القارئ العالمي... الأدب وقلق التلقي

جيل من الشبان لا ينظرون إلى العالم إلا من خلال الإنجليزية

رولان بارت
رولان بارت
TT

القارئ العالمي... الأدب وقلق التلقي

رولان بارت
رولان بارت

يلاحظ عبد الرحمن منيف في مقالة عنوانها «الكاتب والمنفى»، ضمن كتاب يحمل العنوان نفسه، ويضم مقالات وحوارات أجريت معه (نشر عام 1994)، أن بعض الكتاب العرب الذين يعيشون في منفى ثقافة ولغة مغايرة يواجهون وضعاً تكون فيه اللغة الأجنبية شَرَكاً تتحدد بموجبه ليس هويتهم الشخصية فحسب، وإنما طبيعة ما يكتبون، واللغة التي يكتبون بها؛ «لأنها، في الحالة الجديدة، تصبح أكثر من لغة، وأكثر من مجرد جسر بين ثقافتين وحضارتين. فبعد أن كانت تستهدف إبلاغ رسالة، ويفترض أن تكون واضحة ومحدودة، تصبح أساساً للجدارة من قبل الآخر، وضمن شروطه». اللغة الجديدة بثقافتها التي تحتوي الكاتب المنفي عن وطنه، ويمكننا أن نضيف المغترب بإرادته وليس بالضرورة المنفي، تطالب الكاتب، حسب ما يرى منيف، بـ«أن يكون جديداً ومختلفاً ليس عما كانه، أو ما يجب أن يصل إليه، وإنما عليه أن يستجلب من ذاكرته العجيب والمدهش ضمن مواصفات سوق استهلاكية لها قوانينها وآليتها الخاصة». وفي حوار آخر نعى منيف على الرواية العربية أن يكون همّها «مخاطبة العقل الغربي، بالقفز على القارئ العربي وتجاوزه، وبالتالي تصوير الواقع فولكلورياً، لإرضاء الغرب، وإظهار البراعة وإتقان الصنعة، حسب مقاييسهم...».

ستانلي فش

ثمة أمور عدة يمكن استخلاصها من ملاحظة منيف المهمة، لكني أود التوقف عند نوع القارئ الذي يبحث عنه بعض الكتاب العرب، ربما كثير منهم لا أدري، وليس المغتربين أو المنفيين وحدهم ممن يقصدهم منيف، وإنما غير المغتربين أو المنفيين أيضاً. وأظن أن ما يصدق على أولئك الكتاب العرب قد يصدق على كتاب من مناطق مختلفة من العالم غير الغربي، كتاب من آسيا وأفريقيا بصفة خاصة. إنه القارئ العالمي أو الأجنبي الذي يبحث عنه أولئك الكتاب، ليس رفضاً للقارئ العربي أو المحلي بالضرورة، وإنما سعياً إلى الانتشار والعالمية. أصفه بالقارئ العالمي، على افتراض أن ذلك القارئ موجود.

لا أظن من يكتبون باللغة الإنجليزية معنيين بالقارئ الذي أشير إليه؛ لأن كتابتهم بالإنجليزية تضعهم على أول الطريق نحو ذلك القارئ العالمي، أو القارئ المنتشر في كل أنحاء العالم. كتابتهم بحد ذاتها لا تضمن لهم الوصول إلى ذلك القارئ؛ لأن ثمة اعتبارات كثيرة تمارس تأثيرها في تعبيد الطريق أو ملئه بالعقبات حتى إن كان الكاتب يكتب بالإنجليزية، لكن الأكيد أيضاً هو أن الكتابة بالإنجليزية أو الترجمة إليها يضع الكاتب والكتاب على أول الطريق باتجاه ذلك القارئ الضمني/العالمي الذي لا أظن أنه كان في حسبان واضعي نظرية التلقي، أو بتحديد أكبر واضعي نظرية استجابة القارئ التي تعطي أهمية كبرى للقارئ في تحديد طبيعة النص على أساس أن كل نص يتضمن قارئاً يتخيله الكاتب ويتفاعل معه، وإن لم يعه بالضرورة.

الكاتب العربي، مثله في ذلك مثل أي كاتب لا تضعه لغته الأم مباشرة أمام فرص الوصول إلى العالم، يتطلع إلى الترجمة بوصفها الممر المحتمل نحو الانتشار أو العالمية. والكاتب هنا ليس بالضرورة روائياً أو شاعراً وإنما قد يكون باحثاً أو مفكراً أو صحافياً. ومن حق كل أولئك وغيرهم أن يتطلعوا إلى توسيع قاعدة قرائهم، فهو مطلب طبيعي. وتوسيع تلك القاعدة لن يتحقق، كما هو معروف، دون لجوء إلى لغة عالمية، لغة تضرب جذورها في بقاع العالم من شمال أوروبا حتى جنوب أفريقيا، ومن شرق آسيا حتى غرب الأميركيتين. الإنجليزية تأتي في المقدمة بالطبع، لكن الفرنسية والإسبانية وغيرهما تلحقان بالركب وإن على تباعد. وإذا كانت الترجمة البوابة المباشرة، فإن الكتابة بلغة منتشرة وعلى مستوى عالٍ من التمكن ستكون مدخلاً أفضل وأسرع إلى عالم القراء. والسؤال الذي يتماثل هنا هو عن القارئ الذي وصفته بالعالمي في النصوص غير الغربية. انتشاره في مختلف أنحاء العالم تبعاً لانتشار الإنجليزية يوحي بأنه قارئ عالمي بالمعنى الحرفي، لكن حقيقة الأمر هي أنه سيكون قارئاً غربياً، وليس بالمعنى المطلق وإنما بالتخصيص، قارئاً من أوروبا الغربية وأميركا الشمالية. إنه القارئ الذي تخيله أو افترضه واضعو نظريات التلقي واستجابة القارئ من أمثال الألمانيين هانز روبرت ياوس وفولفغانغ آيزر، والفرنسي رولان بارت، والأميركي ستانلي فش. لكن ذلك القارئ الغربي وإن هيمن على النص فلن يكون وحده المستهدف بالكتابة في تقديري. على أن من المهم أن نتذكر هنا أن المنظّرين الغربيين إن تخيلوا القارئ فإنهم لم يتخيلوا الكاتب غير الغربي في سعيه إلى القارئ الغربي. ذلك ما يهم العالم غير الغربي.

