محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

الشاعر الإريتري يقول إن القصيدة حين تغنِّي حياة الناس تكتسب خلودها

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني
TT

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

بينما تدق أصوات المدافع بين الإخوة المتنازعين، وعند شجرة «نيم» ظليلة بجوار بائعة شاي شعبية وسط مدينة «كسلا الوريفة» التي خصها الشعر بكثير من الغزل، تحدث الشاعر محمد محمود الشيخ الشهير بـ«محمد مدني»، عشية أمسية شعرية في المدينة ظللتها أجواء الحرب بقوة، وهو يقرأ متحدياً أهوالها عن «الأطفال والرفاق الذين أخفوا عنهم عورة من دفنوهم».

محمد مدني أصوله من إريتريا وحياته في السودان، ويتنازع عليه السودانيون والإريتريون، لكنهم مقتنعون في النهاية بأنه «سوداني - إريتري» أو شاعر «القطرين» تيمناً بالشاعر خليل مطران. التحق بحركة التحرير الإريترية مقاتلاً بقلمه ولسانه، وتغنت بأشعاره فرق غنائية شهيرة في البلدين، صدر له ديوانان شعريان «نافذة لا تغري الشمس»، و«تحت الحياة فويق الممات»، وله أعمال أخرى قيد الطبع.

«الشرق الأوسط» حاورته حول تجربته وهموم الشعر والحرب.

يقول مدني: ما الشعر سوى «ريشة في أجنحة الإبداع، تتيح للمجتمع التحليق الحر، وزاده في التحليق جمهور الشعر، وحضوره للاستماع تعبئة ضد الحرب»، أما «الشاعر» فإنسان لا يقف دوره على كتابة وإلقاء القصائد، بل يفرض عليه واجبه الإبداعي الإسهام في مجتمعة بحسب وظيفته الاجتماعية ووظيفته الإبداعية وموهبته، ويتوجب عليه أن يجعل متلقين الشعر يحسون أن القصيدة هي «بضاعتهم ردت إليهم»، وإن لم يكن فاعلاً كإنسان لن يكون فاعلاً كمبدع».

جئت إلى كسلا ليس نازحاً، بل لأسباب أسرية، فجذوري تمتد إليها؛ لذلك فإن أمسيتي الشعرية الأولى أثناء الحرب كانت في هذه المدينة الشاعرة رغم أن مراتع صباي كانت في ود مدني، لكن لكسلا حنيناً خاصاً.

زرت المدينة واحتفى بي وسطها الثقافي وجمهورها الشاعر، وزادت وسامة مبدعيها بالمبدعين الذين أتت بهم الحرب للمدينة، من الأصدقاء «الناقد مصعب الصاوي، والمبدعين عمر دفع الله وأحمد نمر وآخرين»، ومن هنا جاءت فكرة كسر اليباس الثقافي بإقامة «أمسية شعرية»، ولو لتخفيف معاناة الذين فرّوا من الحرب إلى المدينة «القضية ليست قراءة شعر، بل تحريك للحس والوعي العام بمقاومة الحرب، وترسيخ لشعار لا للحرب».

الشاعر بين حربين

وبشأن الحربين، يقول مدني: تركت الثورة الإريترية أثراً بائناً على الشعر وعليّ، وهكذا تفعل حالياً «حرب الجنرالين»، فقد عايش أبناء جيلي الهبّات الثورية والانقلابات والفوران السياسي منذ الصبا الباكر، وتأثرت بها في أشعاري، وهنا لست وحدي؛ فشاعر أو شاعران سيكونان نقاطاً متباعدة في بحر التأثير.

تأثرت أشعاري بحرب التحرير الإريترية كثيراً، فمنذ يفاعتي وجدت نفسي عضواً مراقباً في الاتحاد العام لطلبة إريتريا، ثم أصبحت عضواً عاملاً فيه، ثم دفعني انتمائي للالتحاق بميدان القتال في إريتريا كإعلامي، فعشت حرب التحرير بمعناها ومعاناتها، وتأثرت بها قصيدتي، لكن مع ذلك لم تكن الحرب هي «الثيمة الشعرية» التي تكتب القصائد، كانت أمامي الحرب والأرض والوطن والتحرير، لكن من البداهة أن تتأثر القصيدة.

