«ترند» وأخواتها تثير قلق المجامع اللغوية العربية

خبراء لغويات ونقاد مصريون ما بين مؤيد ومعارض

د. خالد فهمي
د. خالد فهمي
TT

«ترند» وأخواتها تثير قلق المجامع اللغوية العربية

د. خالد فهمي
د. خالد فهمي

أثار اعتماد مجمع اللغة العربية بالقاهرة كلمة «ترند»، وإدراجها في المعجم العربي، حالةً من الغرابة والجدل في أوساط خبراء اللغويات ومجامع عربية أخرى، عن حدود ومعايير تلاقح اللغة العربية مع اللغات الأجنبية استجابة للتطورات العصرية، وهل ثمة «استسهال» أو «كسل معجمي» باعتماد ألفاظ أعجمية مستوردة، أم أن معايير الدلالة والوظيفية تفرض حاجاتها اللغوية؟

«الشرق الأوسط» طرحت هذه التساؤلات على عدد من المختصين وخبراء في اللغة:

د. خالد فهمي (أستاذ اللغويات والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة): الدلالة الحضارية

قبل توضيح ما ذهب إليه خبراء مجمع اللغة العربية فيما يخص مفردة «ترند»، تجدر الإشارة لثلاثة أبعاد جوهرية تحكم السياق العام لعملية تلقي أي مستجدات في المعجم العربي؛ البعد الأول هو البعد النفسي، فنحن أمة مأزومة، نعاني من إحباطات حقيقية ووجودية، بعد أن عشنا لحظة تاريخية ممتدة لنحو 8 قرون كانت فيها الأمة العربية هي منتجة العلوم وإبداع المعرفة، حيث اللغة العربية تتلقفها لغات الأرض، وكان هناك وجه آخر للعملة الحضارية وهو «التعجيم»، المُقابل للتعريب، فمعاجم العالم مليئة بالكلمات ذات الأصول العربية، وهذا يأخذنا إلى البعد الثاني، وهو البعد الحضاري، فنحن أمة لا تنتج آلة ولا نظرية، وبالتالي غير منتجين للغة، وهذا ما يمكن وصفه بعافية الأمة الحضارية. أما البعد الثالث فهو فوضى الشارع العربي، فلا توجد ضوابط على أي مستوى، على رأسها الضوابط الأخلاقية والمهنية، وتلك التي تحكم التخصص والعلم.

ويوضح دكتور خالد، أن تلك الأبعاد هي أرضية خصبة لإثارة الأزمات، فطالما ارتبطت عملية التعريب تاريخياً بخطوات إجرائية محددة، بداية من محو أثر الكلمة الأجنبية، حيث يقوم المتخصصون بطرح مفردات خالصة العروبة، كما حدث مع لفظ «سيارة»، وهناك معيار آخر يتم به الاحتكام لوزن عربي للكلمة الأجنبية مثل وزن مفعال فعالة، كما وضع المُعرب القديم لفظ «تلفاز» في تعريبه لكلمة «تلفزيون»، حيث قام بالحفاظ على الأصوات المركزية بها، وتحويلها على وزن «مفعال» فصارت «تلفاز».

أما ما حدث مع كلمة «ترند» وما يدور من جدل حولها، كان بإمكاننا نظرياً تفعيل بدائل عربية مثل «الصدارة» أو «رائج» أو «الأكثر انتشاراً»، لكن المُعرّب المجمعي رأى أن الاحتفاظ بكلمة «ترند» بأصواتها وهيئتها الأجنبية أكثر دلالة على المعنى الحضاري الذي تُعبر عنه في إطار الثقافة الإعلامية ووسائل التواصل. وفي عصور النهضة الإسلامية كانت كتب العلوم لابن سينا وابن رشد تحتوي على كلمات أعجمية «البويوتيكا» مرادفاً للشعر، والعلوم مثل «الميكانيكا» و«الديناميكا»، ووجدوا أن تلك الكلمات أكثر دلالية، ولكن الفرق أن في ذلك الوقت لم تكن هناك أزمة حضارية، وكانوا يعلمون أن استعارة تلك الكلمات الأجنبية لن تضرهم.

هناك قانون راسخ في المجمع اللغوي يُعرف باسم قانون «إجراءات التعريب»، والمجمع رأى أن استعمال «ترند» بصورتها اللفظية الأجنبية دالة دلالة علمية كاملة على السياق العلمي والحضاري الذي تُستعمل به وهو سياق التواصل الاجتماعي.

اللغة تموت عند الاقتراب من النحو والجملة، وليس بالاقتراب من حدود المعجم، فجميع معاجم العالم تتسع وتتلاقح مع لغات أخرى، والمعاجم الأجنبية مليئة بالكلمات العربية الأصل، والمأزق الحضاري، أن العكس هو ما صار يحدث.

د. داليا سعودي

د. داليا سعودي (أكاديمية مُتخصصة في علم دراسات الترجمة واللغويات): الضرورة والترف

علماء اللغة يفرقون بين نوعين من الاقتراض: اقتراض الضرورة واقتراض الترف. اقتراض الضرورة هو ما يصعب التعبير عن الحقيقة التي يصفها بعينها في اللغة المُستقبلة. أما اقتراض الترف فهو ما يمكن إيجاد بدائل له في اللغة المُستقبلة. ويدل الإقدام عليه والإفراط فيه على كسل معجمي وركود في الخيال وعجز في استغلال القدرة الاشتقاقية للغة الأم. وهو ككل اقتراض زائد عن الحد لا يؤدي إلى ثراءٍ بل إلى استلاب. وهو بُعد غير مرحب به اليوم في ظل ما تعاني منه اللغة العربية من مُعضلات بين أبنائها قبل أن تعاني منها على صعيد عالمي. لذلك، فإنني أرى أن «ترند» وأخواتها خطر على اللغة العربية في زمن العولمة، التي يدافع فيها كل قوم عن لغتهم. لقد كانت اللغة العبرية على سبيل المثال لغة ميتة. لكن ديفيد بن جوريون أصر على إحيائها.

المسألة أعمق من مجرد تعريب كلمة... كان المفكر أنطونيو غرامشي يقول: «في كل مرة تُستدعى المسألة اللغوية إلى مقدمة المشهد، فذلك يعني، بصورة ما، أن سلسلة من المشكلات الأخرى ستطفو حتماً على السطح».

مسألة «ترند» تستدعي مسألة الهُوية. البعض علق بالإنجليزية! أن هذه ظاهرة لغوية طبيعية. والبعض هزأ من حالة القلق التي سادت عند سماع قرار المجمع وامتدت لمجامع عربية أخرى. المسألة هي ببساطة: هل نحن في مصر ما زلنا نعد أنفسنا عرباً؟ ما هي مكانة العروبة اليوم في مكونات هويتنا المركبة؟

ثم هل اللغات الأخرى، بالتحديد الإنجليزية، باتت تهدد العربية في بيوتنا ومدارسنا؟ وكذلك اعتماد اللهجات العامية المحلية؟ هل ستموت الفصحى على يد العامية؟ هل الترجمات العامية تختلف أثراً عن «ترند» وأخواتها في مضمار زعزعة الهوية وتشويش لغة الكتابة؟

لا أنفي فكرة التفاعل بين اللغات، فقنوات التلاقح اللغوي عديدة عبر التاريخ؛ التلاقح اللغوي في مصر كان جلياً في بدايات القرن العشرين في وجود الجاليات الأجنبية. هل أثر ذلك على اللغة العربية الفصحى آنذاك؟ كلا لأن الحدود كانت واضحة بين اللغة المكتوبة ولغة التخاطب. ولأن الحرب بين اللغات لم تكن بهذه الضراوة. أما أن يأتي مجمع اللغة العربية في القاهرة اليوم ليضيف إلى المعجم - أي إلى اللغة المكتوبة بالفصحى – كلمات أعجمية يتم تعريبها في عجالة من قبيل «ترند» و«ترندات»، بدعوى التيسير، ففي ذلك خلخلة لأسس اللغة وهدمٌ لثقة أبنائها في قدراتها واعتناق مؤسسي للذهنية التي لم تُفلت من إسار الاستلاب الثقافي.

