رحيل إبراهيم غلوم... الناقد والأكاديمي «النزيه»

الناقد والأكاديمي البحريني الراحل الدكتور إبراهيم غلوم
الناقد والأكاديمي البحريني الراحل الدكتور إبراهيم غلوم
TT

رحيل إبراهيم غلوم... الناقد والأكاديمي «النزيه»

الناقد والأكاديمي البحريني الراحل الدكتور إبراهيم غلوم
الناقد والأكاديمي البحريني الراحل الدكتور إبراهيم غلوم

فقدت الساحة الثقافية في البحرين، والخليج عموماً، الناقد والكاتب والأديب والأكاديمي البحريني الدكتور إبراهيم غلوم، الذي رحل بعد معاناة طويلة مع المرض، عن عمرٍ يناهز 71 سنة.

اشتغل إبراهيم غلوم بالكتابة منذ مرحلة مبكرة من حياته، ونشر منذ سبعينات القرن الماضي عدداً من الدراسات في نقد القصة القصيرة والمسرح والرواية والتراث والدراسات الثقافية والفكرية. وهو حاصل على دكتوراه دولية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة التونسية سنة 1983، وكان عميداً لكلية الآداب بجامعة البحرين سابقاً، ورئيس ومؤسس قسم اللغة العربية بالجامعة، وعمل أستاذ النقد الحديث في جامعة البحرين، وأستاذاً زائراً لأدب الخليج والجزيرة العربية، بجامعة الكويت، 1986، وهو عضو أسرة الأدباء والكُتاب، ورأَس مجلس إدارتها لعدة دورات، وعضو «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب»، بالبحرين، وعضو مجلس أمناء مجلس «جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري».

وأسّس الفقيد عدداً من المسارح وجمعيات ثقافية واتحادات محلية وعربية، ورأس تحرير عدد من المجلات الفكرية والثقافية، وحصل على وسام الكفاءة من الدرجة الأولى 2012 من ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وعلى قلادة تكريم المبدعين في دول «مجلس التعاون» في العام نفسه، كما حصل على «جائزة البحرين للكتاب» في النقد الحديث.

ونعت «هيئة البحرين للثقافة والآثار»، في البحرين، الفقيد الدكتور إبراهيم غلوم، حيث أكدت أن الحراك الأدبي في البحرين «فقَد برحيل الدكتور غلوم قامة أدبية»، مؤكدة أن الدكتور إبراهيم غلوم «ترك إسهامات ونتاجات أغْنت المكتبة العربية بكثير من الدراسات والقصص والكتابات التي ستبقى مرجعاً لكل الباحثين والكُتّاب والأدباء».

وقد نعاه الوسط الثقافي الخليجي، فكتب الدكتور طالب الرفاعي، عبر منصة «إكس»: «عظّم الله أجر البحرين بوفاة ولدها البارّ الدكتور إبراهيم غلوم... (وهو) مفكر خليجي اتخذ من الأدب طريقاً لحياته، وكان من أوائل من كتب عن فن القصة القصيرة والقصاصين في منطقة الخليج».

كذلك نعاه الدكتور عبد الله الغذامي، عبر «إكس»، قائلاً: «تغمّد الله الصديق الدكتور إبراهيم غلوم، والتعازي لزوجته العزيزة وعائلته الكريمة وللثقافة والمثقفين في البحرين، وللثقافة العربية والمؤسسة الأكاديمية، ولأجيال من تلاميذه والناهلين من علمه، عانى من المرض وصبر وصابر، جعله (الله) في كنف رضاه ورضوانه».

كما وصفه الشاعر العماني سيف الرحبي قائلاً: «الدكتور إبراهيم غلوم كان من الأصدقاء الطليعيين الأكثر نزاهةً وبُعداً عن الطائفية والشللية، كما كان يتّسم بعمقه الثقافي والفكري الشاسع والبعيد النظر».

وكتب الروائي والأكاديمي القطري، الدكتور أحمد عبد الملك: «فقدَت الساحةُ الثقافيةُ والفنيةُ العربيةُ والخليجية قامةً سامقةً برحيل الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الله غلوم... رائد من رواد الثقافة والمسرح والتعليم الجامعي بالبحرين».



«نهاية دولة فلسطين الشعرية»... أي سردية ممكنة!

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني
TT

«نهاية دولة فلسطين الشعرية»... أي سردية ممكنة!

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني

(نشرنا يوم الأحد 25/2 مقالاً بعنوان «ماذا بقي من دولة فلسطين الشعرية؟» للدكتور أحمد الزبيدي، وهنا رد على المقال)

* يزعم الزبيدي أن إسرائيل قد نجحت، خلاف العرب، بتأسيس سردية لها، سمّاها سردية إسرائيل. ولا أعرف ما أدلة الناقد على هذا الزعم العجيب

بعد ست وسبعين سنة من تأسيس إسرائيل في فلسطين، وما أعقبها وتأسس على أساسها من حوادث تاريخية كبرى «النكبة: 1948، العدوان الثلاثي: 1956، هزيمة حزيران: 1967، حرب تشرين: 1973، وقبلها تأسيس منظمة فتح الفلسطينية (1957) ثم منظمة التحرير الفلسطينية، وما بين الحدثين من تأسيس منظمة الجبهة الشعبية (1967) ثم الديمقراطية (1968)، ثم الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان: 1982، وطرد المسلحين الفلسطينيين من لبنان لتونس»، وبعد انتفاضات فلسطينية كبرى ذات طابع شعبي، أو مسلح «كما يجري الآن في قطاع غزة» ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، نقرأ أسئلة مشكِّكة ترد في سياق مقالة كُتبت بلغة منفعلة عن «نهاية دولة فلسطين الشعرية» أو حسب العنوان المنشور في جريدة «الشرق الأوسط» الغراء «ماذا بقي من دولة فلسطين الشعرية؟ بعد غياب أبرز شعرائها الكبار: 25 فبراير (شباط) 2024». ولا بأس بالعنوان؛ لا بأس بالصياغات المشبعة بالانفعال والرغبة بالاعتراف، أو قل الجهر بأمر ما في سياق قضية كبرى مثل القضية الفلسطينية. أقول لا بأس؛ فهذا شأن المثقفين الجادين، كما هو حال الناقد الدكتور «أحمد الزبيدي»، الأكاديمي العراقي المختص بقضايا الشعر العربي الحديث. لكن المقالة لا تقف عند حدود «التحسُّر» المتحصل من استعادة كلمات منبرية قالها شاعر فلسطيني عاش ومات ببغداد اسمه خالد علي مصطفى عن شهداء يسقطون الآن «الحديث عن انتفاضة الأقصى: 2000» ولا شعراء كباراً يرثونهم؛ ولا نعرف كيف أمكن لـ«مصطفى» أن يُسقط من حسابات الشعر العربي، والفلسطيني خاصة، أسماء شعرية فلسطينية وعربية كبرى كانت موجودة في وقتها «2000»، ولم تصمت أو تموت، مثل محمود درويش «2007»، وسميح القاسم «2014»، وفدوى طوقان «2003»، وأمجد ناصر «2019»، بل إن الشعراء العرب المذكورين في كلمة «مصطفى» المنبرية ما زال بعضهم أحياءً حتى ذلك الوقت: مظفر النواب مثلاً «2022»، ومثله شعراء عرب كبار آخرون كرسوا قدراً لا يستهان به من شعرهم في تأسيس «سردية» كبرى اسمها فلسطين. أذكر منهم هنا: سعدي يوسف، وأحمد عبد المعطي حجازي وأغلب شعراء مصر الكبار. لماذا سقط هؤلاء من ذاكرة الأكاديمي العراقي، ومن قبله الشاعر خالد علي مصطفى!

فؤاد التكرلي

لا «سردية» عربية سوى قصة «حقيقية» اسمها فلسطين

لكن المفارقة لا تنتهي عند حدود التحوّل من «منطق» التحسر على «موت» دولة فلسطين الشعرية، أو في الأقل تحوّلها لحالة اليأس، إلى «منطق» الحكم على فلسطين بوصفها «سردية» غير موجودة في الرواية العربية، أو حسب ما كتب «الزبيدي» نفسه: «إنما أعني التكوين التخييلي لدولة فلسطين عبر (اللغة)، وأي لغة؟ إنها اللغة الشعرية التي أَعذبها أَكذبها»؛ فهل «السردية» حكر على الرواية أو السرديات عامة؟ واقع الأمر، أو كما كان العرب يعبرون بقولهم: إنه من نافلة القول، إن «السردية» هي مقولة «لسانية» و«معرفية» ذات بعد رمزي؛ لنقل إنها القصة الرمزية، أو الأمثولة، ولها أن تتحقق في الشعر كما لها أن تتحقق في أرضها الخصبة الرواية والقصة عامة، ولا فرق أبداً في الحالتين، ما دمنا نتحدث عن «السردية» بصفتها مقولات رمزية. ولأن اللغة، شعرية كانت أم سردية، لا يمكنها أن تحجب أو تبطل عمل «السردية» بوصفها أمثولة. ولا بأس سوى أن الناقد العراقي يمضي بعيداً في تأكيد كلامه فيذكر الناقد أسماء ثلاثة كتاب رواية عرب، اثنان منهم عراقيان، وهم: نجيب محفوظ وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي. والواضح لي أن اختيار هذه الأسماء جاء متعمداً لأن رواياتها، حسب ما يقول، لم تسعَ إلى تجسيد «فلسطين في تشكلها الوجودي التاريخي بوصفها رواية تاريخية». أقول كان بإمكان الناقد أن يوسِّع أفقه وينظر إلى خريطة «بل خرائط الرواية العربية بطبعاتها الوطنية المتعدِّدة» بعين منصفة. وفي بالي اسمان راسخان كان لهما مساهمة كبرى في تأسيس أمثولة فلسطين، وهما إلياس خوري في رواية «باب الشمس»، ورضوى عاشور في رواية «الطنطورية». ولن أذكر الأسماء الفلسطينية الأساسية، وفي طليعتها غسان كنفاني، لا سيّما روايته «عائد إلى حيفا: 1969» التي أسست لأمثولة العائد المتخيلة في سياق رواية الشتات الفلسطينية. لنعد إلى الأسماء الثلاثة التي اعتمدها الناقد حجة ودليلاً على موت أو تلاشي فلسطين بوصفها سردية، ولنبدأ بمؤسس الرواية العراقية الرائد غائب طعمة فرمان، وقد زعم الناقد «الزبيدي» أن روايات الكاتب العراقي الشهير قد خلت من التجسيد الوجودي التاريخي لفلسطين، وهذا زعم ترفضه القراءة الموضوعية لرواية المخاض، وهي الثالثة في رصيد فرمان، والمؤسسة لقصة المنفيّ العائد في الرواية العراقية. ونجد فيها أن فرمان يضع أمثولة الفلسطيني في مقابل قصة العائد العراقية، ونزيد بالقول إن «إسماعيل»، الشاب الفلسطيني، الذي يرفض الذوبان في المجتمع العراقي بزواجه من ماجدة، هو مرآة يرى فيها «كريم داود» نفسه وشخصه ومجتمعه. ولا نتحدث، هنا، عن صور الفلسطيني في الرواية العراقية، فهذا موضوع آخر نجد أصوله في دراسات وكتب ومقالات كثيرة، إنما نحن، هنا، في صلب سردية «الفلسطيني» من الشتات.

