أمجد ريان: لست «أباً روحيّاً» لأحد وأعيش الحياة بقوة الحلم

الشاعر المصري يصف علاقته بالكتابة بأنها «جوع مستعر»

 الشاعر أمجد ريان
الشاعر أمجد ريان
TT

أمجد ريان: لست «أباً روحيّاً» لأحد وأعيش الحياة بقوة الحلم

 الشاعر أمجد ريان
الشاعر أمجد ريان

بشاربٍ كثٍ وصوت جهوري ونبرة ما أسهل أن تختنق بالعبرات من فرط سرعة التأثر، يطل الشاعر المصري أمجد ريان، على الحياة من «خلف شرفة الحنين والامتنان للماضي». يكتب قصيدة تشبهه تماماً ببساطته وعفويتها وخلوها من الزخرف. الحياة اليومية بتفاصيلها البسيطة والروح المصرية الحميمة تشكلان ركيزة أساسية في إبداعاته. ويصف علاقته بالكتابة بأنها «جوع مستعر». من دواوينه الشعرية: «الخضراء»، «البيوت الصغيرة»، «لا أحد للصباح» و«تي شيرت واسع بكل الألوان». فيما يبدو النقد الوجه الآخر لحضوره في المشهد الثقافي عبر عدد من المؤلفات منها: «غالى شكري بين الحداثة وما بعد الحداثة»، «تبادلات الذات والواقع في التجربة الرومانتيكية»، «صلاح فضل والشعرية العربية»، و«حيوية الوجود في رواية عطلة رضوان لعبده جبير».

هنا... حوار معه حول ديوانه الجديد، وهموم الشعر والكتابة.

* في أحدث دواوينك «تي شيرت واسع بكل الألوان» تتبدى التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية مثل الشارع والميدان وبطاقة شحن الموبايل كما لو كانت «جحيماً» يعيشه الشاعر؟

- ليست التفاصيل الصغيرة جحيماً، بل هي طبيعة الحياة التي نعيشها اليوم. لا يمكن أن نتصور الحياة جحيماً بقدر ما هي المجال الذي تتحقق فيه أحلامنا وأفكارنا، كما أنها المجال الذي تتحقق فيه الأحداث اليومية التي تحيط بنا. والشيء الثابت عندي مهما تغيرت الأشياء ما بين جنة أو جحيم من حولي هو عشقي للكتابة وانشغالي بها طوال اليوم منذ استيقاظي صباحاً ما لم يشغلني عنها شاغل قهري.

* في الديوان نفسه تقول: «نحن المساكين نتصور أن اللغة ستصل بنا إلى بر الأمان... فإذا بنا في قلب المتاهة»، هل تخونك اللغة؟

- وصف اللغة هنا بأنها خائنة يعني أنها متعددة الدلالات إلى أقصى درجة. وكثيراً ما نتصور دلالة محددة، نبحث عنها، لكننا نفاجأ بأنها تفتقت عن دلالات أخرى لم تكن في الحسبان. اللغة غنية للغاية وثرواتها الدلالية مضطردة النمو في كل الاتجاهات. وهذا بالضبط ما يجعل الإبحار معها أشبه بمغامرة تقود نحو اكتشافات مدهشة، المصب يختلف عما كان في حسباننا ونحن في المنبع.

* بدأت مسيرتك الشعرية بقصيدة «التفعيلة» ثم اتجهت نحو «قصيدة النثر»... ما مبررات هذا «التحول» فنياً وإبداعياً؟

- أخشى أن يُفهم من السؤال وكأن اهتمامي بقصيدة النثر جعلني «أهجر» قصيدة التفعيلة. ليست المسألة هجرة بل تطور طبيعي لثقافتي وأفكاري. هذا بالضبط ما يبرر هذا التحول، مع العلم بأنني كنت أكتب قصيدة التفعيلة وأنا في الخامسة عشرة من عمري، وأنا الآن تجاوزت السبعين.

