الثلاثي المؤسس لشعرية فلسطين والمدافع عن هويتها

إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى

ابراهيم طوقان  -  عبد الرحيم محمود  -  عبد الكريم الكرمي
ابراهيم طوقان - عبد الرحيم محمود - عبد الكريم الكرمي
TT

الثلاثي المؤسس لشعرية فلسطين والمدافع عن هويتها

ابراهيم طوقان  -  عبد الرحيم محمود  -  عبد الكريم الكرمي
ابراهيم طوقان - عبد الرحيم محمود - عبد الكريم الكرمي

لا نحتاج إلى عناء كبير لكي نكتشف الدور الطليعي الذي لعبه الشعر الفلسطيني في الحفاظ على الهوية الوطنية والتاريخية للشعب المكافح الذي لم يكف محتلوه عن محاولاتهم الدؤوبة لمحو هويته وتزوير تاريخه وطمس ذاكرته الجمعية. ورغم أن السردية المضادة لسردية التزوير الإسرائيلي لم ينهض بها الشعراء وحدهم، بل آزرهم في ذلك عدد غير قليل من المفكرين والروائيين والرسامين والمسرحيين والفنانين، إلا أن الملاحظ هنا، أن فلسطين قد احتلت جزءاً غير يسير من جغرافيا الشعر العربي المعاصر، مقدمةً لهذا الأخير بعض أفضل رموزها المعاصرة.

وإذا كان المقام لا يتسع للوقوف على المصادر المتنوعة لشعرية فلسطين، فينبغي القول إن تلك الشعرية لم تنبت في الفراغ المحض، بل هي الوريثة الشرعية لجيل الشعراء السابقين، إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى، الذين وُلدوا في السنوات الأولى من القرن العشرين، وتفتحت مواهبهم في ظل النذر الأولى للتراجيديا الفلسطينية التي بدأت مع وعد بلفور، واستمرت فصولها مع ثورة عام 1936، وبلغت ذروتها مع النكبة عام 1948. ومع أن نتاج هؤلاء الشعراء لم يقتصر على موضوع المقاومة وحده، إلا أن الظروف المصيرية التي كانت تمر بها فلسطين في فترة تكونهم لم تترك لهم ترف الانصراف إلى شؤونهم الخاصة، فاندفعوا إلى مواجهة الواقع المأزوم على جبهات ثلاث، تتمثل أولاها بسلطة الانتداب البريطاني التي بدأت تمهد الطريق لإنشاء دولة إسرائيل تنفيذاً لوعد بلفور، وثانيتها بتنامي هجرة اليهود الاستيطانية إلى فلسطين، وثالثتها بساسة البلاد وزعمائها وسماسرتها ممن عاثوا في أرجائها فساداً، وصولاً إلى بيع جزء منها لأعدائها القادمين من أربع رياح الأرض.

إن قراءة عميقة ومتبصرة في تجربة إبراهيم طوقان المولود في نابلس عام 1905، لا بد وأن تقودنا إلى الاستنتاج بأن طوقان المستند إلى موهبته المتقدة، والى اطلاعه الواسع على التراثين العربي والعالمي، وهو المتخرج من جامعة بيروت الأميركية، كان بمستطاعه أن يذهب بعيداً في مغامرة التجديد الشعري، لو لم تحمله العواصف المحيقة ببلاده على تكريس الجزء الأكبر من شعره لبلسمة جراح شعبه، والتصدي لأعداء الداخل والخارج المتواطئين على قهره ومصادرة حاضره ومستقبله. وقد عدّ الناقد الفلسطيني إحسان عباس بأن إفراط طوقان في الشغف بالحياة، قد بدا جلياً في جمعه بين ذرىً ثلاث متعاقبة، هي «ذروة الحب وذروة الشهوة وذروة المشكلة الوطنية». كما تمثل نزوع إبراهيم التجديدي من خلال أسلوبه التلقائي القريب من النثر ولغة المشافهة، كما في روح الدعابة والسخرية السوداء التي تشيع في شعره، إضافة إلى تجزئة البنية الخليلية الصارمة للقصيدة وتحويلها قِطعاً متناغمة شبيهة بالموشحات، أو إلى أغانٍ وأناشيد، ليس نشيد «موطني» الشهير سوى واحد منها.