باختصار، هذا النوع من التعريب الذي لا يتبع قواعد التعريب لا يُوسع معين اللغة، ولا يهبها انفتاحاً على اللغات الأخرى بقدر ما يطمس معالمها التي تصنع خصوصيتها، ويقض أوزانها المتعارف عليها.

د. سيد إسماعيل ضيف الله

د. سيد إسماعيل ضيف الله (أستاذ مساعد النقد الأدبي بأكاديمية الفنون في مصر): تعريب أم تسليم بالواقع؟

عادة ما نُثمن جهود مجامع اللغة العربية حين يظهر خبراؤها وعلماؤها قدرتهم في إيجاد مقابل عربي لكلمات أو مصطلحات صارت على الألسنة ليل نهار ولا يجد الناس بديلاً عن استخدامها، لا سيما إذا قابل الناس المُقابل العربي باستحسان وحل محل الأجنبي تدريجياً. ومن هذه الأمثلة التي يجب أن نتذكرها لاجتهادات المجامع الناجحة: السيارة - الهاتف - البريد الإلكتروني - شبكات التواصل الاجتماعي- المنصات الرقمية... إلخ. وفي الوقت نفسه نثمن عادة قبول المجمعيين الألفاظ الأجنبية والإقرار بأنها صارت من اللغة العربية ولم تعد ألفاظاً دخيلة مطرودة من ساحة الفصحى، ومن ذلك قبول كلمات مثل الكمبيوتر، التليفون.. إلخ. مقصدي من الكلام أن إيجاد بديل عربي جهد مشكور لأنه تعريب عن طريق الترجمة، وإقرار استخدام اللفظ الأجنبي تعريب أيضاً لأنه إدخال للغة العربية بشروطها لا إقراراً بعجزها ولا استسلاماً لهيمنة اللغة الإنجليزية على كل لغات العالم. الإقرار فعل المجمعيين وهم غير مضطرين له مثلما أن الناس غير مضطرين للتخلي عن اللفظ الأجنبي ما دام يؤدي وظيفة حياتية لهم لا يمكنهم أن يجدوا في لفظ آخر القدرة على تأديتها.

مهم أن نتذكر أن اللغويين في التراث العربي منذ الخليل بن أحمد وسيبويه كانوا يُحاصرون الألفاظ الأجنبية ويعزلونها عن الألفاظ العربية ويسمونها الدخيل، وأن هذا العزل لم يكن يعني عدم استخدامها، وإنما يعني الإقرار بوجودها مع التذكير بأصلها غير العربي، والتذكير باشتراط أن تكتسب زياً عربياً كي تصبح مُعرّبة لا يُتهم باللحن من ينطق بها، ومن أهم الشروط تكيفها مع الأوزان العربية وإجراء تغييرات في البنية الصوتية للألفاظ الدخيلة لكي تتواءم مع شروط اللغة العربية لقبول ألفاظ معربة بها. ومن هنا كان وما زال التعريب دليل قوة ووسيلة تقوية في الوقت نفسه، أي دليل على قوة اللغة العربية حين تسيطر على اللفظ الأجنبي وتلبسه لباسها، ووسيلة تقوية للغة العربية في الوقت نفسه لأن إدخال ألفاظ حياتية وعلمية حديثة عبر بوابة التعريب بمثابة ضخ دماء جديدة في شرايين اللغة، فيشعر الناس بأن لغتهم حيّة تستجيب لحاجاتهم اللغوية وليست لغة ميتة كغيرها من اللغات التي تحنطت في النصوص ولم تنزل إلى الشارع وتصارع اللغات الأخرى على ألسنة أبنائها.

