المُعْتَمَدُ الأدبي: سُلْطة الأمس والتباساتُ الراهن

فقد كثيراً من سطوته التوجيهية... وما عاد يمثلُ مرجعية ثقافية

روبرت أستون
روبرت أستون
TT

المُعْتَمَدُ الأدبي: سُلْطة الأمس والتباساتُ الراهن

روبرت أستون
روبرت أستون

قبل ما يقاربُ العشر سنوات ترجمتُ - في سياق ترجمات منتخبة لحوارات مع روائيات وروائيين من شتى الجغرافيات العالمية - حواراً مع الروائي الأسترالي توماس كينيللي Thomas Keneally. قد يكون هذا الاسم غريباً بعض الشيء للقراء، لكنَّ أهميته ستنكشف لو قلت إنه كتب رواية عنوانها «قارِبُ شندلر» Schindler's Ark، جعلها المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ مادة لفيلمه الأشهر «قائمة شندلر». جاء السؤال الأخير في الحوار مستفهماً عن الكتب التي كان يطالعها كينيللي وقت إجراء الحوار معه؛ فأجاب: إلى الفنار To the Lighthouse لفيرجينيا وولف، ثمّ عقَّب هو ذاته على جوابه ضاحكاً: «ستندهشون إذ تتوقعون أنني قرأت كلّ الكلاسيكيات المعروفة. دعوني أخبركم: أنا لم أفعل هذا، وأظن أنه قلما يوجد مَن قرأ كلّ هذه الكلاسيكيات أو حتى نصفها»!

أرى أن كينيللي كشف بجرأة ووضوح عن وضع المعتمد الأدبي Literary Canon في عالمنا الراهن. المعتمد الأدبي هو ببساطة مجموعة الأعمال الأدبية التي اتفقت مجموعة من المشتغلين بالأدب (سمهم نقاداً أدبيين. لا بأس في هذا) على رفعها لمصاف النخبة الأدبية المصطفاة التي تتوجب قراءتها من جانب كلّ مثقف أو راغب في حيازة بعض توصيفات الثقافة (أو الجنتلمانية الثقافية بحسب مفردات العصر الفيكتوري وناقده الأبرز ماثيو أرنولد). لنتَّفقْ لأغراض التبسيط التعريفي غير المخلّ بالمفهوم على أنّ المعتمد الأدبي هو قائمة كلّ الأعمال الأدبية التي توصف بالكلاسيكيات The Classics.

غلاف "دورُ المعتمد الادبي في تدريس الادب"

المعتمد الأدبي الغربي في الماكينة الكولونيالية الغربية

ساهمت فعاليات كثيرة في إشاعة معتمد أدبي محدد هو المعتمد الغربي، واعتمد هذا السياق منذ تشكيل مفهوم المعتمد الأدبي أواخر القرن التاسع عشر. صار دانتي وغوته وشكسبير وملتون وكولردج وووردزورث وجين أوستن وفيرجينيا وولف وجورج إليوت وهنري جيمس وجيمس جويس وصامويل بيكيت أكبر من شخوص أدبية خلاقة. تحولوا إلى أدواتٍ في إشاعة السطوة الكولونيالية الغربية عبر البوابة الثقافية الناعمة. هذا لا يعني بالطبع أن هؤلاء كانوا شخوصاً راغبة في فرض سطوتها الكولونيالية؛ لكن هذا ما أراده صُناع السياسة وراسمو جغرافيات النفوذ والهيمنة على المستويين: العسكري (الصلب) والثقافي (الناعم).

غلاف "التقليد الأدبي الغربي"

لم يكن من سياسة ثقافية تدعم ترسيخ هذا المعتمد الغربي في الذاكرة والمخيال الفردي والجمعي أفضل من اعتماد سياسة تدريس مفردات من هذا المعتمد الأدبي الغربي في المدارس. واضحٌ تماماً السبب الكامن في كفاءة هذه السياسة: أنت في السياسة التعليمية تخاطب أعداداً هائلة (مليونية في العادة) من العقول الشابة المتطلّعة إلى المستقبل وغير المثقلة بأعباء التاريخ والآيديولوجيا؛ وبالنتيجة تكون إمكانية التأثير فيهم أعظم من المقاربات الأخرى التي غالباً ما تكون أكثر كلفة ومشقة، وأقل في حجم العوائد المتوقَّعة منها.

