الشيخ يوسف الأسير نهضوي أزهري لا يزال مجهولاً

شارك البستاني في ترجمة الكتاب المقدس وكتب الترانيم

الشيخ يوسف الأسير نهضوي أزهري لا يزال مجهولاً
TT

الشيخ يوسف الأسير نهضوي أزهري لا يزال مجهولاً

الشيخ يوسف الأسير نهضوي أزهري لا يزال مجهولاً

مارون عبود: أحمد فارس الشدياق وإبراهيم الأحدب والأسير هم ثالوث الفصحى في القرن التاسع عشر

قليلاً ما يذكر الشيخ يوسف الأسير بين رواد النهضة الفكرية الحديثة، رغم المكانة المرموقة التي احتلّها بين رجالات عصره. فقد أعطي بعض الإصلاحيين حقهم وتحولوا نجوماً، كما ناصيف اليازجي، والأفغاني، ومحمد عبده وبطرس البستاني، لكن البعض الآخر لا يزال مجهولاً بالنسبة لجمهور الناس. وقد فعلت خيراً الباحثة اللبنانية منى عثمان حجازي، أن نبشت في أرشيف ابن صيدا الشيخ يوسف الأسير، الذي ترك مدينته، حين شعر أن أهلها لا يقدرونه حق قدره، وعاش بين دمشق، وإسطنبول، والقاهرة ومدن لبنانية عدة.

قال عنه مارون عبود: «أحمد فارس الشدياق وإبراهيم الأحدب والأسير هم ثالوث الفصحى في القرن التاسع عشر»،؛ومع ذلك سقط اسم الأسير بمرور الأيام، وها هي سيرته تعود مع كل حديث جديد عن ترجمة الكتاب القدس التي شارك فيها كلاً من بطرس البستاني وكرنيليوس فاندايك. وقد درّس الأسير في مؤسسات تعليمية عريقة، منها المدرسة الوطنية ومدرسة الحكمة، وألّف الكثير من الكتب في ميادين مختلفة، وله ديوان شعري. وما لا يعرفه كثيرون أن هذا الشيخ الأزهري، كان من الانفتاح والسماحة بحيث إنه صاغ «أعمال الرسل» و«الرسائل» و«سفر الرؤيا»، ونظم الكثير من الترانيم المسيحية المستمدة مواضيعها من المزامير والإنجيل وجميعها مطبوعة، ولا تزال ترتّل في الكنائس الإنجيلية، ومنها الترنيمة التي تتضمن الوصايا العشر.

وصدر كتاب «الشيخ يوسف الأسير الأزهري والنهضوي حياته وآثاره» عن «دار نلسن» في بيروت، ليعيد الاعتبار لإصلاحي منسي، دعا إلى تعليم البنات ورآه «مهماً وضرورياً، وفيه خيرهن وصلاح أمرهن وأمر البلاد»، في الوقت الذي كانت فيه النساء لا يزلن متواريات خلف حجب كثيفة.

بدأ الشيخ الأسير (1815-1889)، حياته تاجراً. كان عصامياً، علّم نفسه بنفسه، ولم يترك مكاناً يمكن أن يستقي منه علماً إلا وقصده، فدرس في المرادية في دمشق وفي الأزهر في مصر، وتعمّق في علوم زمانه فقهاً وشريعة، ولغة وأدباً، وشعراً وصحافة. بعد الأزهر عاد الشيخ ليلقي خطبه ومواعظه والدروس الدينية في جامع الكيخيا في صيدا. لكنه سرعان ما انتقل إلى بيروت وأخذ يلقي الدروس الدينية في مسجدها العمري. وبعد ذلك انتقل إلى طرابلس، وعمل مدة ثلاث سنوات في الوعظ والإرشاد وإصدار الفتاوى المختلفة. ثم تولى مناصب مرموقة، منها القضاء في بكفيا سنة 1858، وكانت مركز قائمقامية في جبل لبنان، أثناء حكم الأمير بشير الشهابي، ثم صار مدعياً عاماً في جبل لبنان؛ لما له من حسن خلق ومكانة بين معاصريه، حتى استقال سنة 1868. وصار الشيخ يوسف بعدها أول مدعٍ عام في الدولة العثمانية، ومعاوناً لقاضي بيروت، ليتولى بعد هذا رئاسة المحكمة الشرعية في بيروت. لكن هذا لم يكن سوى الوجه الرسمي الذي استدعته الوظيفة، فقد كانت صفحات الجرائد تعج بوجهات نظر الأسير ومعالجاته الشرعية للقضايا اليومية التي تطرح عليه. فقد كان فقيهاً مجلاً، في اجتهاداته. كما كان الشيخ يوسف موسوعياً، اهتم بمعظم الفنون الأدبية واللغوية، وكان شاعراً وكاتباً، تتلمذت على يديه، أجيال من الأدباء والشعراء والفقهاء والقضاة، كثير من بينهم أصبحوا موظفين كباراً وقادة في الجيش العثماني، كما تتلمذ على يديه مبشرون أجانب ومرسلون جاءوه لتعلم أسرار اللغة العربية، ولم يخب ظنهم.

وكان الشيخ ممن يدعون للإصلاح ضمن الدولة العثمانية وفي إطار الإسلام، ناظراً إلى رجال السياسة في حينه من وزراء ومسؤولين على أنهم هم السبب في الفساد والتخلف. ولم يدع للتخلص من السلطان، بل عدّه رمزاً للمسلمين، وذخيرة يجب الحفاظ على مكانته. ويبدو أن السلطنة لم تنظر بعين الرضا لتدخل الأسير في الشؤون السياسية وآرائه الناقدة، فاستدعته إلى الأستانة ومنحته المناصب والعطايا، ليكون تحت رقابتها.

