باحثة أميركية تقرأ حجارة فلسطين

كتابها يكشف عن قدرة على الربط بين النصوص ودلالات المكان

باحثة أميركية تقرأ حجارة فلسطين
TT

باحثة أميركية تقرأ حجارة فلسطين

باحثة أميركية تقرأ حجارة فلسطين

أعادتني الأحداث الهائلة التي شهدتها الأراضي المحتلة في فلسطين مؤخراً، بمباهجها المبكرة ومآسيها اللاحقة، إلى مراجعة سبق أن نشرتُها في مجلة «الأدب العالمي المعاصر (World Literature Today)»، وهي مجلة فصلية تصدرها جامعة أوكلاهوما، لكتاب الباحثة الأميركية باربرا بارمينتر Parmenter في أواسط التسعينات من القرن الماضي*.

وبارمينتر، التي درّست أنظمة المعلومات الجغرافية والتخطيط الحضري في جامعة «تفتز (Tufts)» بولاية ماساتشوستس الأميركية على مدى 27 عاماً، أستاذة متقاعدة حالياً، ويبدو أن اهتمامها بالأدب الفلسطيني جاء من زاوية تخصصها، وليس من حيث هي معنية بالأدب العربي بصفة خاصة. لكن كتابها، الذي طلبت مني المجلة الأميركية المشار إليها كتابة مراجعة له، يشير إلى معرفة ممتازة، نسبياً، بالأدب الفلسطيني، وأهم من ذلك أنه يتأسس على رؤية متعاطفة بصفة عامة مع القضية العربية الأولى. تركيز الكتاب على علاقة الأرض بالأدب يضيف بعداً لافتاً للقراءة النقدية، لا سيما أن بارمينتر تصدر عن معرفة جغرافية دقيقة، ومقدرة على الربط بين النصوص ودلالات المكان.

محمود درويش

فيما يلي ترجمة ببعض التصرف لما نشرتُه في المجلة الجامعية المشار إليها (شتاء 1995). وفي تقديري أننا بالاطلاع على رؤية باحثة أميركية للصراع المتواصل الذي يخوضه الفلسطينيون ضد العدو الصهيوني الغاصب، وللقضية العربية المركزية، قضية فلسطين، نستطيع استيعاب رؤية الآخر، وكيفية تفاعله مع تلك القضية، لا سيما أنه لم يُعرف عن الباحثين الأميركيين كبير اهتمام بالأدب العربي الفلسطيني بصفة خاصة. عنوان الكتاب «منح الحجارة صوتاً» يحمل المعنيين: دور الشاعر/ الكاتب في ما يمكن اعتباره الاستنطاق المؤسس والأهم على المستوى الأدبي، وكذلك دور الباحث/ الناقد في استنطاق الحجارة ضمن سياقها الأدبي. وبالطبع، فإن من غير الممكن تجاهل دور الحجارة كسلاح في النضال الفلسطيني ضد المحتل، وإن لم تكن هذه هي الدلالة الأبرز في كتاب الباحثة الأميركية.

غسان كنفاني

المفترض ألا يندهش أحد لتداخل المكان بالهوية في أدب كالأدب الفلسطيني. لقد استرعى ذلك انتباه النقاد الفلسطينيين من أمثال سلمى الجيوسي، كما في «مختارات من الأدب الفلسطيني» للجيوسي (1992)، حين أشاروا إلى أهمية المكان في التجربة الفلسطينية منذ بدء شتاتهم عام 1948. غير أن مناقشة باربرا بارمينتر لتلك المسألة تذهب إلى أبعد من التناول الموجز، لتقدم تحليلاً عميقاً ومتماسكاً لذلك الجانب من الأدب الفلسطيني بتأسيس ذلك على البعد الجغرافي.

