سارة والعقاد: تراجيديا الجمال المأهول بجحيم الشكوك

تخيَّله توفيق الحكيم يبحث في الجنة عن كتب للمطالعة

العقاد
العقاد
TT

سارة والعقاد: تراجيديا الجمال المأهول بجحيم الشكوك

العقاد
العقاد

لم يكن اسم عباس محمود العقاد مجرد تفصيل عابر على خريطة الأدبين المصري والعربي في النصف الأول من القرن العشرين، بل بدا الرجل بحق أشبه بعاصفة من السجالات والمواقف الفكرية الاعتراضية التي أثارت من خلفها أينما وقعت غبار التأييد أو الرفض، الابتهاج أو الاحتجاج. ذلك أن شخصية الرجل النقدية والباحثة عن الحقيقة فوق أرض مثخنة بالشكوك والمسلحة بثقافة واسعة لم تتح له الركون السهل إلى مسبقات يقينية، وهو الذي رأى في مواطنه أحمد شوقي مجرد مقلد لشعرية الأقدمين، ولم يعترف له بإمارة الشعر رغم توافق معظم شعراء الأمة على تنصيبه أميراً لهم.

وفي ظل الصراع الضاري الذي دار في بدايات القرن الفائت بين الإحيائيين ودعاة التجديد، انحاز الكاتب المولود في أسوان عام 1889 للخيار الثاني، مؤسساً مع عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري حركة «الديوان في الأدب والنقد»، نسبة لكتاب بهذا الاسم أصدره العقاد والمازني عام 1921، داعين فيه إلى التمرد على الأساليب القديمة والتفاعل مع ثقافة العصر دون قطع مع التراث، وجعل الشعر أداة للتأمل في أعماق النفس البشرية ودهاليزها.

أما شغف العقاد بالقراءة فقد بدا واضحاً منذ سنوات حياته الأولى، حيث انكب على التهام كل ما وقعت عليه عيناه من كتب ومصنفات، حتى المتعلقة بالطيور والحشرات. وهو إذ رفض الربط بين القراءة والتأليف، يُنقل عن توفيق الحكيم قوله إنه تخيل العقاد يبحث في الجنة عن كتب للمطالعة، مستبقاً بذلك مقولة بورخيس ورؤيته للجنة بسنوات عدة. أما مؤلفات العقاد التي تربو على المائة فهي تجعلنا نحار في كيفية اتساع حياة الرجل لإنجاز كل تلك المصنفات، بقدر ما تدفعنا التساؤل عن الوقت المستقطع الذي خصصه للاهتمام بالمرأة والحب، ولعلاقتيه العاطفيتين بأليس داغر ومي زيادة اللتين أعطاهما اسميْ «سارة» و«هند» في روايته اليتيمة «سارة».

يقدم العقاد بورتريهات دقيقة لحبيبته سارة ذات الشخصية المغوية والمتقلبة، ويخبرنا بأنها لم تكن مفرطة في الجمال لكن جمالها الفريد «لا يختلط بغيره من ملامح النساء». كما يطلعنا على أنها كانت امرأة عشرينية مطلقة وأمّاً لطفل وحيد، مشيراً إلى أنها بدت لشدة حيويتها أقرب إلى «حزمة من أعصاب تسمى امرأة». وفي تعليله المسهب لهيامه بها يعزو العقاد الأمر إلى ذكائها الحاد وأنوثتها الطاغية، وأيضاً لقدرتها على التجدد بحيث تلبس حيناً لبوس المرأة المرحة الطروب، وحيناً لبوس الكسيرة المطواع، وحيناً ثالثاً لبوس المرأة التي تطيع غرائزها الفطرية، وحيناً رابعاً تبدو المرأة الذكية المهجوسة بالشعر والنثر، وحيناً خامساً لبوس المرأة العصرية المتجرئة على انتهاك المحظورات. وقد بلغ من هيامه بها الحد الذي جعله يتساءل وهو يرى النساء في الطرقات: «ما بال هؤلاء؟ ولماذا خُلقن، ومن ذا الذي ينظر إليهن؟».

