى وفرّ الفرصة للسينمائيين لمناقشة صناعة السينما والبحث عن الفرص الاستثمارية، ومستقبل ريادة الأعمال، ودور الاستثمار في تطوير قطاع الأفلام، مع التأكيد على أن صناعة السينما في السعودية تشهد تطوراً كبيراً وتتجه نحو العالمية، وأنها مرشحة للمنافسة قريباً على الجوائز العالمية.

وعلى هامش المنتدى أطلقت السعودية صندوقاً للأفلام بقيمة 200 مليون دولار، بالتعاون مع شركتين دوليتين لدعم قطاع الأفلام وتشجيع توجهات السعودية لتطوير هذه الصناعة والارتقاء بالإنتاج وبناء مستقبل مشرق لصناعة الأفلام والفنون.

مهرجان المسرح

في 14 ديسمبر 2023، أطلقت هيئة المسرح والفنون الأدائية، في وزارة الثقافة السعودية، مهرجان الرياض للمسرح، بهدف تعزيز الحراك المسرحي ودعم الإنتاج المحلي للمسرح السعودي بجانب إيجاد تظاهرة مسرحية تعزز من حضور المسرحيين السعوديين واكتشاف المواهب وصقلها، واستهدف المهرجان دعم إنتاج 20 عملاً مسرحياً في مرحلته الأولى ليتم تقديمها في مناطق إنتاجها، وفرز وترشيح 10 عروض مسرحية للمشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان الذي ستنظمه «الهيئة».

وشهد المهرجان عرض مسرحيات الفرق المتأهلة في مسابقة المهرجان والقادمة من 8 مدن، بالإضافة إلى مجموعة من الفعاليات الثقافية. منها ندوات، وقراءات نقدية، وورشة عمل عن فنون المسرح وتطوير مهارات المسرحيين وصقلها، وعرض مسرحية عالمية، كما يُحيي ذكرى الفنان السعودي الراحل محمد العثيم، نظير إسهاماته المسرحية الرائدة، من خلال عرض مسرحية من تأليفه، وإقامة معرض فني خاص بمسيرته الفنية.

4 معارض للكتاب

ضمن مبادرات معارض الكتب، أقيم عدد من معارض الكتب في السعودية، من بينها النسخة الأولى من مهرجان «الكُتّاب والقُرّاء» في المنطقة الشرقية من المملكة. وأقيم في 5 مواقع بالمنطقة الشرقية، ليعزز بدوره إبراز الأدب والأدباء المحليين، والخليجيين، والعالميين، عبر فعاليات وأنشطة مجتمعية، بمعايير عالمية ومحلية، وتضمن فعاليات أدبية وشعرية وندوات ومسرحاً وفنوناً أدائية وبصرية وعروضاً سينمائية، وورش عمل، وأزياء، ومطبخاً.

كما دشّنت هيئة الأدب والنشر والترجمة في الفترة من 18 إلى 28 مايو (أيار) 2023 معرض المدينة المنورة للكتاب 2023، بحضور نحو 300 دار نشر محلية وعربية ودولية، ونخبة من الكُتّاب والأدباء والشعراء والمثقفين من داخل المملكة وخارجها.

كما أقيم «معرض الرياض الدولي للكتاب 2023»، الذي احتضنته هذا العام جامعة الملك سعود، بمشاركة أكثر من 1800 دار نشر على امتداد 800 جناح، إضافة إلى دور بالوكالة، كما يشارك أيضاً ما يزيد على 70 دار نشر فرنسية عبر مبادرة «الرياض تقرأ الفرنسية». وعرض خاص لمخطوطات ومقتنيات نادرة يفوق عددها 25 قطعة، ولوحات فنية.

وحلّت سلطنة عُمان ضيف شرف هذا العام في إطار الروابط التاريخية والعلاقات الأخوية المتينة التي تجمع الشعبين، وتعكس التبادل والتعاون الثقافي بين المملكة وسلطنة عُمان، حيث تتضمن مشاركتها بجناح في قلب المعرض يحتضن كُتباً ومخطوطات، وتمثيلاً لمكنونات ثقافتها الوطنية، إضافة إلى حضور عدد من رموز الثقافة العمانية، ومشاركة المواهب والمبدعين العُمانيين، وحضور دُورِ نشرٍ عُمانية تستعرض آخر نتاجها أمام أكثر من مليون زائر للمعرض.