بعد الفصل الذي يمثل مقدمة للكتاب، تقدم المؤلفة عرضاً سياقياً ومقارناً عاماً للكيفية التي شكّل بها الغرب صورة بلاغية للأراضي المقدسة مازجاً العلم بالأساطير المستمدة من الكتاب المقدس؛ أي التوراتية/ الإنجيلية. تمخضت تلك الصورة المكثفة، كما تقول المؤلفة، عن صور لفلسطين اختفت منها الأرض الفعلية وسكانها، من خلال تصويرهم كما لو لم يكونوا «منتجات لتاريخهم»، وإنما «شخوص في تاريخنا». المسح الذي تقوم به بارمينتر لـ«خطاب الأرض» في الأدب الفلسطيني بعد عام 1948 يُظهر تطوراً تدريجياً من الرؤية المجردة التي تنامت في فترة مبكرة، والتي باعدت ما بين الأرض والتجربة المعيشة إلى العلاقة الحميمية التي برزت مع الجيل الجديد من الكتاب؛ ذلك الجيل الذي وُلد إما في المنفى وإما تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ أي جيل محمود درويش وغسان كنفاني، أضاف جوانب مرهفة ومركّبة للخطاب المتنامي.

سلمى الخضراء الجيوسي

في الفصل الرابع من كتابها تقف بارمينتر على ما تُسميه «مشاهد المنفى»– المدينة، الصحراء، ومخيم اللاجئين. تبرز هذه بوصفها المواقع الرئيسية لكتاب ما بعد 48. ينظر إلى المواقع الثلاثة من حيث بدائل قسرية للوطن، ربما باستثناء المخيم؛ لأنه يرمز إلى المقاومة. غير أن المفارقة في كل هذا هي أن إحساس الفلسطينيين بالمكان، كما تقول بارمينتر، يحتد في المنفى، مثلما كان إحساس اليهود قبل مجيئهم إلى فلسطين. ومع ذلك، فإن هذا التشابه ينتهي بمجرد تأسيس الإسرائيليين مكانهم بإعادة تشكيل الطبيعة، وحين يستمد الفلسطينيون الإلهام والدعم من التشبث بالأرض التي ينتمون إليها.

يتضح من مناقشة بارمينتر للمواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الفصل الأخير من كتابها، أن خطاب الفلسطينيين يترك أثره على تصورهم لأرضهم وعدوهم، أثراً لا يخلو من مفارقات، من حيث إن الخطاب يبعدهم عما يفترض أنه يقربهم إليه. ومع ذلك، فإن المقارنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين هنا، وفي مواضع أخرى من الكتاب، تأتي على حساب الأدب العربي، السياق الذي لا يقل أهمية إن لم يكن أهم.

الفرضية التي تنطلق منها المؤلفة أن الكتاب الفلسطينيين بعد 48 «صاروا أكثر عزلة عن الحركات الأدبية العربية الرئيسية»، ليست صحيحة تماماً، كما وضّح ذلك عدد من الكتاب والباحثين، ومنهم كنفاني والجيوسي. ولكن، حتى لو كانت تلك الفرضية صحيحة، فإن مقارنة بين تجربة الفلسطينيين للمكان وتلك التي نجدها لدى رصفائهم العرب الذين كتبوا الكثير عن فلسطين، ستكون مفيدة.

الحكم الخاطئ الذي تتوصل إليه بارمينتر حول متانة العلاقات الفلسطينية- العربية يستمر، كما يبدو، في استنتاجها أن الشعراء الفلسطينيين نظروا باستمرار إلى المدن العربية بكراهية. هذا لا يصدق بكل تأكيد على صور بيروت ودمشق والقاهرة في شعر درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو (وهذا الأخير شاعر فلسطيني مهم لا يرد ذكره في الكتاب مطلقاً). في الشعر الفلسطيني الأحدث، كما يتمثل في قصائد شاعر مثل وليد خازندار، وهو شعر لم تأخذه المؤلفة في الاعتبار، تبدو المدينة العربية وقد تم استيعابها بوصفها وطناً.

