عندما تصبح الترجمة جسراً باتجاه واحد

وا ثيونغو ينتهي إلى مغالطة منطقية في كتابه الأخير «لغة اللغات»

عندما تصبح الترجمة جسراً باتجاه واحد
TT

عندما تصبح الترجمة جسراً باتجاه واحد

عندما تصبح الترجمة جسراً باتجاه واحد

أقرأُ - بكثير من التفكّر والاستبصار والمتعة - التنقيبات الثقافية للدكتور سعد البازعي، تلك التنقيبات التي نراها شاخصة أمامنا في مقالاته الثرية أو في كتبه العديدة. أحْدَثُ أطروحة ثقافية للبازعي - كما أحسب - هي النظر إلى الفعل الترجمي بحسبانه فعالية من فعاليات النقد الأدبي. عَرَضَ البازعي أطروحته هذه عرضاً رصيناً على الصفحة الثقافية من عدد سابق لِـ«الشرق الأوسط»، ثمّ عزّز أطروحته هذه في مقالٍ مطوّل بعض الشيء ظهر في العدد الأخير - سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) - من مجلّة «الفيصل». البازعي متخصّصٌ في الأدب والنقد الأدبي والسياسات الثقافية؛ لذا من الطبيعي أن تكون شواهده التطبيقية في أطروحته مستلّة من عالم الأدب، وأظنُّ أنّ أطروحته تصلح للتوسّع من عالم النقد الأدبي إلى فضاء الثقافة الرحب تماشياً مع المنهج السائد والمرحّب به عالمياً في النظر إلى النقد الأدبي من بوّابة الدراسات الثقافية لأسباب فكرية وعملية ناجمة عن تنامي مبحث دراسات النُظُم المشتبكة والمتداخلة معرفياً. وتذكّرنا أطروحة البازعي بالكتاب الأخير الذي أصدره الكاتب الكيني الأشهر على الصعيد العالمي نغوغي وا ثيونغو Ngugi wa Thiong’o. الكتاب بعنوان: لغة اللغات: تأمّلات في الترجمة The Language of Languages: ،Reflections on Translationالكتاب منشور حديثاً (2023) عن دار نشر Seagull، وهو في واقعه تجميعة من كلمات ألقاها وا ثيونغو في مناسبات محدّدة، أو تقديمات لكتب له (مثلما فعل في تضمين الكتاب نصّ تقديمه للطبعة الكردية من كتابه إزاحة استعمار العقل Decolonizing the Mind)، أو مقالات متفرّقة له رأى وا ثيونغو أنّ الفعالية الترجمية تعدُّ العنصر الثقافي الرابط لها.

غلاف" لغة اللغات"

لم يخالف وا ثيونغو في كتابه هذا وجهات نظره السابقة التي عرضها في كتبه الخاصة بالسياسات الثقافية واللغوية. يمكن للقارئ الذي له بعض التمرّس بقراءة وا ثيونغو أن يحدس هذه الحقيقة من مطالعة عناوين محتويات الكتاب. فهو لم يزل مسكوناً بهاجس المؤامرات الكولونيالية، كما يبدو أنه لا يستطيع طرح أثقال فترة اعتقاله، التي قيّدت ذاكرته بقيود ثقيلة جعلتها أسيرة الماضي البعيد. وا ثيونغو كائن غاطسٌ في الآيديولوجيا. دققوا معي في هذا المقطع الذي سأترجمه إلى العربية وهو مستلٌّ من تقديمه للكتاب:

«... الأكثر أهمية من كلّ ما سبق أنّ الترجمة جعلتني أتفكّرُ في علاقات القوّة بين اللغات، وحصل أن دوّنتُ بعضاً من هذه الأفكار في كتابي المنشور عام 1986 (إزاحة استعمار العقل). في هذا الكتاب كنت أفكّرُ بشأن اللغات الأفريقية وعلاقات القوة غير المتكافئة لها مع اللغات الأوربية... توجد طريقتان يمكن من خلالهما للغات والثقافات المختلفة أن ترتبط ببعضها: إمّا أن تكون تشكيلاتٍ تراتبية من علاقات القوة غير المتكافئة (الطريقة الإمبريالية)، أو كشبكة من علاقات الأخذ والعطاء (الطريقة الديمقراطية)...».