رضوى عاشور

نعم، لم يكتب نجيب محفوظ، ولا فؤاد التكرلي رواية تاريخية تجسد السردية الفلسطينية، نعم؛ هذا أمر مؤكد، لكن هذا التأكيد يسري على وقائع روايات محفوظ المباشرة، أو قل الأولية. فلا يسري، من ثمَّ، على إشكالية التأويل لمدونة محفوظ. إذ إن المعروف أن روايات محفوظ كتبت على مراحل؛ المرحلة التاريخية، والمرحلة الواقعية، والمرحلة الفلسفية وهكذا. وكل مرحلة ارتبطت أو تولَّدت عن السياق التاريخي للمجتمع المصري المرتبط، حتماً، بتحولات السلطة. فكان محفوظ يراقب مجتمعه مثلما يراقب السلطة المتحكمة به. هكذا كانت الثلاثية الشهيرة تتويجاً للمرحلة الواقعية، بحياتها المنتظمة ومسار السلطة الرتيب المتحكم بها، فيما ستختلف روايات المرحلة الفلسفية، وقد ارتبطت بنقد التجربة الناصرية القائمة على سردية الدولة الوطنية المستقلة الطامحة لضرب وتدمير «السردية التوراتية» في «إسرائيل»، واستعادة السردية الفلسطينية المزاحة، أو التي جرى إسكات صوتها، كانت بدايتها برواية «اللص والكلاب» «1961»، وهي الصياغة الأولى لقصة القاتل في الرواية العربية. فرقاً، أو قل تعويضاً عن نشوء الرواية البوليسية التي غابت بسبب عدم تطوّر مؤسسات الدولة الحديثة من بوليس جنائي إلى ضابط تحرٍّ، إلى مستلزمات رئيسة أخرى ظلت حركات الحداثة العربية تبشر بها من دون أن تصل إلى مرحلة تطبيقها. وفي رواية القاتل المحفوظية ثمة تقصٍّ لمصائر القاتل وضحاياه. والقصة تتولى، من ثمَّ، فضح مكيدة القاتل وسرديته بتجريده من سلطته القائمة على امتلاك السردية المغيبة، مما يجري المتاجرة بها وقمع الأصوات الفلسطينية الحقة. ولقد مهَّد محفوظ بنقده الجذري للقاتل العربي الذي حكمنا لرواية ما بعد هزيمة يونيو (حزيران) الشنيعة، وهذه وحدها كانت سردية فلسطينية كبرى. أتذكَّر، هنا، روايات رئيسة كانت محطة وقفت عندها أغلب الدراسات العربية والأجنبية. في طليعتها «عودة الطائر إلى البحر: حليم بركات/ 1969»، و«الزمن الموحش: حيدر حيدر/ 1973»، و«الزيني بركات: جمال الغيطاني/ 1974». هذه الروايات وغيرها أعادت التأسيس الرمزي لفلسطين بوصفها سردية عربية فلسطينية كبرى.

أحمد عبد المعطي حجازي

السردية الإسرائيلية... أي نكتة سمجة!

يزعم «الزبيدي» أن إسرائيل قد نجحت، خلاف العرب، بتأسيس سردية لها، سمّاها سردية إسرائيل. ولا أعرف، حقاً، ما أدلة الناقد على هذا الزعم العجيب. فالسردية تعني تأسيس قصة رمزية متكاملة، وهذا ما لم يحصل مطلقاً في حالة إسرائيل. إنما هناك خلط بين السردية التوراتية المشبعة بالبكائيات الناتجة عن قرون طويلة من الشتات، والصيغة الإسرائيلية الحديثة القائمة على تشريد شعب كامل، هو صاحب الأرض ومالكها الأول والحقيقي. هذا الخلط العجيب يُغري بعض الليبراليين العرب الناقمين على حكومات بلدانهم؛ فيزعمون أن الآلة العسكرية يمكنها أن تنتج سردية ظافرة. وليتفضل الدكتور الزبيدي ويقرأ ما ترجم إلى العربية من نصوص سردية إسرائيلية أذكر منها ما ترجم، مثلاً، لعاموز عوز، وليترك أذنه عند شخصيات تلك الروايات ليسمع أصوات الذات الجريحة التي لم تنته، بعد، من إسكات صوت ضحاياها. ولن ندعو أحداً ليشرح لنا كيف يمكن لشعب معين أن ينتج سردية، كيف لنا أن نفهم البناء الرمزي للقصص السردية. لنترك التاريخ يحكم ويقول رأيه. وعندي أن العرب لم يملكوا، في عصرهم الأحدث، قصة كبرى غير قصة فلسطين. وهذا ليس مدحاً للقضية أبداً، إنما هو تقرير واقع الحال العربي. فالعسكر استولوا على الحكم في دويلات العالم العربي بحجة رغبتهم بتحرير فلسطين، وأعادوا موضعة كل شيء على أساس هذه المزاعم، فلا صوت يعلو على صوت المعركة، لا حرية سوى «لغو» القائد الظافر. لا ديمقراطية ولا دول ولا مؤسسات سياسية أو ثقافية أو صحافية. لا قصة سوى قصة القائد، ولا قاتل سوى السيد الرئيس. لا شيء سوى الاتِّجار الرخيص بقضية شعب كامل اسمه شعب فلسطين. قرن كامل ليس للعرب من قصة سوى قصة فشلهم في امتلاك سردية فلسطين. نعم، هناك سردية فلسطين كبرى ولا نفع، أبداً، أن ننكر وقائع هذه السردية بكمٍّ من الجمل المنفعلة، وقد كان هذا شأن خطب السيد الرئيس، أو القائد الضرورة؛ فما عدا مما بدا!. علينا أن نواجه وقائع القصة، أن نضعها أمامنا، وأن نتوقف عن منح «عودنا» نصراً مجانياً بأن نمارس المهنة العربية الوحيدة التي نجيدها، وهي مهنة جلد الذات.


ييتس في أورشليم

ييتس في أورشليم
TT

ييتس في أورشليم

ييتس في أورشليم

سديم ٌعلى الأرضِ يلمعُ

يتبعه النسرُ

- هل كنت تعرفهُ؟ -

يظلّ يدورُ

وأرى ظلكَ على التربِ ينحسرُ

ليدخل قبراً يضيقُ بهِ...

نسرٌ على الأرضِ يكبرُ منذ الطفولة

كأن السماء

تنفخ الأرض فيهِ.

تفقد الأرضُ مركزها

ويزحف وحشٌ رهيب

على الأرضِ...

كيف رأيت،

وأنت على مقعدك الأبعدِ،

ذلك الوحش يزحفُ

تحتَ سماء غريبة

ليولدَ في أورشليم...

ويموت.

---

إلى جلال الدين الرومي

أنت علَّمتني

أن أغنية واحدة

سوف تختزلُ

كلَّ معنى تولّده هذه النارُ

أن قابلة الكونِ

سوف تسحبُ أطفالنا الميّتين

من الرحمِ (كم كنت تصغي إليه!)

ليولدَ طفلٌ فريدُ

جميلٌ، طريٌّ، كما أنت بعد الصلاة

وانتظرتُ إمامي

ركضتُ وراء الكلمات

أتصيدُ بعضَ معنى

تخلّفه النارُ في الموقدِ

في الشتاء الطويل

حين يأفلُ نور السماء

على نافذتي

وتهجرني أنت لليلك

وأغانيكَ... ثمّ تعودُ

كلّ ليلِ

برداء جديد

تدوّر رقصكَ حولي ثلاثاً

فأكاد أرى بعضَ معنى

يتقافزُ بين الشرر

ثمّ ينقسمُ

وأصلي...

لأحصدَ شيئاً

من رمادك.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

* دبليو بتلر ييتس، الشاعر الآيرلندي، صاحب القصيدة الشهيرة «المجيء الثاني»، التي كُتِبت في أعقاب الحرب العالمية الأولى.


مدخل إنساني لتجربة محمد عفيفي مطر الشعرية

مدخل إنساني لتجربة محمد عفيفي مطر الشعرية
TT

مدخل إنساني لتجربة محمد عفيفي مطر الشعرية

مدخل إنساني لتجربة محمد عفيفي مطر الشعرية

يتسم كتاب «نزع الأقنعة»، الصادر أخيراً عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، بأهمية خاصة؛ لأكثر من سبب؛ كونه يلقي الضوء على تجربة الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر (1935 - 2010)، الذي لم ينل ما يستحق من احتفاء، رغم أنه صاحب تجربة فارقة في تاريخ الشعرية المصرية، كما أن الكتاب يأتي باعتباره «مدخلاً إنسانياً» لتجربة مطر، بحكم صلة المصاهرة التي ربطت بينه وبين مؤلفه شريف قنديل، شقيق زوجة مطر.

ويُعد عفيفي مطر أحد أبرز شعراء الستينات في مصر، وُلد بريف محافظة المنوفية، وتخرّج في قسم الفلسفة بكلية الآداب، ونال جائزتي الدولة؛ «التشجيعية» 1989، و«التقديرية» 2006، و«سلطان العويس» 1999. ومن أبرز أعماله «فاصلة إيقاعات النمل»، و«كتاب الأرض والدم»، و«أنت واحدها وهى أعضاؤك انتثرت»، و«أوائل زيارات الدهشة»، و«من مجمرة البدايات».

