فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

تصدر عن «دار الجديد» وفي المكتبات بعد أيام

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية
TT

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

نهاية الشهر، تظهر في المكتبات الترجمة العربية لرواية الأديب اللبناني الفرنسي سبيل غصوب «بيروت على ضفاف السين»، التي نالت «جائزة غونكور الطلاب»، وهي التي ينالها صاحبها بعد أن تخضع روايات عدة مرشحة للجائزة لتصويت الطلاب. وقد وقع اختيارهم على هذه الرواية التي تحكي قصة عائلة هاجرت إلى فرنسا بسبب الحرب الأهلية في لبنان، لتعيش حياة فرنسية بمذاق لبناني.

الطريف أن النسخة العربية التي صدرت في بيروت عن «دار الجديد» ترجمها عن الفرنسية والد المؤلف قيصر غصوب الذي هو أحد أبطالها. وهو شاعر، ومسرحي، وصحافي وأستاذ لغة عربية، لكنه وجد نفسه أمام مهمة مختلفة تماماً هذه المرة. إنه اختبار نقل نص ابنه الذي يروي قصة حياته شخصياً كمهاجر.

تفتتح الرواية على النحو التالي: سألني أبي: «هل تريد أن أرويَ لكَ قصَّةَ حياتي بالعربيّة أم بالفرنسيّة؟». ثمّ أضاف: «هل تفهمُ العربيّة؟». وقد كان هو معلِّمي مُدَّة ثلاثِ سنواتٍ طوالٍ، وكنتُ أعيشُ في كلِّ أمثولةٍ من أمثولاته جلجلةً لا نهاية لها.

وعلى إثرِ هذا الكلام علَّقتُ زِرَّ التّسجيلِ على قميص بيجامَتِهِ الّتي يرتديها منذ أن كنتُ في الخامسةِ من عمري. بيجامةٌ مرتَّقَةٌ مرّاتٍ عِدَّةً بأناملِ خيّاطين أكرادٍ وعراقيين وكوريِّين؛ بعضهم وضع أيضاً خِرقاً من جلدٍ لسدِّ الثّقوب.

ويعرف القارئ أن للوالد أكثر من دزينة بيجامات، من النسخة نفسها، لكن يأبى أن يلبس غير هذه التي حملها معه من لبنان.

الرواية مليئة بهذه الإشارات الإنسانية التي تتحرى نفسية أم وأب مهاجرين اضطرتهما الظروف مع اندلاع الحرب الأهلية للعيش مؤقتاً في باريس، لكنهما لن يعودا أبداً، وسيبقيان معلقين على خيط الأمل الواهي.

يختلط الخيال بالواقع، فعائلة الكاتب حاضرة بأسمائها الحقيقة، لكن هذا لا يمنع أنه ملأ فراغات الذاكرة، وفجوات الروايات التي قصها عليه الوالدان، بتفاصيل روائية. كما أن الراوي (الابن) تمكن بعد جمع حكايات والديه من الصور والرسائل ومقابلاته معهم، من المزج بين الخاص والعام، حيث تحضر تعقيدات الوضع اللبناني وانقساماته حتى داخل العائلة الواحدة، من خلال قريبين أحدهما يقاتل مع الكتائب اللبنانية ويمقت الفلسطينيين، وآخر يقاتل من أجل تحرير فلسطين.

وهنا مقطع من النص العربي الذي سيظهر في المكتبات بعد أيام.

أبي وأمّي في باريس | 1975

يتصيّد أبي الجرائد من المزابل العامّة بواسطة عصا صنعها من قطعة خشبيَّةٍ وخيطٍ وإبرة خياطة معقوفة. يسرق الكتب من مكتبة «جيلبير جون» «أكثر من 100 كتاب» هذا ما أكّده لي. يحكي لي دائماً الطّرفة نفسها، وهي أنّه تناول مرّة شقعة من الكتب من الرّفوف وخرج دون أن يدفع، فاقترب منه رجل أمن، وربَّتَ كتفه اليمنى: «إلى أين أنت ذاهب؟ اتبعني!».

