سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

تحية عبد الناصر تردها إلى أصولها في التراث العربي واختلاطها بأجناس أخرى

طه حسين
طه حسين
TT

سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

طه حسين
طه حسين

طه حسين، لطيفة الزيات، إدوارد سعيد، آسيا جبار، صنع الله إبراهيم، محمود درويش، عالية ممدوح، مريد البرغوثي، نجلاء سعيد، رضوى عاشور، منى برنس... أدباء وأديبات من مصر والجزائر وفلسطين والعراق كتبوا جميعاً سيَرهم الذاتية على نحو يراوح بين التسجيل الوثائقي والثوب القصصي. وهم في ذلك امتداد لأعمال من الماضي القريب ومن التراث العربي سجلت، عبر القرون، خبرات مؤلفيها والتحامهم بعصرهم وعلاقاتهم برجاله ونسائه.

الأدباء المذكورون أعلاه موضوع كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه «السيرة الذاتية الأدبية والنضال القومي العربي» من تأليف الدكتورة تحية عبد الناصر، حفيدة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأستاذ مساعد الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة، ومؤلفة كتاب «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية» الذي استعرضناه في هذه الصفحة في 6 فبراير(شباط) 2023.

مريد البرغوثي

ترد المؤلفة فن السيرة الذاتية إلى أصوله في التراث العربي واختلاطه بأجناس أدبية أخرى كالسير وكتب الرحلات وكتب الدين والأخبار والسجلات ومعاجم الأدباء (ترد هنا على الذاكرة أسماء الغزالي، وأسامة بن منقذ، وابن جبير، والمقدسي، وغيرهم). ويغطي كتابها الفترة ما بين النصف الثاني من القرن العشرين والألفية الجديدة في 3 لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية. ومسارح السير التي تعالجها متعددة: قرى الريف، وصحن الأزهر، والسجن، والجبال التي كان يعتصم بها ثوار الجزائر، وشقة في فلسطين، وشقة محاصرة في بيروت، والقاهرة في عهد الاحتلال البريطاني، ونيويورك، وغرفة مستشفى، وميدان.

أشهر هذه السير الذاتية بلا جدال كتاب «الأيام» بأجزائه الثلاثة للدكتور طه حسين (1889 - 1973) وهو، كما يقول بيير كاكيا، أول كتاب في الأدب العربي الحديث يكتسب اعترافاً دولياً، ويترجم إلى لغات عدة. ونشر الكتاب أولاً مسلسلاً على صفحات مجلة «الهلال»، وفيه يتحدث المؤلف عن نفسه بضمير الغائب. في الجزء الأول نشهد طرفاً من طفولة الصبي الكفيف في صعيد مصر واختلافه إلى كُتّاب القرية وإرساله إلى القاهرة كي يتلقى تعليمه في الأزهر. وفي الجزء الثاني نرى سنوات دراسته في الأزهر وشعوره الحاد بالعزلة وهو يعيش في القاهرة. أما الجزء الثالث (وقد نُشر قبل رحيل المؤلف في أكتوبر 1973 بستة أشهر) فيسجل ارتباطه بالجامعة المصرية وانفتاحه على ثقافة الغرب حين سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا ليعد رسالته للدكتوراه في جامعة السوربون ثم يعود إلى مصر أستاذاً للتاريخ القديم، ويثير عواصف في الحياة العقلية بأفكاره ومحاضراته وكتبه مثل «في الشعر الجاهلي» و«مستقبل الثقافة في مصر» وغيرهما.

لطيفة الزيات

ويتكامل ما تقوله تحية عبد الناصر هنا مع كتابات سابقة عن طه حسين، منها الكتاب الرائد (1956) لبيير كاكيا عن الأستاذ العميد وموقعه من النهضة الأدبية المصرية، وكتاب سوزان طه حسين «معك»، وكتاب «العمى والسيرة الذاتية» (1988) للباحثة فدوى ملطى – دوجلاس. وتجتمع هذه الكتابات على رسم صورة متكاملة للفتى النابغ الضرير الذي كان، على حد تعبير لويس عوض، «إمام الثائرين والراشدين معاً».