وعلى هامش المعرض أقيم «مؤتمر الناشرين الدولي»، يوم 4 أكتوبر، وهو المؤتمر الذي بحث في دورته الأخيرة مستقبل نمو صناعة الكتاب، والتحديات التي تواجه سوق النشر.

وفي النصف الأول من ديسمبر 2023، أقيمت فعاليات معرض جدة للكتاب 2023، بمشاركة أكثر من 1000 دار نشر محليةٍ، وعربية، ودولية موزعة على 400 جناح.

وبحسب الدكتور محمد حسن علوان الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة فقد كان معرض جدة للكتاب رابع معارض الكتب في المملكة، وآخرها لهذا العام (2023) ضمن مبادرة «معارض الكتاب»، على أن يكون «معرض الشرقية للكتاب» أول معارض الكتاب لعام 2024.

مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي

شهدت مدينة جدة على الساحل الغربي للمملكة بداية ديسمبر إقامة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وهو أول مهرجانٍ سينمائي دولي في السعودية، ويُقدِّم بالتوازي مع فعالياته سوقَ البحر الأحمر، وهو منصة مخصصة لاكتشاف إنتاجات ومشاريع السوق العربية والأفريقية، ويمثّل الوجهةَ الأولى للموزعين، ووكلاء البيع، ومُبرمجي المهرجانات والمنتجين لاكتشاف المواهب الواعدة، كما يتضمن المهرجان فعالية أيام المواهب التي تقدم جلسات حوارية تخصصية، وورش عمل مصممة، وتوجيهية لصُنّاع الأفلام الشغوفين بتعلم الصنعة، وتعزيز مهاراتهم، وأدواتهم الفنية فيها.

جانب من «منتدى أفلام السعودية»

وقد شهد هذا المهرجان انطلاق أول جمعيةٍ مهنية متخصصة في قطاع الأفلام، وهي جمعية الأفلام التي تُسهم في تعزيز دور القطاع غير الربحي السينمائي في المملكة، وتستهدف المهتمين، والمتخصصين في صناعة الأفلام للانضمام إلى عضوية جمعيتها العمومية، وتأتي بصفتها أحد مستهدفات استراتيجية وزارة الثقافة للقطاع غير الربحي الثقافي، المتمثّل في تأسيس 16 جمعية مهنية في مختلف القطاعات الثقافية.

وأكد الصندوق الثقافي الراعي الرسمي للدورة الثالثة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة التزامه بدعم تطوير صناعة الأفلام في المملكة سعياً لجعلها مركزاً رئيسياً لصناعة الأفلام في المنطقة. ومثلّت مشاركة الصندوق المشاركة جزءاً من استراتيجيته لبناء شراكات مع المؤسسات غير الربحية، تعزز التنمية المستدامة لقطاع الأفلام السعودي.

وفي ختام المهرجان، تم تتويج الفائزين بجوائز اليُسر، بحضور صناع السينما في العالم.

واختار المهرجان فيلم السيرة الذاتية «فيراري» للمخرج مايكل مان ليكون فيلم حفل إعلان وتوزيع الجوائز في الدورة الثالثة للمهرجان، وهو أحد المشاريع السينمائية المدعومة من صندوق البحر الأحمر.

ومُنحت جائزة اليُسر الفخرية الذهبية لممثل هوليود الأيقوني الحائز على جائزة الأوسكار نيكولاس كيج، وذلك تقديراً لمواهبه الاستثنائية ومساهمته في صناعة السينما.

وقدمت مسابقة البحر الأحمر 14 جائزة وفقاً لاختيار لجنة التحكيم، التي منحت فيلم «الأستاذ» جائزتين، أولاهما، أحسن ممثل وفاز بها الممثل صالح بكري، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وذهبت للمخرجة فرح النابلسي، في حين حصلت الممثلة منى حوا على جائزة أحسن ممثلة عن دورها في فيلم «إن شاء الله ولد».

كما فاز فيلم «بنات ألفة» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة الشرق لأفضل فيلم وثائقي، وذهبت جائزة اليُسر الذهبية للفيلم القصير لفيلم «بتتذكري» للمخرجة داليا نمليش، وحصل فيلم «ما فوق الضريح» للكاتبين كريم بن صالح وجمال بلماهي على جائزة أفضل سيناريو، وفازت الممثلة نور الخضراء بجائزة النجم الصاعد مِن شوبارد.

وفي الجوائز المقدمة من فيلم العُلا، حصل فيلم «فاقد الأمل» من كوريا للمخرج كيم تشانغ على جائزة الجمهور، وفاز فيلم «نورة» بجائزة أفضل فيلم سعودي.