كلنا نتذكرُ أننا درسنا في المدارس الثانوية نماذج منتخبة من المعتمد الأدبي الغربي، وربما يكون إج جي ويلز في رواياته الشائعة المثال الكلاسيكي في هذا الشأن.

وساد نموذج المعتمد الأدبي الغربي كلّ النصف الأول من القرن العشرين وبدايات النصف الثاني منه، ثم انقلب الحال مع نشوء الدراسات ما بعد الكولونيالية ودراسات التابع: صرنا نسمع عن أدباء أفارقة وأميركيين لاتينيين ومن جنوب شرقي آسيا حققوا منجزات أدبية لامعة أهَّلت بعضهم للحصول على جوائز نوبل الأدبية. لكن رغم هذا ظلَّت سطوة بعض (حرَّاس البوابات GateKeepers) ممَّن يرون المعتمد الأدبي الغربي أقرب إلى نموذج الغابة المقدَّسة لإليوت، وفي مقدمة هؤلاء هارولد بلوم Harold Bloom الذي كتبتُ عنه عندما تُوفي قبل بضع سنوات موضوعاً في ثقافية «الشرق الأوسط» بعنوان ذي دلالة كاشفة: «وفاة حارس الميراث الشكسبيري». لن ننسى بالتأكيد كتاب بلوم عن المعتمد الأدبي الغربي الكلاسيكي، وهو مترجم إلى العربية بعنوان «التقليد الأدبي الغربي».

غلاف "هذا هو المعتمد"

هل ِمِنْ سبيل لمعتمد أدبي عالمي؟

الجواب بوضوح وبساطة: لا أظنّ ذلك، وحتى لو وُجِد مثل هذا المعتمد الأدبي العالمي فسيكون معتمداً كيفياً لا ينال بركات المتسيدين لحقل النقد الأدبي. أسباب كثيرة تقف وراء ذلك، منها:

- المعتمد الأدبي والكبرياء القومية: نتحدث كثيراً عن العولمة؛ لكن هذا الحديث ليس أكثر من غطاء آيديولوجي لتحقيق مصالح براغماتية في الجانب الاقتصادي على وجه التخصيص ولصالح القوى المتغولة مالياً واقتصادياً وتقنياً. هل نتوقع مثلاً أن يجعل الياباني أو العربي أو الصيني أو الأفريقي شكسبير بديلاً لشخوصه التاريخية المتوارثة؟ ولماذا يفعل ذلك؟ لا شيء يدفعه (أو يُرغّبه بالأصح) لهذه الفعلة.

- المعتمد الأدبي وعلاقته بالنقد الأدبي: المعتمد الأدبي - كيفما كان أصله وطبيعته - هو صنيعة نقاد أدبيين في نهاية الأمر. نعرف أن سطوة النقاد الأدبيين كمرجعيات ثقافية قد تهاوت وتراجعت كثيراً في عصر «تهاوي المرجعيات»، وكان من بعض نتائج ذلك أن صار النقد الأدبي فرعاً صغيراً من محيط أعظم عنوانه «الدراسات الثقافية». لم يعُد لدينا اليوم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين من يماثلُ النموذج الفيكتوري لماثيو أرنولد أواخر القرن التاسع عشر، فضلاً عن أن الدراسات الثقافية تعنى بموضوعات متمايزة نوعياً عن الانشغالات التقليدية للنقد الأدبي، ولم يعُد في أولوياتها الملحّة تصميمُ معتمدات أدبية جديدة.

- المعتمد الأدبي ومسألة الحجم: هذه موضوعة عملية ينبغي تداركها. لو تصورنا إمكانية الاتفاق (الكيفي) على معتمد أدبي عالمي أو قومي؛ فهل سنظل نضيف له أعمالاً جديدة بعد أن تصبح بعض الأعمال الحديثة كلاسيكيات بفعل مقادير الزمن؟ ألن يتضخم هذا المعتمد إلى حدود سيعجز معها أكثر الأفراد جدية وحرصاً ومثابرة على متابعة الأعمال المعتمدة فيه؟ العناوين الكثيرة ستكبح قدرة الأفراد على المتابعة والقراءة الجدية.