ويؤكد الشاعر جمال القصاص، في تقديمه للكتاب، أن شعرية محمد عفيفي مطر ارتبطت بالأرض ودبيب الإنسان وأشواقه وكدحه وعرقه فوق ترابها، ولا تنفصل نوازع الحكمة لديه بمشاربها الجمالية وظلالها الروحانية عن هذا الارتباط العضوي الذي يصل في كثير من قصائده إلى حالة من الامتزاج والتوحد والوجد الصوفي. وتتقطر حكمة الأرض في شعره، وتتراكم صورها في زخم فني ولغوي سيّال، أحياناً يتراص في شكل كتلة بصرية تتناثر على حوافها الرموز والعلامات والدلالات والخطوط والإشارات، بينما يتسم الإيقاع لغوياً وموسيقياً بنفَس ملحمي تتواشج فيه كل هذه العناصر في تشكيل اللحن الشعري وتنميته درامياً ليكتسب معنى السيمفونية الشعرية.

ويضيف القصاص أن مطر أحياناً يفكّك هذه الكتلة إلى مجموعة من العناصر البنائية المنفردة، ليصبح لكل عنصر إيقاعه المفرد الخاص، لكنها تنفرد وتجتمع بقوة هذه الحكمة وصلابة الأرض وامتدادها الروحي في شرايين الزمان والمكان، ومن ثم في شرايين الشعر والقصيدة والحياة، هنا يتحقق ما يمكن تسميته «جدل الكتلة والمفرد»؛ وهو جدل يتمتع بصيرورة شعرية خاصة تتبلور فلسفياً من خلال متوالية الصعود والهبوط من السفح إلى القمة.

ويشير شريف قنديل إلى أنه بحكم المصاهرة عاصر مطر شاباً متفرداً عن كل شباب القرية شكلاً وموضوعاً. ولأن مساءلة الموضوع أو الجوهر كانت عصية على الفهم في تلك المرحلة، فقد انبهر بشكله، وتحديداً بإطلاق شَعره الذي يبدو من بعيد أشعث، فإذا ما اقتربت منه وجدت خصلاته الدائرية متسقة، وقد غزاها اللون الأبيض الفضي مبكراً جداً.

وكان إذا جلس مع والد قنديل، جلس على الأرض محملقاً إلى وجه أبيه، ومستمعاً بانبساط ودهشة وفرحة سرعان ما يعبر عنها بكلمة أو بجملة أو بحركة حفّزت الأب على الاستمرار في الحكي.

في كل مرة كان مطر يعطي المؤلف درساً أو نظرية في الحياة، وحين يبدأ في الكلام تتغير نبرة صوته فيشعر بالفعل بأنه أمام حكيم، بحر من العلوم بمختلف أنواعها، ورأي ثاقب وواضح وضوح الشمس، خصوصاً إذا تعلّق الأمر بقيمة من قيم الحق والعدل والحرية، صلابة في الموقف المبني على دراسة وتأمل وتسامح، فلم يكن شاعراً كبيراً وفيلسوفاً عميقاً فحسب، وإنما كان أحد حكماء العصر.

شأن كل الحكّائين الرائعين، أحب محمد عفيفي مطر التجول في الأسواق. يتذكر المؤلف جيداً يوم أن أيقظه مبكراً لاصطحابه إلى قرية شما، المجاورة؛ للحاق بسوق الاثنين؛ أكبر أسواق الماشية والخضراوات والفواكه ومستلزمات الزراعة. ومن قسم إلى آخر مضيا سريعاً لرصد أحوال وطقوس البيع والشراء، قبل أن يقرر شراء بقرة حلوب وابنها، على أن فرحته بالبقرة وابنها سرعان ما تبددت حين رأى مطر يُسلّم حبلها لقريب لهما ليربّيها له.

يقول مطر: «أحبُّ التجول في الأسواق، وأعشق الشوارع المكتظة بدكاكين الفاكهة والخضراوات والأسماك، أبهج عيني بالألوان الطازجة، وأنعش روحي بروائح ما يجلبه الباعة من كل مكان، وأمتع سمعي بنداءات الباعة ومبالغاتهم الجميلة ومنافساتهم المرحة ومشاغباتهم الأخوية الذكية».

ارتبطت شعرية محمد عفيفي مطر بالأرض ودبيب الإنسان وأشواقه وكدحه وعرقه فوق ترابه

ويصف الناقد إبراهيم فتحي، مطر بأنه «شاعر عابر للأجيال»، وهو وصف يراه الشاعر حلمي سالم محكماً ودقيقاً، فقصائد مطر تحمل ملمحاً من ملامح كل جيل؛ بدءاً من المدرسة الرومنطيقية السابقة على حركة الشعر الحر، وانتهاء بالقصيدة الجديدة، مروراً بقصيدة التفعيلة وحداثة السبعينات، إنه ضارب في كل حلبة منها بسهم، باستثناء موقفه المتحفظ من قصيدة النثر.

ووفقاً لحلمي سالم، فإن محمد عفيفي مطر تجربة عريضة عميقة متشابكة ومتراكبة؛ من شهقة الطين المغموسة بقهر القرية المصرية، إلى تصفح «كتاب الأرض والدم»؛ حيث العالم متر في مترين من جرّاء العنت والاستبداد. ومن التغلف المقنع بالفيلسوف الإغريقي أنبادوقليس، إلى «إيقاعات النمل»؛ حيث تدب ببساطة الخرافة الريفية.

ويوضح المؤلف شريف قنديل أن المتابع بدقة لمسيرة مطر الثرية يمكنه أن يضع يديه على ثلاثة ملامح كبرى رافقت تجربة «شاعر الحرث والزرع»، الملمح الأول يتمثل في سطوع الطابع الفلسفي في شعره، وقد درس مطر الفلسفة ثم درّسها طوال 20 سنة في المدارس الثانوية، ويهيمن هذا الملمح في شكل أكثر بروزاً على ديوانيْ «ملامح من الوجه الأنبادوقليسي»، و«رباعية الفرح» الذي يقوم على أربع قصائد طويلة؛ تتعلق كل واحدة منها بأصل من أصول الحياة في الفلسفة اليونانية القديمة؛ الماء والنار والهواء والتراب.

أما الملمح الثاني فهو الاستناد الشامل إلى التراث العربي، حتى ليُخيَّل إليك أن تجربة مطر هي مغامرة الغوص في التاريخ العربي القديم لتقديم إحالة أو مساءلة معاصرة، وهو ما نواجهه طوال الوقت في قصائده؛ الحسن بن الهيثم، وغيلان الدمشقي، وغيرهما.

والملمح الثالث هو النهل من ميثولوجيا القرية، وتجسيد الأمثولة الريفية، مع معالجة شعرية لطقوس الفلاحة وشعائر الحرث والغرس. وفي هذا السياق يقول مطر في قصيدة «نوبة رجوع»:

«ثقلت عليّ عباءة الدم والرماد

والريح تصفر في بوالي العظم

فالأبواب تفتح والنوافذ

بين إبهامين في الشفتين أو سبابتين

يهز كلب أو تفر دجاجة

أو تؤذن النوق العصية الحليب أو السفاد».

وهكذا ينسج من الأسطورة اليونانية والأسطورة العربية والأسطورة الريفية سبيكة أسطورته الفريدة.

بقي أن نشير إلى أن الغلاف الخلفي للكتاب يحمل صورة وكلمة على لسان زوجة الشاعر الناقدة الراحلة نفيسة قنديل، جاء فيها «عايشت قصائد محمد عفيفي مطر وعايشتني، تنطفئ وتتوهج، تحضر وتغيب، تصلني بما لم أستطع أن أسمّيه من غموض العالم واستراره. ومع ذلك قلت: ما علاقتي، أنا الناقدة المتطفلة على الشعر، بقصائد مطر التي قالت كل شيء وأحجارها بَنَت وهدمت، أشارت وأدانت، فتحت».


معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

بورخيس
بورخيس
TT

معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

بورخيس
بورخيس

في عام 1979، بطلب من «نادي القلم الفرنسي»، ألقى الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا الذي كان آنذاك قد أصبح يحظى بشهرة عالمية، محاضرة في «مركز جورج بومبيدو» بباريس حملت عنوان: «معنى الكتابة في أميركا اللاتينية». وقد بدأ محاضرته تلك بالإشارة إلى انتحار الكاتب البيروفي خوزيه ماريا أرغيداس في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1969 في قاعة بجامعة «لا مولينا» بالعاصمة ليما. وبالقرب من جثته عُثر على ورقة سجّل عليها توصياته بخصوص مراسيم جنازته، والمكان الذي سيدفن فيه، مُحدّداً اسم الذي سيلقي خطبة الوداع في المقبرة، وراجياً من صديق له عازف على الكمان أن يعزف له قبل نزوله إلى أعماق الظلمات مقاطع موسيقية يحبها. وقد حظي أرغيداس بجنازة محترمة، وتنافست مجموعات من اليسار المتطرف التي تعيش نزاعات آيديولوجية فيما بينها لحمل نعشه. وخلال الأيام التي أعقبت دفنه، عثر أيضاً على رسائل خطّ عليها وصاياه الأدبية، مُوضّحاً الأسباب التي دفعته إلى الانتحار. وقد وجّه تلك الرسائل إلى صحافيين، وكتّاب، وأساتذة، وأيضاً إلى شخصيات سياسية. في واحدة من الرسائل يعترف أنه يشعر أنه انتهى ككاتب، ولم يعدْ بإمكانه أن يُضيف أي شيء جديد لأعماله السابقة.

وفي رسائل أخرى يشير إلى أن الأسباب التي دفعته إلى الانتحار اجتماعية وأخلاقية وسياسية قائلاً بأنه كان يشعر بالحزن والغضب وهو يُعاين الحياة المُهينة التي يعيشها الهنود، والمظالم الاقتصادية المسلطة على الطبقات الفقيرة، والعنف الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة. ويقول ماريو فارغاس يوسا إن وصايا خوزيه ماريا أرغيداس تكشف بقوة ووضوح وبطريقة دراماتيكية الأوضاع والظروف التي ترافق فعل الكتابة في بلدان أميركا اللاتينية. ففي البلدان التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية، يُركز الكاتب كل جهوده على عمله ساعياً لأن يكون مُتقناً بما يرضيه ويُرضي قراءه، ويثري ثقافة بلاده. أما في بلدان أميركا اللاتينية فإن الكاتب يجد نفسه مُطالباً بتحمّل مسؤولية اجتماعية، بل أحياناً سياسية إلى جانب مسؤوليته الفنية والإبداعية. ومعنى ذلك أنه يتوجب عليه أن يُساهم بأعماله الأدبية في النشاطات الاجتماعية والسياسية ليكون الالتزام واجباً مفروضاً عليه، ولا يمكنه أن يفلت منه. ولا يقتصر هذا الأمر على الماركسيين واليساريين بتوجهاتهم المختلفة، بل هو يشمل أيضاً جل الأوساط المثقفة التي تنفر من كل التوجهات الآيديولوجية.