أن تكون إريتري الأصل وولدت وعشت في السودان، يحمّلك هذا همّ البلدين (السودان وإريتريا)، أما «نحن» كمجتمعات ممتدة تعيش على جانبي حدود البلدين فلا تحدنا هذه الجغرافيا، وتلك «حقيقة ديموغرافية»؛ ما تسبب في تنازع على هوية الشاعر والقصيدة، وحين تغنت فرقة «عقد الجلاد» السودانية بقصيدتي، فالإريتريون يقولون إنها كُتبت لهم، والسودانيون مقتنعون بأنها كُتبت من أجلهم؛ لأن القضايا التي يعانيها الإنسان هنا وهناك متشابهة، فمجتمعنا هو «المجتمع الإريتري والمجتمع السوداني».

هذا الحب القاسي

يتابع: اجتهدت ألاّ تتحول قصيدتي خطاباً سياسياً مباشراً، وأن تحتفظ بلباسها وثوبها الإبداعي، ومع ذلك قد يطل هتاف هنا أو هناك، نتيجة الغضب والإحساس بالظلم، مثلي وشعراء الثورة الآخرين، فشاعرنا محجوب شريف، أو حتى نيرودا أو لوركا، فأشعارهم إلى جانب القوة الإبداعية فيها، لا تخلو من غضب وإحساس بالظلم والقمع الذي يواجهونه ومجتمعاتهم، مع هذا لا يمكن أن تغص القصيدة بهذا الغضب دوماً.

لم أكتب أي قصيدة أثناء الحرب الحالية، فقد توقفت عن كتابة الشعر منذ فض الاعتصام، وليس بالضرورة أن يكون هناك انفعال مباشر لكتابة قصيدة، لكن التراكم قد يلد حالة شعرية تثمر قصيدة، أنا من حيث المبدأ ضد تفصيل قميص للقصائد الثورية، أو غيرها؛ لأنها ستكون قصيدة تحريض لو اكتفت بهذا الوصف، وتكون قد دخلت مدخلاً إشكالياً يجعل الشاعر يبدو كأنه محرّض على الحرب، لو تناولت القصيدة الحرب، وانتهت الحرب، ستنتهي بنهايتها، أما حين تغني تجليات حياة الناس تكتسب خلودها، فحين أقول مثلاً: «أهواك يا فرح التقائي بالسهول وبالحقول وبالقطيع... يا رجع صرخة أهل وادينا الوجيع... ما دام في الغابات والوديان ينتشر الربيع... لا العشق لا الإنسان في بلدي ستنهكه المسافة أو يضيع»، فأنا أتبادل العشق مع قضايا كثيرة ولا أحرّض على الحرب، بل أحرّض على إنهاء الحرب لتستمر الحياة بشكلها الجميل، وأقول مثلما قالها محمود درويش بمواجهة الأحاديث عن شعراء المقاومة: «ارحمونا من هذا الحب القاسي، نحن نكتب شعراً».

وعن القصيدة الأثيرة لديه يقول: ليست لي قصيدة أثيرة، فأثيرتي هي آخر قصائدي؛ لأنها تواصل إثارة قلقي، بل تتحداني وستظل الأثيرة إلى أن تكتمل، لأني أريدها تتجاوز سابقتها، قصيدتي الأثيرة هي التي اكتملت للتو، مثل التي قرأتها في منتدى كسلا، «النباتات تنمو لأعلى» هي قصيدتي الأثيرة الآن، فلو اخترت قصيدة أثيرة فهذا يعني رأياً في باقي قصائدي، المتلقي وحده هو من يملك هذا الحق. لا أغار من قصيدة عُرفت بها، بل أحياناً تزعجني قصيدة تلقى قبولاً واسعاً، مثل تلك التي يسمونها أحياناً «الدوزنة»، فأينما ذهبت يُطلب مني قراءتها، والأخرى التي يسمونها «عباس» لأنهم يشعرون أن بها «نفس حل يريدونه الآن»: تقول: «يا بحر قم حرك تحرك أو فعد نحو ابتدائك... فالنهايات البعيدة لا تُحد... الفظ جحيمك أو فغادر سأحليك إلى الأبد... أو تابعوا ما شئتم... أو طاوعوا من خفتم... فالزاحفون إلى الفجيعة أنتم»، مثل هذه القصائد تستفز الشاعر، وتدفعه لتقديم الجديد المتجاوز دائماً.

