سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

خضير فليح الزيدي أخرج الشخصيات الروائية نهائياً من العالم الواقعي

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» للروائي خضير فليح الزيدي، الصادرة هذا العام، تقوم على افتراضات تخييلية متطرفة، ينهض فيها الموتى من قبورهم، في مقدمتهم الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي يستحضره المؤلف ليلتقي بأبطال رواياته الذين طلبوا منه الحضور لتصحيح أوضاعهم الحياتية، بعد أن خرجوا من عالم الورق الافتراضي إلى العالم الواقعي، وهو مشهد يذكرنا بمسرحية الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو الموسومة بـ«ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، إذْ وجدنا شخصيات رواياته يطالبونه بتصحيح أوضاعهم، منهم كريم الذي خاطب غائب بغضب: «لقد أجرمت بحقي أيها المؤلف حين تركتني في صفائح بغداد دائخاً ومرعوباً وهربت... وجعلت آمنة تفر من شباكي وتتركني وحيداً وتائهاً هنا» (ص 29).

لكن المؤلف يعيد ثانية شخصيات «غائب» من العالم الواقعي، الأرضي الذي تسللت إليه، إلى الفضاء السردي الورقي بتعبير رولان بارت عندما يعلن «هاني بارت» للمحقق أنه كاتب، وأن «كل هؤلاء شخصيات في روايتي الجديدة بما فيهم أنت، والعون الذي سيطرق الباب بعد لحظات، رفقة محامٍ يحمل لك وثيقة عن حقيقة هويتي» (199).

وبذا فقد أعاد المؤلف الشخصيات الروائية إلى سياقها الفانتازي، وأخرجها نهائياً من العالم الواقعي. فكل شيء، وكل الشخصيات، هي مجرد كائنات ورقية كما يقول الناقد الفرنسي رولان بارت. وبذا أكدت الرواية كونها فانتازيا تخييلية تتوسل بلعبة التغريب في المسرح الملحمي البريختي لكسر حالة الإيهام والتماهي مع الفعل الدرامي، وإشعار المتلقي أن ما يتلقاه مجرد تمثيل ليس إلا، وتحريضه على التفكير المتسائل حول ما تلقاه من مشاهد وأفعال.

ويستهل الروائي روايته بإعلان علق على حائط المسجد بلافتة سوداء عن إقامة مجلس فاتحة على روح المرحوم غائب طعمة فرمان، لكن الروائي سرعان ما يتدخل، مستدركاً: «والحق أنه لا يوجد فقيد، ولا وفاة مسجلة رسمياً، ولا هم يحزنون. فقد أشبع المؤلف موتاً» (ص 9).

وبذا يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضر جميع أبطال رواياته، في مقدمتهم سليمة الخبازة ومصطفى الدلال وأسومة العرجة وحمادي العربنجي وخاجيك ودبش والسيد معروف وغيرهم، فضلاً عن ذلك فقد انتشرت إشاعات عن حضور كبير تجار الشورجة السيد المرحوم عبد الرزاق البيرقدار، والد دلال، إلى مجلس العزاء.

ويمهد الروائي تدريجياً لظهور شخصيات الرواية الرئيسية عندما ينقل محامي عائلة البيرقدار السيد جبر الشوك مضمون هذه الإشاعات إلى «دلال» الابنة الصغرى للمرحوم عبد الرزاق البيرقدار، لتشهد بنفسها عودة الغائب إلى بغداد (ص 12). ويعترف غائب للسائق الذي أقله من المطار إلى فندق بغداد بأن سليمة الخبازة ضحيته، وأنه جاء لتغيير مصيرها (ص 38).

هذه المقدمات التي قدمها المؤلف كانت هي المدخل لحبكة الرواية المركزية والمتمثلة في العلاقة الثنائية بين «دلال» ابنة البيرقدار الصغرى، وكاتب شاب يدعى «هاني بارت»، وهو أحد الأدباء المنضمين إلى جمعية أدبية هدفها تفجير اللغة وتحديثها. وتهدف هذه العلاقة إلى البحث عن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي دارت الإشاعات حول وجوده حياً في بغداد، ورغبة دلال في أن تسلمه أمانة، هي عبارة عن مخطوطة سبق للروائي الراحل أن كتبها لكنه لم ينجزها وتركها في مكتبه في معمل القطن الذي يملكه والدها المرحوم عبد الرزاق البيرقدار.

وبعد جولات ماراثونية في شوارع بغداد ومحلاتها الشعبية، في مقدمتها محلة المربعة في شارع الرشيد، التي كان يقيم الأديب الراحل فيها أثناء إقامته في العراق، تقتنع «دلال» بلا جدوى البحث عن غائب طعمة فرمان، جسداً، وتوافق على تسليم المخطوطة للأديب الشاب «هاني بارت» ليقوم بتحريرها لغرض نشرها باسم الروائي الراحل وفاءً لذكرى الأديب الراحل الذي تعدّه «دلال» بمثابة عمها. ونكتشف بعد إنجاز مهمة التحرير وإعادة الكتابة، أن المخطوطة هي رواية «بنات غائب طعمة فرمان» بالذات، وأن المحرر (هاني بارت) هو القناع الذي ارتداه المؤلف خضير الزيدي.