ماريو فارغاس يوسا

لكن لماذا يتوجب على الكتّاب والفنانين في بلدان أميركا اللاتينية أن ينشغلوا بالقضايا السياسية والاجتماعية؟ على هذا السؤال، يجيب يوسا قائلاً بأن الأمر ليس مرهوناً بالظروف الاجتماعية، وإنما لأن الأدب ظل على مدى قرون الوسيلة المثلى للتعريف بهذه الظروف، وإبراز سلبياتها. ويعود ذلك إلى أن الأنظمة السياسية على اختلاف توجهاتها دأبت على إخفائها والتستّر عليها بمختلف الطرق والوسائل، خانقة كل الأصوات المعارضة لها. فلا حديث في وسائل الإعلام الرسمية عن الظلم المسلط على العمال والفلاحين، ولا عن التعذيب الذي يتعرض له المساجين السياسيون، ولا عن الاغتيالات والجرائم السياسية. حتى الجامعات ليست مُستثناة من الرقابة ومن العقاب. وفي بلد مثل الأوروغواي تمّ غلقُ قسم العلوم الاجتماعية لأن النظام تلقّى من جواسيسه تقريراً يؤكد أن هذه العلوم تحثّ على التمرد والثورة، وتُفسد عقول الشبيبة. لكن رغم قوة وعنف أجهزة الرقابة والمنع، كان الأدب يتمكن دائماً من تبليغ رسائله، مؤثراً في الأفكار، وفي التوجّهات العامة. وغالباً ما كانت الروايات والقصائد تفلت من فخاخ الرقابة والمنع والمصادرة. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن ما يحدث مع الأدب في بلدان أميركا اللاتينية ليس ظاهرة جديدة. ففي العهود التي كانت في البلدان التي تعيش تحت الهيمنة الاستعمارية، لعب الأدب بمختلف أشكاله وفروعه من مسرح، وشعر، ورواية، دوراً أساسياً في النضالات السياسية.

خوزيه ماريا أرغيداس

جميع هذه الفروع كانت مثلما يقول ستاندال بمثابة المرايا التي فيها ترى شعوب بلدان أميركا اللاتينية واقعها وتفاصيل حياتها. وكل ما كانت تقدمه وسائل الإعلام الرسمية مشوّهاً ومبتوراً ومُزيفاً وكاذباً، وكل ما كان مُحرّماً وممنوعاً، كان الأدب يُزيل عنه كل هذا لكي يكون الواقع معكوساً بطريقة صادقة ونزيهة. وما حدث كان مُفارقاً، إذ إن «مملكة الذاتيّة تحوّلت في أميركا اللاتينية إلى مملكة الموضوعية»، و«الخيال عوّض العلم كوسيلة لوصف الحياة الاجتماعية». وبذلك أصبح الكتّاب يعتقدون أن مهمة الأدب هي توثيق الواقع، والبحث عن الحقيقة الضائعة والمُغيّبة. وكان الكتّاب من أصول هندية، أو من المنتصرين لقضيتهم هم أول من فضح الظروف البائسة والمهينة التي يعيشها مزارعو الجبال والقرى النائبة التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وإدانة ما يتعرضون له من مظالم من قبل كبار ملاّكي الأراضي. وكانت أول هؤلاء الكتاب امرأة تدعى كلوريندا ماتّو دو تونير كانت قد تأثرت بروايات إميل زولا وبأفكار الفلاسفة الوضعيين.

في روايتها «العصافير من دون عشّ» ترسم دو تنير صورة حيّة لحياة المزارعين الهنود من زوايا مختلفة، مُعريّة مختلف أشكال الظلم والتعسف التي تسمم حياتهم اليومية وهم يعملون في الحر وفي البرد من أجل الحصول على قوتهم اليومي الذي لا يُشبع جوعهم، وجوع عائلاتهم. لذلك يرى ماريو فارغاس يوسا أنه ليس بإمكاننا أن نتعرف على التاريخ الزراعي لبلدان أميركا اللاتينية ولا على المصير المأساوي للهنود منذ نهاية الهيمنة الاستعمارية، من دون العودة إلى الرواية الهندية لأنها «الشاهد الوحيد» على كل هذا. لذلك يمكن القول إن الكتّاب كانوا صحافيين ونشطاء اجتماعيين وسياسيين منحوا الأدب مواصفات وأدواراً جديدة وغير مسبوقة في بلدان أميركا اللاتينية. وعندما عاينت الخطر الذي يمثله الأدب، شرعت الأنظمة المدنية والعسكرية في بلدان أميركا اللاتينية تُلاحق الكتاب والشعراء، وترمي بهم في السجون، بل وتغتالهم في ظلمة الليل. وهذا ما حدث في الشيلي، وفي الأوروغواي، وفي الأرجنتين. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن الالتزام في الأدب لا يعني أن الكاتب الذي يخضع له يمكنه أن يُبدع عملاً جيداً على المستوى الفني.

الأسباب التي دفعت أرغيداس إلى الانتحار شعوره بالغضب تجاه المظالم الاقتصادية المسلطة على الفقراء، وعنف الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة

وهذا ما حدث مع العديد من الكتاب الذين التزموا بقواعد ما سمّاه غدانوف بـ«الواقعية الاشتراكية» التي أنتجت أدباً سطحياً ومبتذلاً، وغريباً عن الفن في مفهومه العميق. وبسبب الضغوط الاجتماعية والسياسية، سقط في فخ الواقعية الاشتراكية كُتّاب وشعراء من بلدان أميركا اللاتينية. وتلك الأعمال التي كتبوها وهم على عجلة من أمرهم لالتقاط اللحظة الهاربة، لم تُعمّر طويلاً، بل سرعان ما جرفها الزمن ليضعها في رفوف التاريخ الاجتماعي والسياسي وليس في رفوف الأدب. إلاّ أن كتّاباً آخرين من أميركا اللاتينية التزموا بالقضايا الكبرى لمجتمعاتهم لكنهم أبدعوا أعمالاً رفيعة على المستوى الفني، مُدركين أن الأدب الحقيقي لا يمكن أن تصنعه العواطف الأكثر نبلاً وإنسانيةً. ثم إن الأدب الحقيقي بالنسبة لهم «يُقدّمُ الهواجس والبديهة والاستبصار على الأفكار»، وحقيقته «لا تخْضعُ لتشابهه مع الواقع، وإنما بقدرته على أن يتشكل على صورة مغايرة للنموذج وللمثال». والأدب لا يهتم بالأحداث اليومية والفورية بل هو «ينغرس في واقع دائم الاستمرار». لذا بإمكاننا أن نقرأ هوميروس أو دانتي أو سارفانتس أو أوفيد أو فرجيل كما لو أنهم مُعاصرون لنا. ومصادر الأدب تنزل بعيداً في أعماق التجربة الإنسانية الغامضة لا للدفاع عن آيدويولوجيا أو عن عقيدة أو عن دين، وإنما لتقويض أسس كل هذا لكي يكون الإنسان أكثر حريةً في اختياراته وفي أفكاره. كما أن مهمة الأدب ليست مقاومة الأنظمة الفاسدة والديكتاتورية وإنما هو نقيض لكل ما هو موجود.

وقد ابتكر البعض من كُتّاب أميركا اللاتينية ما أصبح يُسمى بـ«الواقعية السحرية». وهؤلاء الكتّاب لا يهتمون بإبراز ظواهر المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وإنما هم يلجأون إلى الخيال في أقصى مدّ لجموحه لاستكشاف رؤى وكوابيس وأحلام وعوالم غريبة وعجائبية. لكن لا يعني ذلك هروباً من الواقع، وإنما يعني ابتكار أدوات فنية عالية وجديدة لتصوير هذا الواقع الذي غالباً ما يفلت عن أولئك الذين يتوقّفون عند السطح لأنهم لا يمتلكون القدرة للذهاب أبعد من ذلك. وقد تجسدت هذه «الواقعية السحرية» في قصص الفنزويلي سالفادور غارمانديا التي رسم فيها صورة مُرعبة للحياة في شوارع كاراكاس، وفيها كشف أوهام الطبقات المتوسطة وأحلامها الضائعة. وفي الرواية اليتيمة للمكسيكي خوان رولفو: «بيدرو باراما» تتكلم الكائنات من العالم الآخر، ومن القبور تخرج أصوات الموتى لتكشف حقائق كانت مجهولة ومُغيّبة. وقد بدا الأرجنتيني خوليو كورتثار بأعمال لا تهتم كثيراً بواقع بلاده، لكنه كان مختلفاً في روايته «كتاب مانويل»، إذ أنه يمضي فيه بعيداً في استكشافات الخيال ليبرز ما هو مظلم في واقع ظنّ القراء والنقاد أنه غير مبال به، متطرقاً إلى مواضيع مهمة مثل المنفى، والديكتاتورية، والإرهاب السياسي والآيديولوجي. أما الأرجنتيني الآخر خورخي لويس بورخيس فقد رسم لنفسه مساراً مختلفاً عن مسارات كتّاب أميركا اللاتينية. وجل قصصه تتطرق إلى مواضيع أدبية وميتافيزيقية ودينية وسايكولوجية مستكشفاً الواقع الإنساني من زوايا مختلفة سامحاً لخياله بالذهاب إلى أقصى حدوده الممكنة. وبين وقت وآخر يدلي بورخيس بتصريحات تعكس أفكاراً يعتبرها أهل اليسار «رجعية ومحافظة»، بل «مؤيدة للأنظمة الديكتاتورية وللكنيسة» إلاّ أن يوسا يعتقد أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في التهكم والسخرية من يسار يعيش أوهاماً وأكاذيب تحجب عنه حقائق الوقع، وتُعمي بصيرته فلا يرى حركة التاريخ في مسارها الطبيعي بل في مسارها الآيديولوجي. كما أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في أن يزداد توغلاً في وحدته، منصرفاً إلى الكتابة فلا يصرفه عنها أي موضوع آخر من أي صنف كان.


طيْفُها والمُدُنُ القزحية

طيْفُها والمُدُنُ القزحية
TT

طيْفُها والمُدُنُ القزحية

طيْفُها والمُدُنُ القزحية

​(لو الشعر يخفف من الحديث اليومي المرير عن الحرب)

وألقاكِ في كلِّ زاويةٍ

وردةً بالنَّدى تستحِمُّ

كأنّكِ والفجر صِنوانِ..