كان الرّجل طويلًا، أكثر من مترين. مشى أبي خلفه إلى الطّابق الأرضي دون كلمة حيث وجد نفسه في مخفر.

- ماذا كنت تنوي أن تفعل بهذه الكتب؟

- بهذه الكتب؟

- نعم يا سيّد.

- كنت أنوي أن أُرِيَها لزوجتي الواقفة في الجهة الأخرى من الشّارع. هل تعرف أنّ «اختفائي» قد يصيبها بالجنون والحزن، وأنّها ستتصل على الأرجح بالشّرطة وأنتم هنا غبّ الطلب!

- هل تضحك عليّ؟

- لا أبدًا. لنصعد الآن معاً من فضلك.

أمّا أمّي الّتي أضاعت زوجها فطلبت من أحد البائعين أن يناديَ اسمه على المكبّر كأنّه ولد عمره أربع سنوات. كنّا نسمع في المكتبة ما يلي: «السّيّد قيصر غصوب مطلوب على الاستقبال، السّيّد قيصر غصوب!». وحين شاهدتْ أبي بدأت تولول: «أين كنت يا قيصر؟ أين كنت؟ أبحث عنك منذ ساعة!». عندها تمنّى رجل الأمن لو أنّ الأرض تنشقّ وتبلعه. حاول أبي أن يهدّئ من رَوْع أمّي: «اهدئي، أردت أن أُرِيَكِ هذه الكتب في الشّارع فظنّوا أنّني سأسرِقُها». بدأ صراخ أمّي يتعالى أكثر فأكثر إلى درجة أنّ الكتب صارت تتساقط عن الرّفوف: «لا، لا، هل أنتَ مخبول؟! زوجي يسرق؟! ألأنّه يحمل بين كتفيه رأساً عربياً، أو رأساً تركياً حسبما تفكّرون؟! يا عيب الشّوم عليكم! يا عيب الشّوم!». أخذت الكتب من يديْ أبي ورمتها على الأرض: «خذوا كتبكم، لا نريدها! على كلِّ حال نحن نختنِقُ داخل مكتبَتِكم، نختنق! لا يدخلها شعاع نورٍ. لا أفهم كيف يتحمل زوجي أن يبقى فيها ساعات عدّة».

إلى جانب الدّراسات الّتي يتابعها في السّوربون يعمل أبي كثيرًا؛ فهو صحافيٌّ ثقافي في بعض المجلّات العربيّة، كما أنّ جامعة القديس يوسف في بيروت عيّنته في إدارة مركز الأبحاث والدّراسات العربيّة «لو كريا» لتدريس العربيّة للرّاشدين.

ينتقل من شقة إلى شقة، يعلّم الأبجدية لرؤساء الشّركات الفرنسيّة الكبيرة. ألف، باء، تاء، ثاء... وتلاميذه يتعثّرون دائماً بالأحرف ذاتها، ولا يستطيعون أن يلفظوا حرف «الرّاء» دون لدغته الفرنسيّة، ولا أن يتنحنحوا بحرف «الحاء» الّذي يصدر من الحلق.

«بسرعة وجد أبوك عالَمَه، يتحرّك كثيراً، ويلتقي أُناساً كثيرين. أمّا أنا فكنت أشعر بأنّني وحيدة»... سُجّلت والدتي في السّوربون لدراسة الجغرافيا. ولكنّها ووالدي كانا بحاجة لمدخول لدفع إيجار الشّقة مثلاً، ورغم أنّ الأهل يرسلون لهما مبالغ بيد أنّها لا تكفي، لذا أخذت تبحث بحثَ المستميت عن عملٍ.