ومما يربك القارئ معرفة أن «دلال» الفتاة الجميلة (قمر الرصافة) كانت تخطط للتخلص من شقيقتها الكبرى تماضر: «.. أما هي، فكان كل همّها ألا تفشل الخطة التي وضعتها لتوريط أختها في جريمة القتل والاستحواذ على إرث البيرقدار» (ص 194).

ففي هذا الاتهام تنهار صورة البراءة والجمال والنبل التي رسمها المؤلف لبطلة الرواية (دلال) لأنها تفتقد إلى التبرير، كما تفتقد إلى مقدمات سردية تدعم هذا التخطيط الشيطاني. ومن اللافت للنظر أن محرر الرواية (هاني بارت) وجه مثل هذا الاتهام إلى «دلال» أثناء التحقيق:

«– دلال فاتنة استخدمتني لتورط أختها.

- فيم تورطها؟

- في قتل زوجها ابن الأغا.. لتستأثر بالإرث لنفسها» (ص 198).

وكان من الأفضل حذف هذا الاتهام غير المدروس لإبقاء صورة «دلال» على ما هي عليه.

ويبلغ المنحى الميتا سردي ذروته في نهاية الرواية، عندما يعلن المحرر (هاني بارت) أنه كاتب، وأن جميع هذه الشخصيات موجودة في روايته الجديدة، وبذا أعاد الروائي شخصيات الرواية من العالم الواقعي الذي انسلت إليه إلى العالم الورقي للسرد، في تأكيد آخر على أن كل الأحداث تخيلية ولا علاقة لها بالواقع، وهو ما دفع بالمحقق لأن يعدَّ ذلك جنوناً لا معنى له.

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» لعبة سردية ماكرة، فيها الكثير من المستويات السردية وتنفتح على تأويلات لا نهائية. فثمة إشارة إلى أن غائب طعمة فرمان أثناء عودته عام 2006 وهو عام الصراع الطائفي، قد حلُمَ بعودته إلى حي المربعة: «ظل الغائب حتى عام 2006 يغط في نومته الطويلة، فطار به الحلم، ونقله أولاً إلى حي المربعة في وسط رصافة بغداد» (ص 67).

وهذا الحلم، يكشف عن فانتازية السرد الروائي، ولا واقعيته.

يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضرت جميع أبطال رواياته

ومن الجانب الآخر تنطوي الرواية على ملامح سيرة (Biography) كتبها المؤلف خضير فليح الزيدي عن شخصية الروائي الراحل، كما تكشف الرواية عن ملامح سيرة ذاتية (Autobiography) لشخصيته يرويها الروائي غائب عن نفسه، وعن عائلة البيرقدار، وأبطال رواياته، وهي سيرة افتراضية يتداخل فيها الواقعي بالفانتازي. كما يمكن أن نتحدث عن سيرة مكان بغدادي شعبي معروف هو محلة المربعة المطلة على شارع الرشيد ببغداد.

وبذا يحق لنا أن نتحدث عن تشكل هوية سردية (Narrative Identity) بمصطلحات بول ريكور لمحلة المربعة، فضلاً عن تشكل هوية سردية افتراضية للروائي الراحل غائب طعمة فرمان. والرواية تنطوي أيضاً على كتابة سيرة لعائلة التاجر البغدادي الثري عبد الرزاق البيرقدار وبناته الثلاث، واللواتي عدّهن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان بمثابة بناته أيضاً. وتنطوي الرواية من جانب آخر على ملامح ميتا سردية تتمثل في وجود المخطوطة الناقصة التي تركها الراحل غائب طعمة فرمان، ومشروع تحرير المخطوطة من قبل الأديب الشاب هاني بارت، فضلاً عن مطالبة شخصيات الروايات المؤلف بتصحيح أوضاعهن.

تضم رواية «بنات غائب طعمة فرمان» 26 فصلاً معنوناً. ومعظم عناوين الفصول مرتبطة بحالة الطقس وتغيراته، وهي بمثابة عتبات نصية يفترض في كونها دالة على الأحداث اللاحقة لكل فصل من فصول الرواية.

إذْ نقرأ بعض هذه العناوين: «رياح نشطة مصحوبة بزوابع نفسية» (ص 13) و«غبار يتصاعد» (ص 27) و«سماء ملبدة بالغبار» (ص 33 ) و«أجواء بغدادية غير مستقرة» (ص41) و«كتلة هوائية معتدلة» (ص 53).

ولم أجد، على مستوى القراءة والتأويل، مبرراً قوياً يدعم هذا الاختيار لعناوين الفصول، كما أن أغلبها لا علاقة له بمجريات أحداث الفصول، لكننا يمكن أن نتقبلها بوصفها لعبة سردية طريفة تسحب السرد الروائي إلى فضاء السرد البيئي. رواية «بنات غائب طعمة فرمان» تمثل نقلة روائية مهمة في تجربة الروائي خضير فليح الزيدي الغزيرة، ربما تفتح الطريق مستقبلاً أمام هذا اللون من الحبكات لإعادة صياغة سيرة حياة شخصيات ثقافية وسياسية ذات طابع تاريخي تركت أثراً واضحاً في تاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي.


مقالات ذات صلة

هل توجد حياة في هوليوود؟

ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».