تقدم المؤلفة عرضاً سياقياً ومقارناً عاماً للكيفية التي شكّل بها الغرب صورة بلاغية للأراضي المقدسة

انتهت المراجعة التي نُشرت قبل نحو ثمانية عشر عاماً، وأود هنا أن أضيف عبارات وردت في كتاب بارمينتر، ولم يسمح بإضافتها ضيق المساحة المخصصة للمراجعة في المجلة الأميركية. تقول المؤلفة مميزة نظرة الفلسطينيين إلى أرضهم عن نظرة اليهود القادمين من الغرب والمسيحيين المساندين لهم: «كان المشهد المكاني في فلسطين حياً بالمعنى والقيمة لسكانها، مثلما كان للمسيحيين واليهود الغربيين. لكن بالنسبة للفلسطينيين، نبعت هذه المعاني والقيم من التجربة اليومية والتفاعل المجتمعي مع الناس في بيئتهم. كان المشهد بالنسبة لهم مشهد وطن، وليس تاريخاً مستمداً من الكتاب المقدس، أو التجربة الرومانسية، أو تحقق النبوءة... المواد وحياة الناس الروحية كانت متعالقة مع الأرض بأشد الطرق حميمية وأساسية. مقولة الفلاح عبّرت عن هذه العلاقة ببساطة وبإيجاز: (لا نستطيع الوصول إلى سماء الله، فلذلك نقبل الأرض)».

* باربرا ماكين بارمينتر: «منح الحجارة صوتاً: المكان والهوية في الأدب الفلسطيني» Giving Voice to Stones: Place and Identity in Palestinian Literature (أوستن: جامعة تكساس، 1994).


مقالات ذات صلة

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ثقافة وفنون «البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع.

ندى حطيط
ثقافة وفنون مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات

عمر شهريار
ثقافة وفنون فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

فلسفة التمرد الفني في «جماليات القبح»

صدر عن دار «المحروسة للنشر» في القاهرة كتاب «جماليات القبح» للباحثة المصرية هدى حسن، الذي يبحث في تاريخ التمرد الفني؛ لـ«يحرِّر الجمال من قيوده التقليدية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ماثيو أرنولد

عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

سبق لي أن نشرتُ في ثقافيّة «الشرق الأوسط» موضوعاً عنوانُهُ: «هل مات الناقدُ الأدبيُّ؟». كان الموضوع محطّة انتباه لكثيرين من المشتغلين بالأدب أو النقد الأدبي.

لطفية الدليمي
ثقافة وفنون الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدر كتاب «نافذة على الشعر الصيني».

رشا أحمد (القاهرة)

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.


«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية
TT

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

«البربرية الثقافية»... استشعار الهاوية

ليس من السّهل الكتابة عن البربرية من داخل اللغة التي أنجبت الحضارة، ولا مساءلة الخراب من قلب ثقافة أنتجها التنوير، لكن الشاعر والكاتب فاضل السلطاني، في كتابه «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار»، -دار خطوط وظلال، عمان- يفعل ذلك تماماً، فيضعنا أمام مواجهة صريحة مع أسئلة العصر الحرجة، متخذاً المقالة الصحافية جسراً يعبر عليه الفكر من آنية الحدث العابر إلى ديمومة السؤال الفلسفي. نحن هنا بإزاء مدونة فكرية تمتد على مساحة ربع قرن، ترصد، بعين الشاعر وحس المفكر، تلك الارتجافات الخفية التي تسبق الزلازل الحضارية الكبرى. يتجاوز هذا السِفر كونه تجميعاً لنصوص نشرت في الصحافة السيارة؛ بل سيرة عقلية وروحية لكاتب رأى العالم يتغير أمام عينيه، من وعود التنوير والحداثة، إلى عتمة توحش لم يعد يعبأ حتى بارتداء قفازات حريرية.

ينطلق السلطاني من فرضية مُروعة، تستعير نبوءات ماركس ونيتشه، لتؤكد أن البربرية ليست مرحلة تجاوزتها البشرية، وإنما هي احتمال دائم الوقوع، كامن تحت قشرة الحضارة الرقيقة، ويفكك في القسم الأول من كتابه، ملامح هذه البربرية الجديدة: بربرية تتغذى على التقنية، وتنتعل أحذية العولمة، وتمارس طقوس الإلغاء والمحو بدم بارد. رؤيته أن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي أنجزته البشرية، سار في خط بياني متصاعد، قابله خط بياني آخر يهوي بالقيم الأخلاقية والإنسانية إلى القاع. وفي هذه المفارقة تكمن مأساة الإنسان المعاصر؛ الإنسان الذي يمتلك أدوات تدمير الكوكب، بينما يفقد، يوماً إثر يوم، بوصلته الأخلاقية التي تمنحه مبرر الوجود.