* كان والدك صاحب رؤية محافظة وتلقيت على يديه تربية تراثية صارمة، لكنك اتجهت رغم ذلك إلى الثقافة والتجريب والرؤية الحرة في الشعر والحياة... كيف تنظر لهذه المفارقة؟

- أنتمي إلى أسرة بسيطة بالمعيار الاقتصادي، لكن حدث أن اقتني أبي بعد حصوله على الميراث شقة جيدة في حي منشية البكري، الذي كان لا يزال عريقاً ويسكنه علية القوم من أصحاب الفيلات. وكان أبي يعمل مدرساً بمدرسة «سراى القبة الثانوية للبنات» التي لا تزال قائمة حتى اليوم. تخرج أبي في قسم اللغة العربية بكلية الآداب وهو القسم نفسه الذي تخرجت فيه. كان أبي عاشقاً للغة ورباني وفق منظور كلاسيكي محافظ، لكنه كان أيضاً تلميذاً للدكتور طه حسين وعاشقاً للشعر القديم. وعندما رأى ميولي تجاه الثقافة والأدب وأنا في سنوات الصبا، تحولت العلاقة بيننا إلى ما يشبه الصداقة. أخذ أبي يشرح لي وأنا في تلك السن الصغيرة عيون الشعر العربي، لا سيما شاعره الأثير طرفة بن العبد.

* ألم تحدث خلافات بينكما؟

- بالطبع كانت توجد خلافات بيننا، فعلى سبيل المثال في المرحلة الثانوية أصر والدي أن ألتحق بالقسم العلمي بما فيه من رياضيات وعلوم وكنت لا أطيقه. وكانت النتيجة أن حصلت على مجموع ضعيف في امتحان نهاية العام، ثم أعدت العام الدراسي، وتكرر حصولي على مجموع ضعيف. وعندما انتقلت إلى القسم الأدبي تفوقت والتحقت بقسم اللغة العربية التي كان الطلبة يهربون منه، وحصلت على الدكتوراه في النقد الأدبي.

*ماذا عن المفارقة الأخرى التي تنطوي عليها تجربتك الإبداعية والتي قد لا يعرفها كثيرون وهى أنك بدأت مسيرتك كاتباً للقصة القصيرة؟

- كنت عضواً بالنادي الأدبي بقصر ثقافة «الريحاني» وكان يشرف على النشاط الثقافي به الروائي المعروف إبراهيم عبد المجيد. وكان من عادة النادي إقامة ندوة شهرية يستضيف فيها أحد النقاد المهمين للتعليق على نصوص إبداعية لأحد أعضاء النادي من الشباب. وقد وقع علىّ الاختيار باعتباري قاصاً وليس شاعراً، حيث كانت بداية معرفة الوسط الأدبي بي أنني كاتب قصة قصيرة. وكان حظي أن ناقش أعمالي القصصية الناقد سامي خشبة الذي أعجب بما قرأه حتى أنه قال كلاماً أخجل من تكراره الآن وتنبأ لي بأن أصبح أحد فرسان القصة في مصر. وكان عمري يتراوح ما بين 19 أو 20 عاماً بحد أقصى.

* كيف جاء التحول إلى الشعر إذن؟

- لم يكن قراراً عقلياً أو اختياراً واعياً. ما أعرفه هو أنه بعد تراكم مشاعر وخبرات عاطفية وتوالي محطات من المعاناة وجدت الشعر مبتغاي ووجهتي وملاذي. أصبحت الكتابة بشكل عام أحد أشكال الهوس في حياتي. أعاني جوعاً مستعراً للكتابة على مدار اليوم. الكتابة صارت بالنسبة لي هي الحياة. كثيراً ما أذهب للفراش وفي عيني دمعة نتيجة الغيظ لأن فكرة أو معنى عنّ لي ولم أستطع تدوينه.

أذكر أن التقيت الناقد عبد الفتاح الجمل الذي كان مشرفاً على الملحق الأدبي بصحيفة «المساء» وأعطيته وأنا طالب جامعي إحدى قصائدي ليطلع عليها. كان متجهماً ولم يقم معي حواراً. طلب فقط أن أدع القصيدة على مكتبه. غادرت المكان وأنا حزين، وفي الأسبوع التالي كنت أتعرض مرة أخرى للاختيار الصعب، هل أشتري بما عندي من مال قليل صحيفة «المساء» لأطالع الملحق الذي أعشقه أم أشترى وجبة عشاء ساخنة. اشتريت الصحيفة لأجد قصيدتي منشورة على ثلاثة أرباع صفحة فشعرت بفرحة زلزلت كياني. إنها ذكرى مدهشة تأسرني حتى الآن. أيضاً كان ينشر لي الناقد فاروق عبد القادر في مجلة «الطليعة» التي كان يرأس تحريرها المفكر لطفي الخولي.

