هل يصعب علينا، نحن مدمني الأدب وعشاقه كتابةً وقراءةً ودراسةً، أن نتساءل إلى أين سيسوق الذكاء الاصطناعي، بأنظمته المعقدة وتطبيقاته المتطورة، الأدبَ بمختلف صنوفه وأشكاله الحالية المعروفة؟ فهل سيجره نحو حتفه ليحل محله شكل آخر، تتطلبُه شروطُ العالم الجديد المتطور تكنولوجيّاً، شديد التعقيد، العابر للمجتمعات والجغرافيات والأزمنة؟ أم أننا من باب التفاؤل وحسن النية، نأمل بأن أسطول البرمجيات القادمة بقوة، سيزيحه فقط من منصته العليا كما أزاح التلفزيون الإذاعةَ، وكما فعلت الكتابةُ بالثقافة الشفهية، والرقميةُ والقراءةُ الإلكترونية بالطباعة الورقية؟ أم أن مصير الواقع الحتمي سيفرض إبداعاً أدبياً افتراضياً بديلاً، بجمال خارق، سيفاجئنا به العقل الاصطناعيّ. سيتسرب من بين مفاصل شبكات الإنترنت، وربما يصيبنا بدهشة حياله، وبشغف لا فكاك لنا من سحره؟
ما من شك فالحقيقة الساطعة التي لا غبار عليها أن العالم يتغير من حولنا بشكل سريع ومدهش، وليس يخفى على يقظان التطورُ التكنولوجيّ وتطبيقاته سريعة التغير والتحديث، وفضول الإنسان بمعرفة المزيد، إلا أن فرضية «انقراض» الأدب بمفهومه المعروف منذ آلاف السنين ما زالت تبدو ثقيلة على القبول والتسليم. فكرة خفوت أو اختفاء «الأدب البشري الخالص» المكتوب بماء الروح، وغابات الخيال، ورعشة القلب، على الرغم من صراعه من أجل البقاء أمام الأدب «المُصنَّع ذَكائيّاً»، الذي يكتسح العالم بسرعة ودِقة فائقتين، ليتسرب بهدوء إلى القراء بمختلف اللغات من أرجاء الكوكب ويستولي على قلوبهم!؟
السؤال الملح الذي يفرض نفسه أمام تجارب تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال صناعة النصوص الإبداعية أضحى يتردد:
- هل سينقرض «الأدبُ البشريُّ»؟!
إلا أن في كلّ منا صوتاً دفيناً ينتفض بحماس ليردّ:
- أبداً... معاذ الله... إنه سيبقى ما دام الإنسان باقياً على وجه البسيطة!!
جواب مقنع، يؤكده نظام «Gpt Chat» الذي - حتى الآن - يطمئن جميع من يسأله، بأن الإنسان وحده من يستطيع كتابة الأدب، لأنه الحامل للإحساس والمشاعر. جواب يثلج أحياناً صدر السائل الخائف، ويبطل الوسواس الخناس الذي يوسوس فيه، ويريح خاطره.
ولكن المُدرَك البيّن، أن لا ديمومة لشيء على حاله فوق هذا الكوكب، وقواعد اللعبة تؤكد أن كل شيء إلى أفول، وكل شيء إلى شروق، خصوصاً وأن العقل البشري بدأ يتجاوز حدود عصوره السابقة إلى مراحل جديدة متقدمة عن سابقاتها، في نبض الاكتشافات العلمية والمهارات التي تقدمها. أدرك الإنسان أنه لم يعد وحده «الحيوان العاقل» على الكوكب، كما كان يسمي نفسه، بقليل أو كثير من الغرور والفوقية حيال بقية المخلوقات الأخرى، الطائرة منها والماشية والزاحفة والعائمة، تلك التي تتقاسم معه هذا الكوكب، وأخرى آلية مستحدثة، قد بدأت مختبرات التجارب العلمية المتطورة تسرب بعض أسرارها المدهشة، بما فيها قدرتها على كتابة نص أدبي بديع..
إن منطق التطور العلمي والتكنولوجي أزاح عن الإنسان صفة «الإنسان العاقل الوحيد» الفريد، الذي يتنعم بوحدانيته في التحكم بسدة العقل... أبداً.. فقد بدأ يزاحمه «إنسان آلي عاقل» آخر، بعقل اصطناعي سريع التطور والتكاثر والانتشار، يرفع أسوار انتصاراته عالياً جداً، ويحركها إلى أبعد، في كل ثانية بل كل جزء من الثانية، في كوكب يعيش أبأس مراحله المناخية والبيئية وتهدده حروب قد تكون كاسحة للحياة فوقه، الأمر الذي يُنذر بأن «البشر البشريين»، بما فيهم الكتاب وصناع الإبداع، سيضْحَوْن أقلية أمام «البشر الآليين» أو الروبوتات. فلعلهم أكثر مقاومة للكوارث الطبيعية، والحروب النووية التي تهدد بالكوكب. وربما يختفون من فوقه لمليارات السنين الضوئية قبل عودتهم الحَيِيّة من جديد.