عبد الرحمن منيف

القارئ الغربي هو من يشير إليه عبد الرحمن منيف حين يتحدث عن الآخر، وقد يكون محقاً في أن المستهدف ليس أي قارئ بالإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من اللغات الأوروبية، وإنما هو تحديداً القارئ الأوروبي أو الأميركي الملامح، القارئ المتفوق حضارياً والمهيمن سياسياً، والقوي اقتصادياً، القارئ الذي يعني الاقتراب منه اقتراباً من العالمية الحقيقية كما يتصورها الكثيرون، مثلما يعني الاقتراب من المبيعات أيضاً. استجلاب «العجيب والمدهش» لنيل إعجاب ذلك القارئ قد يكون أحد المؤشرات على ذلك اللون من الكتابة المصوغة لقارئ أجنبي تُلتمس العالمية من خلاله. وإذا كان من التعجل والظلم أيضاً لكثير من الأعمال الروائية وغير الروائية المكتوبة بلغات أوروبية بصفة خاصة، أن يقال إن العنصر الغرائبي فيها إنما وضع لإرضاء القارئ الغربي، فإن إلغاء ذلك الاحتمال تماماً قد لا يكون مبرراً من الناحية النقدية، لا سيما إذا تذكرنا أن دُور النشر تلعب دوراً أساسياً وحيوياً أيضاً في انتقاء ما يمكن نشره من الأعمال في أوروبا وأميركا. ويصدق ذلك على انتقاء الأعمال الصالحة للترجمة، فالمترجم قبل دار النشر يتصيد الأعمال التي يتوقع أنها جاذبة للقارئ «العالمي»، الغربي الملامح، مثلما هي جاذبة لدور النشر الغربية أيضاً، فالمواصفات لا تشمل عادة مدى اتصال العمل بقضايا وطنه، أو بهموم الناس في المنطقة التي أنتج فيها. قد لا تخلو من أهمية بالنسبة للمترجم ودار النشر، لكن أهم منها هو عنصر الجذب، العنصر الذي تحرص عليه كل دور النشر دون شك، لكن بمعايير مختلفة، فما يجذب قارئاً إنجليزياً أو فرنسياً ليس بالضرورة ما يجذب قارئاً هندياً أو عربياً. وقد يكون ذلك العنصر هو الفولكلوري، كما يقول منيف.

في مقالة نشرتها الصحيفة الهندية الإلكترونية «ذا هندو» (سبق أن ترجمتُها ونشرتها «الشرق الأوسط» تحت عنوان «حوارات عبر الثقافات.. سياسيات الترجمة»، ومتاحة في كتابي «الثقافة في زمن الجائحة») ذكر كاتب المقال أن دور النشر الغربية لا تقرر فقط ما يمكن أن يصل إلى القارئ الغربي، وإنما حتى ما يمكن أن يصل إلى القارئ في الهند أو نيجيريا من كتب منشورة في ألمانيا أو كوريا: «إذا كان كل كتاب مترجم، كما يقال، نافذة على ثقافة أخرى، فإن الناشرين البريطانيين والأميركيين هم الذين يقررون في الغالب أي النوافذ يمكن أن تفتح على ألمانيا، أو كوريا أو البرازيل للقارئ الهندي أو النيجيري. هل تفتح هذه النافذة على الجنوب أم الشمال؟ هل هذه النافذة تفتح على يمين ذلك البيت المعيّن للثقافة أم على يساره؟ رؤية القارئ الهندي أو النيجيري - رؤيته حتى لألمانيا وكوريا والبرازيل - تتشكل على يد مراكز تجارة اقتصادية وثقافية كولونيالية أو إمبريالية سابقة». هذه الهيمنة على سوق النشر هي ما يعيه بعض الكتاب في أنحاء مختلفة من العالم، فيصوغون نتاجهم على أساسه. ومن الصعب أن يلاموا إذا كانوا بحاجة إلى المال، لكن إذا كانوا زاهدين في ثقافاتهم ولغاتهم تفضيلاً للآخر، فإن من الصعب تبرئتهم.

قد لا تكون البلاد العربية أول ما يخطر بالبال حين يتحدث المرء عن قراء باللغة الإنجليزية، فدول مثل الهند ونيجيريا تعد الإنجليزية لغة رسمية أحرى بأن تتوجه إليها دور النشر بكتب منشورة بتلك اللغة. لكن الوضع يتغير – للأسف – بسرعة، والإنجليزية تنتشر كالنار في الهشيم وسط جيل من القراء الشبان لا ينظرون إلى العالم إلا من خلال الإنجليزية. فإلى أولئك يتوقع أن يتجه الكتّاب والمترجمون، والذين إليهم ترسل دور النشر أنظارها وتفتح الجيوب. أفراد أولئك الجيل، وأمثالهم في بقاع كثيرة أخرى من العالم، يرسمون بعضاً من ملامح القارئ العالمي الذي يلبس هوية اللغة الإنجليزية وإن بقيت ملامحه في حالة سيولة في عصر وصف بأنه عصر الحداثة السائلة.



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.