فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

تصدر عن «دار الجديد» وفي المكتبات بعد أيام

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية
TT

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

فصل من رواية «بيروت على ضفاف السين» بالعربية

نهاية الشهر، تظهر في المكتبات الترجمة العربية لرواية الأديب اللبناني الفرنسي سبيل غصوب «بيروت على ضفاف السين»، التي نالت «جائزة غونكور الطلاب»، وهي التي ينالها صاحبها بعد أن تخضع روايات عدة مرشحة للجائزة لتصويت الطلاب. وقد وقع اختيارهم على هذه الرواية التي تحكي قصة عائلة هاجرت إلى فرنسا بسبب الحرب الأهلية في لبنان، لتعيش حياة فرنسية بمذاق لبناني.

الطريف أن النسخة العربية التي صدرت في بيروت عن «دار الجديد» ترجمها عن الفرنسية والد المؤلف قيصر غصوب الذي هو أحد أبطالها. وهو شاعر، ومسرحي، وصحافي وأستاذ لغة عربية، لكنه وجد نفسه أمام مهمة مختلفة تماماً هذه المرة. إنه اختبار نقل نص ابنه الذي يروي قصة حياته شخصياً كمهاجر.

تفتتح الرواية على النحو التالي: سألني أبي: «هل تريد أن أرويَ لكَ قصَّةَ حياتي بالعربيّة أم بالفرنسيّة؟». ثمّ أضاف: «هل تفهمُ العربيّة؟». وقد كان هو معلِّمي مُدَّة ثلاثِ سنواتٍ طوالٍ، وكنتُ أعيشُ في كلِّ أمثولةٍ من أمثولاته جلجلةً لا نهاية لها.

وعلى إثرِ هذا الكلام علَّقتُ زِرَّ التّسجيلِ على قميص بيجامَتِهِ الّتي يرتديها منذ أن كنتُ في الخامسةِ من عمري. بيجامةٌ مرتَّقَةٌ مرّاتٍ عِدَّةً بأناملِ خيّاطين أكرادٍ وعراقيين وكوريِّين؛ بعضهم وضع أيضاً خِرقاً من جلدٍ لسدِّ الثّقوب.

ويعرف القارئ أن للوالد أكثر من دزينة بيجامات، من النسخة نفسها، لكن يأبى أن يلبس غير هذه التي حملها معه من لبنان.

الرواية مليئة بهذه الإشارات الإنسانية التي تتحرى نفسية أم وأب مهاجرين اضطرتهما الظروف مع اندلاع الحرب الأهلية للعيش مؤقتاً في باريس، لكنهما لن يعودا أبداً، وسيبقيان معلقين على خيط الأمل الواهي.

يختلط الخيال بالواقع، فعائلة الكاتب حاضرة بأسمائها الحقيقة، لكن هذا لا يمنع أنه ملأ فراغات الذاكرة، وفجوات الروايات التي قصها عليه الوالدان، بتفاصيل روائية. كما أن الراوي (الابن) تمكن بعد جمع حكايات والديه من الصور والرسائل ومقابلاته معهم، من المزج بين الخاص والعام، حيث تحضر تعقيدات الوضع اللبناني وانقساماته حتى داخل العائلة الواحدة، من خلال قريبين أحدهما يقاتل مع الكتائب اللبنانية ويمقت الفلسطينيين، وآخر يقاتل من أجل تحرير فلسطين.

وهنا مقطع من النص العربي الذي سيظهر في المكتبات بعد أيام.

أبي وأمّي في باريس | 1975

يتصيّد أبي الجرائد من المزابل العامّة بواسطة عصا صنعها من قطعة خشبيَّةٍ وخيطٍ وإبرة خياطة معقوفة. يسرق الكتب من مكتبة «جيلبير جون» «أكثر من 100 كتاب» هذا ما أكّده لي. يحكي لي دائماً الطّرفة نفسها، وهي أنّه تناول مرّة شقعة من الكتب من الرّفوف وخرج دون أن يدفع، فاقترب منه رجل أمن، وربَّتَ كتفه اليمنى: «إلى أين أنت ذاهب؟ اتبعني!».