* الآن وبعد كل هذه السنوات من العطاء شعراً ونقداً، كيف تنظر إلى تجربة جيل السبعينات، هل لا يزال يشكل بئرك الأولى؟

- كنت أشارك في الكثير من الندوات والأنشطة الأدبية ضمن مجموعة من الشباب المتحمسين للثقافة والإبداع وحلم تغيير العالم عبر النص الأدبي. لم تكن ملامحنا كجيل قد تشكلت بعد. وفي إحدى الندوات، تعرفت على كل من الشاعرين حلمي سالم وعلي قنديل. مات قنديل في عز شبابه وبقى سالم بحماسه وطاقته. سهرنا في ذلك اليوم في مقهى بميدان التحرير حتى الساعات الأولى من الصباح ونحن نشتعل بالأحلام. في تلك الليلة ولدت فكرة مجلة «إضاءة 77» التي كان سالم الدينامو المحرك لها. لم أحضر صدور العدد الأول من المجلة بسبب خدمتي العسكرية لكن شاركت في تحرير كل الأعداد التالية. شارك في المجلة التي كانت غير دورية وتصدر بقروش زهيدة من جيب مبدعين شبان شعراء ما سيطلق عليهم فيما بعد «جيل السبعينيات الأدبي» مثل جمال القصاص وحسن طلب ورفعت سلام وحلمي سالم.

* يبدو حضورك خافتاً بين أقرانك من جيل السبعينيات، لا سيما في العشرين سنة الأخيرة، هل هو زهد في الأضواء أم ظلم وقع عليك؟

- بشكل شخصي لم يقع عليّ أي ظلم إعلامي وأنشر قصائدي، غالباً، في المكان الذي أجده مناسباً وأحس بأهميته الثقافية في حياتنا. أما شعراء جيل السبعينيات فقد قاموا بدور مهم في تأكيد تجربة «المجاز اللغوي» لتقوم بدورها التاريخي تجاه القصيدة العربية، حتى سلم جيل السبعينيات الراية لأجيال جديدة أقدر على مواصلة القيام بأدوار تالية.

* البعض يعدك أحد «الآباء الروحيين» لشعراء جيل التسعينيات الذين راهنوا على قصيدة النثر في مصر، إلى أي حد تتفق مع هذا الرأي؟

- لا أحب أبداً تعبير «الأب الروحي»، خصوصاً فيما يتعلق باهتمام شاعر بتجربة شعراء من جيل تالٍ. وأنا لم أقم بدور أب روحي، بل لم أساعد في الأصل شعراء جيل التسعينيات، والحقيقة هي أنني أنا الذي استفدت من الكثير من رؤى هذا الجيل الطليعي الرائد.

* يرى البعض أن قصيدة النثر استنفدت جميع طاقاتها التعبيرية والجمالية، وآن لها أن تتنحى جانباً وتفتح الطريق لشكل فني يعيد للشعر حيويته بعيداً عن النمطية والتكرار... كيف ترى الأمر؟

- على العكس من ذلك، أعتقد أن قصيدة النثر لم تبدأ بعد لأنها قدمت حتى الآن أقل إمكاناتها الجمالية والتعبيرية والرؤيوية. وأعتقد أنه بداية من الزمن القريب القادم ستبدأ قصيدة النثر في تفجير طاقاتها الهائلة التي تزداد ثراء في كل يوم، والتي ستبهرنا بما كنا لا نتوقع.


مقالات ذات صلة

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح وسعرها 1300 جنيه إسترليني تُباع في متجر حلويات في غرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي فتح باب التقديم والتسجيل بـ«جامعة الرياض للفنون» شهر مايو المقبل لتبدأ الدراسة في أروقتها خلال سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية (الشرق الأوسط)

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية بمختلف مجالاتها وأجيالها، ضمن مبادرات الدار الهادفة إلى خدمة الثقافة اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.