«شيطان الشعر»

الإلهام مهم للشعر والشاعر، أما فكرة «الملهمة الأنثى»، فحين يقولون «فلانة ملهمة فلان ومعظم قصائده عنها أو بوحي منها»، تجعل الشاعر «خياطاً» يفصل الشعر إلى نسائي ورجالي وشعبي وإفرنجي، يمكن أن تلهمني شجرة النيم التي نحن جالسان تحتها الآن، أو سحابة عابرة، أو حتى طفل يتقافز في الشارع، أو ربما «مشهد خراب»: «طالعة من ظلام الحديد إلى عمر هذا الخراب المديد... التقيت بقنبلتين رشقتهما فوق كمي قميصي»، فمن هي الملهمة هنا سوى هذا الخراب؟

لا اعتراض لدي على فكرة «وادي عبقر» في التراث الشعري العربي، فشيطان الشعر هو أن يقرأ الشاعر، والقراءة لا تعني الكتب وحدها، فأغلب شعراء العامية عندنا مثلاً لم يفكوا الحرف، ومع ذلك يقولون شعراً بديعاً، هم لم يقرأوا الكتب، لكنهم قرأوا بيئاتهم.

إن ما يمكن تسميته «شيطان الشعر» الذي يصادف الشعراء في «وادي عبقر» ويهبهم القصائد، هو بالنسبة لي «الملهمة المحفزة المثالية» بمفهومها الفلسفي، وأراه ضرورياً للشعر، لا أكتب قصيدتي دفعة واحدة، ونادراً ما فعلت ذلك، سوى في بداياتي الشعرية، أكتب قصائدي على فترات متباعدة قد تستغرق سنتين في بعضها، وفي وقت واحد قد أكون مشغولاً بثلاث قصائد غير مكتملة تحركها «ملهمات مختلفات»، ربما الحرب أو مواكب الثورة أو أجواء أو شخصية ما. ليست لي طقوس كتابة محددة، فقد أكتب في مقهى أو في البيت، حين تأتيني الكتابة فجأة أكتبها ثم أراجعها.

في كل الأحوال اكتشفت أني شاعر بقراءة أشعار الآخرين، وجعلت نفسي متلقياً لقصائدي، فأقول لنفسي - من دون تنطع - هذا الشعر يعجبني، وكثيراً ما أردد قصائدي التي تمس أشياء داخلي، قد يستهجن البعض هذا القول، لكني بعد أن اقتنعت أني شاعر، وأعطيت نفسي «صفة شاعر» لن أسمح لشخص بانتزاعها مني.

قطيعة شعرية

شهدت الثلاثون سنة الماضية حالة إظلام كامل، لكن الشعراء «الصادق الرضي، عاطف خيري، عثمان بشرى، ومن أتوا بعدهم مثل الأصمعي، الكناني، نجلاء عثمان التوم، إيمان آدم، إيماض بدوي»، أناروها بأعمال شعرية ضخمة، خلقت أجواء شعرية مختلفة، وأضافوا كثيراً إلى حركة الشعر، بيد أن هناك من يفضلون الماضي ويرونه الأقوى والأفضل.

شخصياً، شعرت بتحدٍ كبير في الفترة من النصف الأول للتسعينات من أشعار «الصادق الرضي، وعاطف خيري، وعثمان بشرى»، قلت لهم ذلك، هم أجبروني على أهمية أن أضيف إلى تجربتي الشعرية، ليس بالأسلوب نفسه الذي يكتبون به، لكن بما يجعل لقصيدتي وجوداً مع هذا الإنتاج الشعري المختلف.

الكلام عن قطيعة شعرية صحيح، فهؤلاء الشباب لم يرتبطوا بمن قبلهم، رغم أنهم كانوا يتواصلون مع الأجيال الأخرى في اتحاد الكتاب السودانيين، لكنهم قدموا ألواناً شعرية مختلفة، حتى أنهم يختلفون عن بعضهم بعضاً في تقنيات القصيدة، هم ليسوا تياراً إلاّ بحسابات أنهم نشأوا في مرحلة زمانية متقاربة. فكرة تيار شعري تحيل إلى مدارس شعرية مثل تيار «الغابة والصحراء»، أو مدرسة الخرطوم في التشكيل، وهذا لا يمكن وصفهم به، هم لا يشكلون تياراً أو مدرسة بهذا المعني، لكنهم تجايلوا وتركوا بصمة واضحة في الشعر السوداني.


مقالات ذات صلة

اقرأ كي تعيش

ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران

شرف الدين ماجدولين

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.