أظنُّ أنّ مقاربة وا ثيونغو في الحقل الترجمي صارت واضحة من غير الحاجة لكثير من التفصيل. هو يريد للترجمة أن تكون مَعْبَراً ديمقراطياً بين اللغات والثقافات بكيفية تعمل على تحييد علاقات القوة غير المتكافئة وتجعلها - مع تواتر الزمن - علاقات متّسمة بالتكافؤ والندّية و(الأخذ والعطاء). هنا ننتهي إلى متناقضة منطقية في مقاربة وا ثيونغو، فهو يُفرِدُ للترجمة مكانة أعلى من لغة بذاتها عندما ينعتها (لغة اللغات)، ثمّ في الوقت ذاته يدعو مواطنيه الكينيين (والأفارقة عموماً) لإعلاء شأن الكتابة بلغاتهم المحلية (أو حتى المناطقية أحياناً) التي لا يتعامل بها سوى بضعة ملايين في أحسن الأحوال. سنفهم من هذا أنّ وا ثيونغو يريد للترجمة أن تكون - بالضرورة - جسراً باتجاه واحد: من اللغة الأجنبية (الإنجليزية مثلاً) إلى واحدة من اللغات الأفريقية المحلية؛ إذ مَنْ سيترجم كتاباً صادراً بالإنجليزية إلى لغة غيكويو – مثلاً – وهو لا يتقن اللغة الإنجليزية؟ والعكس كذلك مطروح للمساءلة الجادة: مَنْ سيترجم كتاباً مكتوباً بالغيكويو إلى الإنجليزية؟ ستبقى كتب الغيكويو محض منتجات محلية. هل بهذه المقاربة تتحقق الديمقراطية الترجمية وتفكيك علاقات القوة غير المتكافئة بين اللغات والثقافات؟ بالتأكيد لا.

أظنُّ أنّ أغلب القرّاء العرب غير المتخصّصين بالأدب أو النظرية النقدية أو الثقافات العالمية لم يسمع باسم (نغوغي وا ثيونغو) قبل أن تظهر ترجمة روايته «حبّة قمح» عن دار المأمون العراقية منتصف ثمانينات القرن الماضي. لم نكن معتادين حينها على الأسماء الأفريقية الثقيلة على مسامعنا. ربما كان وول سوينكا وتشينوا أتشيبي هما الاستثناءان الوحيدان.

عاش وا ثيونغو حياة بائسة لا تنبئ بما سيكون عليه مستقبله، وقد تحدث الرجل في سلسلة من الكتب عن مذكراته في الطفولة والشباب وكيف انتهى به الحال من مُعْتَقَل سياسي إلى أستاذ للغة الإنجليزية وآدابها في أعرق الجامعات الأميركية (ييل، نيويورك، كاليفورنيا). بالإضافة إلى مذكراته ورواياته كتب وا ثيونغو كثيراً في ميدان السياسات الثقافية، ومن كتبه في هذا الميدان «إزاحة استعمار العقل» المترجم إلى العربية، وكذلك كتاب «زحزحة المركز Moving the Center»، الذي لم يترجم بعدُ. يكادُ المرء يشعرُ عقب قراءة هذه الأعمال أنّ وا ثيونغو يرى في الأدب - واللغة على وجه التحديد - موضوعاً سياسياً في المقام الأوّل؛ لذا نراه يغالي في تطرفه اللغوي حدّ أنه صار يكتب بلغة غيكويو Gikuyu المحلية الأفريقية؛ بل وراح يدعو مواطنيه الأفارقة للكتابة بها ونبذ الإنجليزية تماماً.

