محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

الشاعر الإريتري يقول إن القصيدة حين تغنِّي حياة الناس تكتسب خلودها

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني
TT

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

بينما تدق أصوات المدافع بين الإخوة المتنازعين، وعند شجرة «نيم» ظليلة بجوار بائعة شاي شعبية وسط مدينة «كسلا الوريفة» التي خصها الشعر بكثير من الغزل، تحدث الشاعر محمد محمود الشيخ الشهير بـ«محمد مدني»، عشية أمسية شعرية في المدينة ظللتها أجواء الحرب بقوة، وهو يقرأ متحدياً أهوالها عن «الأطفال والرفاق الذين أخفوا عنهم عورة من دفنوهم».

محمد مدني أصوله من إريتريا وحياته في السودان، ويتنازع عليه السودانيون والإريتريون، لكنهم مقتنعون في النهاية بأنه «سوداني - إريتري» أو شاعر «القطرين» تيمناً بالشاعر خليل مطران. التحق بحركة التحرير الإريترية مقاتلاً بقلمه ولسانه، وتغنت بأشعاره فرق غنائية شهيرة في البلدين، صدر له ديوانان شعريان «نافذة لا تغري الشمس»، و«تحت الحياة فويق الممات»، وله أعمال أخرى قيد الطبع.

«الشرق الأوسط» حاورته حول تجربته وهموم الشعر والحرب.

يقول مدني: ما الشعر سوى «ريشة في أجنحة الإبداع، تتيح للمجتمع التحليق الحر، وزاده في التحليق جمهور الشعر، وحضوره للاستماع تعبئة ضد الحرب»، أما «الشاعر» فإنسان لا يقف دوره على كتابة وإلقاء القصائد، بل يفرض عليه واجبه الإبداعي الإسهام في مجتمعة بحسب وظيفته الاجتماعية ووظيفته الإبداعية وموهبته، ويتوجب عليه أن يجعل متلقين الشعر يحسون أن القصيدة هي «بضاعتهم ردت إليهم»، وإن لم يكن فاعلاً كإنسان لن يكون فاعلاً كمبدع».

جئت إلى كسلا ليس نازحاً، بل لأسباب أسرية، فجذوري تمتد إليها؛ لذلك فإن أمسيتي الشعرية الأولى أثناء الحرب كانت في هذه المدينة الشاعرة رغم أن مراتع صباي كانت في ود مدني، لكن لكسلا حنيناً خاصاً.

زرت المدينة واحتفى بي وسطها الثقافي وجمهورها الشاعر، وزادت وسامة مبدعيها بالمبدعين الذين أتت بهم الحرب للمدينة، من الأصدقاء «الناقد مصعب الصاوي، والمبدعين عمر دفع الله وأحمد نمر وآخرين»، ومن هنا جاءت فكرة كسر اليباس الثقافي بإقامة «أمسية شعرية»، ولو لتخفيف معاناة الذين فرّوا من الحرب إلى المدينة «القضية ليست قراءة شعر، بل تحريك للحس والوعي العام بمقاومة الحرب، وترسيخ لشعار لا للحرب».

الشاعر بين حربين

وبشأن الحربين، يقول مدني: تركت الثورة الإريترية أثراً بائناً على الشعر وعليّ، وهكذا تفعل حالياً «حرب الجنرالين»، فقد عايش أبناء جيلي الهبّات الثورية والانقلابات والفوران السياسي منذ الصبا الباكر، وتأثرت بها في أشعاري، وهنا لست وحدي؛ فشاعر أو شاعران سيكونان نقاطاً متباعدة في بحر التأثير.

تأثرت أشعاري بحرب التحرير الإريترية كثيراً، فمنذ يفاعتي وجدت نفسي عضواً مراقباً في الاتحاد العام لطلبة إريتريا، ثم أصبحت عضواً عاملاً فيه، ثم دفعني انتمائي للالتحاق بميدان القتال في إريتريا كإعلامي، فعشت حرب التحرير بمعناها ومعاناتها، وتأثرت بها قصيدتي، لكن مع ذلك لم تكن الحرب هي «الثيمة الشعرية» التي تكتب القصائد، كانت أمامي الحرب والأرض والوطن والتحرير، لكن من البداهة أن تتأثر القصيدة.

أن تكون إريتري الأصل وولدت وعشت في السودان، يحمّلك هذا همّ البلدين (السودان وإريتريا)، أما «نحن» كمجتمعات ممتدة تعيش على جانبي حدود البلدين فلا تحدنا هذه الجغرافيا، وتلك «حقيقة ديموغرافية»؛ ما تسبب في تنازع على هوية الشاعر والقصيدة، وحين تغنت فرقة «عقد الجلاد» السودانية بقصيدتي، فالإريتريون يقولون إنها كُتبت لهم، والسودانيون مقتنعون بأنها كُتبت من أجلهم؛ لأن القضايا التي يعانيها الإنسان هنا وهناك متشابهة، فمجتمعنا هو «المجتمع الإريتري والمجتمع السوداني».

هذا الحب القاسي

يتابع: اجتهدت ألاّ تتحول قصيدتي خطاباً سياسياً مباشراً، وأن تحتفظ بلباسها وثوبها الإبداعي، ومع ذلك قد يطل هتاف هنا أو هناك، نتيجة الغضب والإحساس بالظلم، مثلي وشعراء الثورة الآخرين، فشاعرنا محجوب شريف، أو حتى نيرودا أو لوركا، فأشعارهم إلى جانب القوة الإبداعية فيها، لا تخلو من غضب وإحساس بالظلم والقمع الذي يواجهونه ومجتمعاتهم، مع هذا لا يمكن أن تغص القصيدة بهذا الغضب دوماً.

لم أكتب أي قصيدة أثناء الحرب الحالية، فقد توقفت عن كتابة الشعر منذ فض الاعتصام، وليس بالضرورة أن يكون هناك انفعال مباشر لكتابة قصيدة، لكن التراكم قد يلد حالة شعرية تثمر قصيدة، أنا من حيث المبدأ ضد تفصيل قميص للقصائد الثورية، أو غيرها؛ لأنها ستكون قصيدة تحريض لو اكتفت بهذا الوصف، وتكون قد دخلت مدخلاً إشكالياً يجعل الشاعر يبدو كأنه محرّض على الحرب، لو تناولت القصيدة الحرب، وانتهت الحرب، ستنتهي بنهايتها، أما حين تغني تجليات حياة الناس تكتسب خلودها، فحين أقول مثلاً: «أهواك يا فرح التقائي بالسهول وبالحقول وبالقطيع... يا رجع صرخة أهل وادينا الوجيع... ما دام في الغابات والوديان ينتشر الربيع... لا العشق لا الإنسان في بلدي ستنهكه المسافة أو يضيع»، فأنا أتبادل العشق مع قضايا كثيرة ولا أحرّض على الحرب، بل أحرّض على إنهاء الحرب لتستمر الحياة بشكلها الجميل، وأقول مثلما قالها محمود درويش بمواجهة الأحاديث عن شعراء المقاومة: «ارحمونا من هذا الحب القاسي، نحن نكتب شعراً».

وعن القصيدة الأثيرة لديه يقول: ليست لي قصيدة أثيرة، فأثيرتي هي آخر قصائدي؛ لأنها تواصل إثارة قلقي، بل تتحداني وستظل الأثيرة إلى أن تكتمل، لأني أريدها تتجاوز سابقتها، قصيدتي الأثيرة هي التي اكتملت للتو، مثل التي قرأتها في منتدى كسلا، «النباتات تنمو لأعلى» هي قصيدتي الأثيرة الآن، فلو اخترت قصيدة أثيرة فهذا يعني رأياً في باقي قصائدي، المتلقي وحده هو من يملك هذا الحق. لا أغار من قصيدة عُرفت بها، بل أحياناً تزعجني قصيدة تلقى قبولاً واسعاً، مثل تلك التي يسمونها أحياناً «الدوزنة»، فأينما ذهبت يُطلب مني قراءتها، والأخرى التي يسمونها «عباس» لأنهم يشعرون أن بها «نفس حل يريدونه الآن»: تقول: «يا بحر قم حرك تحرك أو فعد نحو ابتدائك... فالنهايات البعيدة لا تُحد... الفظ جحيمك أو فغادر سأحليك إلى الأبد... أو تابعوا ما شئتم... أو طاوعوا من خفتم... فالزاحفون إلى الفجيعة أنتم»، مثل هذه القصائد تستفز الشاعر، وتدفعه لتقديم الجديد المتجاوز دائماً.

«شيطان الشعر»

الإلهام مهم للشعر والشاعر، أما فكرة «الملهمة الأنثى»، فحين يقولون «فلانة ملهمة فلان ومعظم قصائده عنها أو بوحي منها»، تجعل الشاعر «خياطاً» يفصل الشعر إلى نسائي ورجالي وشعبي وإفرنجي، يمكن أن تلهمني شجرة النيم التي نحن جالسان تحتها الآن، أو سحابة عابرة، أو حتى طفل يتقافز في الشارع، أو ربما «مشهد خراب»: «طالعة من ظلام الحديد إلى عمر هذا الخراب المديد... التقيت بقنبلتين رشقتهما فوق كمي قميصي»، فمن هي الملهمة هنا سوى هذا الخراب؟

لا اعتراض لدي على فكرة «وادي عبقر» في التراث الشعري العربي، فشيطان الشعر هو أن يقرأ الشاعر، والقراءة لا تعني الكتب وحدها، فأغلب شعراء العامية عندنا مثلاً لم يفكوا الحرف، ومع ذلك يقولون شعراً بديعاً، هم لم يقرأوا الكتب، لكنهم قرأوا بيئاتهم.

إن ما يمكن تسميته «شيطان الشعر» الذي يصادف الشعراء في «وادي عبقر» ويهبهم القصائد، هو بالنسبة لي «الملهمة المحفزة المثالية» بمفهومها الفلسفي، وأراه ضرورياً للشعر، لا أكتب قصيدتي دفعة واحدة، ونادراً ما فعلت ذلك، سوى في بداياتي الشعرية، أكتب قصائدي على فترات متباعدة قد تستغرق سنتين في بعضها، وفي وقت واحد قد أكون مشغولاً بثلاث قصائد غير مكتملة تحركها «ملهمات مختلفات»، ربما الحرب أو مواكب الثورة أو أجواء أو شخصية ما. ليست لي طقوس كتابة محددة، فقد أكتب في مقهى أو في البيت، حين تأتيني الكتابة فجأة أكتبها ثم أراجعها.

في كل الأحوال اكتشفت أني شاعر بقراءة أشعار الآخرين، وجعلت نفسي متلقياً لقصائدي، فأقول لنفسي - من دون تنطع - هذا الشعر يعجبني، وكثيراً ما أردد قصائدي التي تمس أشياء داخلي، قد يستهجن البعض هذا القول، لكني بعد أن اقتنعت أني شاعر، وأعطيت نفسي «صفة شاعر» لن أسمح لشخص بانتزاعها مني.

قطيعة شعرية

شهدت الثلاثون سنة الماضية حالة إظلام كامل، لكن الشعراء «الصادق الرضي، عاطف خيري، عثمان بشرى، ومن أتوا بعدهم مثل الأصمعي، الكناني، نجلاء عثمان التوم، إيمان آدم، إيماض بدوي»، أناروها بأعمال شعرية ضخمة، خلقت أجواء شعرية مختلفة، وأضافوا كثيراً إلى حركة الشعر، بيد أن هناك من يفضلون الماضي ويرونه الأقوى والأفضل.

شخصياً، شعرت بتحدٍ كبير في الفترة من النصف الأول للتسعينات من أشعار «الصادق الرضي، وعاطف خيري، وعثمان بشرى»، قلت لهم ذلك، هم أجبروني على أهمية أن أضيف إلى تجربتي الشعرية، ليس بالأسلوب نفسه الذي يكتبون به، لكن بما يجعل لقصيدتي وجوداً مع هذا الإنتاج الشعري المختلف.

الكلام عن قطيعة شعرية صحيح، فهؤلاء الشباب لم يرتبطوا بمن قبلهم، رغم أنهم كانوا يتواصلون مع الأجيال الأخرى في اتحاد الكتاب السودانيين، لكنهم قدموا ألواناً شعرية مختلفة، حتى أنهم يختلفون عن بعضهم بعضاً في تقنيات القصيدة، هم ليسوا تياراً إلاّ بحسابات أنهم نشأوا في مرحلة زمانية متقاربة. فكرة تيار شعري تحيل إلى مدارس شعرية مثل تيار «الغابة والصحراء»، أو مدرسة الخرطوم في التشكيل، وهذا لا يمكن وصفهم به، هم لا يشكلون تياراً أو مدرسة بهذا المعني، لكنهم تجايلوا وتركوا بصمة واضحة في الشعر السوداني.


مقالات ذات صلة

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

الذات في الديوان قلقة تبحث عن نفسها ولا تجدها كاملة... فثمة شعور دائم بالاغتراب ليس فقط عن العالمrn بل عن الداخل أيضاً

علي سعدون
ثقافة وفنون «الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.