وتتحدث تحية عبد الناصر عن كتاب «حملة تفتيش: أوراق شخصية» (1992) للروائية وأستاذة الأدب الإنجليزي الدكتورة لطيفة الزيات (1923 - 1996). يسجل القسم الأول من الكتاب ذكريات الزيات مناضلة ضد الاحتلال البريطاني في أربعينات القرن الماضي (وقد سُجنت آنذاك في الإسكندرية عام 1949) ومشاركتها في الحركة الطلابية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) عام 1942. أما القسم الثاني فيسجل تجربة سجنها في سجن القناطر عام 1981. ومن الأحداث الأخرى التي يسجلها الكتاب زواجها ثم طلاقها من الدكتور رشاد رشدي الناقد الأدبي والكاتب المسرحي وأستاذ الأدب الإنجليزي، وحرب 1973 مع إسرائيل، ووفاة طه حسين.

ولا نكران لأهمية الدور الذي لعبته لطيفة الزيات في الحياة العامة والجامعية والأدبية، فقد كانت روايتها «الباب المفتوح» (1960) من أهم نماذج أدب المرأة الجديدة الطامحة إلى المشاركة في الحياة العامة والنضال القومي، والخروج من نطاق الاهتمامات النسائية التقليدية. وكانت كتاباتها النقدية بالإنجليزية والعربية (ومنها كتاب جيد عن نجيب محفوظ) ومحاضراتها في الجامعة مؤثراً قوياً في عدد من الكتاب والكاتبات مثل الدكتورة رضوى عاشور الروائية والأستاذة الجامعية أبرز السائرات على دربها. ولكن من المبالغة الغليظة والإسراف أن نقول، كما يقول الدكتور صبري حافظ في الجزء الثاني من كتابه «سرادقات من ورق»، إن كتاب «أوراق شخصية»: «إضافة جديدة لا لعالم لطيفة الزيات وحده وإنما لجنس السيرة الذاتية في الأدب العربي كله لأنه كتاب يغير مفهوم هذا الجنس الأدبي ويبدل بنيته حتى تتواءم مع تاريخ المرأة وتجربتها في عالمنا العربي، وهي تجربة تعاني من التمزق والتفتت وغياب الاستمرارية السببية أو المنطقية».

رواية «حبات النفتالين» (1986) للروائية العراقية عالية ممدوح من الأعمال التي تفردها تحية عبد الناصر بالذكر، وقد ترجمت إلى لغات غربية عدة. وكانت الروائية قد غادرت العراق في 1982 وعاشت متنقلة بين المغرب ولبنان وإنجلترا قبل أن يستقر بها المقام في باريس، و«حبات النفتالين» رواية عن بغداد، بطلتها شابة تدعى هدى، أبوها مأمور سجن في كربلاء، وأمها سورية تعاني من ذات الصدر. وزمن الأحداث هو أربعينات القرن الماضي وخمسيناته في حي الأدهمية ببغداد. إنها رواية أوتوبيوغرافية من نوع روايات تكوين الشخصية وتتبع نموها، فهدى تسجل انطباعاتها عن أسرتها وعن الحياة في مدينتها في منتصف القرن العشرين. والرواية في الوقت ذاته، كما تقول الدكتورة فريال غزول، رواية عن حالة العراق عشية ثورة 1958 التي كانت ثورة على النظام الملكي وعلى سيطرة بريطانيا على مقدرات الوطن. والرواية من هذه الناحية تشبه رواية لطيفة الزيات «الباب المفتوح»، ورواية آسيا جبار «أبناء العالم الجديد»، إذ تشترك الروايات الثلاث في تصوير عالم المرأة في غمرة نضال قومي.