لم تكن لتفهم خرائط المترو: الخطوط والتّحويلات وقاطع التّذاكر؛ في لبنان تنقّلت دائماً بالسّيارة. أبوها يعيرها سيّارته. كان من أوائل اللّبنانيّين الّذين اشتروا سيارة. رقم لوحتها يثبت ذلك هو «3101». وقد وُضِعت هذه اللّوحة على سيارتي الأولى في لبنان. أذكر أنّني في محطة وقود قرب ضيعة أمّي، اقترب منّي رجل عجوز عند رؤيته رقم اللّوحة «3101» وقال لي: «أنتَ حفيد توفيق؟». ثمّ ضمّني إلى صدره قبل أن أجيبه. كانت موسيقى الستّينات المصرية تصدح من مذياع محطة الوقود. يكفي أن أغمضَ عينيَّ كي أتخيَّل أنّني أسير في مشهد فيلم من أفلام المخرج الألماني ـ التّركي فاتح أكين، حيث تكتنفُ عودة شابٍّ من أبطاله إلى قريته صُدَفٌ سحريّة.

الكلوشار أو صعاليك باريس هو ما شاهدته أمّي للمرّة الأولى في حياتها، ففي لبنان لم يكن جائزاً أن نترك أقرباءنا يتسوّلون. هناك دائماً ابن عمّ أو عمّ أو قريب ليتلقّفَ هذا المسكين ويساعده أو يلجِئَه أو يجدَ له عملاً. حين تخبرني أمّي بهذا اللّبنان، أتحقق كم أنّ البلد الّذي عرفَتْهُ قد تغيّر.

نصادف الآن شحاذين شباباً أو عجائز لبنانيّين أو سوريّين نساءً أو رجالًا في كلِّ ناصية من شوارع بيروت.

أمّي تشتاق إلى أمّها بشكل قاسٍ، اعتادتا الألفة وهذا البعادُ جُلجُلة. فقدَتْ أمّي نجيّتَها، صديقتَها الحميمة، شقيقةَ روحها. تكتب لها رسائل تستهلّها بـ«ماما حبيبتي»، وتستكملُها بعبارات حبٍّ وكلماتٍ بليغةٍ ومؤثّرة. تبكي أمّي يومياً؛ لأنّها تعيشُ بعيدةً عن أهلها وعن بلدها. آخر همّها حياتها الباريسيّة.

صديقاتها في لبنان يكتبن لها: «حظّك كبير لأنّك تعيشين في باريس». كانت تودّ أن تجيبهنّ: «اخرسن، إنكنّ لا تفهمن شيئاً». كلّ ما كانت تتمنّاه هو العودة إلى أحضان أبيها، وإلى دردشاتٍ وقهوةٍ مع أمّها، وأن تستعيد أرضَها وشمسَها وبحرَها. في خيالها، باريس رائعةٌ وجميلةٌ كالأفلام الفرنسيّة القديمة الّتي كانت تشاهدها في بيروت مع أبيها. تشبه باريس فيلماً عنوانه: «يحدث فقط للآخرين» للمخرجة نادين ترنتينيان الّذي شاهدته مرات عدّة في سينما «ألدورادو». كانت تتوقّع أن ترى نساءً ورجالًا أنيقين مثل مارسيللو ماستروياني وكاترين دونوف، وسيارات برّاقة وشوارع نظيفة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك.

«باريس وسخة يا سبيل والدّليل المترو، منه تفوح رائحة كريهة» أردفت أمّي: «رائحة نتنة إضافة إلى عرق النّاس وهواء المجارير المقيت. هل تعرف ماذا فعلت كي لا تخنقني هذه الرّوائح؟ عطّرت شالي بالياسمين، وثبَّتُّه على أنفي طوال الرّحلة». فكّرتْ أمّي حينئذ بأزهار حقول قريتها بشجيرات الحامض والبرتقال والأفندي في بيتهم قرب بيروت.

تساءلت: من يتحمّل العيش في باريس؟ «هذه ليست بحياة»، سمعتها تردّد.

كانت تعبر المدينة من أقصاها إلى أقصاها لشراء السّمّاق وحبّ الهال والزّعتر. كل هذه التّوابل الّتي كانت تجدها في كلِّ مكان في لبنان، وجدَتها فقط في بقالة «إسرائيل» الواقعة في منطقة لو ماريه بباريس.

ساعة تسديد الفاتورة كانت تشتمهم بالعربيّة: «صهاينة» لا يفهمون ما تتفوّه به.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي