قراءة في مجلة أميركية مختلفة

فصلية «لافام» تختزل الأنواع الكتابية المعروفة كلها تقريباً

نور الدين فرح
نور الدين فرح
TT

قراءة في مجلة أميركية مختلفة

نور الدين فرح
نور الدين فرح

أتابع هذه الفصلية أو المجلة التي تصدر أربع مرات في العام منذ صدورها في نيويورك عام 2007. استرعت انتباهي لسبب رئيس هو معرفتي باسم لافام الذي تنسب إليه، فقد كنت وما زلت أحد المتابعين لمجلة «هاربرز» التي كان الكاتب والمؤرخ الأميركي لويس لافام يرأس تحريرها لعدة سنوات، قبل أن أعرفها. ولأن «هاربرز»، المجلة الثقافية الشهرية العريقة، في طليعة المجلات الثقافية التي تصدر بالإنجليزية في أي مكان (تصدر منذ مائة وسبعين عاماً دون توقف)، فكان من الطبيعي أن يسترعي انتباهي اعتلاء اسم رئيس تحريرها على مطبوعة أخرى بعد أن ترك رئاسة التحرير.

نوال السعداوي

فما الذي يختلف في «فصلية لافام»، «لافامز كوارترلي» (Quarterly Lapham’s)؟

إنها مجلة لا تقبل المساهمات المقالية، فهي ليست مفتوحة للنشر خارج هيئة تحريرها، وتختلف عن غيرها أيضاً، وهذا هو الأهم، في أن كل عدد من أعدادها يتمحور حول قضية أو ظاهرة أو موضوع كبير: الطبيعة، الحب، الحرب، المال، الشباب، الطب، الحرية، الشبق، إلخ. موضوعات شائعة وأحياناً غريبة، لكن المهم أيضاً ليس في الموضوعات أو القضايا بحد ذاتها وإنما في كيفية عرضها وما يقال حولها. «فصلية لافام» مجلة تعنى بالتاريخ تبعاً لتخصص صاحبها، ولكن التاريخ هنا حاضر بصورة غير معتادة: في كل عدد يختار محررو المجلة نصوصاً من عصور ولغات مختلفة تتمحور حول القضية المحورية. النصوص إما بالإنجليزية أساساً أو مترجمة إليها، ومع أن الثقافات الغربية، الأوروبية والأمريكية، تحظى بنصيب الأسد أو ما يتجاوزه بقليل، فإن في كل عدد نصوصاً من لغات غير غربية، مثل: الصينية واليابانية والفارسية والعربية وغيرها. هناك كتاب من العصر اليوناني ومن العصور الوسطى ومن القرن السادس قبل الميلاد ومن القرن الثامن عشر ومن الوقت الحاضر. كلها تتمحور حول قضية واحدة. «الفكرة» أو الهدف، كما صرح لافام لـ«نيويورك تايمز» في 2009، «هي الإتيان بأصوات الماضي لتتحدث في ميكرفون الحاضر»، ذلك أن التاريخ يعلم الحاضر ويضيئه، أو هكذا تفترض المجلة.