تتجلى ثيمة «التشظي» كخيط ناظم للمقالات، فتستدعي أصواتاً شعرية وروائية كبرى، من ييتس وإليوت إلى جويس وكافكا، ليقيم معها السلطاني حواراً حول مصير العالم. حين يستحضر قصيدة ييتس «المجيء الثاني»، أو «الأرض اليباب» لإليوت، فإنه يشير إلى تلك اللحظة التي يفقد فيها العالم مركزه، وتتداعى الأشياء، وتُفلت الفوضى من عقالها. هذا التشظي الذي رصده أدباء الحداثة في بدايات القرن العشرين، يراه متجسداً الآن بصورة أشد عنفاً ووضوحاً في القرن الحادي والعشرين. إنه عصر السيولة المطلقة، حيث تذوب الحقائق، وتتلاشى الحدود بين الجلاد والضحية، وبين الثقافة والتفاهة، وبين الحقيقة والوهم.

يذهب الكتاب بعيداً في تحليل ظاهرة «الشعبوية» التي تجتاح العالم، من «بريكست» البريطاني إلى صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. يقرأ المؤلف هذه الظواهر لا بوصفها أحداثاً سياسية منعزلة، وإنما كأعراض لمرض حضاري عضال. إنها عودة «القبلية» في ثياب عصريّة، وانتصار الغريزة على العقل، والخوف على الأمل. ويربط ببراعة بين سيكولوجية الطغيان، مستدعياً نماذج من هتلر إلى نتنياهو، وبين الرغبة المحمومة في التدمير كشرط لتحقيق التفوق الموهوم. في هذا السياق، حتى «العمارة» عند الطغاة ليست سوى محاولة يائسة للخلود عبر الحجر، تعويضاً عن الفناء الذي يزرعونه في البشر.

وفي التفاتة عميقة إلى الواقع العربي، يُخضع السلطاني ظاهرة «الربيع العربي» لمشرط التحليل الثقافي، فيرفض القراءات السطحية التي تكتفي بالنتائج السياسية المباشرة، ليغوص في البنية العميقة للمجتمعات العربية. وهو يرى أن ما حدث كان زلزالاً ضرورياً لخلخلة قيم الطاعة والخضوع التي تكلست عبر قرون. ورغم المآلات الدموية، والانتكاسات، وصعود قوى الظلام، فإنه يلمح في الأفق ولادة عسيرة لفرد عربي جديد، يجرؤ لأول مرة على التحديق في وجه جلاده، ويطرح سؤال الحرية كقيمةٍ وجودية عليا. إنها قراءة تنحاز للمستقبل، وتراهن على «مكر التاريخ» الذي يعمل في الخفاء، ويقود البشرية، عبر مسارات متعرجة ومؤلمة، نحو غاياتها النهائية.

في الكتاب حيز واسع لمناقشة قضايا التنوير، والعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، ومفاهيم الهوية والمنفى. وينتقد بجرأة «أسئلة التنوير المقلوبة» التي تنشغل بالنتائج دون المقدمات، وتغفل عن دور الحامل السياسي والاجتماعي في إحداث أيّ تغيير ثقافي حقيقي. كما يفكك خرافات المركزية الغربية، ونظرتها الاستشراقية المتعالية، وفي الوقت ذاته، لا يوفر نقداً للذات العربية المستلبة، التي تعيش حالة من الانفصام الفكري والأخلاقي، وتمارس سطواً مسلحاً على الدين والتاريخ، لتبرير عنفها وتخلّفها.

القسم الثاني المخصص لـ«الأدب» يحتفي بالكلمة بعدّها قدرة أخيرة على ترميم ما هشمته السياسة. الأدب هنا لا يقرأ كترفٍ فكري أو ملاذٍ جمالي من واقع مأزوم، بل كمختبر أخلاقي تُطرح فيه الأسئلة التي عجزت الآيديولوجيات والأنظمة عن الإجابة عنها.

يطوف بنا المؤلف في عوالم دوستويفسكي، وتولستوي، وكافكا، ونايبول، وجورج أورويل، ومارغريت آتوود، وشعراء الحداثة العرب والغربيين، ليبحث عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الأدب شهادة على الإنسان حين تفشل الدولة، وتتعطل السياسة، ويصمت الخطاب العام.