كان الرّجل طويلًا، أكثر من مترين. مشى أبي خلفه إلى الطّابق الأرضي دون كلمة حيث وجد نفسه في مخفر.

- ماذا كنت تنوي أن تفعل بهذه الكتب؟

- بهذه الكتب؟

- نعم يا سيّد.

- كنت أنوي أن أُرِيَها لزوجتي الواقفة في الجهة الأخرى من الشّارع. هل تعرف أنّ «اختفائي» قد يصيبها بالجنون والحزن، وأنّها ستتصل على الأرجح بالشّرطة وأنتم هنا غبّ الطلب!

- هل تضحك عليّ؟

- لا أبدًا. لنصعد الآن معاً من فضلك.

أمّا أمّي الّتي أضاعت زوجها فطلبت من أحد البائعين أن يناديَ اسمه على المكبّر كأنّه ولد عمره أربع سنوات. كنّا نسمع في المكتبة ما يلي: «السّيّد قيصر غصوب مطلوب على الاستقبال، السّيّد قيصر غصوب!». وحين شاهدتْ أبي بدأت تولول: «أين كنت يا قيصر؟ أين كنت؟ أبحث عنك منذ ساعة!». عندها تمنّى رجل الأمن لو أنّ الأرض تنشقّ وتبلعه. حاول أبي أن يهدّئ من رَوْع أمّي: «اهدئي، أردت أن أُرِيَكِ هذه الكتب في الشّارع فظنّوا أنّني سأسرِقُها». بدأ صراخ أمّي يتعالى أكثر فأكثر إلى درجة أنّ الكتب صارت تتساقط عن الرّفوف: «لا، لا، هل أنتَ مخبول؟! زوجي يسرق؟! ألأنّه يحمل بين كتفيه رأساً عربياً، أو رأساً تركياً حسبما تفكّرون؟! يا عيب الشّوم عليكم! يا عيب الشّوم!». أخذت الكتب من يديْ أبي ورمتها على الأرض: «خذوا كتبكم، لا نريدها! على كلِّ حال نحن نختنِقُ داخل مكتبَتِكم، نختنق! لا يدخلها شعاع نورٍ. لا أفهم كيف يتحمل زوجي أن يبقى فيها ساعات عدّة».

إلى جانب الدّراسات الّتي يتابعها في السّوربون يعمل أبي كثيرًا؛ فهو صحافيٌّ ثقافي في بعض المجلّات العربيّة، كما أنّ جامعة القديس يوسف في بيروت عيّنته في إدارة مركز الأبحاث والدّراسات العربيّة «لو كريا» لتدريس العربيّة للرّاشدين.

ينتقل من شقة إلى شقة، يعلّم الأبجدية لرؤساء الشّركات الفرنسيّة الكبيرة. ألف، باء، تاء، ثاء... وتلاميذه يتعثّرون دائماً بالأحرف ذاتها، ولا يستطيعون أن يلفظوا حرف «الرّاء» دون لدغته الفرنسيّة، ولا أن يتنحنحوا بحرف «الحاء» الّذي يصدر من الحلق.

«بسرعة وجد أبوك عالَمَه، يتحرّك كثيراً، ويلتقي أُناساً كثيرين. أمّا أنا فكنت أشعر بأنّني وحيدة»... سُجّلت والدتي في السّوربون لدراسة الجغرافيا. ولكنّها ووالدي كانا بحاجة لمدخول لدفع إيجار الشّقة مثلاً، ورغم أنّ الأهل يرسلون لهما مبالغ بيد أنّها لا تكفي، لذا أخذت تبحث بحثَ المستميت عن عملٍ.

لم تكن لتفهم خرائط المترو: الخطوط والتّحويلات وقاطع التّذاكر؛ في لبنان تنقّلت دائماً بالسّيارة. أبوها يعيرها سيّارته. كان من أوائل اللّبنانيّين الّذين اشتروا سيارة. رقم لوحتها يثبت ذلك هو «3101». وقد وُضِعت هذه اللّوحة على سيارتي الأولى في لبنان. أذكر أنّني في محطة وقود قرب ضيعة أمّي، اقترب منّي رجل عجوز عند رؤيته رقم اللّوحة «3101» وقال لي: «أنتَ حفيد توفيق؟». ثمّ ضمّني إلى صدره قبل أن أجيبه. كانت موسيقى الستّينات المصرية تصدح من مذياع محطة الوقود. يكفي أن أغمضَ عينيَّ كي أتخيَّل أنّني أسير في مشهد فيلم من أفلام المخرج الألماني ـ التّركي فاتح أكين، حيث تكتنفُ عودة شابٍّ من أبطاله إلى قريته صُدَفٌ سحريّة.

الكلوشار أو صعاليك باريس هو ما شاهدته أمّي للمرّة الأولى في حياتها، ففي لبنان لم يكن جائزاً أن نترك أقرباءنا يتسوّلون. هناك دائماً ابن عمّ أو عمّ أو قريب ليتلقّفَ هذا المسكين ويساعده أو يلجِئَه أو يجدَ له عملاً. حين تخبرني أمّي بهذا اللّبنان، أتحقق كم أنّ البلد الّذي عرفَتْهُ قد تغيّر.

نصادف الآن شحاذين شباباً أو عجائز لبنانيّين أو سوريّين نساءً أو رجالًا في كلِّ ناصية من شوارع بيروت.

أمّي تشتاق إلى أمّها بشكل قاسٍ، اعتادتا الألفة وهذا البعادُ جُلجُلة. فقدَتْ أمّي نجيّتَها، صديقتَها الحميمة، شقيقةَ روحها. تكتب لها رسائل تستهلّها بـ«ماما حبيبتي»، وتستكملُها بعبارات حبٍّ وكلماتٍ بليغةٍ ومؤثّرة. تبكي أمّي يومياً؛ لأنّها تعيشُ بعيدةً عن أهلها وعن بلدها. آخر همّها حياتها الباريسيّة.

صديقاتها في لبنان يكتبن لها: «حظّك كبير لأنّك تعيشين في باريس». كانت تودّ أن تجيبهنّ: «اخرسن، إنكنّ لا تفهمن شيئاً». كلّ ما كانت تتمنّاه هو العودة إلى أحضان أبيها، وإلى دردشاتٍ وقهوةٍ مع أمّها، وأن تستعيد أرضَها وشمسَها وبحرَها. في خيالها، باريس رائعةٌ وجميلةٌ كالأفلام الفرنسيّة القديمة الّتي كانت تشاهدها في بيروت مع أبيها. تشبه باريس فيلماً عنوانه: «يحدث فقط للآخرين» للمخرجة نادين ترنتينيان الّذي شاهدته مرات عدّة في سينما «ألدورادو». كانت تتوقّع أن ترى نساءً ورجالًا أنيقين مثل مارسيللو ماستروياني وكاترين دونوف، وسيارات برّاقة وشوارع نظيفة، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك.

«باريس وسخة يا سبيل والدّليل المترو، منه تفوح رائحة كريهة» أردفت أمّي: «رائحة نتنة إضافة إلى عرق النّاس وهواء المجارير المقيت. هل تعرف ماذا فعلت كي لا تخنقني هذه الرّوائح؟ عطّرت شالي بالياسمين، وثبَّتُّه على أنفي طوال الرّحلة». فكّرتْ أمّي حينئذ بأزهار حقول قريتها بشجيرات الحامض والبرتقال والأفندي في بيتهم قرب بيروت.

تساءلت: من يتحمّل العيش في باريس؟ «هذه ليست بحياة»، سمعتها تردّد.

كانت تعبر المدينة من أقصاها إلى أقصاها لشراء السّمّاق وحبّ الهال والزّعتر. كل هذه التّوابل الّتي كانت تجدها في كلِّ مكان في لبنان، وجدَتها فقط في بقالة «إسرائيل» الواقعة في منطقة لو ماريه بباريس.

ساعة تسديد الفاتورة كانت تشتمهم بالعربيّة: «صهاينة» لا يفهمون ما تتفوّه به.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.