هذا بهيجُ المحيّا،

رقيقُ الحواشي

وأنت الوعودُ التي..

يشتهيها المحِبّونَ

عند انبثاقِ الأماسي!

وأحلُمُ أنّكِ مرْمَى ذراعٍ

وأنّكِ ساريةٌ في حواسِّي!

تردِّينَ عن جبهتِي لفحةَ البرْدِ

أطويكِ في معطفِي ..

من فضولِ العيونِ الغريبةِ

والحافلاتِ التي لا تنامْ!

وأحلُمُ ..

أحلُمُ أنِّي وإيّاكِ في المدنِ القزحيّةِ

نضفرُ حُلوَ الأماني دِثاراً

ونفرشُ حلْوَ الكلامْ !

أصدِّق أنّ الخيالَ ارتدى ثوبَه..

زارني!

وأنكِ لسْتِ وراءَ البحارِ..

الجبالِ، المسافاتِ..

لكنْ جواري!

وأنّي جواركِ

أكبُتُ نار الهوى وأداري

وأفغرُ فاهي..

أهمُّ ببعضِ الكلامِ، الحروفِ

أرتّبُ ذاتي التي بعثرتها..

عيونُكِ عند الوداعْ!

أزوِّدُ نفسي ببعضِ ابتسامٍ

وأفردُ كلَّ الأماني شراعْ

وأفغرُ فاهي..

أهمُّ ببعضِ الكلامِ

لعلي مثالاً أقول:

رموشكِ لمّا تزلْ قدراً فاتكاً..

فاحبسيها!

وأنكِ - عفواً -

سمواتُ حسنٍ أحدِّقُ فيها!

لعلي أقول:

بلادي - بلادُكِ في غربةِ الدّارِ..

أنسجُها حُلّةً فالبسيها!!

أفكّرُ في نكتةٍ أو طرائفَ

إنْ قلتُها لاحَ من فِيكِ برقٌ

وراقَ الحليبُ بأسنانكِ العاجْ!

أجدّفُ عبْرَ الشّواطئ في مقلتيكْ!

وأرمِي بنفسي إليكْ

فألقاكِ منِّي.. وبعضِي

وألقاكِ حزنِي وسعْدي!

أراهِنُ نفسي بأنّ الوعودَ الجميلةَ..

تخبو إذا أنتِ لبّيْتِ وعْدي!

وأنسى جميعَ القصائدِ

حين تطلّينَ كالمُهرةِ البكرْ

صمتك شعرْ

ووقْعُ خطاكِ قصيدة!

أحاوِرُ ظلَّ الأماني العنيدةْ

وأغرقُ في الحُلُمِ الحلوِ..

في الوهْمِ..

في الأمنياتِ السعيدةْ

وأصحو لألقاكِ..

في المدنِ البارداتِ خيالاً

وألْقَى بلادي بعيدةْ!


رأس المال الثقافي

عبد العزيز البابطين
عبد العزيز البابطين
TT

رأس المال الثقافي

عبد العزيز البابطين
عبد العزيز البابطين

الشاعر المصري الساخر محمود غنيم، حاول الترويح عن صديق له سُرقت محفظته بقوله:

هوِّن عليك وجفِّف دمعك الغالي

لا يجمع الله بين الشعر والمال.

أما زميله إبراهيم المازني الكاتب البائس ذائع الصيت، فقد اضطرته ظروف الفقر إلى بيع مكتبته -وهي أعز ما يملك الكاتب- وحينما ذهب ذات يوم لشراء بعض الزيتون، فوجئ بأن الورقة الملفوفة به لم تكن سوى ورقة من أوراق أحد مؤلفاته!

هذا التبخيس لقيمة الثقافة والإبداع في العالم العربي، تقابله صورة نقيضة في مجتمعات أميركا وأوروبا، كشف عنها تقرير نشرته شركة «ويلث إكس» سنة 2018، عن تتبع رؤوس الأموال في العالم، في تبرعات الخيِّرين من الأثرياء الذين تبلغ ثروة الواحد منهم ثلاثين مليون دولار، قد منحوا -وقتها- نحو 153 مليار دولار للأعمال الخيرية في العالم. ويؤكد التقرير أن ما قدمه هؤلاء الأثرياء يعادل إجمالي إنفاق الحكومة الفيدرالية الأميركية على الرعاية الصحية والتعليم والثقافة، بينما لم يتجاوز ما قدمه أثرياء منطقة الشرق الأوسط بما فيهم أثرياء العالم العربي 5 في المائة من إجمالي تبرعات الأثرياء في العالم!

من هنا تكمن أهمية ما قدمه عبد العزيز البابطين من دعم للتعليم والثقافة والإبداع الشعري، قياساً على نظرائه من أثرياء العرب الخيِّرين، أمثال: رجل الأعمال السعودي عبد المقصود خوجة، والإماراتي سلطان العويس، والكويتية الدكتورة سعاد الصباح، والفلسطيني عبد المحسن القطان، والفلسطيني الآخر عبد الحميد شومان، عبر مجالسهم، ومطبوعاتهم الثقافية، وجوائزهم العلمية والأدبية.

هؤلاء هم من يشملهم مصطلح «رأس المال الثقافي» الذي صكه بيير بورديو عالم الاجتماع والمنظر الثقافي الفرنسي، على أنه «رأسمال رمزي» يحصل عليه الأفراد والنخب الثقافية أو المؤسسات، وهو مجموع القدرات والمواهب المتميزة للحائزين عليها من الأثرياء، بتفوقهم وحضورهم، إضافة إلى ما يحصلون عليه من مكاسب مادية، وبذلك يحظون بالمكانة الاجتماعية داخل الحقل الثقافي، وبهذا يحصلون على رأسمال اجتماعي، يتمثل في مدى تأثير الثري المحسن في المجال العام، وهو بهذا يحصل في نهاية المطاف على رأسمال رمزي، من شهادات وأوسمة وألقاب، نظير ما اقتطعه من رأسماله المادي في دعم المشروعات التنموية المختلفة.

يقول بيير بورديو في آخر فصل من كتيِّبه «الرمز والسلطة» المعنون بـ«الرأسمال الرمزي والطبقات الاجتماعية»: «أن تكون نبيلاً معناه أن تبذر، محكوماً عليك بالرفه والبذخ، وقد احتد الميل إلى التبذير رداً على الارتقاء الاجتماعي للأثرياء الجدد... في قرون مضت، فما الذي يميز الفارس الأصيل عن حديث النعمة؟

ذلك أن الثاني بخيل، أما الأول فهو نبيل؛ لأنه يصرف كل ما لديه بكامل الانشراح، وإن كان مثقلاً بالديون».

من هنا ندخل إلى سيرة عبد العزيز البابطين الذي قادته الحاجة إلى المال والترقي الاجتماعي نحو العمل أميناً لمكتبة مدرسة ثانوية الشويخ سنة 1954، مدفوعاً بتعشقه الشعر النبطي، مقتدياً بأخيه الأكبر عبد اللطيف البابطين الذي ألف –وقتها- مختاراته (معجم شعراء النبط). هذا، وقد تمكن عبد العزيز من تنظيم وقته، بالعمل صباحاً في أمانة المكتبة، وعصراً بفتح دكان في حولي، وليلاً الدراسة النظامية، حتى حاز شهادة الثانوية العامة. وإذ تمكن من مراكمة رأسماله المادي، عبر حصوله على وكالات تجارية أجنبية، وجد نفسه يعود إلى عشقه القديم بقراءة الشعر العربي الفصيح، ونظم قصائده على النمط الخليلي.

ومنذ سنة 1989 فاجأ المجتمع الأدبي في العالم العربي بإطلاق «جائزة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري» في القاهرة، مستعيناً بعلاقات مَن أصبح أمينها العام (عبد العزيز السريع، وهو الكاتب المسرحي) بأدباء وشعراء العالم العربي؛ حيث وُزعت الجوائز على الفائزين بها لأول مرة في مايو (أيار) من عام 1990، وكانت سنوية حتى عام 1992؛ حيث رُفعت بعد ذلك العام إلى قيمتها الحالية وصارت تُمنح مرة واحدة كل سنتين.

وقد تطورت الجائزة إلى مؤسسة، وأصبح من أهدافها:

إقامة مسابقة عامة في الشعر العربي ونقده، مرة واحدة كل سنتين، ضمن دورات المؤسسة، وتكريم المبدعين في هذه المجالات، وإصدار سلسلة «معاجم البابطين» لشعراء العربية المعاصرين والراحلين، وإصدار مطبوعات عن شعراء دورات المؤسسة بالتزامن مع إقامتها، تتضمن: دواوينهم وأعمالهم الإبداعية الأخرى، وأبحاثاً عن سيرهم وأدبهم، وإقامة ندوة أدبية مصاحبة للدورة عن شاعرها تتضمن أبحاثاً عن بعض قضايا الشعر ونقده، وأخرى لحوار الحضارات والثقافات والأديان، وإقامة ملتقيات شعرية نوعية مختلفة، ومنها ملتقى الشعر النبطي، وإنشاء مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي والدراسات الأدبية والنقدية والتاريخية المتصلة بالشعر والشعراء، وإنشاء المكتبة السمعية للشعر العربي، من خلال تسجيلات صوتية ومرئية لمختارات من قصائد شعراء العربية القدامى والمعاصرين، بأصوات فنانين وإذاعيين، والاتصال بأساتذة أقسام اللغة العربية في الجامعات العربية، وأقسام الاستشراق في الجامعات الأجنبية، وإيجاد فرص للتعاون معهم فيما يهم الشعر العربي إبداعاً ونقداً ودرساً.