في هذه النصوص، الأدب ضرورة وجودية، ووسيلة مقاومة صامتة، وشاهد أمين على العصر، يحفظ للإنسان ذاكرته الأخلاقية في زمن تتآكل فيه المعايير، ويُعاد فيه تعريف العنف والشر بوصفهما أمرين معتادين.

يتناول السلطاني قضية الشعر بحساسية عاليّة كما يليق بكاتبٍ يُقيم عند التخوم بين الفلسفة والقصيدة راصداً انحساره في عصر النثر والرواية، ومتسائلاً عن مصير الشعر العظيم الذي تنبأ هيغل بموته. لكنه، في الوقت عينه، يحتفي بالشعراء الذين يولدون بعد الموت، وبالنصوص التي تكسر حاجز الزمن، ويُعيد الاعتبار لأسماء غيبها النسيان أو القمع، ويضيء على تجارب من ثقافات مختلفة، مؤكداً عالمية التجربة الشعرية، وقدرتها على توحيد البشر في مواجهة الألم والموت.

يكتب المؤلف من منطقة نادرة تلتقي فيها صرامة الفكر بأريحية السرد، فتخرج اللغة من أسر الأكاديمية الجافة من دون أن تفقد عمقها المعرفي. إنها لغة «مفكّرة» لا تستعرض أفكارها، بل تعيشها، وتحمل قلقها وأسئلتها داخل نسيجها الجمالي. نصوصه مشبعة بحرارة التجربة، كُتبت بمداد القلق والأمل، وبشغفٍ معرفي يحوّل العابر واليومي إلى بوابة للتأمل في الكلي والمطلق. وفي هذا المسار، لا يُترك القارئ في موقع المتلقي، وإنما يُستدرج ليكون شريكاً في عملية التفكير، وطرفاً في مساءلة العالم ومعناه.

يُعد «البربرية الثقافية... وقائع الانهيار» وثيقة إدانة لعصرنا، وصرخة احتجاج ضد نظام التفاهة الذي يحاول تسطيح الوعي البشري. إنه دعوةٌ ملحةٌ لاستعادة الحس الأخلاقي، والعودة إلى الينابيع الأولى للمعرفة والثقافة، تلك التي تضع الإنسان في مركز الكون، وتؤمن بقدرته على تجاوز شرطه المأساوي. بذلك يمثل في مجمل مقالاته، دفاعاً مستميتاً عن المعنى في عالم يغرق في العبث، وعن الجمال في مواجهة القبح، وعن الذاكرة ضد طوفان النسيان.

إن قراءة نصوص السلطاني تشبه النظر في مرآة صافية، نرى فيها وجوهنا، ووجوه عصرنا، بلا رتوش أو أقنعة، وتضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية في منع «البربرية» من اقتحام أبوابنا المشرعة.

إنه كتاب يقرأ ليبقى، ولعل أهميته تزداد مع مرور الوقت، بوصفه شهادة حية من عين يقظة على زمن التحولات الكبرى، وزمن الأسئلة التي لم تعد تقبل الانفعالات العابرة.


مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»
TT

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

مرثية للعالم في ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك»

يتكون ديوان «لا أحد هنا سيميل عليك» للشاعر المصري محمد سليمان من تسع قصائد؛ الثلاث الأخيرة منها تتكون من عدة مقاطع. ويبدو العنوان بوصفه حكمة الذات التي توصلت إليها بعد معاناة وطول تأمل فيما آلت إليه أحوالها، إنه نوع من التسليم بالوحدة والتعايش معها، بما تحمله مفردة «سيميل» من دلالات التعاضد والتآزر، فلا أحد سيطلّ على هذه الذات ولا يطمئنّ عليها أو يسأل عن أحوالها، ليس في لحظتها الآنية فحسب، بل في مستقبلها أيضاً، فهي النبوءة التي تخاطب بها الذات نفسها، وتقدمها لها بوصفها حكماً نهائياً لا يقبل المساومة، وعليها التعايش مع هذا الوضع القاسي من الوحدة والانقطاع عن العالم.