وأعتقد أن إقرار كلمة «ترند» مجمعياً هو نوع من الاقتراض الكاشف عن ضعف وتكاسل واستسلام للأمر الواقع. وفي ظني أن التصويت بالأغلبية لقبول اللفظ ببنيته الصوتية ودلالته الشعبية على وسائل التواصل الاجتماعي هو تصويت مغلوط، لأن الزعم بعدم وجود بديل عربي للكلمة مستند لعدم وجود لفظ فصيح يصلح بديلاً لكلمة «Trends»، بينما المستخدمون للكلمة لا يزعمون أنهم فصحاء ولا أنهم يتكلمون الفصحى، وهم إلى عامية المتنورين أقرب منهم إلى فصحى التراث. وبالتالي تصبح الترجمة المناسبة للكلمة في سياق فصحى التراث هي «اتجاهات» مثلاً، بينما في سياق عامية المتنورين، التي يعاديها المجمعيون ولا يلجأون لها لمواجهة فيضان الألفاظ الأجنبية، نجد الناس يتحدثون إذا أرادوا الدلالة الإيجابية أو المحايدة عن حديث الساعة أو قضايا الساعة، أما إذا أرادوا الدلالة السلبية فيعرفون «الترندات» بأنها «هري»، فنسمع من يقول «الهري على إيه النهاردا؟»، وهو يعني «الترند». أعرف طبعاً أن اقتراض «الترند» أحب إلى قلوب الكثير من المجمعيين من «هري» الكثير من الناس!


مقالات ذات صلة

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

ثقافة وفنون البير كامو

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
يوميات الشرق من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)

إعلان الفائزين بأفرع «جائزة الملك فيصل 2026»

أعلنت الأمانة العامة لـ«جائزة الملك فيصل» عن أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لعام 2026 خلال حفل أقيم الأربعاء في الرياض، بحضور الأمير تركي بن فيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخر للشارع، ومن زاوية نظري أستطيع رؤية عمال بناء موزعين أمام بيتين أو ثلاثة،

لؤي عبد الإله

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر
TT

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

بمناسبة الذكرى الـ66 لرحيل ألبير كامو، حاورت «الشرق الأوسط» ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، «المؤتمنة الأولى» على أرشيفه. عن علاقتها بوالدها تقول: «كان الشخصَ الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي».

وحول العزلة التي فرضتها النخبة الباريسية على والدها، خاصة بعد قطيعته مع جان بول سارتر، روت: «أتذكّر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كانَ والدي جالساً بمفرده (...) أتذكر أنّني سألته: (بابا، هل أنت حزين؟)، فرفع رأسه وأجابني: (أنا وحيد)».

ورفضت انتقادات بعضِ المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، لوالدها لـ«تغييبه» العربَ في سردياته، وتقول إنَّ سعيد تناسى أنَّه «كتب (بؤس منطقة القبائل)، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة (ألجي روبليكان) حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية». وتضيف: «لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني».


ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو
TT

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم ترَ النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصرياً الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:

> بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟

- لقد كتب والدي الرواية والمسرح والمقال، لذا فإن تعداد المبادئ التي أطبقها عند اتخاذ أي قرار يتطلب وقتاً طويلاً. وبشكل عام، فإني أعتمد في قراراتي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، فإنني أعدّ أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نادراً ما أجبت بالرفض أو المعارضة.

كاترين كامو

> هل لا تزال هناك في الأرشيف الذي تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكاً للتاريخ؟

- لا أرى أن كل ما يخصّ ألبير كامو صار ملكاً للتاريخ بالضرورة. علينا أن نستحضر رؤية والدي للتاريخ، حيث كان يرى أن الكائن البشري أسمى وأهم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً.

> بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقت وفاته، أو أن جانباً منه لا يزال مستعصياً على الإدراك؟

- أعتقد أن المرء لا يمكنه معرفة أي شخص معرفة كاملة، ولا حتى معرفة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤية قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد.

> كيف تصفين علاقتك بوالدك؟ وما الذكريات الشخصية التي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟

- أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي.

> في معظم مداخلاتك وكتاباتك غالباً ما تقدمين ألبير كامو بصفته أباً في المقام الأول. ما السّمة في شخصيته الإنسانية التي لا تزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟

- أقول إن الجانب الذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة في أعماله لم يحظَ بالدراسة والاهتمام الحقيقيين.

> سيدة كامو، كثيراً ما تقولين بإن والدك ظّل طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟

- والدي كان بطبعه، إنساناً يهتم بالآخرين ويستمع إليهم وأنا لا أعتقد بأن لأصوله المتواضعة صّلة بهذا الجانب من شخصيته.