وتضمنت قائمة الجوائز أيضاً جائزة اليُسر الذهبي لأفضل فيلم طويل، وفاز بها فيلم «في ألسنة اللهب» من إخراج زارّار كان، وجائزة أفضل إخراج، وفاز بها شوكير خوليكوف، عن فيلم الأحد، كما مُنح فيلم «حقيبة سفر» للمخرجين سمان حسينبيور وأكو زندكاريمي، جائزة «اليُسر» الفضية للفيلم القصير، في حين فاز فيلم «نذير شؤم» على جائزة أفضل مساهمة سينمائية، و«عزيزتي جيسي» للمخرج تارسم سينج داندوار على الجائزة الفضية للفيلم الطويل.

وقالت رئيسة مؤسسة البحر الأحمر السينمائي جمانا الراشد: «احتفلنا معاً بمجتمع السينما العالمي النابض بالحياة، هدفنا من وراء ذلك مد الجسور بين الثقافات وتأسيسنا لعلاقات جديدة، عبر استضافتنا لأكثر من 125 فيلماً من مختلف دول العالم، إلى جانب برامج سوق البحر الأحمر التي ضمت 348 مشروعاً مقدماً، و44 عملاً قيد التنفيذ من أكثر من 26 دولة».

تقرير الحالة الثقافية: «الاستثمار في القطاع الثقافي»

في 24 أكتوبر 2023، أصدرت وزارة الثقافة النسخة الرابعة من تقرير «الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2022» تحت عنوان «الاستثمار في القطاع الثقافي»، الذي ترصد من خلاله الحِراك الثقافي السعودي خلال العام المنصرم، مع حصرٍ لأهم وأبرز تطوراته، ومنجزاته، وتحدياته، كما يُلقي الضوء على الحراك الثقافي المحلي ويوثق أبرز توجهاته، ويرصد مؤشراته في قرابة «266» صفحة، عبر 6 فصول، هي: الإدارة والصون، والإبداع والإنتاج الثقافي، والمعارف والمهارات، والمشاركة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، والاستثمار في القطاع الثقافي.

ويكشف التقرير عن إشارات مشجعة لمستويات الإقبال على الخدمات والمنتجات الثقافية التي من الممكن أن تُحوِّل المشاريع الثقافية إلى أعمالٍ مستدامة ذات مردود مالي سريع النمو، حيث يتناول الفصل السادس «الاستثمار في القطاع الثقافي» الذي خُصص لموضوع التقرير، بعض التطورات التنظيمية المهمة للاستثمار في المجال، بدايةً من النمو والدعم في القطاع الثقافي خلال عام 2022، مروراً برصدٍ للاستثمارات القائمة في القطاع الثقافي، كما يُعرّج على النصوص التشريعية والقوانين المتعلقة بالاستثمار في القطاعات الثقافية، سواء من خلال حقوق الملكية الفكرية والاستراتيجيات الوطنية، أو اللوائح والتنظيمات السياحية، وينتهي الفصل إلى الدعم والتمكين في القطاع الثقافي، سواء عبر برامج الدعم التي يقدمها الصندوق الثقافي، أو عبر استعراض الفرص الواعدة استثمارياً في القطاع الثقافي.

ويأتي تقرير الحالة الثقافية بوصفه منتجاً معرفياً تقدمه وزارة الثقافة لجميع المهتمين برصد الحراك الثقافي المحلي داخل وخارج المملكة، ليُقدم لهم قراءةً منهجية لحالة الثقافة، تُبيّن التحديات وتوثّق المنجزات وفق هيكلةٍ موضوعية تعكس أبعاد الواقع الثقافي بقطاعاته المختلفة، وتعالج الثقافة بوصفها بنية واحدة لا تتجزأ، وذلك بهدف خلق نقطة أساس معرفية يجري تحديثها بشكلٍ دوري، وتستند على أبحاث ودراسات معتمدة.

مؤشر الثقافة

في 27 سبتمبر 2023، أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، بالتعاون مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، مشروع مؤشر الثقافة في العالم الإسلامي، ويُعدُّ أحدَ المشاريع الرائدة التي تعمل الوزارة من خلاله على رصد تحول المشهد الثقافي وتطوره وتوثيق إنجازاته في الدول الإسلامية، وذلك ضمن 4 أبعادٍ ومحاورَ أساسية، تتمثل في: «الثقافة من أجل التنمية الاقتصادية، والثقافة من أجل البيئة والمناخ والقدرة على الصمود، والثقافة من أجل التنمية الاجتماعية، والثقافة من أجل الانفتاح والتنوع».