إلا أن الجانب الوردي من صورة ذلك الحب الذي كان الاشتهاء الجسدي حجر زاويته لم يلبث أن أخلى مكانه للريبة والقلق والتوترات المتكررة. ذلك أن القواسم المشتركة بين الطرفين كانت أوهن من أن تصمد أمام شخصيتيهما المتباينتين. والأرجح أن فارق العمر بينهما، الذي يقارب الـ15 عاماً، لم يكن العامل الأهم في انهيار العلاقة، بل تباينات أخرى في الطباع والثقافة والمفاهيم. ففي حين كانت سارة مفتونة بنمط العيش الأوروبي ولا مبالية بالتقاليد وطافحة بشهوة العيش، كان العقاد مطبوعاً على الجدية والتحفظ الرصين. كما أن ميلها إلى الاختلاط بالآخرين ونسج الصداقات المتنوعة قابله نزوع إلى العزلة عززته حاجته الملحة إلى استثمار الحياة القصيرة في القراءة والتأليف.

يتناول هذا المقال العلاقة العاطفية التي جمعت بين الكاتب الشهير عباس العقاد و«سارة»، المرأة التي شكلت مزيجاً من كل تناقضات العشق والحب والحياة، ووسم اسمها عنوان روايته اليتيمة. ويعرج الكاتب في هذا السياق على حياة العقاد وطبيعته الشخصية الصارمة، ويحلل المسافة بين أفكاره النظرية وتمثلاتها في شعره على نحو خاص، ويوضح مدى انعكاس كل ذلك على مرآة هذه العلاقة.

ولا ينكر العقاد الذي اشتُق اسم عائلته من مهنة عقْد الحرير ذهابه إلى أقاصي الصداقات والعداوات، مستشهداً بقول سارة عنه «إن من يُظهر طرف السلاح للعقاد فهو إما قاتل أو مقتول». هكذا بدت شخصيته محكومة بالعديد من المفارقات اللافتة، حيث كان يصطدم بعض نفسه ببعضها الآخر. فنزوعه العقلاني للتحرر والتجديد كان يتراجع متقهقراً أمام سلوكياته المحافظة التي ورثها عن أبيه. كما أن جنوحه النقدي النظري إلى تجديد اللغة الشعرية والتحرر من ربقة الأقدمين وربط الشعر بالحياة لم يجد تمثلاته الفعلية على مستوى التطبيق، فنصوصه الشعرية كانت تنكفئ نحو أرض تقليدية وذهنية ومثقلة بالقيود.

وإذا كان من الجائز أن نسوغ للعقاد سعيه إلى قطع العلاقة مع سارة بناء على شكوكه المؤرقة حول خيانتها له، إلا أن ما يصعب تسويغه هو لجوؤه إلى الاستعانة بصديق للتجسس على المرأة التي أحب، ومراقبة حركاتها وسكناتها بشكل دائم. وهو إذ يقر بأنه لم يعثر على ما يؤكد علاقتها بشخص آخر إلا بعد افتراقهما النهائي، فإن للقارئ المتفحص أن يستنتج أن فعلتها تلك قد تكون نوعاً من الرد الانتقامي على ما سببه لها من آلام، أو لتيقنها من قراره الحاسم بالعزوف عن الزواج. ومع ذلك فربما كان العقاد يسعى لمثل هذه العلاقة الصعبة بكامل إرادته، لأنه كان يعلم تمام العلم أن ما تأخذه الحياة بيد يعطيه الشعر باليد الأخرى. والأدل على ذلك أن بعض قصائده فيها كانت تعكس اضطراب نفسه واحتدامها «البودليري»، كما في قوله:

