استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

محمد رفيع يبني عليها مفارقات عالمه القصصي في «أساطير لم تحدث بعد»

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً
TT

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

مغامرة قصصية شيقة ومغوية، محفوفة بالمخاطر وبعناية معرفية ضافية، يطرحها الكاتب محمد رفيع في مجموعته «أساطير لم تحدث بعد». فنحن أمام نص قصصي يبدو وكأنه يدور في عالم افتراضي، حيث تعكس قصص المجموعة نفسها سردياً، على نظريات علمية لكوكبة من العلماء المعروفين، على مدار حقب زمنية مختلفة، وتبدو وكأنها هامش على متن، أو سرد على حكاية بنَت منطقها وفق قوانين العلم ورؤيته المحددة التي يشكل الواقع وعاءً لصيرورتها ومصداقيتها في الوقت نفسه. لذلك يظل القارئ يراوح ما بين الـ«مع» والـ«ضد»، في دائرة تعلو فيها نبرة الشك وعلامات الاستفهام، كما أن فعل الحكي يبدو همه الأساسي هو تفتيت نمطية الحكاية والتحرر من أطرها التقليدية. فالشيء هو نفسه ولا نفسه معاً، عارياً وهارباً من أي معنى يؤكد من خلاله حضوره أو غيابه.

يعي الكاتب ذلك ويقصده، بل إنه ينسج قماشته السردية وصراعات عالمه القصصي، ويدفعها دائماً لتبدو وكأنها الصوت الآخر المنسي، المسكوت عنه لما خلفته نظريات هؤلاء العلماء وقوانينهم في تفسير الكون وتقصي حركة الزمن في مفاصل الطبيعة واللغة والوجود كوعاء للعواطف والمشاعر الإنسانية، واصفاً العالم والحياة في إحدى القصص بأنها «العبث الأعظم»، وما دام العلماء لا يكفون عن اللعب داخل دوائر هذا العبث، فلِم لا يعبث هو الآخر، ويضع هذا العالم بحاضره وماضيه ومستقبله على طاولة تشريح أدبية، يحاول النص من خلالها، بقوة الأسطورة أن يصل هو الآخر إلى تفسير يخصه وحده، في تأويل هذا العالم وتفكيك أواصر الحياة وعلائقها المباشرة الملموسة، والقضية الكامنة فيما وراء النص وحركة الزمن واللغة والعناصر والأشياء.

ومن ثم، يبني الكاتب محمد رفيع عالمه القصصي على فكرة «استئناس الغرابة»، وما ينجم عنها من صراع مخاتل ما بين الخيال والواقع، من ناحية والعلم والأسطورة من ناحية أخرى. في غبار كل هذا تراوح شخصية (آدم) البطل المهيمن على مناخات قصص المجموعة الأربعة عشرة، ما بين الوهم والحقيقة، مسكوناً بوجود مادي واقعي، وممسوساً بمراياه التي تنداح في سراب الميتافيزيقا، يموت ويحترق لكنه ينهض من رماد موته في حياة أخرى، تجدد نفسها بالأسطورة، كأنه طائر الفينيق كما في الميثولوجيا الإغريقية.

اختناق مروري

يطالعنا هذا العالم منذ القصة الأولى في المجموعة «اختناق مروري نحو السماء»، حيث يوظف المؤلف أجواء جائحة «كورونا» المأساوية التي ضربت العالم منذ سنوات، ويتخذها ركيزة أساسية في تنمية الصراع درامياً، وخلق وشائج تبدو واقعية في التماهي ما بين الأسطورة والواقع، فمشهد الموتى المتلاحق من شتى أنحاء العالم واكتظاظهم المتصاعد في السماء، لم يخلق فقط اختناقاً مرورياً على الأرض، إنما في السماء أيضاً، حيث تصعد أراوحهم بالآلاف وتتلاحق، في إيقاع يصعب السيطرة عليه، وضع العلماء في اختبار مباغت ولاهث للوصول إلى مصل للوقاية والحماية من خطر هذا الوباء. في خضم هذا المشهد يطل الدكتور آدم، ويبدو مشغولاً بشفرة ما يمكن فكها، تتلخص في ذبذبات بكاء المواليد الجدد فهو بحسب النص «مؤمن بأن الأطفال الرضّع لهم لغة، ويريدون أن يقولوا لنا شيئاً».

طيلة خمس سنوات وهو يزور مستشفيات الولادة، ويسجل بكاء الوليد الجديد، ثم يعود إلى المنزل، ليحلل الأصوات ويحولها إلى رسم بياني، ويبحث في كتب الشفرات، ويملأ حوائط المكتب بصور الأطفال وبجوارها التحليل الصوتي لبكائها الأول. بيد أنه لم يستطع خلال هذه السنوات أن يتوصل أو يستند إلى نظرية حقيقية عن لغة مشتركة تفسر ذلك. فظل الأمر معلقاً ما بين الإمكانية والاحتمال، «فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبكي بهذا الشكل حين يولد، أما باقي الحيوانات فلا وقت لديها، فالبرية لا تمنحها وقتاً كافياً».