بيير بورديو

مركز حوار الحضارات

بعد أحداث التفجير الأول لمركز التجارة العالمي في نيويورك سنة 1993، تعرضت صورة الإسلام والعرب لهجمة شرسة من الدوائر السياسية والوسائل الإعلامية في أميركا وأوروبا. وجدنا عبد العزيز البابطين يوظف رأسماله المادي والاجتماعي والثقافي والرمزي توظيفاً ذكياً، بإنشاء مركز لحوار الحضارات سنة 1994، عاملاً على إحياء نشاط ثقافي وشعري في قرطبة، برعاية الملك الإسباني خوان كارلوس في «دورة ابن زيدون» عشيق ولادة بنت المستكفي، الشاعرة الجميلة التي مكَّنت عاشقها من صحن خدها! مستثمراً هذه الدلالة الرمزية في التعايش العربي الإسباني، قبل حلول محاكم التفتيش الكنسية المظلمة والظالمة، في تاريخ الحوار الحضاري بين العرب والغرب، وما تأتَّى عنها من منع الصلاة في مسجد قرطبة. وأتذكر هنا حين قمنا بزيارته -وقتذاك- وكذلك قصر الحمراء الباهر بطرازه المعماري، كيف عمل عبد العزيز البابطين على تصحيح مفاهيم المرشدين السياحيين المضللة، بتعديل النظرة الغربية المعاصرة إلى الشخصية العربية، بإضافة البعد الثقافي العربي والإسلامي المغيب في الجنوب الأندلسي، على ألسنة المرشدين السياحيين.

ونظراً لما حققه البابطين من استثمار رأسماله المربع (المالي والاجتماعي والثقافي والرمزي) دعاه رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ميروسلاف لا شجاك في السابع من سبتمبر (أيلول) 2017 إلى إلقاء كلمة من على منبر الأمم المتحدة بنيويورك، بعد لقاء أجراه البابطين مع المعهد العالمي للسلام. وقد تمركزت كلمته حوله، مؤكداً على الدعوة إلى التعايش بين الشعوب، والحوار بين الحضارات، ودعم الروابط بين الثقافة والسلام مادياً ومعنوياً، بحضور مندوبي الدول في الأمم المتحدة، وممثلي الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

وكذلك دُعي البابطين إلى التحدث في جامعة أكسفورد؛ حيث دعم فعالية ثقافية وأكاديمية في هذه الجامعة العريقة، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة «اليونيسكو»، أنقذ في إطار ذلك وقفية قديمة لتعليم اللغة العربية، كانت قائمة فيها منذ سنة 636م في سياق دعمه السخي لبرامج تعليم اللغة العربية في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وأميركا والصين، وعدد من جمهوريات آسيا الوسطى، ولم يستثنِ جزر القمر النائية من هذه البرامج، بابتعاث مئات من الطلبة من تلك البلدان إلى تعلم اللغة العربية في بعض الجامعات العربية.

هكذا استثمر عبد العزيز البابطين في الرأسمال الثقافي، فأصبح بفضل ذلك وسيطاً بين الدول بعدما كان بائعاً جوالاً! وذلك بإتقانه توجيه هذا الرأسمال في المجال العام، بوصفه محركاً يمنح الفرد قوة اجتماعية، واحتلاله موقع التأثير المعنوي؛ لا داخل المجتمعات العربية والإسلامية وحدها؛ بل والعالمية. لذلك حصل على رأسمال رمزي شعَّ بالأوسمة والألقاب وشهادات الدكتوراه الفخرية، كاسراً بذلك تشاؤم الشاعر محمود غنيم، بجمع عبد العزيز البابطين الفريد بين الشعر والمال، وبين الرأسمال المادي والرأسمال الثقافي.


وفاة الموسيقار المصري حلمي بكر عن 86 عاماً

مصطفى كامل يصطحب حلمي بكر أثناء ترشحه لمنصب نقيب الموسيقيين عام 2022 (الشرق الأوسط)
مصطفى كامل يصطحب حلمي بكر أثناء ترشحه لمنصب نقيب الموسيقيين عام 2022 (الشرق الأوسط)
TT

وفاة الموسيقار المصري حلمي بكر عن 86 عاماً

مصطفى كامل يصطحب حلمي بكر أثناء ترشحه لمنصب نقيب الموسيقيين عام 2022 (الشرق الأوسط)
مصطفى كامل يصطحب حلمي بكر أثناء ترشحه لمنصب نقيب الموسيقيين عام 2022 (الشرق الأوسط)

قال نقيب الموسيقيين المصريين، مصطفى كامل: إن الموسيقار حلمي بكر توفي، مساء اليوم (الجمعة)، عن عمر ناهز (86 عاماً) بعد مشوار طويل قدم خلاله مئات الألحان لأبرز المغنين المصريين والعرب.

وكانت حالته الصحية قد تدهورت خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وتلقى الرعاية الطبية في أحد المستشفيات قبل أن يكمل العلاج في المنزل، وفقاً لوكالة «رويترز».

وُلد حلمي عيد محمد بكر في ديسمبر (كانون الأول) عام 1937 وتخرج في المعهد العالي للموسيقى العربية، كما حصل بالتوازي على بكالوريوس في التجارة، ثم عمل معلماً للموسيقى في إحدى المدارس قبل أن يستقيل ويتفرغ للموسيقى.

لحّن لكبار المطربين أمثال ليلى مراد، ووردة الجزائرية، وفايزة أحمد، ونجاة الصغيرة، وماهر العطار، وياسمين الخيام، ومحمد رشدي، وأصالة نصري، وسميرة سعيد، وعماد عبد الحليم، ومدحت صالح وغادة رجب.

ووضع موسيقى الكثير من المسرحيات، منها «حواديت» لفرقة «أضواء المسرح»، و«سيدتي الجميلة» لفؤاد المهندس وشويكار، و«موسيقى في الحي الشرقي» لسمير غانم وصفاء أبو السعود.

وفي السينما، وضع موسيقى أفلام، من بينها «شيء من العذاب» و«المجانين الثلاثة» و«احترسي من الرجال يا ماما» و«لمن تشرق الشمس» و«النشالة» و«آخر الرجال المحترمين».

شارك في تلحين فوازير رمضان على مدى أكثر من 15 عاماً؛ إذ قدم مع نيللي «الخاطبة» و«أم العريّف»، ومع شريهان «حول العالم»، ومع يحيى الفخراني «المناسبات».

وكان الراحل عضواً دائماً في اللجنة التحضيرية لمهرجان الموسيقى العربية ورئيساً شرفياً لنقابة المهن الموسيقية.


«العويس الثقافية» تحتفي بالفائزين في دورتها الـ18

الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة الإماراتي يكرم الروائي والمسرحي البحريني أمين صالح (الشرق الأوسط)
الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة الإماراتي يكرم الروائي والمسرحي البحريني أمين صالح (الشرق الأوسط)
TT

«العويس الثقافية» تحتفي بالفائزين في دورتها الـ18

الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة الإماراتي يكرم الروائي والمسرحي البحريني أمين صالح (الشرق الأوسط)
الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة الإماراتي يكرم الروائي والمسرحي البحريني أمين صالح (الشرق الأوسط)

احتفلت مساء الخميس «مؤسسة سلطان العويس الثقافية» في دبي بتوزيع جوائز الفائزين في الدورة الـ18 بحضور شخصيات فكرية وثقافية إماراتية وعربية، بينهم الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة الإماراتي، والدكتور أنور محمد قرقاش رئيس مجلس الأمناء، وعدد من ضيوف الجائزة.

وفاز بجوائز الدورة الـ18 لـ«مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية» كل من: الشاعر المصري حسن طلب، والروائي والمسرحي البحريني أمين صالح، والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، والمفكر والمترجم المغربي الدكتور عبد السلام بن عبد العالي.

د. أنور محمد قرقاش رئيس مجلس أمناء «مؤسسة سلطان العويس الثقافية» خلال إلقاء كلمته (الشرق الأوسط)

مجلس الأمناء

وقال الدكتور أنور محمد قرقاش، رئيس مجلس الأمناء، إن الفائزين في هذه الدورة هم من «المبدعين الذين أثروا المشهد المعرفي والثقافي العربي بأفكارهم وأعمالهم المتميزة».

وقال إن «الثقافة هي الروح التي تزدهر بها الحضارات، وهي الهوية التي تُعطي الدول والشعوب هويتها وتميُّزها، وهي التي تُعزز التفاهم والتواصل بين الناس، وتُمهد الطريق للتعايش والانفتاح في عالم متنوع بثقافاته وإبداعاته».

وأضاف قرقاش: «لطالما كانت دولة الإمارات مؤمنة بأن الثقافة والإبداع طريق رئيسية من طرق التطور والتقدم، ولطالما كان المبدعون والمثقفون محل تقدير واحترام، ومن هنا كانت وما زالت (مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية) سباقة إلى تكريمهم والاحتفاء بهم، فالأمم التي تحتفي بمبدعيها ومثقفيها هي الأمم الحية القادرة على مواصلة التنمية والازدهار».

وتحدث رئيس مجلس الأمناء عن دور «مؤسسة العويس» في إثراء الثقافة العربية، وقال: «لقد دأبنا في (مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية) على مواكبة النشاط الإبداعي العربي؛ منطلقين من قيم راسخة في مجتمعنا، قيم متوارثة من الآباء المؤسسين، الذين رأوا في الثقافة عاملاً حيوياً لبناء المجتمع وتنميته وفتح آفاق واسعة له من النهضة والتطور».

وأضاف: «أستذكر هنا مآثر المغفور له سلطان بن علي العويس الذي قدم نموذجاً نعتز به لرجل الأعمال المثقف والمدرك أهمية الثقافة والفكر، وضرورة دعم المبدعين والمتميزين، فقد كان (رحمه الله) نعم المثال والقدوة لرجال الأعمال وللقطاع الخاص وتحفيزهم على إثراء الحركة الثقافية والفكرية».

مجلس أمناء «جائزة سلطان العويس الثقافية» مع الفائزين في الدورة الـ18 (الشرق الأوسط)

كلمة الفائزين

وألقى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم كلمة الفائزين بـ«جائزة سلطان العويس الثقافية»، وقال فيها: «إن هذه الجائزة شقت طريقها بقوة في المجتمع الثقافي العربي، وابتكرت لها هوية لا غبار حولها منذ انطلاق دورتها الأولى في عام 1988، وبقيت أمينة على التعبير عن الهدف الأسمى الذي أعلنته منذ البداية، وهو (تشجيع الأدباء والكتاب والمفكرين والعلماء العرب، وتكريمهم؛ اعتزازاً بدورهم في النهوض الفكري والعلمي في مجالات الثقافة والأدب والعلم في الوطن العربي)».

وأضاف: «ارتبطت الجائزة بنخبة من خيرة الأدباء والمفكرين العرب، وكان لهم أعظم الأثر في تنشيط الفعل الإبداعي والثقافي، وزاد عددهم على مائة فائز بها».