تريدين أن أرضى بكِ اليوم للهوى

وأرتاد فيك اللهوَ بعد التعبُّدِ

وألقاكِ جسماً مستباحاً وطالما

لقيتكِ جمّ الحذف جمّ التردُّدِ

رويدكِ إني لا أراكِ مليئةً

بلذةِ جثمانٍ ولا طيبِ مشهدِ

جمالكِ سُمٌّ في الضلوع وعِشرةٌ

تردُّ مهادَ الصفو غيرَ ممهدِ

والأرجح أن البنية النفسية القلقة لشخصية العقاد هي التي أملت عليه تعلقه المتزامن بامرأتين متغايرتي الطباع والتوجهات. فقد عكست كلٌ من أليس داغر ومي زيادة بالنسبة له ثنائية الجسد والروح، كما عبر في نص له بعنوان «حبّان»، معترفاً أنه أحب المرأتين معاً، فالأولى خُلقت «وثنية في ساحة الطبيعة»، واحتكمت لثقافة الفطرة، فيما اتسمت الثانية بالثقافة الواسعة والموهبة الأدبية العالية، وبدت رغم اختلاطها بغالبية كتاب عصرها «أقرب إلى راهبة الدير» منها إلى أي نموذج نسائي آخر. وإذ يؤكد أن علاقته العذرية بمي جعلتهما «أشبه بشجرتين منهما بإنسانين»، يعود ليوضح بأن الصدف السيئة وحدها هي التي شاءت لعلاقته بها أن تنتهي بشكل دراماتيكي. فزيادة التي لم تكن تشك بتعففه وإخلاصه لها، قررت بشكل حاسم قطع علاقتها به، بعدما اكتشفت إثر زيارتها المباغتة لمكتبه وجود غريمة لها، وهي لم تكن قد شفيت بعد من الطعنة المماثلة التي سددها لها جبران، حين امتنع عن الرد على رسائلها بعد وصول علاقتهما الأفلاطونية إلى طريق مسدود.

اندفع العقاد عام 1930 باتجاه التصعيد في مواقفه السياسية المناوئة للسلطة التي بلغت حد التعرض للملك فؤاد نفسه، متسببة في دخوله السجن لعدة أشهر، فقد رأى البعض في اندفاعته تلك نوعاً من التعويض الرمزي عن الخيبات العاطفية التي ثلمت قلبه في الصميم.

ومع ذلك فإن علاقات العقاد العاطفية لم تنحصر بسارة ومي المرأتين المسيحيتين المتحدرتين من أصل لبناني فحسب، بل ورد في غير مصدر أنه استرد لاحقاً رباطة جأشه ليشن على الحياة هجوماً آخر، وليدخل في علاقة عاطفية جديدة مع مديحة يسري، التي التقى بها في أربعينات القرن الفائت، وكانت في فترة صعودها المبكر إحدى أكثر الممثلات المصريات جمالاً وذكاءً وجاذبيةً. كما تروي الممثلة المصرية الشقراء هند رستم أنها وافقت بعد تمنع على إجراء حوار صحفي مع العقاد الذي أكد لها أن إصراره على لقائها يعود إلى الشبه الكبير بينها وبين حبيبته السابقة سارة. وتضيف رستم أنه أدخلها إلى غرفة نومه ليريها إطاراً يعلوه الذباب وفارغاً من أي صورة، ممثلاً ثأره الخاص من المرأة التي تسببت له بالكثير من المتاعب والعذابات. كما يروي الناقد الليبي سليمان كشلاف في مقالة له نشرت في «الآداب» اللبنانية عام 1989 أن فتاة اسمها بدرية انتحرت عمداً يوم وفاة العقاد في 13 مارس عام 1964 حزناً عليه، وأن امرأة ملفعة بالسواد اسمها فوزية ادعت أثناء تشييعه أنها كانت زوجته السريّة، وأن الفتاة التي أقدمت على الانتحار هي ابنتهما.

وإذا كان العقاد، أحجم طيلة حياته عن الزواج، لأنه رأى في تلك المؤسسة من القيود والتنازلات المؤلمة ما لا يستطيع احتماله ودفْع أثمانه الباهظة. فهو يعترف في حوار له مع ماهر الطناحي رئيس تحرير «الهلال» المصرية آنذاك، بأنه لا يخشى الموت بقدر ما يخشى فقدان القدرة على القراءة والكتابة، مضيفاً: «هذا الورق الذي لا ينتهي هو الذي يصرفني عن الزواج». إلا أن هذا الورق لم يصرف الكاتب الموسوعي يقيناً عن العشق، لأن الكتابة والحب يتغذيان من الشغف نفسه واللهب إياه.


مقالات ذات صلة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»