وسيُسهم المؤشر الثقافي في تحديد معلومات عن تموضع كل دولة وأدائها وإنجازها الثقافي في الوقت الحالي مقارنةً بالسابق، وتُنشَر بياناتها في تقرير دوري كلَّ 3 سنوات بمعدل دورتين (2023 - 2025) عبر صفحة مخصصة للمشروع في المنصة الرقمية الرسمية لمنظمة الإيسيسكو. وستتكفل المملكة العربية السعودية بتمويل الدورة الأولى لهذا المشروع الاستراتيجي، وقد بدأت المملكة في إصدار تقارير الحالة الثقافية كتقريرٍ وطني يصدر عن وزارة الثقافة السعودية بشكل سنوي منذ عام 2019م.

«بوابة الثقافة»

كما أطلقت وزارة الثقافة منصة «بوابة الثقافة» لدعم الثقافة السعودية ونشرها محليّاً ودوليّاً، وتُساعد على سهولة وصول الجمهور المحلي والدولي إلى قاعدة بيانات شاملة للقطاع الثقافي السعودي بأصوله وبُناه التحتية، ومؤسساته، وآثاره ومنجزاته، بحيث تُغطي الأصول الثقافية بمختلف القطاعات الثقافية، وتُشرك المجتمع في رصدها ورفع كل ما يتعلق بها، وتتيح المنصة للمستخدمين استعراض أنواع مختلفة من صور الأصول الثقافية ووصفها وموقعها، واستكشاف المواقع التاريخية والثقافية عبر خريطةٍ تفاعلية، إلى جانب التصفح والبحث في سجلٍ ثقافي يضم جميع المسارح، والمكتبات، والمتاحف، إلى جانب استكشاف مجموعات القطع الأثرية الثقافية، ومجموعات المخطوطات، والفن الصخري، والنقوش وغيرها من الأصول الثقافية التي خُزنت رقميّاً، فضلاً عن إمكانية مشاركة الأفراد أصولهم الثقافية مع المجتمع الثقافي عبر مدونة بوابة الثقافة.

«التوظيف في الثقافة»

من أجل تعزيز الاستدامة المهنية في القطاعات الثقافية، وتحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، التي تتضمن تنمية المساهمة السعودية في الفنون والثقافة، أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي عن زيادة نسبة «دعم التوظيف» من 30 بالمائة إلى 50 بالمائة لـ160 مهنة ثقافية في 286 نشاطاً، ضمن اتفاقية التعاون بين وزارة الثقافة وصندوق تنمية الموارد البشرية «هدف».

وشملت المهن الثقافية المدعومة قائمة واسعة من المهن في قطاعات التراث، واللغة، والكتب والنشر، والمكتبات، وفنون الأزياء، والمسرح والفنون الأدائية، وفنون الطهي، والأفلام، والمتاحف، والفنون البصرية، والمهرجانات والفعاليات الثقافية، وفنون العمارة والتصميم، إضافة إلى مهن في مسارات التطوير التعليمي للقطاع الثقافي وتصميم الوسائط المتعددة. ومن هذه المهن؛ مخرج أفلام، وناقد فني، ومدرب فنون، ومنتج مسرحي، ومخرج مسرحي، ومدير مسرح، وشاعر، ومؤلف، وناقد أدبي، ومحرر أدبي، وناشر أدبي، ومصمم نسيج، ومصمم أزياء، وإخصائي تنقيب آثار، وطاهٍ، وعامل تطريز، ومرشد موضة، وصائغ، وعارض أزياء، وخطاط، وإخصائي آثار، وفني ترميم وثائق ومخطوطات، ومصمم أثاث، ومدير متحف، ومرشد متحف، ومدير معرض فني، ورسام تشكيلي، ومغنٍ، وقائد فرقة موسيقية، ومدرب أداء صوتي، وغيرها من المهن الثقافية الأساسية.

الجوائز الثقافية الوطنية

في 11 سبتمبر 2023، كرّم وزير الثقافة السعودي الفائزين بجوائز مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» في دورتها الثالثة 2023، حيث نال جائزة «شخصية العام الثقافية» الأديب أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري نظير إسهاماته الأدبية والثقافية الكبيرة التي بذلها على مدى سنواتٍ طويلة في الميدان الثقافي، والتي أصدر خلالها مجموعةً من المؤلفات الأدبية والثقافية الثريّة في مختلف المجالات كاللغة والأدب والفلسفة والفن وعلوم الشريعة والتاريخ.

