جدار عازل يقسم الثقافة إلى ثقافتين والقص إلى قصين

أسامة المسلم ونظراؤه من هامش الأدب إلى متن الدراما والسينما السعودية

أسامة المسلم
أسامة المسلم
TT

جدار عازل يقسم الثقافة إلى ثقافتين والقص إلى قصين

أسامة المسلم
أسامة المسلم

عندما طلب الشاعر فهد عافت، من متصل مشارك في برنامج المسابقات «الجمل بما حمل» الذي قدّمَه في رمضان الماضي، أن يجيب عن أحد أسئلة الاختيار المتعدد بتحديد رواية الكاتب أسامة المسلم من بين الروايات الأربع المعروضة عناوينها على الشاشة، تحولتُ على الفور إلى مشاركٍ منافسٍ للمتصل، فسبقته إلى الإجابة الصحيحة بدون تلقي أي مساعدة من مُقَدِّم البرنامج الذي كان، أحياناً، يبسط الطريق سهلةً أمام المشاركين إلى الإجابات الصحيحة. كان المقدم الشاعر كريماً في شهر كريم وكانوا «يستاهلون»؛ وكانت رواية «بساتين عربستان» الاختيار الصحيح.

إجابتي الصحيحة عن السؤال لا تعني إطلاقاً أنني من قُرّاء روايات المسلم؛ ولو أن برنامج «الجمل بما حمل» عُرِضَ في شهر غير رمضان، في شعبان مثلاً، أو في رجب، ما استطعت الإجابة عن سؤال الشاعر عافت. ففي شعبان لم أكن أعرف أن المسلم أصدر ما يزيد على 20 رواية ابتداءً من عام 2015. لم أكن أعرف من رواياته قبل رمضان سوى روايته الأولى «خوف»، بالتحديد الجزء الأول من السلسلة - المسلم صاحب سلاسل من الروايات.

كانت «خوف» المسلم ولا تزال تشغل، ولبضع سنوات، حيزاً على أحد الرفوف فيما أسميها «مكتبتي». كلما امتدت إليها يدي عازماً على «المغامرة» بقراءتها، أعدتها إلى مكانها مؤجلاً ذلك إلى أجل غير مسمى، لأسباب ثلاثة: إمّا لكوني غير جاهز للقيام بتلك «المغامرة» التي ليس لدي أقل تصور مسبق أو توقع لنتائجها، أو بسبب المتبقي في داخلي من الجدار، أو ببساطة لأنها تخفق في منافسة الروايات والكتب الأخرى على قائمة قراءاتي، أو لكل هذه الأسباب مجتمعة. تكرر امتداد يدي إليها بمرور الأيام، وتكررت إعادتها إلى مكانها. وظلت «خوف» بجزئها الأول رواية المسلم الوحيدة التي أعرف إلى شهر رمضان الماضي.

كان رمضان شهر ما يمكن أن أسميها «مغامرة» الدخول في عوالم المسلم السردية بعد اتخاذ القرار بشراء وقراءة أربع من رواياته الصادرة في 2022: رواية طويلة بعنوان «هذا ما حدث معي»، وثلاث روايات قصيرة (نوفيلات): «جحيم العابرين»، و«أرض القرابين» و«شبكة العنكبوت». كنت قد تزودت قبل شرائها بمعلومات عن سيرة وإصدارات المسلم من الموسوعة الإلكترونية «ويكيبيديا».

فما الذي حدث؟ ما الذي جعلني أتغلب على ترددي عن قراءة رواية واحدة، إلى اقتناء أربعٍ من روايات المسلم، والعزم على قراءتها؟ الإجابة تبدأ من معرض المنطقة الشرقية للكتاب، من ذلك المساء الذي شكّل فيه قُرّاء المسلم طابوراً طويلاً، كل قارئ يتنظر الحصول على توقيعه على الرواية التي يحملها. بسبب الذهول من مرأى الحشد الكبير في المساحة أمام «مسرح إثراء»، حيث تقام الفعاليات الثقافية والأدبية، لم أهتم بمعرفة الرواية أو الروايات التي سيحضر المسلم لتوقيعها. ولم يكن ذلك مهماً. كان المهم معرفة الأسباب التي تدفع ذلك الحشد للوقوف لوقت غير قصير في انتظاره. هذا التزاحم في انتظار وصول المسلم إلى منصة التوقيع يتناقض تناقضاً صارخاً مع العدد الصغير لحضور الفعاليات الثقافية في المسرح. ما الذي يجعل هؤلاء يأتون مجموعات وفرادى للحصول على توقيعه؟ ما الذي يجذبهم إلى شراء وقراءة أعماله وأعمال نظرائه؟ عن أي شيء يبحثون فيها؟ أي تجربة قرائية توفرها لهم؟

كان البحث عن إجابة عن تلك الأسئلة السابقة الدافع الأول لإقبالي على الحصول على رواياته تلك، أما الدافع الآخر فكان الرغبة في هدم المتبقي من الجدار في وعيي، وفي داخلي: الجدار الذي يقسم الثقافة إلى ثقافتين، عليا ودنيا، والقص إلى قصين «قص أدبي» أحد معطيات وعناصر الثقافة العليا و«قص شعبي» منتمٍ إلى الثقافة الدنيا، أو ما يعرف بالقص التجاري أو «genre fiction». إن عزوفي الواضح في إرجائي قراءة «خوف» المسلم هو بلا شك بسبب المتبقي من الجدار الفاصل بين النوعين من القص. وجود ذلك الجدار، أو ما تبقى منه، مؤشر على تناقض، أو التناقض في داخلي.