نفس سردي رائق

تحافظ المجموعة علي توهجها وتدفع ما يهجس به إلى النمو والصعود في نفس سردي رائق، يبرز على نحو لافت في القصص الأولى، لكن هذا الصعود يخفت تدريجياً، ويختلط بتقريرية مباشرة مشوبة أحياناً بنظرة وعظية، بداية من صفحة «87» بخاصة في قصص (عيش وحلاوة - نرسيس الأعلى - نرسيس الجديد - موسيقى الفحيح - العنقاء تضرب من جديد - كيمياء الحب)، ففي هذه القصص، تتراجع إلى - حدٍ كبير - تلقائية الغرابة، وتصبح مجرد اصطناع لاصطياد دهشة ذابلة، تتحول إلى محض عبث بلعبة، كانت من قبل محببة وشيقة، ومحفزة للخيال، وجعل القارئ المتلقي يحس بأنه جزء منها، مشغوفاً بمتنها وهوامشها، وما ستؤول إليه حبكتها الدرامية، المفتوحة على نوافذ الحياة وأشواق الإنسان، بخاصة في الإمساك بخيوطها غير المرئية. حيث ينتقل الصراع من منطق القبول والمشاركة إلى منطق المتاهة والمباعدة. وهو ما يطالعنا على نحو لافت في قصة «نرسيس الأعلى»، التي يذيلها الكاتب بمقولة لنيتشة على لسان زرادشت تقول: «إنهم لا يفهمونني، لست الفمَ المناسب لهذه الآذان». وكأن المؤلف من دون أن يقصد يبرر من خلالها هذا الفتور والتراجع الذي اعترى هذه القصص.

تبرز المتاهة حين يقرر (آدم) البطل التلاعب بالنوع البشري، فالرجل وهو العالم الحاذق بعد أن تماهى مع شتى أساطير الأرض، من أوزوريس وإيزيس، حتى زرادشت قرر أن يبحث عن الحب والتماهي مع أسطورته الخالدة «روميو وجولييت»، فيلجأ إلى هذه التلاعب، مقرراً أن يحوِّل الكثير من الرجال إلى نساء والكثير من النساء إلى رجال، بل إنه أعاد المتحولين إلى نوعهم الأول حين طلبوا ذلك. يلجأ آدم - بحسب النص - إلى هذا التلاعب عن طريق الحقن المجهري للخلايا الجذعية والهرمونات وبعض الإشعاعات، ولم ينجُ هو نفسه من هذا التلاعب، فحول نفسه إلى أنثى، وأصبح هناك آدم الأول والثاني حتى العاشر، وكذلك حبيبته ليليت... وفي النهاية يجمعهما الموت، وتكتب فيروز سكرتيرته الوفية الغيورة المحبّة له على قبرهما «هنا يرقد آدم وليليت» تمسحاً بأسطورة العشق الخالدة «روميو وجولييت». يعلق الكاتب على كل هذا في نهاية قصة «العنقاء تضرب من جديد»، قائلاً في نبرة لا تخلو من التعالي: «عادت الأشباح تهمس من جديد، غير أنها هذه المرة تهمس في عقلك أنت. نعم أنت يا قارئ القصة: هل لو كنت أنت فيروز. هل تحمل ليليت في أحشائك؟ فكر. فكر. فبالله لم يكتبنا رفيع إلا لكي نفكر».

منطق الإنسان الكامل

يبقى من الأشياء المهمة في الفضاء السردي الشائك لهذه المجموعة أنه ثمة مواجهة صريحة تصل إلى نوع من التحدي ما بين منطق القصة القصيرة الذي يتوخى الدقة والوجازة والتكثيف، ومنطق العلم الذي يتوخى اليقين الصارم والحاسم. وكأننا أمام ميزان مشرّب بنوازع من أدب الخيال العلمي، في كفتيه يتسابق الخيال والواقع، ويتبادلان الأدوار والأقنعة؛ حول من يصل أو يشارف منطق الإنسان الكامل والمتكامل، الإنسان الأعلى، على غرار إنسان نيتشة «السوبرمان» الجامح الذي يمجد إرادة القوة، في صيرورة تبدو أعلى من منطق الوجود والعدم، تخترق الحياة وتكسر ترهلها الميتافيزيقي الضارب في المثالية الأفلاطونية، محققاً «العود الأبدي» الجذر الأساس في فلسفة نيتشة. حيث يرى أنه «ما دام كل موجود يتحرك داخل وعاء العالم، والعالم محكوم بحركة دائمة، فإن الإنسان نفسه منجرف في دورة لا نهائية».

هذه الدينامية النيتشوية التي تسعى لانتزاع الإنسان من تقوقعه وجموده ليلحق بعالم التحول والصيرورة، تنعكس بقوة في فضاء المجموعة، وتضمر نوعاً من التماهي الخفي بين شخصية آدم المركبة متعددة التناص، وشخصية زرادشت بخاصة في كتاب نيتشة الشهير «هكذا تحدث زرادشت»، الذي كشف فيه عن أبعاد هذه النظرية الفلسفية.

في الختام، نحن أمام بطل أحادي، يحركه المؤلف كما يشاء، وفق قوانين لعبة سردية برغم غرائبيتها، فإنها لعبة متفق عليها سلفاً وفق أطر وعلامات وإشارات محددة، لكنها مع ذلك قادرة على أن توحد الداخل بالخارج وفق نموها الدارمي الخاص، وفي رؤية تجعلك تختلف معها بحب.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.