فيما نال رجل الأعمال عبد الرحمن بن محفوظ جائزة سيدات ورجال الأعمال الداعمين للنشاط الثقافي، ونالت مؤسسة التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع «ألِف» جائزة التميز الثقافي الدولي. أما جائزة «الثقافة للشباب» فقد فازت بها لبنى الخميس، وعلى مستوى جائزة المؤسسات الثقافية فقد ذهبت الجائزة بمسار القطاع الخاص للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، وفي مسار القطاع غير الربحي فاز بها مركز عبد الرحمن السديري الثقافي.

وشهد الحفل تكريم الفائزين في بقية مسارات الجوائز الثقافية الوطنية بمختلف القطاعات الثقافية، حيث فاز بجائزة الأدب الشاعر محمد إبراهيم يعقوب، وفي جائزة النشر فازت دارُ «أدب» للنشر والتوزيع، وفي جائزة الترجمة فازت المترجمة مها الفالح، وفي جائزة الأزياء شارملينا للمجوهرات، وفي جائزة التراث الوطني المؤرخ الدكتور عبد الله المصري، وفي جائزة فنون الطهي شركة بتيل المحدودة، وفي جائزة الفنون البصرية الفنانة منال الضويان، فيما نالت فرقة الرياض جائزة المسرح والفنون الأدائية، وفاز بجائزة الموسيقى الفنان عبد الرحمن محمد، وفي جائزة الأفلام الفنان إبراهيم الحساوي، وأخيراً نالت خلود عطار جائزة فنون العمارة والتصميم.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
TT

نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)

تضمن العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (الخامس/ يناير «كانون الثاني» 2026) ملفّاً خاصاً عن «الأدب النسوي... أزمة المصطلح وآفاق التخييل»، شارك فيه عدد من النقاد والأكاديميين العرب، بينهم المفكر والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، الذي كتب مقالة، بعنوان: «السرد النسوي... حدود المفهوم وشروطه»، والناقدة والأكاديمية المصرية الدكتورة أماني فؤاد، في مقال حمل عنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود»، وكذلك مقال للدكتور أنس النعيمي بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، والأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي عميدة كلية الفنون بجامعة الملك سعود، في مقال بعنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، بالإضافة إلى عدد من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية.

يرى الناقد د. عبد الله إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء والكتابة النسوية»

شروط السرد النسوي

يرى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، في حديثه عن مفهوم «السرد النسوي»، أنه «ذلك الضرب من السرد (الذي) قد صاغ هويته استناداً إلى حضور أحد المكونات الثلاثة: أو اندماجها معاً فيه، وهي: نقد الثقافة الأبوية الذكورية، واقتراح رؤية أنثوية للعالم، وتم الاحتفاء بالجسد الأنثوي، فتشابكت تلك المكونات من أجل بلورة مفهوم الرواية النسوية بما صارت تعرف به، فإن تحققت فيه تلك الأركان أو أحدها، فستندرج الكتابة في إطار مفهوم السرد النسوي».

وفيما يخص نوع الكتابة، يرى إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية؛ فالأولى تتم بمنأى عن فرضية الرؤية الأنثوية للعالم والذات، إلا بما يتسرب منها دون قصد وهي تماثل كتابة الرجال، معالِجَةً القضايا العالية، أما الثانية فتتقصّد التعبير عن حال المرأة، استناداً إلى تلك الرؤية في معاينتها الذات والعالم، ثمّ نقد الثقافة الأبوية، وأخيراً اعتبار جسد المرأة مكوناً جوهرياً في الكتابة، بحيث يتم كل ذلك في إطار الفكر النسوي ويستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته، ويسعى إلى بلورة مفاهيم أنثويّة من خلال السرد وتفكيك النظام الأبويّ بفضح عجزه عن الوفاء بحاجات المرأة».

في هذا المقال، يقول الدكتور عبد الله إبراهيم: «من وجهة نظري، أدرج معظم السرود النسوية في مدار نصوص المتعة، وأقصد بها تلك النصوص التي تزعزع معتقدات المتلقي التقليدي وربما تخرّبها؛ لأنه لم يعتد عليها، فتُخلّف لديه إحساساً بأنه يقرأ نصوصاً لا تنسجم وما عهده من تخيلات موروثة عن العالم الذي يعيش فيه، فتلك النصوص تضمر نقداً له، وتبرمّاً بما يعرف وحتى بما يتخيل».