وواجهت الباحثة مؤلفة الكتاب، صعوبات جمّة في العثور على معلومات وافية عن الأسير. فإهمال السنين جعل آثاره بعضها يفقد، والبعض الآخر يبقى منثوراً في صحف تلك المرحلة، والكتب لا يعاد طباعتها. فلجأت الباحثة إلى زيارة أحفاد الشيخ يوسف وأنسبائه، في بيروت، وتمكنت من الحصول على معلومات تتعلق بتفاصيل عن حياته وأعماله، وعثرت عند أحد أحفاده على مخطوطة صغيرة تتألف من بضع صفحات تتحدث عن سيرة حياة الشيخ يوسف، بخط أحد تلامذته. كما تمكنت من العثور على نسخة من ديوانه الشعري، في خزائن كتب مسجد قطيش في صيدا، ووجدت لحسن الحظ بعض كتبه المهمة في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، وكذلك اطلعت على الصحف، التي كان يحرر فيها، مثل «ثمرات الفنون» و«الجوائب» و«لسان الحال» و«لبنان»، وغيرها.

تصف الباحثة الأسير بأن «شخصيته ريادية في الفقه والصحافة والتعليم، وفي أفكاره التي نشرها خلال حلقات التدريس التي كان يعقدها، أو على صفحات الصحف التي كان يحررها، بالإضافة إلى ما تركه من آثار مهمة على جيل بأكمله، تتلمذ على يديه، أو قرأ له، أو تأثر به، من خلال مساجلاته ومحاوراته مع رصفائه من العلماء والمفكرين، أمثال الشيخ ناصيف اليازجي وسعيد الشرتوني وأحمد فارس الشدياق، وغيرهم».

الكتاب يضع الشيخ الأسير في بيئته في القرن التاسع عشر. يعيدنا إلى عوامل النهضة السياسية في المنطقة العربية في تلك الفترة التي اتسمت بالحيوية والبحث عن الهوية والاجتهادات الفكرية. ثم تعيد الباحثة رسم الأجواء الثقافية في تلك الفترة، وكيف انعكست على مسار الشيخ الأسير وفكره، قبل أن نقرأ عن نسبه ونشأته وبيئته وظروف دراسته ورحلاته، وأبرز صفاته ومزاياه، وأسرته.

وتعرض المؤلفة لجوانب مختلفة من ملامح شخصية الشيخ يوسف، تلك التي جعلت منه لغوياً ضليعاً وقاضياً عادلاً وفقيهاً متعمقاً، وصحافياً ذائع الصيت، وشاعراً مجيداً، وأستاذاً تتهافت المدارس على أن يلتحق بها. كما يعرج البحث على أفكاره في السياسة والإصلاح والدين والمجتمع، وفي اللغة والأدب، والدور الذي لعبته كتاباته في نشر المعرفة والعلم، وفي دفع النهضة الفكرية في بلادنا، أواخر القرن التاسع عشر.

ولعله الكتاب الوحيد اليوم، الذي يقدم معلومات وافية تحيط بمختلف جوانب شخصية الشيخ يوسف الأسير، إضافة إلى أنه يذكر آثار الشيخ من مخطوطة ومطبوعة، ويفينا بأهم محتوياتها، مع الغرض من وضعها.

وتروي الباحثة سبب اهتمامها بهذا الإصلاحي الذي بقي مجهولاً لفترة طويلة، فتقول: «جذبتني سيرة حياته أثناء مطالعتي لكتاب (دليل معالم صيدا الإسلامية) وأعجبتني الأبيات الشعرية التي نظمها الشيخ يوسف، ونقشت على لوحة فوق الباب الأوسط للمسجد العمري الكبير في صيدا، كما لفت انتباهي بشدة السبب الذي جعله يترك التدريس في مسجد الكيخيا ويغادر صيدا ضنّاً بالعلم يعطى لغير أهله».

وربما أن أحد عناصر جاذبية سير رجال النهضة، ويوسف الأسير أحدهم هي عصاميتهم، فلم يتخرجوا من جامعات، ولم تذلل أمامهم الصعوبات، ولم تكن طفولتهم في مدارس تمنحهم الدفع الكافي، ومع ذلك ساقهم فضولهم إلى البحث عن المعرفة أينما كانت، وفي سبيلها تحملوا المشقات، وقطعوا المسافات، وحرموا من أهلهم وتغربوا عن ديارهم. ففي الأستانة لم يتحمل الشيخ البرد القارس، وقد اعتل جسده بعد سنوات من الكد والعمل، شدّ الرحال من جديد إلى بيروت، رغم إلحاح المسؤولين على بقائه هناك، والمكانة المالية والمناصب المهمة التي تولاها. وفي بيروت أكمل رحلته كاتباً وباحثاً وخطيباً، وواعظاً إلى أن وافته المنية سنة 1889، عن عمر يناهز السابعة والسبعين. شيّع الشيخ يوسف إلى مثواّه الأخير، محمولاً على أكفّ طلبة العلم، يحيطون بالنعش، وبين جموع المشيعين حاكم بيروت التركي، والمفتي، ووجهاء وأعيان من الطوائف كافة.

نعى الشيخ يوسف تلاميذته وأصحابه من معاصريه، فأخذوا ينظمون القصائد، ويدبّجون المقالات في تأبينه، مشيدين بفضله على عصر النهضة، وبدوره في نشر العلم والثقافة، ومسجلين آثاره ومآثره، وما تركه من مؤلفات ومقالات. وقد جمع صديقه الشيخ إبراهيم الأحدب معظم ما قيل في تأبينه في كتاب أسماه «مراثي الشيخ يوسف الأسير».



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».