عزوفي عن قراءة رواية المسلم ونظيراتها من الروايات المحلية والعربية هو الدليل الملموس على ذلك التناقض. فلماذا أرى عزوفي كاشفاً لواحدٍ من تناقضاتي، أقول تناقضاتي لأنني لست متأكداً من عدم وجود تناقضات غيره؟ لإيضاح هذه النقطة، إنني لا أتردد عن قراءة رواية من القص الشعبي (popular fiction) البريطاني والأمريكي على وجه التحديد، ومن أي «نوع/genre» تكون: رومانس، وخيال علمي، وبوليسية، وأكشن، ورعب، وإثارة. وعلى نحو متقطع، تتوازى قراءتي للقص الشعبي أو الرائج أو القص التشويقي كما يسميه آخرون أيضاً، مع قراءتي ودراستي للقص الأدبي. ولا أكتفي بقراءة النصوص فقط، بل يمتد اهتمامي إلى ما يقع في متناول يدي من قراءات نقدية ودراسات أدبية عن القص الشعبي، خصوصاً في العقدين الأخيرين. فابتداء من تسعينات القرن الماضي، تسارعت وتيرة التغير في الموقف من القص الشعبي على صعيد النقد والتنظير والدراسات الأدبية، وازداد الإقبال على نقده ودراسته زخماً بمرور الأيام. لم يعد يُنظرُ إليه باستعلاء واستهانة معاً، وأنه لا يستحق التفات النقد أو الناقد إليه. لقد أطاح النقد بالجدار الفاصل لقرون بين القصين، وانفتح على ما كان مهمشاً ومهملاً. بالإضافة لذلك، انفتح المنهج الدراسي في الثانوية والدراسة الجامعية بمستوياتها المختلفة لتدريس القص الشعبي في المملكة المتحدة وآيرلندا والولايات المتحدة، وفي أنحاء أخرى من العالم، حسب ما تذكره بيرنيس ميرفي وستيفن ماتِرسَن في مقدمة الكتاب الذي جمعا وحررا المقالات التي يحتويها وصدر عن مطبعة جامعة أدنبرة بالعنوان «القص الشعبي في القرن الواحد والعشرين، 2018».

وكما انفتح المنهج الدراسي للأدب القصصي الشعبي، مُهِدَّت الطريق أمامه بشكل غير مسبوق إلى الجوائز الأدبية المرموقة. ففي عام 2017، فازت الرواية «السكة الحديدية تحت الأرض» لكولسون وايتهيد بجائزة «بوليتزر»، ووصلت إلى القائمة القصيرة أيضاً لجائزة آرثر سي كلارك البريطانية للخيال العلمي. ورشحت رواية جيليان فلين «الفتاة المفقودة/ Gone Girl» لجائزة «بيلي» للقص النسائي البريطانية 2013.

لم تفز رواية جيليان بأي جائزة لكنها حققت رواجاً كبيراً وحظيت باهتمام نقدي لافت، وعدها البعض إضافة متميزة إلى أدب الجريمة والإثارة الذي أطلقت عليه الروائية جوليا كرواتش مصطلح «Domestic Noir». تشرح كراوتش أن هذا النوع من رواية الإثارة تقع أحداثه في المنازل وأماكن العمل، ويهتم بشكل كبير بالتجربة الأنثوية، منطلقاً من رؤية نسوية واسعة بأن الفضاء المنزلي قد يمثل تحدياً وأحياناً مصدر خطر لسكانه.

الملايين من الناس عبر العالم لا يقرأون الروايات الشعبية لأنها من أدب الثقافة الدنيا، لكنهم يشاهدون المئات من الأفلام والمسلسلات المستوحاة منها

ويلفت الفيلم «الفتاة المفقودة» بتقنيته السردية انتباه الناقد وارِن بَكْلاند فيختاره إلى جانب «غوراسيك بارك» موضوعاً للفصل الثالث (السرد/Narration) من كتابه «Narrative and Narration». يركز بكلاند في هذا الفصل على تفحص وشرح عنصرين أساسين من عناصر السرد السينمائي: 1- التقنيات التي تنظم وتتلاعب في تقديم المعلومات السردية لمشاهد الفيلم؛ 2- الفواعل السردية. ويعود بكلاند إلى الفيلم نفسه ومعه فيلم آخر «أورلاندو» ليجعلهما موضوعاً لتنظيره وتحليله في الفصل الخامس من الكتاب المعنون بــ«النسوية والسرد والتأليف».

قد لا يتحقق للقص الشعبي الذي يؤلفه المسلم وآخرون في المملكة ما تحقق للأدب الشعبي أو الرائج أو التشويقي في ثقافات أخرى من اهتمام نقدي وتنظيري أو إلحاق بالمنهج الدراسي، أو يسقط الجدار العازل القديم بسرعة. لكن أتوقع أن وصول مؤلفاتهم إلى الشاشة الكبيرة أو الصغيرة سيكون أسرع على الأقل في الداخل. في الأمس القريب، الأحد 3 سبتمبر (أيلول)، عُرض فيلم «القاتل» في مهرجان البندقية السينمائي الدولي (80). الفيلم إخراج ديفيد فينتشر، مخرج «الفتاة المفقودة»، ومبني على الرواية المصورة للفرنسي ألكسيس نولنت.

لم أقرأ الرواية، ولن أقرأها، لكن سأشاهد الفيلم «القاتل» عند عرضه عبر إحدى منصات البث التدفقي في نوفمبر (تشرين الثاني). هذا ما يحدث طوال الوقت، هذا ما يفعله الملايين من الناس عبر العالم. قد لا يقرأون الروايات الشعبية لأنها من أدب الثقافة الدنيا، ولكنهم يشاهدون المئات من الأفلام والمسلسلات المستوحاة منها. لكن على المسلم أن ينظر بعين ناقدة إلى ما يكتبه وكيف يكتبه و«كمية» ما يكتبه.

- ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.