وفي سياق تحليل مفهوم السرد النسوي، يرى إبراهيم أنه «يلزم التأكيد على قضية مهمة، فمع الإقرار بأن التمثيلات السردية للعالم هي نتاج وعي الأفراد؛ نساءً ورجالاً، بأحوال العالم ووجودهم فيه، فلا بدّ من الإشارة إلى أن تلك الرؤى الفردية ليست منقطعة عن خلفياتها الاجتماعية والثقافية التي تتسرب إلى تضاعيفها، وتتفاعل فيما بينها، لتضمر في داخلها كثيراً من التجارب العامة والخاصة، فالرؤى التي تصوع العوالم السردية التخيلية لا تنفصل عن مرجعياتها انفصالاً تامّاً، ولكنها في الوقت نفسه لا تعبّر عنها تعبيراً مباشراً».

وهو يرى أن «العلاقة بين الرؤى السردية وخلفياتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، علاقة مركبة ومتعددة المستويات ومتداخلة، ويتعذر وضع قانون لضبطها وتفسيرها وكشف أواصرها، ولكنها علاقة قائمة لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها».

د. أماني فؤاد: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة شعرتُ بأنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية»

صرخات سردية

في مقالها بعنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود» تتساءل الأكاديمية المصرية الدكتورة اماني فؤاد: «هل هناك سمات خاصة بأدب النساء؟ بمعنى: هل الرواية التي تكتبها المرأة لها خصائص تختلف مضموناً وشكلاً عما يكتبه الرجل؟».

وفي إجابتها، تقول: «على الرغم من أن هذا الطرح وهذا التساؤل قد يعودان بنا لثنائيات من المفترض أنه قد تم تجاوزها فلسفياً ونقدياً؛ ثنائية الرجل والمرأة، وثنائية الشكل والمضمون، فإنني رحت أرصد تلك الخصائص التي تصف وتميز منظومة انصهار الفكر مع بنية وتشكيل العمل الروائي مكتملاً لدى الكاتبة المرأة لتنضج تلك المنظومة في الخطابات المرسلة التي تسيطر على المشهد الإبداعي».

تقول الكاتبة: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة، شعرتُ أنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية، فهي ليست فارقة وجوهرية بصورة جذرية لكن يبقى هناك الشعور بخصوصية ما؛ لذا رحتُ أبحث عن إجابة لسؤال يؤرق الباحثين في الرواية وفي طبيعة منتج المرأة الأدبي: ما الخصائص التي تميّز الرواية التي تكتبها المرأة؟».

وتضيف: «بعد قراءات متعددة للروايات التي تكتبها المرأة، نصوص تشمل المشهد الروائي المصري والعربي، وبعض المترجم العالمي، عبر سنوات كثيرة، وتضمّنت قراءة العديد من الأبحاث النقدية، وجدتُ أن هناك بعض الملامح الخاصة برواية المرأة بالفعل، وأحسب أنها تعود إلى خصوصية فضاء المرأة الذهني الذي يتفق مع الرجل في المعاني الإنسانية الكبرى العامة ثم يختلف نسبياً نظراً للسياقات الثقافية التي تحكم مخزون العقل الجمعي للمجتمعات فيما يخص المرأة وما يترسّب من عادات وتقاليد وأساطير وأديان ومعارف وهيمنة مواضعات ومقالات وضعها الرجل لتدعم تفوقه وترسّخ له دائماً، ثم نشر تلك المقولات وتكرارها حتى يتصور الجميع - الرجل والمرأة كلاهما - أنها حقائق ولا سبيل لتغييرها».

وحين تتحدث الكاتبة عن الخصائص والسمات التي تميز الكتابة النسوية (المصرية والعربية)، تسرد من بينها: الصراع داخل النص الروائي حول هموم المرأة وقضاياها، فـ«عادة حيث تعالج الكاتبات موضوعات مثل الحب والزواج والاستقرار والطلاق والأمومة والإنجاب ورعاية المنزل العذرية وقضايا الاغتصاب، تعرض أيضاً لتأثير الموروثات الاجتماعية والعقائد الدينية التي تضعها تحت طائلة ثقافة ذكورية مهيمنة».