> كان لنشر الرسائل التي تبادلها والدك مع عشيقته ماريا كازاريس وقع الصدمة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلاً تملأه العاطفة؟

- لن أذهب للقول إنني «حسمت صراعات»، بل إنني عملت بجهد دؤوب كالثور في حرثه؛ وكلما كنت أنتهي من مراجعة جزء من هذه النصوص، بدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» أو كارني (الجزء 7 و8 و9 دار نشر غاليمار) التي جمعنا فيها كل نصوص والدي التي لم تكن قد نشرت، أشرفت على نشر رواية «الرجل الأول» عام 1994. وقد اشتغلتُ على نسخ مصورة من المخطوطة، حيث كانت الصعوبة الكبرى تكمن في فك رموز خط يد والدي التي غالباً ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحتُ فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الرسائل التي تبادلها والدي مع ماريا كازاريس، وفي عام 2016 بدأت أشعر بأن ذكرى ماريا قد طواها النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات.

كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيداً بوجودي

كاترين كامو

> يُقال إن ألبير كامو عانى في فترة من حياته من عزلة شديدة، فرضتها عليه الدوائر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟

- نعم، لقد استشعرتُ وحدته. أتذكر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كان والدي جالساً بمفرده على مقعد منخفض جداً، فكنتُ أبدو أطول منه. أتذكر أنني سألته: «بابا، هل أنت حزين؟»، فرفع رأسه وأجابني: «أنا وحيد»، وقد روت ليي فلورانس مالرو (ابنة الكاتب أندريه مالرو)، التي كانت تعمل مع أبي في تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الذهاب لتناول مشروب في مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «ماذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟».

> تذكرين دائماً أن منزل «لورماران» الواقع في جنوب فرنسا كان مهماً في حياة والدك فكيف ذلك؟

- بالفعل، لطالما راودته الرغبة في امتلاك منزل في جنوب فرنسا، لكن إمكانياته المادية لم تكن تسمح بذلك. وقد مكنته جائزة نوبل التي حازها في 1957من تجسيد هذا الحلم، فمنطقة «لورماران» تشبه إلى حد كبير إقليم «توسكانا» الإيطالي (كما ورد في كتابه «الوجه والقفا»).

> انتقد بعض المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، «غياب» العرب في سرديات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟

- بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والدي كان «استعمارياً»، متناسياً أنه كتب «بؤس منطقة القبائل»، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة «ألجي روبليكان» حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية وهذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني.

> كيف يتم الاستعداد لتسليم مشعل هذه الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟

كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية).


إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً
TT

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثقله، ممتداً من مكان السرد إلى زمنه، وشخصياته المركزية.

ففي الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، لا تُطل مدينة الإسكندرية الساحلية بحلّتها الكوزموبوليتية مركزاً للسرد، بل تزيحها الكاتبة إلى الخلفية، فيما تنقل منطقة «غيط العنب» المهمشة إلى مركز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالةً تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط العنب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الراوِية: «لم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين».

تختار الكاتبة أن تمنح بطلتها المركزية «ناصرة» هامشاً من التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكراً عن تعقيد علاقتها بذاتها، وبمدينتها، وبأسرتها دفعةً واحدة، وبدلاً من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسما» وجدها «رجب»، اللذين كانا أول من أدخلاها إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يبدو استدعاء الذاكرة العائلية شرطاً أصيلاً لعودة البطلة إلى ذاتها.

فصل عائلي

خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد استرجاعاً عكسياً لا يخلو من منطق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخل سيرة بطلة الرواية، فهي تستدعي ذاتها على خُطى رحلة جدتها، فتقول: «مؤكد أن شبشبها علق في التربة عدة مرات. وأنا أيضاً شبشبي علق في البوص»، يتماهى صوت البطلة مع سيرة جدتها «أسما» التي رحلت تقتفي أثر زوجها بعد أن هجرها خمس سنوات كاملة، ويبدو هذا التماهي مشحوناً بتعاطف واضح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحلة مجهولة: «كانت تخاف القطر، تراه دودة كبيرة وضخمة، وهي لا تريد أن تصبح لقمة في أحشائه، كيف فعلتها وحدها؟».

غير أن هذا التعاطف لا يبلغ حدّ الإعفاء من الذنب، فالبطلة تُحمّل الجدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب».

لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الذي انتمت إليه البطلة مبكراً تمرّداً اجتماعياً أو طبقياً فحسب، بل يتبدّى، في جوهره، بوصفه انعكاساً كثيفاً لعالمها الداخلي المترع بمشاعر النقص والاغتراب، ذلك العالم الذي يجعلها تشعر بأنها «فائضة عن الحاجة»، كما تصف نفسها بلغة لا تخلو من مواجهات قاسية مع الذات. وهو توصيف لا يرد عابراً، بل يلازم استدعاءها لمواقف يومية متفرقة، سواء داخل بيت الأسرة، أو في خروجها إلى العالم، كاشفاً عن إحساس متراكم بالهشاشة، وعدم الانتماء.

ويبدو السرد، الذي يدور على لسان البطلة، أقرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، في لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهي لحظة لا تُستعاد فيها الذاكرة بدافع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف ترك بيتي؟ ما الذي سأستفيده من إعادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟».

لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخله تدوير مشاعر قديمة مُختزنة داخل ألوان، وروائح، ومشحونة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم.

هنا تتجاور البنية المكانية للنص مع البنية النفسية، والعائلية للبطلة بوصفهما منظومة مرايا مزدوجة، تعكس الذات بقدر ما تنفّرها من صورتها، فالمكان لا يعمل خلفية محايدة، بل إنه وسيط كاشف، يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع تاريخها الشخصي والطبقي معاً. أما الزمن الذي تتساءل عن جدواه، فليس زمناً مفقوداً فحسب، بل حياة كاملة لم يعد ممكناً استعادتها، أو إعادة ترتيبها، وهو ما يتكثف في تساؤلاتها الموجعة: «لماذا تأخر ردم الترعة حتى كبرت؟ لماذا لم يحدث وأنا أصغر، أو قبل أن أولد؟ الترعة التي طاردتني كلما حاولت الصعود لمصادقة أحد من الإسكندرانية. ما إحنا لسنا إسكندرانية لأننا نعيش جانب الترعة».

في هذا المقطع، لا تُقدَّم «الترعة» على أنها عنصر مكاني صامت، بل باعتبار أنها حدّ فاصل يُبرر الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الانتماء إلى معادلة مشروطة بمعادلات الجغرافيا والسُلطة، فتنحت الأزمة الطبقية لغة السرد بشيء من الغضب المكتوم، حيث تتحول اللغة إلى أثر مباشر للإهمال، والتفاوت. وهو ما يفتح سؤالاً روائياً أعمق عن «التطوير» و«الإهمال» لا بوصفهما سياسات عمرانية فحسب، بل باعتبارهما آليتين لإعادة توزيع القيمة الإنسانية، وتحديد من يُسمَح له بالانتماء، ومن يُترك عالقاً على الهامش.

لا يظلّ المكان الهجين في الرواية مجرّد خلفية اجتماعية أو معطى مكاني محايد، بل يتقدّم بوصفه انعكاساً لذاتٍ هجينة بدورها، تتأرجح بين تعريفات غير مستقرة للجسد والهوية. فكما يقع «غيط العنب» في منطقة لا هي مدينة مكتملة ولا ريف خالص، تعيش البطلة حالة مماثلة من الالتباس النفسي والجندري، تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف ذاتها داخل ثنائية المرأة/ الرجل، لتظل عالقة في بحثٍ قَلِق عن تفسير طبي لتشوّه مُحتمل أصاب جسدها، غير أن هذا التشوّه يتجاور في البنية الفنية للرواية مع تشوّهات إنسانية أعمق.

ويبدو الهروب من الواقع، عبر استعانة البطلة بالكثير من الخيال، محاولةً لمقاومة واقعها الوجودي المثير للغثيان؛ فتُعيد، على سبيل المثال، تخيّل الأب الذي تمرّس على القسوة، لا كما كان، بل في صورة فانتازية هشّة: «أحب أن أتخيّل بابا طاير بالفيزبا... ويبكي»، وبهذا المنطق، تتجاوز «غيط العنب» حدود الهامش، لتصبح فضاءً تتشكّل داخله الخسارات والخيالات معاً.