نار الحب الموزعة بين العذوبة والعذاب

طبيعته المتناقضة جعلته يختزل في داخله عناصر الوجود الأربعة

صادق جلال العظم
صادق جلال العظم
TT

نار الحب الموزعة بين العذوبة والعذاب

صادق جلال العظم
صادق جلال العظم

لطالما وجد الفلاسفة والدارسون والباحثون في شؤون الحب أنفسهم عاجزين تماماً عن تقديم تعريف حاسم ونهائي لهذا النزوع الإنساني الذي ندر أن أفلت أحد من شِباكه وأفخاخه. ليس فقط لأن مفهوم الحب وطبيعته ظلا على امتداد العصور عرضة للتبدل والاختلاف، وفقاً لتبدل المجتمعات وتطور بُناها المادية والثقافية ومفاهيمها الأخلاقية، بل لأن جزءاً غير قليل من هذا النزوع ظل فردياً بامتياز، وقادراً على الإفلات من المشترك السلوكي الجمعي، ليتخذ أشكالاً تتعدد بتعدد المحبين أنفسهم، وبتجاربهم العاطفية التي تمتلك كل منها بصمتها الخاصة ومسارها المختلف.

الواقع أن الطبيعة المحيرة للحب لا تنحصر في التجارب المتباينة للعشاق والمحبين، بل هي في إطارها الفلسفي والنظري تتخذ أبعاداً أكثر اكتظاظاً بالمفارقات، حيث يتخذ الحب صفة الشيء ونقيضه، وحيث تتقاطع داخل هذا الدافع الإنساني الملغز عناصر الوجود الأربعة، النار والماء والتراب والهواء، كما يندر أن تتقاطع في أي أقنوم آخر. وليس على الدارس المتقصي سوى أن يتوقف ملياً عند ما أنتجه البشر عبر تاريخهم الطويل من أساطير وملاحم وفنون وسرديات شعرية ونثرية، لكي يعثر على الأدلة والشواهد التي تضعه وجهاً لوجه أمام وجوهٍ وصورٍ للحب متغايرة إلى حد التناقض.

وإذا كان الفلاسفة والكتاب والفنانون قد ذهبوا منذ القدم إلى إقامة نوع من النسب الرمزي بين النار والحب، فلأنهم رأوا في هذا الأخير ما يؤجج داخل القلب الإنساني مشاعر شبيهة بالحرائق، يتعذر في مراحلها المتقدمة إخمادها والخروج منها. وقد حرص جيمس فريزر في كتابه «الغصن الذهبي» على تعقب الدلالات المختلفة للنار، سواء في بعدها الديني والماورائي، أو في أبعادها الأخرى المرتبطة بالحب وطقوس الجنس المقدس عند الشعوب القديمة. فقد كان الأقدمون، وفق فريزر، يعدّون النار مطهراً قوياً يستطيع أن يقضي على كل ما هو فانٍ في الإنسان، لكي لا تبقى منه في نهاية المطاف إلا روحه الخالدة. وقد يكون الارتماء في أحضان النار نوعاً من الاحتجاج على هجر الشخص المعشوق وصدوده، أو تخلصاً من لجاجة شخص مكروه، كما فعلت أليسار مؤسسة قرطاجة، بعد أن ضاقت بها السبل. كما أن الالتحاق بالحبيب الميت والانصهار برفاته هو الدافع الأهم الذي يملي على النساء المتزوجات أن يقذفن بأنفسهن بعد رحيل أزواجهن في أتون النيران، في بعض مناطق الكوكب ونواحيه.