جورج أورويل

ربما يعرف البعض المجلة الأميركية الشهيرة «ريدرز دايجست» التي ترجمت عربياً إلى «المختار»، التي تأسست على فكرة اختيار بعض ما ينشر في المجلات الأخرى واختصاره وتقديمه للقارئ. لكن فصلية لافام تختلف كثيراً سواء في عمقها أو في طبيعة اختياراتها أو اتساع أفقها. الفرق كبير، لكن الفكرة ليست بعيدة: هي فكرة المختارات، أو المقابسات بتعبير أبي حيان التوحيدي، التي تختصر العالم في قشرة جوز، كما يقول الأميركيون. والاختصار بطبيعة الحال يأتي من زاوية يورو - أميركية ومن رؤية غربية، لأن كل اختيار متلون برؤية صاحبه، انتقاؤه مؤسس على قناعاته بالموضوع المحوري وبأهمية النص وأهمية اللغة وما إلى ذلك. وتظل «فصلية لافام» متميزة مع كل ذلك بشموليتها وسعة إحاطتها بتراث عالمي لا يكاد يدري عنه أو يأبه له. والجميل في نهاية المطاف هو الائتلاف، ائتلاف النصوص حول مركز موضوعي، لقاء كاتب صيني من القرن العاشر الميلادي بكاتب يوناني من العصر اليوناني القديم بكاتب عربي من القرن الثاني عشر بشاعرة أميركية سوداء من القرن الثامن عشر، بكاتب مكسيكي من القرن العشرين وهكذا. والكتاب، أو بالأحرى النصوص، ليست نثرية كلها بل إن منها المنظوم، وهي تكاد تختزل الأنواع الكتابية المعروفة كلها تقريباً: السرد والشعر والسيرة والتاريخ والوصف الجغرافي والنص العلمي الفيزيائي والتحليل النقدي والفني، إلى غير ذلك. عمل موسوعي ومن نوع خاص.

يضاف إلى ذلك كله أن الفصلية هذه تعنى بالفنون وتتزين أعدادها بلوحات وصور أغلفة ورسومات توضيحية وغيرها مما يتصل بموضوع العدد، ويتضح أنها حريصة على ذلك لأسباب موضوعية وفنية كما لجذب القراء، فالصور بطبيعتها مغرية بالمطالعة. والفصلية دقيقة جداً في نسبة كل ما تتضمنه إلى مصادره وذكر أذونات النشر التي حصلت عليها في نهاية كل عدد وبحرف بالغ الصغر لكثرتها. ولتتضح الصورة أكثر سآخذ عددين من أعداد هذه الفصلية الفريدة من نوعها بغرض التمثيل.

المثال الأول هو العدد الرابع من المجلد الرابع عشر الصادر عام 2022. محور العدد التعليم أو التربية (كلمة education تختصر المفردتين). تتصدر العدد عبارة لأرسطو هي «جذور التعليم مرة لكن ثماره حلوة» (330 قبل الميلاد). وتبلغ مواد العدد حوالي ثمانين مادة متنوعة ومختلفة الأحجام من الطويل الممتد لصفحتين وأكثر قليلاً إلى الفقرة القصيرة والعمود الصغير (سياسة المجلة لا تسمح بالنصوص الطويلة).

يتصدر قائمة المواد نص للفيلسوفة الأميركية المعاصرة أغنيس كالارد ويتلوه مباشرة نص لقس إنجليزي هو جون أوف سالزبري من القرن الثاني عشر بعد نص للألماني رودولف شتاينر يعود لعام 1924 ثم نص لكاتب فرنسي يعود لأواخر القرن الثامن عشر ثم نص ياباني يعود لعام 1936، وهكذا تسير القائمة. لكن سيهم القارئ العربي بصفة خاصة أن يعلم أن القائمة تتضمن نصاً لأبي حيان التوحيدي يعود للعام 985 ميلادي تقريباً. النص من كتاب «المقابسات»، ويتضمن كلاماً لأبي سليمان المنطقي حول التعليم والعلوم في مجلس حضره أبو حيان على طريقته المعتادة في كتب أخرى مثل «الإمتاع والمؤانسة». وفي منتصف الصفحة التي حملت نص التوحيدي اقتباس من المفكر والناشط الأميركي الأسود فريدرك دوغلاس حول جريمة حرمان أحد من التعليم (1894). وإلى جانب التوحيدي نجد نصاً قصيراً للشاعر الفارسي سعدي الشيرازي حول ملك عهد إلى معلم بتعليم ابنه.

العدد الآخر الذي أمثل به للفصلية هو العدد الأخير الذي صدر في ربيع 2023 والذي يتمحور حول الحرية. هنا نجد أيضاً عدداً كبيراً من النصوص الممتدة من العصر السومري في العراق وتنسب لشوروباك الملك السومري، حسب تعريف المجلة، الذي عاش حوالي 2400 قبل الميلاد ويشار إليه أحياناً بعصر ما قبل الطوفان. وفي قائمة المصادر تعريف بأن النص استقي من نص إلكتروني تم الوصول إليه من خلال جامعة أكسفورد. والنص حول نوع الخادم الذي ينصح الأب ابنه بالحصول عليه، والخادم من الرقيق. يقول احصل عليه من منطقة بعيدة تقع وراء الجبال لكي تأمن شره ويكون مطيعاً لك.

لكن القائمة تتضمن ما هو أحدث بكثير، فهناك نصوص للمكسيكي أوكتافيو باث والبريطاني سي. إس. لويس والجنوب إفريقية نادين غورديمير إلى جانب جورج أورويل وآخرين.

اللافت لنا في العالم العربي وجود نص لنوال السعداوي من كتابها «مذكراتي في سجن النساء» يعود لمطلع الثمانينات من القرن الماضي. كما أن في العدد نصوصاً للمناضل والمفكر المارتينيكي فرانتز فانون يعود لعام 1952 ولحنة أرنت (1960) ولنيتشه (1888) وللفيلسوف الإنجليزي هوبز من كتابه المعروف «ليفاياثان» (الوحش أو التنين) يعود لعام 1651، وهو كتاب تأسيسي في الفلسفية السياسية كتبه دفاعاً عن سلطة الملك تشارلز الأول ليقول إن القوة ضرورة لاستتباب الأمن. والنص تعريف لمعنى الحرية التي يستخدم لها المفردتين الأجنبيتين «ليبرتي» و«فريدوم» اللتين تعنيان الحرية في مناقشة لدلالات المفهومين.

وهناك نص للروائي الصومالي المعاصر نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية، وللروائي والشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا (القرن العشرين) إلى جانب الشاعرة الأميركية فيليس ويتلي التي تعد أول شاعرة أميركية سوداء نشرت أعمالها في القرن الثامن عشر. عدد غني دون شك ويوفر قراءة بالغة الإثراء لمن لديه الوقت والاستعداد. لكن كونه مختارات، مثل غيره من أعداد المجلة، يجعل القراءة ميسورة وأكثر إمتاعاً.

وأضيف وأنا أقترب من نهاية هذه المقالة أن فصلية لافام تصدر عن مؤسسة غير ربحية أسسها لافام، وهو نفسه ثري ومن أسرة يهودية ثرية، فجده مؤسس شركة تكساكو للنفط. وتجد المجلة التمويل في المبيعات (حوالي 60 بالمئة) وفي التبرعات (النسبة الباقية). توزيع المجلة محدود بطبيعة الحال لذا توفر التبرعات مصدراً لا غنى عنه وهو يأتي في الغالب من أصدقاء للافام نفسه، ومنهم مثلاً رئيس مجلس إدارة مكتبة «بارنز آند نوبل» وهي أكبر مكتبة لبيع الكتب في الولايات المتحدة، فالمجلة تتصدر واجهة قسم المطبوعات الدورية في جميع فروع المكتبة المنتشرة في كل الولايات والمدن الأميركية الكبيرة والمتوسطة وأحياناً الصغيرة. لنا أخيراً أن نتخيل ذلك الفريق من الباحثين في مؤسسة لافام الذين يحفرون في المصادر وينتقون ويحررون ويختصرون ويترجمون النصوص. عمل جبار دون شك كم تمنيت أن يتوفر ما يشبهه في اللغة العربية وكم حاولت أن أستنهض همم بعض المؤسسات لكني لم أجد أذناً تصغي لأهمية وقيمة مثل هذا العمل لو تحقق للثقافة العربية. نشرت الفصلية في عددها الأخير عدداً كبيراً من النصوص الممتدة من العصر السومري في العراق وتنسب للملك شوروباك



روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»