الديوان، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فاز منذ أيام بجائزة أفضل ديوان شعري في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينشغل في تكوينه الكلّي بمعاينة تحولات الواقع المحيط بالذات الشاعرة، وبما طرأ على العالم من متغيرات، جعلت عالمه القديم محض أطلال وذكريات، ومن ثم يزداد الشعور بوطأة الاغتراب عن هذا الواقع الضاغط. إن مفردة «هنا»، التي تتوسط عنوان الديوان، تبدو مركزية في فهم الحمولات الدلالية لمجمل القصائد، وفي حل شيفرات الطاقة الشعورية المسيطرة على الذات الشعرية، فـ«هنا»، هذه، لا تتصل فقط بالمكان، لكنها في هذا السياق الشعري تشير إلى الزمان والمكان كليهما، أيضاً إلى لحظة حضارية وثقافية مغايرة عمَّا اعتادته الذات.

الديوان تطل من خلاله الذات في مرايا وجودها الراهن، تحدق في ذاتها وفيما آلت إليه، معترفةً بأنها أصبحت ذاتاً قديمة؛ هذه الذات التي تراوح النظر إلى عالمين: عالم ذكرياتها وماضيها، ومن ناحية أخرى تحدّق في عالم اللحظة الراهنة، متأملةً موقفها الوجودي بين الماضي والحاضر، متنبئةً بما يمكن أن تذهب إليه الأوضاع مستقبلاً، إذا سار العالم بهذه الوتيرة، فالذات الشعرية هنا تظهر مبصرةً تشظّيها وضياعها، ومعترفةً بهذا الضياع والتيه الوجودي، فكثيراً ما يجمع الأزمنة الثلاثة في مقطع شعري واحد، كما نراه يقول في قصيدة «كي أذكّر الطيور بي»:

«أقر...

مثل النيل لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديماً

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً

وفارغ اليدين»

فالذات الشعرية، هنا، في لحظات اعتراف أسيان، كمحارب مهزوم يرفع راية الاستسلام، مقرّاً في لحظة كشف وجودية بأنه بات «قديماً»، غير قادر على مسايرة العالم من حوله، مما أورثه الوحدة، واكتشاف أن ما كان يمسك به قديماً ليس سوى سراب، إذ ينتهي به المطاف فارغ اليدين، لكن الشاعر حتى في لحظة الاستسلام هذه، يصر على التشبه بالنيل، بكل ما يحمله من حمولات تتعلق بالعذوبة والخصب والنماء، والاستمرارية، كأن هذا التشبيه هو كلمته للتاريخ، لتذكير الطيور به، بفيوضاته وعذوبته، بأنه كان هنا، معطاءً وعذباً كالنيل، يفيض كلمات وقصائد، لينشر الخضار في الأرواح والقلوب.

في قصيدة «بالشاشات التصقوا» يتحول البشر إلى مجموعة من الآليين، الملتصقين بشاشات الهواتف والتلفزيون، وغيرها من أدوات عصر المعلومات، فقد استبدلوا الفرجة على الحياة بالعيش فيها، مما أدى إلى استلاب الإنسان وتشيُّئه. إن الذات تعاين هذه التحولات من منظور تأثيرها في إنتاج وحدتها واغترابها، فالشاشات تمنع الآخرين من التواصل مع الذات الشعرية، وتحيل عالمها إلى سجن معنوي كبير، بلا باب ولا نافذة على البراح، سجن من الشاشات لا يسمح بتجدد الهواء، مفعم بالعطن، واستخدام مفردة «انزرعت» يومئ إلى أنها أصبحت بديلاً عن الأشجار والنخيل، تلك التي كانت تجدد أكسجين العالم، في حين هذه الشاشات التي انزرعت عنوةً تمتصّ هذا الهواء، إنها وباء جديد، مصنوع من معدن، يسرق الأرواح كما سرق «كورونا» الوجوه والملامح، عندما أجبر البشر على الاختباء وراء أقنعة وكمامات تمسخ هوياتهم وحضورهم الحي، يقول:

«لا أحد هنا سيميل عليك

لا أحد سيفتح باباً

أو نافذة

لهواء يوقظ نخلك وعصافيرك

الشاشات انتشرت مثل وباءٍ

وانزرعت في الساحات

وفي الحارات

وفي أيدي الأطفال»