ساد نموذج المعتمد الأدبي الغربي كلّ النصف الأول من القرن العشرين وبدايات النصف الثاني منه ثمَّ انقلب الحال مع نشوء الدراسات ما بعد الكولونيالية

كتابان عن راهن المعتمد الأدبي

الكتاب الأول عنوانه: «دورُ المعتمد الأدبي في تدريس الأدب»

The Role of Literary Canon in the Teaching of

Literature

لمؤلفه روبرت جَيْ أستون Robert J. Aston. الكتاب منشور حديثاً (2022) عن دار نشر «راوتليدج»، وهو غير مترجم إلى العربية. يُعرَفُ عن مؤلف الكتاب أنه مُنظّر ثقافي ومؤلف وأستاذ جامعي يركز في دراساته وأبحاثه على نظرية المعتمد الأدبي، والمعرفة الأدبية، وتدريس الأدب وفلسفته.

يفتتح المؤلف كتابه بمقدمة ممتازة عن «موضعة المعتمد الأدبي»، ثم يتناول في فصول خمسة لاحقة موضوعات: تعليق الإضافات إلى المعتمد الأدبي، وحارسي البوابات وتدريس الأدب، والمعتمد الأدبي وعلاقات السلطة الأدبية المهيمنة في مقابل المقاومة المعاكسة، عوامل الاستقرارية والتغيير في المعتمد الأدبي، موضوعة لاكتمال المعتمد الأدبي وتأثير ذلك في عملية تدريس الأدب.

الكتاب صغير الحجم لا يكاد يتجاوز المائة وخمسين صفحة مع بيبلوغرافيا جيدة التوثيق لمباحث الكتاب.

الكتاب الثاني عنوانه: «هذا هو المعتمد»، مع عنوان ثانوي حافل بالإثارة «أبطِلْ استعمار رفّ مكتبتك بواسطة خمسين كتاباً»

This is the Canon: Decolonize Your Bookshelf in 50 Books

لثلاثة مؤلفين: أحدهم من غرينادا، والآخر أسترالي المولد من أصول أفريقية، والثالث من سيراليون. الكتاب منشور حديثاً (2023) وغير مترجم إلى العربية.

هذا الكتاب هو هجوم راديكالي على مفهوم المعتمد الغربي. يذكرنا عنوان الكتاب بكتاب آخر كتبه الروائي والأستاذ الجامعي الأفريقي نغوغي واثيونغو بعنوان «إبطالُ استعمار العقل». ما يسعى له المؤلفون الثلاثة هو شطبُ المعتمد الغربي وإبدال معتمدٍ مستحدث آخر به يتأسس على أعمال أدبية ليس بينها أحد الكلاسيكيات الغربية القديمة أو الجديدة. الكتاب أقرب إلى أنثولوجيا لخمسين كاتباً وكاتبة، منهم: ياسوناري كاواباتا، إليخو كاربنتير، تشينوا أتشيبي، آسيا جبار، جين ريز، نغوغي واثيونغو، توني موريسون، أرونداتي روي، خالد حسيني، تشيماماندا نغوزي أديتشي، أرافيند أديغا، زادي سمث.

يدعي مؤلفو الكتاب أنهم بعملهم هذا لا يسعون سوى لتأكيد التنوع الأدبي وعدم قصره على لون واحد أو جغرافية واحدة.

في خريطة الأدب المعاصر

فقد مفهوم «المعتمد الأدبي» كثيراً من سطوته التوجيهية، وما عاد يمثلُ مرجعية ثقافية. صارت مسؤولية الفرد أن ينتخب ما يشاء من قراءات أدبية تبعاً لرغبته وشغفه ورؤيته الخاصة. قد يعيش المرء حياة كاملة اليوم ثم يغادر هذه الحياة من غير أن يقرأ شكسبير أو دانتي أو جيمس جويس أو أعمال أساطين أدب الحداثة وما بعد الحداثة. لا بأس في هذا. يجب أن نقبل هذا الأمر ولا نعدّه مثلبة ثقافية.

لن نستطيع بعد اليوم متابعة كلّ كلاسيكيات الأدب الغربي وغير الغربي. حسبُنا أن نقرأ ما يتناغم مع ذائقتنا الخاصة. تبدو هذه المقاربة هي المقاربة الفضلى في عصر إشكالي متخم بالمعضلات الباعثة على الاكتئاب.

لو أن الأدب ظلّ يخدم الكائن البشري كأحد العناصر المنتجة للغاية والمعنى في الحياة البشرية فذلك يكفيه من مسعى. هذا أفضل بكثير من تسطير عناوين في معتمدات أدبية قد لا تجد من يُلْقي نظرة يتيمة عليها في نهاية المطاف.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.