وتتحدث تحية عبد الناصر عن الروائي المصري صنع الله إبراهيم (1937- ) في روايتيه « تلك الرائحة» (1966) و«التلصص» (2007). و«تلك الرائحة» رواية قصيرة (نوفيلا) شبه أوتوبيوغرافية تستخدم تيار الشعور الذي أشاعه الروائي الآيرلندي جيمس جويس. أما «التلصص» فهي رواية عن طفولة المؤلف، تروي قصة صبي وأبيه المسمى خليل بك، وهو ضابط جيش متقاعد. وتستمد الرواية عنوانها من كون الصبي يتلصص على الكبار من حوله مسترقاً السمع أو مختلساً النظر إليهم. إنه يصحب أباه في زيارات للأقارب وإلى المقهى وإلى دكان البقالة. على أن عقل الصغير لا يستطيع أن يفهم كثيراً من الأمور: كيف كانت العلاقة بين أبويه، لماذا أصيبت الأم بانهيار عصبي... إلخ.

هذه إطلالة على عالم الكبار تذكرني (وهذا اجتهاد من جانبي) برواية الروائي أميركي المولد، بريطاني الجنسية هنري جيمس «ما كانت تعرفه ميزي». وبطلتها فتاة صغيرة تكتشف، مثل بطل «التلصص»، تعقيدات العلاقات بين الراشدين من رجال ونساء (لرواية جيمس ترجمة عربية للدكتور نظمي لوقا).

وتحت عنوان «أغنية فلسطين» تكتب تحية عبد الناصر عن الشاعر محمود درويش (1942 - 2008) والشاعر مريد البرغوثي (1944-2021) الأول في كتابه «ذاكرة للنسيان» (1986)، والثاني في كتابيه «رأيت رام الله» (1996) و«ولدت هناك، ولدت هنا» (2009). (أول وثاني هذه الأعمال مترجم إلى الإنجليزية).

أغلق درويش بابه على نفسه في شقته بمدينة باريس لمدة 3 أشهر كي يؤلف كتابه عن بيروت في أغسطس (آب) 1982 وهو تاريخ غزو إسرائيل للعاصمة اللبنانية. كتاب درويش يفتتح درباً جديداً للسيرة الذاتية العربية، إذ هو إطلالة على المشهد التاريخي والسياسي والثقافي، ومزج بين الشعر والسيرة الذاتية. وقد ظهر باللغة العربية تحت عنوان «الزمان: بيروت/ المكان: أغسطس». ويعالج آليات الذاكرة ومفارقات الحلم ولواعج الرغبة.

وفي إلماعة تعكس مقولة ت. س. إليوت «أبريل أقسى الشهور» يكتب درويش: «أغسطس أطول الشهور» كما يردد - إذ يواجه الموت - سؤال هملت «نكون أو لا نكون» وقد حول السؤال من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع.

وفي كتاب «رأيت رام الله» (نقلته الروائية الدكتورة أهداف سويف إلى الإنجليزية) يسجل مريد البرغوثي زيارته لقريته في فلسطين لمدة اثني عشر يوماً بعد غياب ثلاثين عاماً في المنفى. لقد بدأت غربته بعد حرب 1967 وها هو ذا الآن يعود إلى رام الله في 1996. وكتابه مزيج من المذكرات والشذرات الشعرية والحكايات وأدب الرحلات.

لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات. وساهم في هذا الفن (إذا اقتصرنا على مصر وحدها) ساسة ورجال دولة، منهم الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري في عهد جمال عبد الناصر، وعلماء منهم الدكتور رشدي سعيد أستاذ الجيولوجيا، وأساتذة جامعيون من مختلف التخصصات: «أوراق العمر» لأستاذ الأدب الإنجليزي لويس عوض، و«سيرة حياتي» لأستاذ الفلسفة عبد الرحمن بدوي، و«معي» لأستاذ الأدب العربي شوقي ضيف، و«الليالي» لطه وادي (أستاذ آخر للأدب العربي أصغر سناً من ضيف)، و«مشيناها خطى» لأستاذ التاريخ رءوف عباس، و«واحات العمر» (وما تلاها) لمحمد عناني (أستاذ آخر للأدب الإنجليزي أصغر سناً من عوض) والقائمة تطول. فلعل واحداً من شباب الباحثين الذين يعملون تحت إشراف المؤلفة في الحقل الجامعي يصرف همه إلى دراسة هؤلاء الكتاب سائراً على الدرب الذي شقته، بكفاءة واقتدار، تحية عبد الناصر في هذا الكتاب. شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.