كما تتطرق إبداعات المرأة إلى الثورة على التقاليد والأساطير وتأويل السلف للنصوص الدينية... كما ناقشت نصوص المرأة أيضاً توازناً مع رغبتها في الحصول على حريتها، وحرية أوطانها، والرغبة في التخلص من الاستعمار في مرحلة تاريخية تخص إبداعاتها ثم مساواتها بالرجل في الحياة السياسية والنيابية ومجالات العمل كافة.

وتضيف: «يُعّدُ طرح تلك القضايا في الأدب من خصائص الكتابة النسوية، التي يعبر فيها النص الأدبي عن تجربة المرأة الخاصة، ومعاناتها وواقع حياتها بشكل صادق ومخالف للأنماط التي صورت بها المرأة طويلاً، والتي تنافي إلى حد بعيد الحقيقة والواقع، حيث تناقلتها ورشحت لها كتابة الرجل مثل المرأة التي تغوي أو التقليدية ربة المنزل، التي تتقبل ما يفرض عليها فقط في إطار كونها مستقبلاً لما يفرضه الواقع والرجل».

تلاحظ الكاتبة أنه في أواخر ستينات القرن العشرين ظهرت دعوات واضحة تنادي بمنح المرأة دوراً أكثر تأثيراً في النتاج الأدبي كتابة وقراءة ووعياً؛ أي انتزاع الوعي الفردي بداية ثم الجمعي في ثورة ضد موازين القوى الجنسية المهيمنة، حيث التهميش شبه الكامل والمتعمّد للنساء، وحصرهن في مناطق محددة من طبيعة الوجود والأدوار الحياتية والوظيفية (...) ولقد رافق هذا التوجه إبراز التراث النسوي وإسهامات المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية وإبداعات المرأة في مجالات وفنون متعددة.

ومن هنا، تضيف: «اهتم النقد أيضاً (وخاصة الأنغلو - أميركي) بدراسة إبداع النساء وفحص ما ألصق به والتأكيد على خلوه من خصائص روّجت لها بعض التوجهات من قبيل: عرضيته وسطحيته وهامشيته، وبعده عن الجوهري، وغرقه في اليومي الخاص بالمرأة، ومعاناتها فقط مع الرجل والمجتمع، وتكرار التجارب نفسها التي تطرح فيه، وعدم قدرته على الخروج لرؤى كلية وتجريدية، حيث خيال المرأة غير القادر على إعادة تشكيل العالم، وفق رؤية مغايرة تعيد تفسير الوجود وغيرها من ادعاءات».

د. أنس النعيمي: «نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أياً كان موضوعه من منطلق الخصوصية التي لا تعني تميّز طرف على حساب طرف آخر»

خصوصية الشعر النسائي

وضمن هذا الملف، كتب الدكتور أنس النعيمي مقالاً بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، قال فيه: «يمكننا أن نعدّ الشق الذي تكتبه المرأة في مجال الأدب النسائي رافداً من روافد الشعر النسائي الذي يتناول قضايا المرأة والرجل والمجتمع، فضلاً عن المجالات الإنسانية الأخرى، فعلاقة الأول بالثاني علاقة جزء بكل، أو علاقة فرع بأصل، وقد تبنى هذه التسمية مجموعة من الباحثين».

وأضاف أنه «لا مانع من أن نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أيّاً كان موضوعه من منطلق الخصوصية، التي لا تعني بأي حال من الأحوال تميّز طرف على حساب طرف آخر، وإنما تعني تفهماً أكثر لدواخل الأنا الأنثوية، كما أن الرجل يكون أقدر على التعبير عن موضوعات الرجولة وترجمتها إلى أدب من المرأة، وذلك بحكم الطبيعة الجنسية لكل منهما».

د. منى المالكي: «الأدب النسوي تشكّل استجابةً معرفية وجمالية لسؤال وجودي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟»

سؤال الوجود

وكتبت في هذا الملف، الأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي، مقالاً مطولاً حمل عنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة... في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، أكدت فيه أن الأدب النسوي لم ينبثق بوصفه ظاهرة عابرة أو نزعة ظرفية في تاريخ الكتابة، بل تشكّل استجابة معرفية وجمالية لسؤال وجودي مركزي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكّل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟

وأضافت: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة؛ فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة، ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي، سواء على مستوى التمثيل أو التخييل أو إنتاج المعنى».