وزاد: «إذ اصطفت (جائزة سلطان العويس الثقافية) المبرزين من أبناء الثقافة العربية، واعترفت بهم، فقد بادلوها الاعتراف في أنهم خلعوا عليها القيمة السامية بآثارهم الرفيعة، وأعمالهم القيمة، وكان اعترافاً متبادلاً منقطع النظير بين الجائزة والفائزين بها لم يطعن فيه أحد؛ ذلك أنها كانت جريئة في البحث عمن يستحق حملها، ولم تخف هدفها في الذهاب إلى أصحاب الاستحقاق».

د. ميساء الخواجة تلقي كلمة لجنة التحكيم في «مسابقة سلطان العويس الثقافية»

لجنة التحكيم

وألقت الدكتورة ميساء الخواجة كلمة لجنة التحكيم، وأوضحت فيها أن اختيار الشاعر المصري حسن طلب لـ«جائزة الشعر»؛ جاء لأن اللجنة رأت «في تجربته فرادة وغزارة وتنوعاً، إضافة إلى وجود مشروع شعري متكامل ومتنامٍ لديه يتسم بالتجريب ويمازج بين الشعرية والصوفية والرؤى الفلسفية».

كما قررت اللجنة فوز القاص البحريني أمين صالح بـ«جائزة القصة والرواية والمسرحية»؛ وذلك «لامتلاكه تجربة إبداعية مغايرة، تمثلت فيما كتب من قصص قصيرة ونصوص وأعمال أخرى تدل على أنه متنوع الثقافة متعدد الاهتمامات».

وبالنسبة إلى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، فقد فاز بجائزة الدراسات الأدبية والنقد، حيث رأت لجنة التحكيم أن مؤلفاته «تتسم بوضوح الرؤية المنهجية والانشغال بموضوع السردية العربية ومنجزاتها وسياقاتها المتحولة، والاهتمام بالقضايا الثقافية، وإعادة تأمل العلاقة بين الشرق والغرب».

وبشأن فوز المفكر المغربي الدكتور عبد السلام بن عبد العالي بـ«جائزة الدراسات الإنسانية والمستقبلية»، فقد رأت لجنة التحكيم أنه «من رواد المدرسة التفكيكية في الثقافة العربية، وهو يرى في الأدب والكتابة والترجمة مداخل مهمة للفلسفة. وتتميّز أعماله بأسلوب سهل يقارب بين المتخصّص وغير المتخصّص».

وكان قد بلغ عدد المرشحين في كل الحقول 1861 مرشحاً، حيث تقدم إلى «جائزة الشعر» 231 مرشحاً، وللقصة والرواية والمسرحية 490 مرشحاً، أما الدراسات الأدبية والنقد فكانوا 290 مرشحاً، والدراسات الإنسانية والمستقبلية 485 مرشحاً، وفي الإنجاز الثقافي العلمي 270 مرشحاً.

وفاز بالجائزة خلال الدورات السابقة 101 أديب وكاتب ومفكر عربي، فضلاً عن 5 مؤسسات ثقافية مرموقة أسهمت في نشر الثقافة والمعرفة، وحكّم في حقولها أكثر من 270 محكماً واستشارياً من مختلف المشارب الثقافية.

وتبلغ قيمة الجائزة لكل حقل من حقولها 120 ألف دولار أميركي.


معرض مسقط للكتاب يواصل برامجه الثقافية

من الفعاليات الثقافية في معرض مسقط للكتاب.
من الفعاليات الثقافية في معرض مسقط للكتاب.
TT

معرض مسقط للكتاب يواصل برامجه الثقافية

من الفعاليات الثقافية في معرض مسقط للكتاب.
من الفعاليات الثقافية في معرض مسقط للكتاب.

يواصل معرض مسقط الدولي للكتاب، فعالياته الثقافية، وسط حضور لافت للجمهور في أروقة المعرض الذي تشارك فيه 847 دار نشر تمثل 34 دولة، ويستمر حتى يوم السبت المقبل.

تجارب في الترجمة

وأقيمت أمس جلسة حوارية حول دور الباحث الغربي المستعرب في دراسة ونقل النصوص العربية إلى لغات أجنبية وسلطته على اللغة التي يترجم لها النص.

وتحدث المترجم البروفسور بيار لارشيه عن تجربته في ترجمة عددٍ من الأعمال الأدبية العربية وخاصة الشعر العربي القديم، قائلاً: «إن الترجمة عمل صعب سواء كنتَ تُترجم لأسباب اجتماعية أو ثقافية، فهو تحدٍّ بالدرجة الأولى ومن التحديات التي يواجهها أثناء الترجمة أيضاً إيجاد الكلمات المناسبة في اللغة الفرنسية التي يمكن أن تعبر عن النص؛ ففي كثير من الأحيان لا تتضمن اللغة الفرنسية كلمات مشابهة في اللغة العربية؛ مما يجعل المترجم يلجأ إلى إعادة صياغة الكلمات العربية».

وأوضح أنه في ترجمته للعديد من الأعمال الشعرية وتحديداً الشعر الجاهلي فإنه يحاول أن يحافظ على شعرية النصوص رغم ممارسته سلطته على النص خلال الترجمة؛ فهو يحدث عليها تغيرات في القافية أو الوزن أحياناً.

من جانبه، قال المترجم ستيفان ويندر إنه يسعى دائماً لنقل النص العربي المترجم كما هو ويركز على المصطلحات بشكل كبير بسبب وجود اختلاف في الترجمات ما بين ترجمة الشعر أو الرواية أو غيره، مع ضرورة مراعاة وجوب نقل الثقافة دون تغيير بسبب نقلها لمجتمع ولثقافة جديدة كلياً.

وأشار إلى أنه يجب أيضاً مراعاة الوقت والفترة الزمنية التي نترجم لها؛ فكل جيل يحتاج إلى إعادة ترجمة للأعمال الأدبية؛ فالبعد الزمني والثقافي يقوم بدور حين تخاطب جمهوراً جديداً بأعمال قديمة، مشيراً إلى حاجة المترجم لمساعدة المعاجم القديمة والحديثة حتى يكون لديه إلمام بالمفردات دون المساس بمعناها الأصلي.

وأوضح أن المترجم يسيطر على النص ولو لم يكن يريد ذلك؛ فالنص صامت ومكتوب وعلى المترجم استخراج لغته التي يترجم إليها؛ فبعض الكلمات غير موجودة في قاموس اللغة المترجم إليها لكن تبقى علاقة المترجم بالنص علاقة أخلاقية معقدة، ولكن هناك ضرورة لإعطاء النص الأصلي حريته دون المساس بها في الوقت نفسه، محاولاً إيجاد لغة جديدة، وهو ما يقصد به الإبداع في اللغة.

وأكد على أن المترجمين نجحوا في نقل الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة إلى ثقافات أخرى، فإنه لا توجد ترجمات قديمة للأدب العربي للغات أجنبية ولكن اليوم هناك أكثر من 500 عمل أدبي عربي مترجم إلى اللغة الألمانية.

جلسة حوارية بعنوان «الكتاب الصوتي في منصة عين نحو تعزيز الثقافة الرقمية» ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض مسقط الدولي للكتاب.

الكتاب الصوتي

وأقيمت مساء أمس جلسة حوارية بعنوان «الكتاب الصوتي في منصة عين نحو تعزيز الثقافة الرقمية» أدارها خلفان العامري، وشارك كل من: سيف الشيذاني وأحلام البلوشية من منصة عين.

وتحدث سيف الشيذاني خلال الجلسة عن المعايير التي من خلالها يتم اختيار الكتب الصوتية التي منها: الأهمية العلمية والتاريخية والفئات المستهدفة وأيضاً التنوع، كما تحدث بالتفصيل عن مراحل إنتاج الكتاب بدءاً من اختياره ثم تدقيقه لغوياً ثم اختيار الشخص المناسب لقراءة هذا الكتاب.

وأوضح أن اختيار القارئ أيضاً يتم بناءً على معايير محددة، منها تناسبه مع المادة المقروءة، فالروايات مثلاً تحتاج إلى دور قادر على الأداء الدرامي، والأعمال ذات الطابع التاريخي تحتاج إلى طبقة صوت فخمة، وأعمال الأطفال تحتاج إلى أصوات ذات نبرات خاصة، كما أن من معايير اختيار القارئ أيضاً التمكن اللغوي والنطق الصحيح لمخارج الحروف.

من جانبها، تحدثت أحلام البلوشية عن نماذج الكتب الصوتية الموجودة في المنصة، مشيرة إلى أن أقصى مدة لكتاب موجود في المنصة هي 12 ساعة وهو كتاب الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني، بينما بلغت أقصر مدة نصف ساعة وهي لكتاب في أدب الطفل.

«آفاق المعرفة»

وأطلقت وزارةُ الثقافة والرياضة والشباب برنامج إدارة المكتبات «آفاق المعرفة»

بمعرض مسقط الدولي للكتاب، حيث يأتي إطلاق البرنامج في إطار سعي الوزارة للاهتمام بقطاع المكتبات والمراكز الثقافية الأهلية لتطوير بنيتها الأساسية والارتقاء بالخدمات المعرفية التي تقدمها للمجتمع، وتحقيقاً لرؤية عُمان 2040 والاستراتيجية الثقافية من خلال تفعيل الدور الثقافي للمؤسسات الأهلية وتوظيف التكنولوجيا لدعم برامج ومشروعات القطاع الثقافي وتطوير الإجراءات الإدارية المرتبطة بالعمل الثقافي.

وعملت الوزارة على توفير نظام (آفاق المعرفة) للمكتبات التابعة لها والمكتبات والمراكز الثقافية الأهلية، حيث يبلغ عدد المكتبات الأهلية المسجلة (61) مكتبة، و(8) مراكز ثقافية أهلية بمختلف محافظات سلطنة عُمان.

ويتمثل البرنامج في كونه نظاماً رقميًّا متخصصاً في إدارة المكتبات يناسب المكتبات بمختلف أحجامها، والأعمال الإدارية الخاصة بها، كما أنه يتميز بتحرير آمن للبيانات، وتعدد مستويات المستخدمين وبناء صلاحيات الدخول، ويحتوي على سجل الاجتماعات المقامة والمستقبلية، وهو من البرامج الأكثر انتشاراً في سلطنة عُمان لإدارة المكتبات، مبني على لغة PHP وقاعدة بيانات MySQL ويقدم البرنامج العديد من الخدمات المتقدمة والمستحدثة للمكتبات، لا سيما الدعم الكامل لتكتلات أو تجمعات المكتبات والفهارس الموحدة عبر القدرات الفائقة على دمج أنظمة إدارة المكتبات للأعضاء في نظام واحد وقاعدة بيانات واحدة مع المحافظة الكاملة على خصوصية كل مكتبة وسرية البيانات والمعلومات الخاصة.

