الثلاثي المؤسس لشعرية فلسطين والمدافع عن هويتها

إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى

ابراهيم طوقان  -  عبد الرحيم محمود  -  عبد الكريم الكرمي
ابراهيم طوقان - عبد الرحيم محمود - عبد الكريم الكرمي
TT

الثلاثي المؤسس لشعرية فلسطين والمدافع عن هويتها

ابراهيم طوقان  -  عبد الرحيم محمود  -  عبد الكريم الكرمي
ابراهيم طوقان - عبد الرحيم محمود - عبد الكريم الكرمي

لا نحتاج إلى عناء كبير لكي نكتشف الدور الطليعي الذي لعبه الشعر الفلسطيني في الحفاظ على الهوية الوطنية والتاريخية للشعب المكافح الذي لم يكف محتلوه عن محاولاتهم الدؤوبة لمحو هويته وتزوير تاريخه وطمس ذاكرته الجمعية. ورغم أن السردية المضادة لسردية التزوير الإسرائيلي لم ينهض بها الشعراء وحدهم، بل آزرهم في ذلك عدد غير قليل من المفكرين والروائيين والرسامين والمسرحيين والفنانين، إلا أن الملاحظ هنا، أن فلسطين قد احتلت جزءاً غير يسير من جغرافيا الشعر العربي المعاصر، مقدمةً لهذا الأخير بعض أفضل رموزها المعاصرة.

وإذا كان المقام لا يتسع للوقوف على المصادر المتنوعة لشعرية فلسطين، فينبغي القول إن تلك الشعرية لم تنبت في الفراغ المحض، بل هي الوريثة الشرعية لجيل الشعراء السابقين، إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى، الذين وُلدوا في السنوات الأولى من القرن العشرين، وتفتحت مواهبهم في ظل النذر الأولى للتراجيديا الفلسطينية التي بدأت مع وعد بلفور، واستمرت فصولها مع ثورة عام 1936، وبلغت ذروتها مع النكبة عام 1948. ومع أن نتاج هؤلاء الشعراء لم يقتصر على موضوع المقاومة وحده، إلا أن الظروف المصيرية التي كانت تمر بها فلسطين في فترة تكونهم لم تترك لهم ترف الانصراف إلى شؤونهم الخاصة، فاندفعوا إلى مواجهة الواقع المأزوم على جبهات ثلاث، تتمثل أولاها بسلطة الانتداب البريطاني التي بدأت تمهد الطريق لإنشاء دولة إسرائيل تنفيذاً لوعد بلفور، وثانيتها بتنامي هجرة اليهود الاستيطانية إلى فلسطين، وثالثتها بساسة البلاد وزعمائها وسماسرتها ممن عاثوا في أرجائها فساداً، وصولاً إلى بيع جزء منها لأعدائها القادمين من أربع رياح الأرض.

إن قراءة عميقة ومتبصرة في تجربة إبراهيم طوقان المولود في نابلس عام 1905، لا بد وأن تقودنا إلى الاستنتاج بأن طوقان المستند إلى موهبته المتقدة، والى اطلاعه الواسع على التراثين العربي والعالمي، وهو المتخرج من جامعة بيروت الأميركية، كان بمستطاعه أن يذهب بعيداً في مغامرة التجديد الشعري، لو لم تحمله العواصف المحيقة ببلاده على تكريس الجزء الأكبر من شعره لبلسمة جراح شعبه، والتصدي لأعداء الداخل والخارج المتواطئين على قهره ومصادرة حاضره ومستقبله. وقد عدّ الناقد الفلسطيني إحسان عباس بأن إفراط طوقان في الشغف بالحياة، قد بدا جلياً في جمعه بين ذرىً ثلاث متعاقبة، هي «ذروة الحب وذروة الشهوة وذروة المشكلة الوطنية». كما تمثل نزوع إبراهيم التجديدي من خلال أسلوبه التلقائي القريب من النثر ولغة المشافهة، كما في روح الدعابة والسخرية السوداء التي تشيع في شعره، إضافة إلى تجزئة البنية الخليلية الصارمة للقصيدة وتحويلها قِطعاً متناغمة شبيهة بالموشحات، أو إلى أغانٍ وأناشيد، ليس نشيد «موطني» الشهير سوى واحد منها.

ومع أن طوقان كان بحكم إقامته في بيروت وتدريسه في جامعتها الأميركية، على الإشاحة بوجهه عن مجريات الأحداث في بلاده، فهو لم يترك مناسبة إلا واتخذها منصة للتذكير بالمؤامرات التي تدبر لفلسطين في السر والعلن، مندداً بمقاولي الأراضي الذين تعاملوا مع الوطن بوصفه عقاراً للبيع لا خزاناً للذاكرة الجمعية ومجسداً للهوية والانتماء، كما في قوله:

باعوا البلاد إلى أعدائهم طمعاً بالمال، لكنهم أوطانهم باعوا

قد يُعذَرون لو أن الجوع أرغمهم والله ما عطشوا يوماً ولا جاعوا

تلك البلاد إذا قلت اسمها وطنٌ لا يفهمون، ودون الفهم أطماعُ

أعداؤنا منذ أن كانوا صيارفةٌ ونحن منذ هبطنا الأرض زُرّاعُ

وإذ يشتد الصراع على الأرض وتتباين السرديتان الفلسطينية والإسرائيلية، تنشر إحدى الصحف العبرية عام 1929 قصيدة للشاعر الصهيوني رئوبين يشيد فيها بشجاعة شعبه وصبره على المكاره، متهماً العرب بالجبن والتخاذل والخنوع. كما يفْرط الشاعر في ذم العرب الفلسطينيين واعتبارهم أهل خيانة وغدر وقتلةً للأطفال والشيوخ والنساء، تماماً كما يحدث اليوم كما لو أن التاريخ يكرر نفسه، ينبري طوقان للرد على رئوبين، مذكّراً إياه بالجرائم الصهيونية المتمادية بحق شعب فلسطين الأعزل، وبحق الأطفال على نحو خاص.

لكن طوقان سرعان ما ينتبه إلى أن مسؤولية القادة والزعماء الفلسطينيين المتنافسين على الوجاهات والمكاسب الأنانية، لا تقلّ عن مسؤولية الأطراف الخارجية الطامعة ببلاده، فيخاطب المتنفذين الفاسدين بسخرية مشبعة بالمرارة :

أنتم (المخلصون ) للوطنية أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون من غير قولٍ بارك الله في الزنود القوية

وبيانٌ منكم يعادل جيشاً بمعدّات زحفه الحربية

ما جحدنا أفضالكم غير أنّا لم تزل في نفوسنا أمنيّة :

في يدينا بقيةٌ من بلادٍ فاستريحوا كي لا تطير البقية

كان لا بد لهذه الروح الوطنية الحالمة بالحرية والاستقلال، أن تترك أثرها العميق في نفوس المواهب الشعرية الفتية التي لم تكف عن إنجابها أرض فلسطين. وكان عبد الرحيم محمود المولود في طولكرم عام 1913 في طليعة تلك المواهب، وأحد أبرز الذين تتلمذوا على طوقان، وتأثروا بنزعته التحررية ونقمته على الواقع، كما تأثر بلغته وأسلوبه. لكنه الشاعر الذي عيّن إثر تخرجه في قسم الشرطة، لم يلبث أن استقال من هذا العمل المعاكس تماماً لأفكاره وتطلعاته، واختار بعد الاستقالة أن ينخرط في الثورة الكبرى ضد التحالف البريطاني الصهيوني التي أجّجها عز الدين القسام أواخر العشرينات، ثم بلغت ذروتها عام 1936، أي بعد استشهاده بعام واحد. وإذ كُتب للشاعر المقاتل أن يخرج حياً من المواجهات الدامية التي خاضها ببسالة ضد أعداء شعبه، بدت النصوص التي نظمها في تلك الفترة بمثابة ترجمة تلقائية لمشاعره الوطنية والاحتدامات التي تدور في نفسه، بخاصة قصيدة «الشهيد» التي تحولت إلى واحدة من أيقونات الشعر الفلسطيني المقاوم، والتي يقول فيها:

سأحمل روحي على راحتيّ وأُلقي بها في مهاوي الردى

فإما حياةٌ تسرُّ الصديق وإما مماتٌ يغيظ العدى

ونفس الشريف لها غايتان ورودُ المنايا ونيل المنى

على أن جذوة الثورة في داخل محمود لم تعرف سبيلها إلى الانطفاء، ولم تحدها حدود فلسطين. إذ ما لبث الشاعر أن انتقل إلى العراق ليشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الانتداب البريطاني عام 1941، والتي آلت بدورها إلى الفشل، تاركة في روحه المكلومة المزيد من الندوب. لكن اللافت في تجربة عبد الرحيم هو ابتعادها أحياناً عما هو مألوف في شعر المقاومة النمطي، كما تُظهر وقفته التأملية، لدى فراره من العراق إلى فلسطين، أمام حجر وحيد في الصحراء الشاسعة، فكتب مخاطباً الحجر:

فيمَ انفرادُكَ لا أنيسَ تراه في القفر المخيفِ

في ربْقة الوهج الحَرورِ وغلّ عاصفةٍ عصوفِ

وصبرتَ للهوج اللوافحِ في الضحى صبرَ الأنوفِ

وطلبتَ وحدة راهبٍ فيها، وعزلةَ فيلسوفِ

ومع أن نفس عبد الرحيم محمود قد عرفت القليل من الطمأنينة بعد عودته إلى الوطن، ومن ثم زواجه والتحاقه مدرساً بكلية النجاح الوطنية، إلا أنه لم يجد راحته الحقيقية إلا بعد أن قضى شهيداً في «معركة الشجرة» التي دارت بين العرب والصهاينة عام 1948، وهو لا يزال في أوج شبابه وعطائه.

لكن الحديث عن إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود لا يستقيم بأي حال دون الحديث عن عبد الكريم الكرمي، أو زيتونة فلسطين الذي غلب لقبه الآخر «أبو سلمى» على اسمه الأصلي. فالشاعر المولود عام 1909 لأسرة معروفة شُغف أبناؤها باللغة والأدب العربيين، والذي عمل في مجالي التدريس والمحاماة، سخّر قلمه وفكره ونضالاته للدفاع عن قضية شعبه العادلة. وحين أقالته سلطة الانتداب من وظيفته في التعليم عقاباً له على قصيدة هاجم فيها ممارسات تلك السلطة، طلب إليه صديقه إبراهيم طوقان العمل إلى جانبه في إذاعة فلسطين، ليتوجه بعد النكبة إلى دمشق، ويوزع سنوات عمره اللاحقة بين تعقّب الأصوات المشحونة بالأسى والغضب التي تأتيه من جهة الشعر، وبين الانخراط في النضالات الوطنية والسياسية التي تبقي قضية بلاده حية في وجدان العالم. ولم تكن الجوائز الكثيرة والرفيعة التي نالها أبو سلمى قبيل رحيله عام 1980 وبعده بسنوات، سوى تتويج رمزي لعطاءات الشاعر الذي ردد قصائده ومقطوعاته الألوف من أبناء شعبه وأمته، وبينها قصيدته الشهيرة «لهب القصيد» التي يقول فيها:

أنشرْ على لهب القصيدِ شكوى العبيد إلى العبيدِ

شكوىً يرددها الزمانُ غداً إلى الأبد الأبيدِ

قوموا انظروا الأهلين بين الوعد ضاعوا والوعيدِ

ما بين ملقىً في السجون وبين منفيٍّ شريدِ

قوموا انظروا الوطن الذبيح من الوريد إلى الوريدِ

«يا أبا سلمى، أنتم الجذع الذي نبتت عليه أغانينا» هكذا، قال محمود درويش مخاطباً صاحب «من فلسطين ريشتي»، وذلك في أثناء الحفل التكريمي الذي أقيم له في بيروت بمناسبة حصوله على جائزة اللوتس عام 1978. وقد استخدم درويش صيغة الجمع؛ لأنه كان يعني بذلك المثلث المؤسس لشعرية فلسطين المقاومة، والذي يضم إلى عبد الكريم الكرمي كلاً من إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود. وهو بهذا القول لم يجاف الحقيقة بشيء؛ لأن الفروع التي نبتت على ذلك الجذع، وبينها درويش نفسه، هي أكثر من أن تُحصى وأن تنحصر ثمارها في جيل واحد.


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.