تُذكّرنا راديكالية وا ثيونغو اللغوية بما حصل في تاريخ سياساتنا الثقافية والتعليمية في منطقتنا العربية، فضلاً عن أنها تنطوي على مفارقة. لنبدأ بالمفارقة أولاً. هل كان وا ثيونغو سيرتقي إلى ما ارتقى إليه، لو أنه لم ينلْ تعليماً جامعياً راقياً باللغة الإنجليزية؟ هل يطالبُ بحرمان أهل بلده من أن يشقوا طريقهم نحو الجامعات العالمية والاكتفاء بحصيلتهم اللغوية المحلية؟ ما سَقْفُ توقعاتهم المستقبلية لو ظلّوا يتحدثون بلغة الغيكويو ويكتبون بها؟

الحديث عن اللغة الإنجليزية بوصفها بضاعة استعمارية يريد الآخر (المُستعمِر) تسويقها في بلاد الآخرين حديثٌ فاسد. ثمّة سببان على الأقلّ يقوّضان رؤية وا ثيونغو اللغوية المتطرّفة. الأوّل يكمنُ في أنّ كلّ ثقافة منعزلة ستذوي مع الزمن ولن يكون بمقدورها التأثر والتأثير في الثقافات الأخرى. هذا قانون ثقافي مثلما هو قانون بيولوجي. العزلة مقتلة الثقافة، ودفنٌ للغة في مدفن مهجور. أما السبب الثاني فبراغماتي محضٌ: الإنجليزية هي لغة العالم في قطاعات العلم والمال والاقتصاد والسياسة والطب؛ فهل تريدُ مقاطعة هذه اللغة تحت ذريعة النقاء اللغوي ومحاربة السياسات الكولونيالية والحفاظ على الموروث المحلي من الاندثار والضياع؟

سيكون من المفيد دوماً مقارنة حالنا مع الهند. ظلّت الهند – مثل مناطق شاسعة من الجغرافيا الأفريقية - تحت السيطرة الكولونيالية البريطانية؛ لكنّ الهند تعاملت مع البريطانيين بمنطق براغماتي بعيد عن الشعاراتية الفضفاضة، التي لا تشبعُ جائعاً. صارت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية السائدة في الهند، وترتّب على ذلك انصهار القوميات الهندية المتعددة في أتون وحدة لغوية مقبولة لا تعلي شأن قومية على أخرى. ماذا كانت النتيجة؟ صار الهندي يتقنُ الإنجليزية إلى حدود مقبولة عالمياً؛ بل صار مفهوم (الإنجليزية الهندية) المقترنة بلكنة محببة وهزّة مميّزة في الرقبة ماركة مسجّلة باسم الهنود الذين اختزلوا كثيراً من الجهد والزمن في اختراق أرقى المؤسسات الطبية والعلمية والتقنية العالمية، وها هم اليوم يتسيّدون قطاعات كبرى في (وادي السليكون) وأعاظم الشركات التقنية على مستوى العالم.

الأمر ذاته حصل مع سنغافورة أيام كانت فقيرة مهملة في قاع القارة الآسيوية؛ وها هي اليوم تحوز المرتبة الأولى في الدخل الفردي العالمي. أما كينيا التي تعلّم فيها وا ثيونغو الإنجليزية في صباه وشبابه، فلا مكان لها اليوم على الخريطة العالمية بالقياس مع الهند وسنغافورة، ثم يطلب وا ثيونغو أن يكتب أبناؤها بلغتهم المحلية وينبذوا الإنجليزية. هل يريد لهم أن يصبحوا أكثر هامشية عمّا هم عليه؟

من يخافُ على لغته من غزو لغوي افتراضي هو كمن يخافُ أن يطلق أولاده ليعيشوا في خضمّ العالم، يريدهم أن يجلسوا قبالته وحسب. من اعتاد الإتقان في عمله سيتقنُ كلّ شيء. من يتقنُ الإنجليزية سيتقنُ العربية وسواها من اللغات - لو شاء ذلك -. دققوا في جمال العربية التي كتب بها أكابر المترجمين العرب وأعاظم من أتقنوا الإنجليزية وكتبوا بها؛ فهذا الجمال اللغوي هو شاهدة مؤكّدة على رفعة خزينهم اللغوي من لغات عربية وإنجليزية وسواها.

أظنُّ أنّ الخلاصة المكثّفة هي التالية: لو بقينا نتعامل مع المواريث الكولونيالية بعقل آيديولوجي مغلق لا يستطيع كسر أغلاله الذهنية ولا يفهم اعتبارات التعامل العملي مع الوقائع العالمية المستجدّة على صعيد الثقافة وسواها، فسنظلُّ أسرى الماضي البعيد، عاجزين عن الفعل الخلّاق المتطلّع إلى مستقبل مفتوح لكلّ الرؤى والإمكانات غير المقيّدة.



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».