ويتميز البرنامج في التحكم الكامل في حسابات المستخدمين وفهرسة مصادر المكتبة بمختلف تصنيفاتها وتسهيل عمليات الإعارة والحجز والمتابعة وأرشفة الحجوزات والاجتماعات والأنشطة، وأهداف تطبيق برنامج آفاق المعرفة وتعزيز دور المكتبات والمراكز الثقافية الأهلية في توفير المعرفة، ومصادر المعلومات وتعزيز ثقافة القراءة والتعلم في المجتمع، وتطوير الخدمات المقدمة للمستفيدين من خلال استخدام التكنولوجيا وتنظيم مصادر المعلومات بشكل فعال وتوفير قاعدة بيانات شاملة تحتوي على مختلف أنواع مصادر المعلومات، مما يمكن المستفيد من الوصول السهل والسريع إلى هذه المصادر.

وسيسهم المشروع في تعزيز التواصل بين المكتبات والمراكز الثقافية الأهلية وبين المستفيدين من خلال استخدام تقنيات الاتصال، وتوفير مصادر معلومات إلكترونية ومصادر الوصول الحر للمستفيدين.


مؤسسة سلطان العويس الثقافية تحتفل غداً بتوزيع جوائز الدورة الـ18

ندوة التجارب الإبداعية التي تحدّث فيها الفائزون الأربعة بجائزة سلطان العويس الثقافية
ندوة التجارب الإبداعية التي تحدّث فيها الفائزون الأربعة بجائزة سلطان العويس الثقافية
TT

مؤسسة سلطان العويس الثقافية تحتفل غداً بتوزيع جوائز الدورة الـ18

ندوة التجارب الإبداعية التي تحدّث فيها الفائزون الأربعة بجائزة سلطان العويس الثقافية
ندوة التجارب الإبداعية التي تحدّث فيها الفائزون الأربعة بجائزة سلطان العويس الثقافية

تحتفل مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي، مساء غدٍ الخميس، بتوزيع جوائزها للفائزين في الدورة الثامنة عشرة، والتي فاز فيها كل من: الشاعر المصري حسن طلب، والروائي والمسرحي البحريني أمين صالح، والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، والمفكر والمترجم المغربي الدكتور عبد السلام بنعبد العالي.

وفاز الشاعر المصري حسن طلب بجائزة الشعر، وقالت لجنة التحكيم إنها رأت «في تجربته فرادة وغزارة وتنوعاً، إضافة إلى وجود مشروع شعري متكامل ومتنامٍ لديه يتسم بالتجريب ويمازج بين الشعرية والصوفية والرؤى الفلسفية».

كما قررت اللجنة فوز القاصّ البحريني أمين صالح بجائزة القصة والرواية والمسرحية؛ وذلك «لامتلاكه تجربة إبداعية مغايرة، تمثلت فيما كتب من قصص قصيرة ونصوص وأعمال أخرى تدل على أنه متنوع الثقافة متعدد الاهتمامات».

وبالنسبة للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، فقد فاز بجائزة الدراسات الأدبية والنقد، وقالت اللجنة إن مؤلفاته «تتسم بوضوح الرؤية المنهجية، والانشغال بموضوع السردية العربية ومُنجزاتها وسياقاتها المتحولة، والاهتمام بالقضايا الثقافية، وإعادة تأمل العلاقة بين الشرق والغرب».

وفاز المفكر المغربي الدكتور عبد السلام بنعبد العالي بجائزة الدراسات الإنسانية والمستقبلية؛ «وذلك لأنه من رواد المدرسة التفكيكية في الثقافة العربية، وهو يرى في الأدب والكتابة والترجمة مداخل مهمة للفلسفة. وتتميّز أعماله بأسلوب سهل يقارب بين المتخصّص وغير المتخصّص»، وفق رأي لجنة التحكيم.

وكان الأمين العام لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، عبد الحميد أحمد، قد قال، في تصريح صحفي: «إن جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي سيجري الإعلان عنها لاحقاً؛ لكونها تُمنح بقرار من مجلس أمناء الجائزة، ولا تخضع لمعايير التحكيم؛ أسوة بالجوائز في الحقول الأخرى».

وكان عدد المرشحين في كل الحقول قد بلغ 1861 مرشحاً، حيث تقدَّم لجائزة الشعر 231 مرشحاً، وفي القصة والرواية والمسرحية 490 مرشحاً، وفي الدراسات الأدبية والنقد 290 مرشحاً، والدراسات الإنسانية والمستقبلية 485 مرشحاً، وفي الإنجاز الثقافي العلمي 270 مرشحاً.

وفاز بالجائزة، خلال الدورات السابقة، 101 أديب وكاتب ومفكر عربي، فضلاً عن 5 مؤسسات ثقافية مرموقة أسهمت في نشر الثقافة والمعرفة، وحكّم في حقولها أكثر من 270 محكّماً واستشارياً من مختلف المشارب الثقافية.

وتبلغ قيمة الجائزة لكل حقل من حقولها 120 ألف دولار أميركي.

جانب من ندوة «الترجمة الفلسفية - الحوار مع الآخر» التي نظّمها «بيت الفلسفة» في الفجيرة بالتعاون مع مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية

الترجمة: الحوار مع الآخر

وضمن البرنامج الثقافي الذي يسبق حفل توزيع الجوائز، نظّم «بيت الفلسفة»، بالتعاون مع مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، حلقة بعنوان «الترجمة الفلسفيّة - الحوار مع الآخر»، وذلك في مقر «بيت الفلسفة» بالفجيرة.

وتحدّث الدكتور أحمد برقاوي، عميد «بيت الفلسفة»، عن الترجمة بوصفها انتقالاً من الوعي الذاتي إلى الوعي بالآخر، وقال: «إنّ الترجمة تتيح لنا أن نخرج من قوقعتنا الذاتيّة لنتعرّف إلى الآخر، من خلال التعرّف إلى أفكاره ومفاهيمه، ومن ثمّ العودة إلى الوعي الذاتيّ لمناقشة الأفكار المترجَمة واتّخاذ موقف نقديّ منها».

واستعرضت الحلقة، في جلساتها، تجارب خاصة لعدد من خبراء الترجمة، حيث تناول المترجم والأكاديمي المغربي، الدكتور عبد السلام بنعبد العالي تجربته، موضحاً أن الترجمة ليست نقلاً من لغة إلى أخرى فحسب، وإنما هي عمل إبداعي، إذ توكل للمترجم مهمة إبداعية جليلة تتمثل في اشتقاق المصطلحات، وتطويع اللغة، وغيرها من الجوانب الإبداعية.

التجارب الإبداعية

وضِمن البرنامج الثقافي، أقيمت أمسية للفائزين بجائزة مؤسسة العويس الثقافية، تحدّث خلالها الشاعر حسن طلب، والمفكر عبد السلام بنعبد العالي، والقاص أمين صالح، والناقد عبد الله إبراهيم، عن تجاربهم الإبداعية، بحضور الأمين العام لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية عبد الحميد أحمد، وذلك على مسرح مؤسسة العويس الثقافية.

الدكتور عبد الله إبراهيم في محاضرته عن «السردية العربية» أدارتها الشاعرة بروين حبيب

السردية العربية

وألقى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم محاضرة عن «السردية العربية»، في مقرّ مؤسسة سلطان العويس الثقافية، بحضور عدد من طالبات جامعة الوصل بالإمارات.

وتحدّث إبراهيم عن مفهوم «السردية»، والبحث عن هوية «السردية العربية»؛ للوصول إلى فهم عربيّ للسرد، والوقوف على مفهوم تأسيسي من مفاهيمه.

وقال إبراهيم إن «دلالة السرد، اقترنت في اللغة العربيّة، بالنسج، والسبك، والصوغ، والبراعة في إيراد الأخبار، وفي تركيبها، فذلك هو الحقل الدلالي للفعل سرد ومشتقاته في الثقافة العربية».

وأشار إلى أن السردية «لم تنبثقْ من فراغ، إنّما ترعرعت في سياق عميق الجذور. وخلال رحلتها المديدة تعرّضَ مفهومُ السّرد فيها إلى التهذيب، والإصلاح، والتّرميم، واكتسب ثراءً بحكم الزمن الطويل، وبات من غير الممكن مطابقةُ دلالتهِ الموروثةِ مطابقة تامة مع الدّلالةِ المعجميّة المستعارة من سرود لا توافقه كلَّ الموافقة، لا في سياق نشأته، ولا في أنواعه، ولا في وظائفه».

وقال إن مفهوم السرد ارتبط بصوغ الخطاب السردي؛ شفوياً كان أم مكتوباً، صوغاً غايته التأثير النفسي والإقناع الخيالي، وذلك الصوغ هو موضوع «السرديّة» التي اختصّت بالبحث في مكوّنات الخطاب السردي المتكوّن من: الراوي، والمرويّ، والمرويّ له، والانتقال إلى دراسة أسلوب ذلك الخطاب، وتركيبه، ودلالته.

عدد من المثقفين وطلاب الجامعة في الإمارات يتابعون محاضرة «السردية العربية» للدكتور عبد الله إبراهيم

وأضاف: «أردتُ بــ(السّرديّة): المدخل الّذي يستعينُ به الباحثُ لاستخلاص طبيعة النصوص، وفيه تتولّى الممارسةُ النقديّةُ استخلاصَ مجملِ صفات السّرد، وتعرّف بهويّته في آن واحد، وغايتي سبكٌ مفهوم لا ينفصل عن المادّة السّرديّة، فيخضعُها لقواعدَ تجريديّةٍ، ثمّ يتعالى عليها، بل يصدرُ عنها، ويتكيّفُ معها؛ فتحوّلاتُه مقيّدةٌ بتحوّلاتها، ولا يجوزُ تجريدُ نموذجٍ افتراضي عابرٍ للزّمان والمكان، واللّغاتِ والثّقافات، والأجناسِ والأنواع، وإرغام المادّةِ السّرديّة على الامتثال له، فذلك لاهوتٌ سرديّ تأبى المادّةُ السّرديّةُ قبولهُ. وبذلك فلا ينبعُ ثراءُ (السّرديّة) من كمالها، بل من نقصها؛ كون الظّاهرةِ السّرديّة في ترحال دائم، ولا سبيلَ لأسْرها في حقبة تاريخيّة، أو في لغة معيّنة».