ثمة مجموعة من التقابلات المهيمنة على الديوان كله، ففي جهة واحدة هناك (الذات/ الشعر/ النيل/ الهواء القديم/ السحب/ الحقول/ البساتين/ العصافير/ الشوارع المتسعة/ الحارات الصاخبة/ لهو الأطفال...) وغيرها من مرادفات العالم القديم، البكر، ذي الطبيعة النقية والهادئة والحميمة. وفي الجهة المقابلة هناك مفردات العالم الآخذ في فرض هيمنته (الحروب/ الصحراء/ الهمجيون/ الشاشات/ الفيروسات والأوبئة/ الغربان). إن مفردات كل جهة متشابكة ومتعاضدة، حتى تبدو شبكةً دالةً على تصورٍ ما للوجود الإنساني، لكنّ مفردات الجهة الأولى آخذةٌ في الأفول والانزياح، إنه عالم كامل ينسحب خاسراً، في مقابل عالم جديد يفرض حضوره وتسيّده، بكل قسوته وغلظته، فالصحراء تنتصر على الحقول والبساتين، والحروب تهزم الشعر وتلوث السحب، حتى إن الهواء نفسه تغيَّر، وتحولت خواصه، كما يقول في مقطع مدهش من قصيدة «هواء آخر»:

«الهواء الذي كان لا لون له

والذي كان يلعب حولي

(...)

فجأة

صار مثل الحجر

هامداً وثقيلاً

وأسود مثل الوباء

ومثل الحروب التي حولنا تتوالد»

فالهواء، هنا، نموذج للنزوع البيئي الذي يفرض حضوره بقوة في الديوان، فالبيئة والذات الشاعرة كلتاهما في لحظة ذبول، أمام ازدهار الحروب والأوبئة والشاشات، فهناك نظام إنتاج وعلاقات تنطفئ، وأنظمة أخرى تنمو وتهيمن فارضةً قواعدها، حتى إنها تفرض هيمنتها على الهواء الذي يفقد خواصه الطبيعية التقليدية، إنه يتكلس ويتحجر، يكتسب لوناً أسود، يصبح هواءً جديداً، ثقيلاً مثل الحقبة الجديدة التي ينتمي إليها.

في مواجهة كل هذا الاغتراب، تنزع الذات الشاعرة إلى الفرار نحو استعادة ماضيها في كثير من القصائد، مسترجعةً ما كانت عليه من فتوة وعنفوان، حينما كان الشعر يتدفق غزيراً وعذباً مثل تدفق النيل، وأحياناً تأتي هذه الاستعادة في صيغة «فضفضة»، كما عنون إحدى مقاطع القصيدة الأخيرة، أو يقدم في قصيدة «قالت المرايا» قراءة شعرية في مآلات الربيع العربي، التي لا تبتعد كثيراً عن الرؤية العامة للديوان، حيث انهزام الربيع أمام سطوة صقيع وهجير الصيف، فكلاهما يحاصر الربيع ويسحقه، فتتآزر المعاني السياسية مع البيئية مع الوجودية.

الذات الشعرية في هذا الديوان منهزمة ومنسحقة أمام وطأة متغيرات لا تقدر على مجابهتها، أمام عالم يتحول، وحياة فقدت بكارتها، إنها ذات خسرت صراعها مع الزمان والمكان، بما يجعل الديوان مرثية لزمن جميل مضى، وهجاء لزمن يفرض حضوره ومواضعاته. رثاء لأمكنة كانت مفعمة بالسحب وهديل الحمام وجمال الطبيعة والبيئة بكل مفرداتها، وهجاء لأمكنة حديثة متصحرة، حيث انتصر التصحر على خضار الحقول، والجدب على عذوبة النيل. مرثية لصخب الأطفال في الشوارع والحارات، والتواصل الحي بين البشر، ولزمن الثرثرة على المقاهي، وهجاء لزمن الشاشات والسوشيال ميديا، وعصر الأوبئة والحروب، والكمامات والقنابل... وينهي الشاعر ديوانه بمقطع لافت، يقول فيه:

«آن لي

أن ألمَّ طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها.

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يَسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري».