محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

الشاعر الإريتري يقول إن القصيدة حين تغنِّي حياة الناس تكتسب خلودها

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني
TT

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

محمد مدني: أعطيت نفسي صفة شاعر ولن أترك أحداً ينزعها مني

بينما تدق أصوات المدافع بين الإخوة المتنازعين، وعند شجرة «نيم» ظليلة بجوار بائعة شاي شعبية وسط مدينة «كسلا الوريفة» التي خصها الشعر بكثير من الغزل، تحدث الشاعر محمد محمود الشيخ الشهير بـ«محمد مدني»، عشية أمسية شعرية في المدينة ظللتها أجواء الحرب بقوة، وهو يقرأ متحدياً أهوالها عن «الأطفال والرفاق الذين أخفوا عنهم عورة من دفنوهم».

محمد مدني أصوله من إريتريا وحياته في السودان، ويتنازع عليه السودانيون والإريتريون، لكنهم مقتنعون في النهاية بأنه «سوداني - إريتري» أو شاعر «القطرين» تيمناً بالشاعر خليل مطران. التحق بحركة التحرير الإريترية مقاتلاً بقلمه ولسانه، وتغنت بأشعاره فرق غنائية شهيرة في البلدين، صدر له ديوانان شعريان «نافذة لا تغري الشمس»، و«تحت الحياة فويق الممات»، وله أعمال أخرى قيد الطبع.

«الشرق الأوسط» حاورته حول تجربته وهموم الشعر والحرب.

يقول مدني: ما الشعر سوى «ريشة في أجنحة الإبداع، تتيح للمجتمع التحليق الحر، وزاده في التحليق جمهور الشعر، وحضوره للاستماع تعبئة ضد الحرب»، أما «الشاعر» فإنسان لا يقف دوره على كتابة وإلقاء القصائد، بل يفرض عليه واجبه الإبداعي الإسهام في مجتمعة بحسب وظيفته الاجتماعية ووظيفته الإبداعية وموهبته، ويتوجب عليه أن يجعل متلقين الشعر يحسون أن القصيدة هي «بضاعتهم ردت إليهم»، وإن لم يكن فاعلاً كإنسان لن يكون فاعلاً كمبدع».

جئت إلى كسلا ليس نازحاً، بل لأسباب أسرية، فجذوري تمتد إليها؛ لذلك فإن أمسيتي الشعرية الأولى أثناء الحرب كانت في هذه المدينة الشاعرة رغم أن مراتع صباي كانت في ود مدني، لكن لكسلا حنيناً خاصاً.

زرت المدينة واحتفى بي وسطها الثقافي وجمهورها الشاعر، وزادت وسامة مبدعيها بالمبدعين الذين أتت بهم الحرب للمدينة، من الأصدقاء «الناقد مصعب الصاوي، والمبدعين عمر دفع الله وأحمد نمر وآخرين»، ومن هنا جاءت فكرة كسر اليباس الثقافي بإقامة «أمسية شعرية»، ولو لتخفيف معاناة الذين فرّوا من الحرب إلى المدينة «القضية ليست قراءة شعر، بل تحريك للحس والوعي العام بمقاومة الحرب، وترسيخ لشعار لا للحرب».

الشاعر بين حربين

وبشأن الحربين، يقول مدني: تركت الثورة الإريترية أثراً بائناً على الشعر وعليّ، وهكذا تفعل حالياً «حرب الجنرالين»، فقد عايش أبناء جيلي الهبّات الثورية والانقلابات والفوران السياسي منذ الصبا الباكر، وتأثرت بها في أشعاري، وهنا لست وحدي؛ فشاعر أو شاعران سيكونان نقاطاً متباعدة في بحر التأثير.

تأثرت أشعاري بحرب التحرير الإريترية كثيراً، فمنذ يفاعتي وجدت نفسي عضواً مراقباً في الاتحاد العام لطلبة إريتريا، ثم أصبحت عضواً عاملاً فيه، ثم دفعني انتمائي للالتحاق بميدان القتال في إريتريا كإعلامي، فعشت حرب التحرير بمعناها ومعاناتها، وتأثرت بها قصيدتي، لكن مع ذلك لم تكن الحرب هي «الثيمة الشعرية» التي تكتب القصائد، كانت أمامي الحرب والأرض والوطن والتحرير، لكن من البداهة أن تتأثر القصيدة.

أن تكون إريتري الأصل وولدت وعشت في السودان، يحمّلك هذا همّ البلدين (السودان وإريتريا)، أما «نحن» كمجتمعات ممتدة تعيش على جانبي حدود البلدين فلا تحدنا هذه الجغرافيا، وتلك «حقيقة ديموغرافية»؛ ما تسبب في تنازع على هوية الشاعر والقصيدة، وحين تغنت فرقة «عقد الجلاد» السودانية بقصيدتي، فالإريتريون يقولون إنها كُتبت لهم، والسودانيون مقتنعون بأنها كُتبت من أجلهم؛ لأن القضايا التي يعانيها الإنسان هنا وهناك متشابهة، فمجتمعنا هو «المجتمع الإريتري والمجتمع السوداني».

هذا الحب القاسي

يتابع: اجتهدت ألاّ تتحول قصيدتي خطاباً سياسياً مباشراً، وأن تحتفظ بلباسها وثوبها الإبداعي، ومع ذلك قد يطل هتاف هنا أو هناك، نتيجة الغضب والإحساس بالظلم، مثلي وشعراء الثورة الآخرين، فشاعرنا محجوب شريف، أو حتى نيرودا أو لوركا، فأشعارهم إلى جانب القوة الإبداعية فيها، لا تخلو من غضب وإحساس بالظلم والقمع الذي يواجهونه ومجتمعاتهم، مع هذا لا يمكن أن تغص القصيدة بهذا الغضب دوماً.

لم أكتب أي قصيدة أثناء الحرب الحالية، فقد توقفت عن كتابة الشعر منذ فض الاعتصام، وليس بالضرورة أن يكون هناك انفعال مباشر لكتابة قصيدة، لكن التراكم قد يلد حالة شعرية تثمر قصيدة، أنا من حيث المبدأ ضد تفصيل قميص للقصائد الثورية، أو غيرها؛ لأنها ستكون قصيدة تحريض لو اكتفت بهذا الوصف، وتكون قد دخلت مدخلاً إشكالياً يجعل الشاعر يبدو كأنه محرّض على الحرب، لو تناولت القصيدة الحرب، وانتهت الحرب، ستنتهي بنهايتها، أما حين تغني تجليات حياة الناس تكتسب خلودها، فحين أقول مثلاً: «أهواك يا فرح التقائي بالسهول وبالحقول وبالقطيع... يا رجع صرخة أهل وادينا الوجيع... ما دام في الغابات والوديان ينتشر الربيع... لا العشق لا الإنسان في بلدي ستنهكه المسافة أو يضيع»، فأنا أتبادل العشق مع قضايا كثيرة ولا أحرّض على الحرب، بل أحرّض على إنهاء الحرب لتستمر الحياة بشكلها الجميل، وأقول مثلما قالها محمود درويش بمواجهة الأحاديث عن شعراء المقاومة: «ارحمونا من هذا الحب القاسي، نحن نكتب شعراً».

وعن القصيدة الأثيرة لديه يقول: ليست لي قصيدة أثيرة، فأثيرتي هي آخر قصائدي؛ لأنها تواصل إثارة قلقي، بل تتحداني وستظل الأثيرة إلى أن تكتمل، لأني أريدها تتجاوز سابقتها، قصيدتي الأثيرة هي التي اكتملت للتو، مثل التي قرأتها في منتدى كسلا، «النباتات تنمو لأعلى» هي قصيدتي الأثيرة الآن، فلو اخترت قصيدة أثيرة فهذا يعني رأياً في باقي قصائدي، المتلقي وحده هو من يملك هذا الحق. لا أغار من قصيدة عُرفت بها، بل أحياناً تزعجني قصيدة تلقى قبولاً واسعاً، مثل تلك التي يسمونها أحياناً «الدوزنة»، فأينما ذهبت يُطلب مني قراءتها، والأخرى التي يسمونها «عباس» لأنهم يشعرون أن بها «نفس حل يريدونه الآن»: تقول: «يا بحر قم حرك تحرك أو فعد نحو ابتدائك... فالنهايات البعيدة لا تُحد... الفظ جحيمك أو فغادر سأحليك إلى الأبد... أو تابعوا ما شئتم... أو طاوعوا من خفتم... فالزاحفون إلى الفجيعة أنتم»، مثل هذه القصائد تستفز الشاعر، وتدفعه لتقديم الجديد المتجاوز دائماً.

«شيطان الشعر»

الإلهام مهم للشعر والشاعر، أما فكرة «الملهمة الأنثى»، فحين يقولون «فلانة ملهمة فلان ومعظم قصائده عنها أو بوحي منها»، تجعل الشاعر «خياطاً» يفصل الشعر إلى نسائي ورجالي وشعبي وإفرنجي، يمكن أن تلهمني شجرة النيم التي نحن جالسان تحتها الآن، أو سحابة عابرة، أو حتى طفل يتقافز في الشارع، أو ربما «مشهد خراب»: «طالعة من ظلام الحديد إلى عمر هذا الخراب المديد... التقيت بقنبلتين رشقتهما فوق كمي قميصي»، فمن هي الملهمة هنا سوى هذا الخراب؟

لا اعتراض لدي على فكرة «وادي عبقر» في التراث الشعري العربي، فشيطان الشعر هو أن يقرأ الشاعر، والقراءة لا تعني الكتب وحدها، فأغلب شعراء العامية عندنا مثلاً لم يفكوا الحرف، ومع ذلك يقولون شعراً بديعاً، هم لم يقرأوا الكتب، لكنهم قرأوا بيئاتهم.

إن ما يمكن تسميته «شيطان الشعر» الذي يصادف الشعراء في «وادي عبقر» ويهبهم القصائد، هو بالنسبة لي «الملهمة المحفزة المثالية» بمفهومها الفلسفي، وأراه ضرورياً للشعر، لا أكتب قصيدتي دفعة واحدة، ونادراً ما فعلت ذلك، سوى في بداياتي الشعرية، أكتب قصائدي على فترات متباعدة قد تستغرق سنتين في بعضها، وفي وقت واحد قد أكون مشغولاً بثلاث قصائد غير مكتملة تحركها «ملهمات مختلفات»، ربما الحرب أو مواكب الثورة أو أجواء أو شخصية ما. ليست لي طقوس كتابة محددة، فقد أكتب في مقهى أو في البيت، حين تأتيني الكتابة فجأة أكتبها ثم أراجعها.

في كل الأحوال اكتشفت أني شاعر بقراءة أشعار الآخرين، وجعلت نفسي متلقياً لقصائدي، فأقول لنفسي - من دون تنطع - هذا الشعر يعجبني، وكثيراً ما أردد قصائدي التي تمس أشياء داخلي، قد يستهجن البعض هذا القول، لكني بعد أن اقتنعت أني شاعر، وأعطيت نفسي «صفة شاعر» لن أسمح لشخص بانتزاعها مني.

قطيعة شعرية

شهدت الثلاثون سنة الماضية حالة إظلام كامل، لكن الشعراء «الصادق الرضي، عاطف خيري، عثمان بشرى، ومن أتوا بعدهم مثل الأصمعي، الكناني، نجلاء عثمان التوم، إيمان آدم، إيماض بدوي»، أناروها بأعمال شعرية ضخمة، خلقت أجواء شعرية مختلفة، وأضافوا كثيراً إلى حركة الشعر، بيد أن هناك من يفضلون الماضي ويرونه الأقوى والأفضل.

شخصياً، شعرت بتحدٍ كبير في الفترة من النصف الأول للتسعينات من أشعار «الصادق الرضي، وعاطف خيري، وعثمان بشرى»، قلت لهم ذلك، هم أجبروني على أهمية أن أضيف إلى تجربتي الشعرية، ليس بالأسلوب نفسه الذي يكتبون به، لكن بما يجعل لقصيدتي وجوداً مع هذا الإنتاج الشعري المختلف.

الكلام عن قطيعة شعرية صحيح، فهؤلاء الشباب لم يرتبطوا بمن قبلهم، رغم أنهم كانوا يتواصلون مع الأجيال الأخرى في اتحاد الكتاب السودانيين، لكنهم قدموا ألواناً شعرية مختلفة، حتى أنهم يختلفون عن بعضهم بعضاً في تقنيات القصيدة، هم ليسوا تياراً إلاّ بحسابات أنهم نشأوا في مرحلة زمانية متقاربة. فكرة تيار شعري تحيل إلى مدارس شعرية مثل تيار «الغابة والصحراء»، أو مدرسة الخرطوم في التشكيل، وهذا لا يمكن وصفهم به، هم لا يشكلون تياراً أو مدرسة بهذا المعني، لكنهم تجايلوا وتركوا بصمة واضحة في الشعر السوداني.


مقالات ذات صلة

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».