على أن أي مقاربة عميقة للعلاقة التي تربط النار بالحب، لا يمكن أن تتم دون التوقف ملياً عند كتاب «النار والتحليل النفسي» للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، الذي استطاع أن يتعقب تلك العلاقة من منظور الفلسفة والأسطورة والشعر، دون أن يغفل الموروثات والمعتقدات الشعبية المتصلة بهذا الشأن. فالنار كما يذهب صاحب «جماليات المكان»، لم تتولد من احتكاك حجرين أو قطعتي خشب، بل من احتكاك جسدين عاشقين، بما يجعلها ابنة الإنسان أكثر من كونها ابنة الأخشاب والأحجار. كما أن غزو النار هو ما فصل الإنسان عن الحيوان، حيث اللهب ينبثق من قلب الإنسان عاشقاً ومبدعاً في آن واحد. ولأن للنار هذه المكانة المؤسسة للحياة والفن، نستطيع وفق باشلار، أن نعدَّ بروميثيوس عاشقاً وشاعراً أكثر منه فيلسوفاً، ونستطيع أن نتيقن من أن الغيرة مما يمكن أن يصبح عليه البشر المتسلحون بالنار هي ما أوغر صدر الآلهة للانتقام من الإنسان، ودفعها لأن تنزل به عقابها الأبدي.

لويس أراغون

ولعل مقولة صادق جلال العظم المعروفة حول نسبية الزمن، وضرورة التمييز بين زمن الكثافة السريع الذي يمثله الحب، وزمن الامتداد البطيء الذي يمثله الزواج، هي تأكيد إضافي لما ذهب إليه باشلار، من أن «كل ما يتغير بطيئاً تفسره الحياة، وكل ما يتغير سريعاً تفسره النار». على أن الفيلسوف الفرنسي وهو يمعن في مواءمته بين أقنومي النار والحب، حرص في الوقت ذاته على التمييز بين النار الملتهبة التي تحرق كل شيء، كما هي حال نار الجحيم، وبين نار المواقد المنزلية الشتوية التي يكفينا أن نضع جمرة مقابل الأخرى، حتى تُشيع في دواخلنا نوعاً من الدفء الفردوسي الموزع بين العذوبة والعذاب، حيث الافتتان «يتم بصوت خافت تحت رماد الشتاء، فيما القلب، شبه نار مغطاة يستهلك نفسه ويغني».

وسواء اتخذ الحب مع بلوغه حالة الوجد والهيام صورة النار المتأججة، أو بدا على صورة نار خفيفة وملطفة، فهو قادر على رفد الأدب والفن ببعض أفضل تجلياته وأكثرها صلة بشغاف القلب وحرقة الكائن الإنساني. وقد تكون الشاعرة اليونانية سافو المولودة في القرن السابع قبل الميلاد، التي قضت انتحاراً بسبب قصة حب فاشلة، إحدى أكثر شاعرات العصور القديمة جرأةً وتعبيراً عن ضراوة الحب وفتنته، الأمر الذي حدا بفريدريك هيغل لأن يصف المرأة التي أحرقت الكنيسة القسم الأكبر من قصائدها بالقول «إن شعرها يُظهر لهيب الدماء المضني، أكثر من الشعور العميق للمزاج الذاتي». وقد استمر اللهيب إياه بتغذية الشعر الغربي في العصور الوسطى، بخاصة مع الشعراء الفرسان الذين عرفوا بالتروبادور، وصولاً إلى عصرنا الراهن، حيث يعلن أراغون في ديوانه «مجنون إلسا»:

الحب والموت لهما البريق إياه

أريد أن أرى طرَف ذاتي

أوقِدوا النار

فها إنني أُحب

ورغم أن الشعراء العرب الأقدمين لم يكن يعوزهم المزيد من النيران، وهم الذين عاشوا في حمأة الصحراء ولفحها الشمسي، فقد عبّرت قصائد عشقهم عما كابدوه من جمر المكابدات ولهب الشوق، الذي لا تكاد اللقاءات العابرة تخفف من وطأته، حتى يتسبب الفراق في تأجيجه مرة أخرى. وفي «مصارع العشاق» يروي أحمد بن الحسين السراج أن مُساور الوراق تلا على مسامع أحد مجانين بني عذرة، ممن اختلطت عقولهم بفعل الحب، بيتاً من الشعر يقول فيه:

وما الحب إلا شعلةٌ قدحتْ بها

عيونُ المها باللحظ بين الجوانحِ

وحين طلب الوراق من صاحبه المجنون أن يُجيزه، أجابه الأخير دون إبطاء:

ونار الهوى تخفى وفي القلب فعْلها

كفعل الذي جادتْ به كفُّ قادحِ

ومع أن بعض من وقعوا في شرك الحب، قد حاولوا الالتفاف على دوامته المحيرة، مبتكرين لأنفسهم مخارج عدة، بينها البحث عن حب بديل أو مشاغلة أنفسهم بالتهالك على الملذات والمتع الدنيوية الصرف، إلا أن محاولاتهم تلك قد باءت بالفشل، ولم تكن «الرشى» المتنوعة التي قدموها لإرضاء الجسد الشهواني، قادرة على إطفاء ما تعاظم في داخلهم من ظمأ القلب وحرائق الروح. وفي ذلك يقول محمد بن النضر الفهري:

زعموا أن من تشاغل باللذات عمّن يحبه يتسلّى

كذبوا والذي تساق له البُدْنُ ومن عاذ بالطواف وصلّى

إن نار الهوى أحرُّ من الجمر على قلب عاشقٍ يتقلّى

إلا أن الجانب الناري من الحب هو الذي يفسر بالمقابل عدم قدرته على الصمود طويلاً في وجه الزمن، حيث في حياة قصيرة وزائلة، ليس الثبات ولا الديمومة صفتين من صفات البشر، بل التحول والذبول والزوال، وحيث كل ما يشتعل بوتيرة شديدة وسريعة، لا بد له أن ينطفئ بالوتيرة نفسها. وإذ عدَّ بعض الدارسين أن القوة الافتراضية للعصف العاطفي الذي يثيره الحب في قلوب البشر لا تتجاوز على المستوى الزمني السنوات الثلاث، فإن البعض يرى أن النار قد تصاب بالعقم عندما تبلغ سناً بعينها، مثلها في ذلك مثل أي قوة منجبة. وإذا تُركت النار تعيش حياتها الطبيعية، هرمت وماتت كما يهرم ويموت الحيوان والنبات، حتى لو قمنا بتغذيتها.

مدركين هذه الحقيقة، عمل الشعراء والمبدعون، والعذريون منهم على خطين اثنين، يتعلق أولهما بجعل الغياب الطرف الثالث الذي لا بد من وجوده لمنع العلاقة بين الحبيبين من الترهل والانحسار، وإبقائها في حال التوهج المستمر. ويتعلق ثانيهما بالاستثمار الإبداعي النرجسي لحالة الفقدان، بحيث يُعاد تأليف المرأة المعشوقة من هذيانات التخيل الشعري وحمّى الرغبات المكبوتة، لا من التشكلات الزائلة للّحم والدم. ولم يكن قول جميل بن معمر «يموت الهوى مني إذا ما لقيتها، ويحيا إذا فارقتها فيعودُ»، سوى ترجمة صادقة لرغبته في استيلاد بثينة من رحم الحرمان وهواماته المتخيلة. ومع أن محيي الدين بن عربي قد ذهب لاحقاً إلى القول بأن «كل حب يسكن باللقاء لا يعوّل عليه»، فإن صاحب «الإشارات الإلهية» لم يكن على الأرجح يحمّل اللقاء المقصود، المعنى الذي يحمله الزواج، حيث في أغلب الحالات لا يتبقى من الحب سوى ما يتبقى من الجمر بعد تحوله إلى رماد. وهو عين ما قصده إريك فروم في كتابه «فن الحب»، حين قال «إن الإنسان يتوق إلى الحب الضائع، ويشغف به أشد الشغف. إذ ما الذي كان سيحدث لو أن جولييت بقيت مع روميو وتزوجت منه؟».



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»