وترى المالكي أن إشكالية المصطلح تكمن في التباسه بين كونه توصيفاً جنسانياً للكاتب/ة، وكونه مفهوماً نقدياً يتجاوز حدود الهوية البيولوجية ليطول موقفاً فكريّاً وجماليّاً من العالم واللغة والسلطة. لذلك لا يمكن اختزال الأدب النسوي في كونه أدباً تكتبه النساء، بل هو ممارسة كتابية واعية تسعى إلى زعزعة البنى الرمزية التي كرست الهيمنة الذكورية داخل المتخيل الثقافي.

وفي تعريفها للأدب النسوي (Feminist Literature) قالت إنه تيار أدبي ونقدي يتخذ من التجربة النسوية منطلقاً لتحليل الواقع وإعادة تمثيله، ويسعى إلى تفكيك البنى الأبوية المهيمنة في اللغة والسرد والخيال الثقافي مع العمل على إعادة صياغة مفاهيم الذات والهوية والعلاقة بالآخر.

وهو بهذا المعنى مشروع ثقافي ومعرفي يتقاطع فيه الأدبي بالسياسي والجمالي بالآيديولوجي، دون أن يختزل في خطاب احتجاجي مباشر، بل يراهن على إنتاج جماليات بديلة قادرة على خلخلة السائد وإعادة تعريف الممكن.

المالكي: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي»

وفي حديثها عن السياق التاريخي لبروز الأدب النسوي، قالت المالكي: «تعود البدايات الأولى للأدب النسوي، في السياق الغربي إلى القرن التاسع عشر، متزامنة مع صعود الحركات المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتمثيل الثقافي، وقد مثلت كتابات (جين أوستن) و(الأخوات برونتي) مرحلة تأسيسية عبّرت فيها المرأة عن ذاتها داخل شروط اجتماعية صارمة، لكنها استطاعت عبر التخيل، تمرير نقد اجتماعي حاد للعلاقات الطبقية والجندرية. ومع القرن العشرين انتقل الأدب النسوي إلى مرحلة أكثر وعياً بذاته، خاصة مع كتابات (فرجينيا وولف) التي ربطت الإبداع بالاستقلال الاقتصادي والذهني»، مؤكدة أن الكتابة ليست فعلاً جمالياً محضاً، بل ممارسة مشروطة ببنى السلطة. ثم تطور هذا الأدب مع الموجات النسوية المتعاقبة، لتغدو موضوعات الجسد والذاكرة والهوية واللاوعي مركزية في السرد والشعر.

أما في السياق العربي فقد تداخل تشكل الأدب النسوي مع مشاريع النهضة والتحرير الوطني حيث وجدت المرأة نفسها داخل فضاء مزدوج من المقاومة؛ مقاومة الاستعمار الخارجي، ومقاومة البنى الأبوية الداخلية، وهكذا أصبحت الكتابة النسوية فعل وعي وممانعة، وسعياً لإعادة امتلاك الذات عبر اللغة.

حفل العدد الجديد بجملة من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية

مقالات ثقافية

وفي صلة قريبة من هذا الملف، وضمن حوارات العدد، أجرت رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة روضة الحاج، حواراً مع الشاعرة مليكة العاصمي، التي تعدّ رائدة الشعر النسوي في المغرب، سلّط الضوء على تجربتها الشعرية، وعلى مسيرة الشعر النسوي بالمغرب بشكل عام.

أما الحوار الثاني فقد أُجري مع الدكتور حسين الجزائري، وهو شخصية فريدة وعالم من علماء الطب بالعالم الإسلامي، أسس أول كلية للطب بالمملكة العربية السعودية، وكان أول من نادى بإلحاق الفتيات بكلية الطب، تولى وزارة الصحة ثم أصبح مديراً لمكتب الصحة العالمي لإقليم شرق المتوسط لثلاثين عاماً... أجرى الحوار السفير خالد فتح الرحمن، مدير مركز الحوار الحضاري بـ«الإيسيسكو».

كما احتفى العدد الجديد بافتتاح المكتب الإقليمي لـ«الإيسيسكو» بالشارقة، بحضور الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، ومدير عام «الإيسيسكو» الدكتور سالم بن محمد المالك، ليصبح هذا المركز منارة إشعاع ثقافي وحضاري لكل محيطه.

ومن بين مواد العدد، مقال عن الذكاء الاصطناعي بوصفه خطاباً سلطوياً، وجهود «الإيسيسكو» في مجال التراث والأدب الصوفي، ومقال عن السفر عبر الزمن، وآخر عن شاعرة الهند كملا ثريا، كما يتضمن العدد مقالاً في الصفحة الأخيرة، للدكتور عبد العزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية.


«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.