العالم يتحول بسرعة مذهلة حول الفرد، إنه يواجه الآن ثورة في عالم الذكاء الاصطناعي بأنواعه، وأنظمته، وآلاته الذكية، وتقنياتها المعتمدة على الخوارزميات والبرامج. إنه يضاهيه وينافسه في قدرته على التصرف وحتى الشعور والتفكير، ولعله سيتجاوزه. وقد يطلب هذا الفردُ من نظام الذكاء الاصطناعي المتطور الرابض داخل الآلة الباردة، وليكن نظام «Gpt Chat» مثلاً، أن يدبّج له رسالة غزلٍ حارة للحبيبة، ويشترط عليه أن تكون مؤثرة، بحيث تأخذ بلُبّها، وقلبها مدى العمر، وربما ستجعلها تجهش بالبكاء عند قراءتها من فرط السعادة والأحاسيس الجياشة. وبدوره سينتظر ردها بفارغ الصبر، وسيعرف أنها - وبدورها- ستطلب من نظام «Gpt Chat» نفسه أو شبيهيه، أن يكتب باسمها رداً له، دافئاً طافحاً بالحنوّ والحنان، يسعده.
وستمرّ السنون بحلو أحوال العشق ومرّه بينهما، وبمفاجآت الحياة في صيرورتها، وسيطلبان من نظام الذكاء الاصطناعي -وقد فاق آنئذ كل التوقعات في تطوره- أن يؤلف لهما رواية بمئات الصفحات، تُسرد فيها قصتهما. فتتدفق صفحات النص المولَّد بذكاء اصطناعي متطور جداً، وتخرج الرواية المدهشة إلى القراء، وتحقق صيتاً ذائعاً وشهرةً، وتسوّق عبر الإنترنت، وعلى منصات النشر الرقمي الطافحة بالروايات. روايات روايات روايات... فلكل روايته أو رواياته. لكل كتابه المرئي والمسموع على الشبكة. كتاب لا يحمله بيمينه، لأن زمن الورق يكون قد ولى. وحل زمن رقاقاتٍ تُستوْعَب حالما تُزرع تحت الجلد أو تحتك به.
! - نعم.. أمسى للكلّ الحق في التأليف والنشر
لكن لمن ستعود إذن حقوق الملكية الفكرية، وما مصير آليات حقوق التأليف والنشر للأعمال الأدبية والفنية وبراءات الاختراع، وهل ستظل ترسانة قوانينها قائمة أم ستتغير أو تندثر؟
وهل سيطرأ تغيير على مفهوم حق التأليف والنشر وفلسفته، منذ أن دافع عن فكرته الفيلسوف إيمانويل كانت (Emmanuel Kant) (1724-1804)، وقبله الفيلسوف الفرنسي دونيس ديدرو (Denis Diderot) (1713-1784) بجملة من الأفكار صاغها في رسالته الشهيرة: «رسالة في تجارة الكتب» سنة 1763، ليصبح انشغالاً أكثر تنظيماً في القرن التاسع عشر، ويشكل - فيما بعد - جزءًا مهمًا من التشريعات القانونية في معظم البلدان.
طيب.. وإن هي القوانين بقيت، فمن يا ترى سيمتلك حقوق الكتب والقصص التي يتم إنشاؤها بواسطة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، كمنتج للأفكار في صنوف العلوم الإنسانية؟
كيف ستكون قوانينه التشريعية المحلية منها والدولية، لتساير عصر التطور التكنولوجي السريع المذهل، ومستجدات التطور التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي، والعلوم العقلية؟
ثم.. ما هي الرواية؟ ومن هي الروائية؟ ومن هو الروائي في زمن يملك الكلُّ روايته الخاصة، وعلى مقاس حذائه؟ هل سيحتفظ الكاتب الافتراضي بهيبته؟ هل سيتغير معناه؟
ثم.. منْ يقرأ منْ في عصر التحديات الحيوية التكنولوجية، والبيانات الضخمة؟
كل المعلومات المتراكضة نحونا، تمطرنا بالأسئلة تلو الأسئلة. وتدل على أن العالم الحالي ينجرف مثل نهر عظيم من الوحل، ليصبّ خارج حدود الكوكب، فيبدأ عالم جديد. نهر جديد. وهو في بداياته ليس إلا. تدل عليه علاماته: مثلاً خلقُ عالم سردي أدبي من الخيال المحض، بواسطة الذكاء الاصطناعي ليس محض خيال، كما يستخلص الفرنسي François Bon ذلك من تجربته. وبما أننا على مشارف ثورة في علوم العقل والذكاء الاصطناعي، لا نعرف حدودها على الرغم من أن السيد أيدان ميلر (Aidan Meller) مخترع الروبوت الفنانة «Ai-Da» ما فتئ يهدئ من روع الفنانين ويطمئنهم مبتسماً أنها لن تسلبهم مكانهم وتحل محلهم، فإن الروبوت الكوري الجنوبي «Ever 6»، يتألق وهو يقود أوركسترا أمام حوالي ألف متفرج، إلا أن أقوى ما يدل على التحديات التكنولوجية -لحد الساعة- ويثيرني حقاً، هو إمكانية منح الصورة، واللغة، والحضور لمن ماتوا منذ أزمنة طويلة، ولعل هذا ما جعلني أتمنى أن يعيد نظام الذكاء الاصطناعي، الصورة والصوت واللغة للشاعر أبي فراس الحمداني، فيتلو أمامنا بصوته وملامحه وحضوره البهيج قصيدته كاملة:
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ
أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟
* روائية وكاتبة من الجزائر