ومع أن طوقان كان بحكم إقامته في بيروت وتدريسه في جامعتها الأميركية، على الإشاحة بوجهه عن مجريات الأحداث في بلاده، فهو لم يترك مناسبة إلا واتخذها منصة للتذكير بالمؤامرات التي تدبر لفلسطين في السر والعلن، مندداً بمقاولي الأراضي الذين تعاملوا مع الوطن بوصفه عقاراً للبيع لا خزاناً للذاكرة الجمعية ومجسداً للهوية والانتماء، كما في قوله:

باعوا البلاد إلى أعدائهم طمعاً بالمال، لكنهم أوطانهم باعوا

قد يُعذَرون لو أن الجوع أرغمهم والله ما عطشوا يوماً ولا جاعوا

تلك البلاد إذا قلت اسمها وطنٌ لا يفهمون، ودون الفهم أطماعُ

أعداؤنا منذ أن كانوا صيارفةٌ ونحن منذ هبطنا الأرض زُرّاعُ

وإذ يشتد الصراع على الأرض وتتباين السرديتان الفلسطينية والإسرائيلية، تنشر إحدى الصحف العبرية عام 1929 قصيدة للشاعر الصهيوني رئوبين يشيد فيها بشجاعة شعبه وصبره على المكاره، متهماً العرب بالجبن والتخاذل والخنوع. كما يفْرط الشاعر في ذم العرب الفلسطينيين واعتبارهم أهل خيانة وغدر وقتلةً للأطفال والشيوخ والنساء، تماماً كما يحدث اليوم كما لو أن التاريخ يكرر نفسه، ينبري طوقان للرد على رئوبين، مذكّراً إياه بالجرائم الصهيونية المتمادية بحق شعب فلسطين الأعزل، وبحق الأطفال على نحو خاص.

لكن طوقان سرعان ما ينتبه إلى أن مسؤولية القادة والزعماء الفلسطينيين المتنافسين على الوجاهات والمكاسب الأنانية، لا تقلّ عن مسؤولية الأطراف الخارجية الطامعة ببلاده، فيخاطب المتنفذين الفاسدين بسخرية مشبعة بالمرارة :

أنتم (المخلصون ) للوطنية أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون من غير قولٍ بارك الله في الزنود القوية

وبيانٌ منكم يعادل جيشاً بمعدّات زحفه الحربية

ما جحدنا أفضالكم غير أنّا لم تزل في نفوسنا أمنيّة :

في يدينا بقيةٌ من بلادٍ فاستريحوا كي لا تطير البقية

كان لا بد لهذه الروح الوطنية الحالمة بالحرية والاستقلال، أن تترك أثرها العميق في نفوس المواهب الشعرية الفتية التي لم تكف عن إنجابها أرض فلسطين. وكان عبد الرحيم محمود المولود في طولكرم عام 1913 في طليعة تلك المواهب، وأحد أبرز الذين تتلمذوا على طوقان، وتأثروا بنزعته التحررية ونقمته على الواقع، كما تأثر بلغته وأسلوبه. لكنه الشاعر الذي عيّن إثر تخرجه في قسم الشرطة، لم يلبث أن استقال من هذا العمل المعاكس تماماً لأفكاره وتطلعاته، واختار بعد الاستقالة أن ينخرط في الثورة الكبرى ضد التحالف البريطاني الصهيوني التي أجّجها عز الدين القسام أواخر العشرينات، ثم بلغت ذروتها عام 1936، أي بعد استشهاده بعام واحد. وإذ كُتب للشاعر المقاتل أن يخرج حياً من المواجهات الدامية التي خاضها ببسالة ضد أعداء شعبه، بدت النصوص التي نظمها في تلك الفترة بمثابة ترجمة تلقائية لمشاعره الوطنية والاحتدامات التي تدور في نفسه، بخاصة قصيدة «الشهيد» التي تحولت إلى واحدة من أيقونات الشعر الفلسطيني المقاوم، والتي يقول فيها:

سأحمل روحي على راحتيّ وأُلقي بها في مهاوي الردى

فإما حياةٌ تسرُّ الصديق وإما مماتٌ يغيظ العدى

ونفس الشريف لها غايتان ورودُ المنايا ونيل المنى

على أن جذوة الثورة في داخل محمود لم تعرف سبيلها إلى الانطفاء، ولم تحدها حدود فلسطين. إذ ما لبث الشاعر أن انتقل إلى العراق ليشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الانتداب البريطاني عام 1941، والتي آلت بدورها إلى الفشل، تاركة في روحه المكلومة المزيد من الندوب. لكن اللافت في تجربة عبد الرحيم هو ابتعادها أحياناً عما هو مألوف في شعر المقاومة النمطي، كما تُظهر وقفته التأملية، لدى فراره من العراق إلى فلسطين، أمام حجر وحيد في الصحراء الشاسعة، فكتب مخاطباً الحجر:

فيمَ انفرادُكَ لا أنيسَ تراه في القفر المخيفِ

في ربْقة الوهج الحَرورِ وغلّ عاصفةٍ عصوفِ

وصبرتَ للهوج اللوافحِ في الضحى صبرَ الأنوفِ

وطلبتَ وحدة راهبٍ فيها، وعزلةَ فيلسوفِ

ومع أن نفس عبد الرحيم محمود قد عرفت القليل من الطمأنينة بعد عودته إلى الوطن، ومن ثم زواجه والتحاقه مدرساً بكلية النجاح الوطنية، إلا أنه لم يجد راحته الحقيقية إلا بعد أن قضى شهيداً في «معركة الشجرة» التي دارت بين العرب والصهاينة عام 1948، وهو لا يزال في أوج شبابه وعطائه.

لكن الحديث عن إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود لا يستقيم بأي حال دون الحديث عن عبد الكريم الكرمي، أو زيتونة فلسطين الذي غلب لقبه الآخر «أبو سلمى» على اسمه الأصلي. فالشاعر المولود عام 1909 لأسرة معروفة شُغف أبناؤها باللغة والأدب العربيين، والذي عمل في مجالي التدريس والمحاماة، سخّر قلمه وفكره ونضالاته للدفاع عن قضية شعبه العادلة. وحين أقالته سلطة الانتداب من وظيفته في التعليم عقاباً له على قصيدة هاجم فيها ممارسات تلك السلطة، طلب إليه صديقه إبراهيم طوقان العمل إلى جانبه في إذاعة فلسطين، ليتوجه بعد النكبة إلى دمشق، ويوزع سنوات عمره اللاحقة بين تعقّب الأصوات المشحونة بالأسى والغضب التي تأتيه من جهة الشعر، وبين الانخراط في النضالات الوطنية والسياسية التي تبقي قضية بلاده حية في وجدان العالم. ولم تكن الجوائز الكثيرة والرفيعة التي نالها أبو سلمى قبيل رحيله عام 1980 وبعده بسنوات، سوى تتويج رمزي لعطاءات الشاعر الذي ردد قصائده ومقطوعاته الألوف من أبناء شعبه وأمته، وبينها قصيدته الشهيرة «لهب القصيد» التي يقول فيها:

أنشرْ على لهب القصيدِ شكوى العبيد إلى العبيدِ

شكوىً يرددها الزمانُ غداً إلى الأبد الأبيدِ

قوموا انظروا الأهلين بين الوعد ضاعوا والوعيدِ

ما بين ملقىً في السجون وبين منفيٍّ شريدِ

قوموا انظروا الوطن الذبيح من الوريد إلى الوريدِ

«يا أبا سلمى، أنتم الجذع الذي نبتت عليه أغانينا» هكذا، قال محمود درويش مخاطباً صاحب «من فلسطين ريشتي»، وذلك في أثناء الحفل التكريمي الذي أقيم له في بيروت بمناسبة حصوله على جائزة اللوتس عام 1978. وقد استخدم درويش صيغة الجمع؛ لأنه كان يعني بذلك المثلث المؤسس لشعرية فلسطين المقاومة، والذي يضم إلى عبد الكريم الكرمي كلاً من إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود. وهو بهذا القول لم يجاف الحقيقة بشيء؛ لأن الفروع التي نبتت على ذلك الجذع، وبينها درويش نفسه، هي أكثر من أن تُحصى وأن تنحصر ثمارها في جيل واحد.


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي