أندرو سايمون: أسعى لاستكشاف الثقافة الشعبية المصرية باعتبارها «أرشيف الظل»

المؤرخ الأميركي يقول إن عالم «الكاسيت» يُظهر تحولات اللغة في «إعلام الجماهير»

أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه
أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه
TT

أندرو سايمون: أسعى لاستكشاف الثقافة الشعبية المصرية باعتبارها «أرشيف الظل»

أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه
أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه

منذ تخصصه الأكاديمي في مجال الثقافة الشعبية بالشرق الأوسط، يولي المؤرخ والكاتب الأميركي أندرو سايمون اهتماماً بحثياً خاصاً بهذا المجال الذي يعتبره محورياً، لفهم التحوّلات التاريخية والسياسية والاجتماعية. وكانت دراسته للغة العربية في القاهرة من أسلحته الأساسية للوقوف على تراث تلك الثقافة.

يعمل سايمون مُحاضراً بكلية «دارتموث» في الولايات المتحدة، وأنجز أخيراً كتاباً بعنوان «إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر الحديثة» الذي صدر عن مطبعة جامعة «ستانفورد»، ومن المُنتظر أن تصدر ترجمته إلى العربية قريباً.

هنا حوار معه حول كتابه الجديد، وعالم الثقافة الشعبية في مصر:

* بداية، ما دافعك الرئيسي لدراسة الثقافة الشعبية العربية؟

- منذ سافرت إلى مصر لأول مرة في صيف عام 2007، كنت أستمتع بالأغاني والأفلام العربية، وغيرها من المُنتجات الثقافية الشعبية، باعتبارها مواد خفيفة وترفيهية. ولكن بعد سنوات فقط بدأت في التعامل مع مثل تلك الأعمال الإبداعية بأسلوب نقدي وتحليلي. وكان أحد الأسئلة التي بدأت تقودني لعالم كتابي، هو سؤال: ماذا يمكن أن تُعلمنا الثقافة الشعبية العربية عن سياقات الماضي والحاضر؟ وحاولت في كتابي «إعلام الجماهير» استكشاف هذا السؤال، من خلال محاولة البحث في تاريخ ثقافي يحظى باهتمام مُجتمع عريض من الجمهور في العالم العربي وخارجه.

* كيف بدأ اهتمامك بـعالم «الكاسيت»؟

- بدأ مع ثورة يناير (كانون الثاني) المصرية في عام 2011. كنت أعيش وقتها في وسط القاهرة، وأُكمل زمالتي لتعلّم اللغة العربية، وأثارت فضولي تلك الأغنيات التي كانت تحفل بها مصر في هذه الفترة، فالتحقت ببرنامج دكتوراه في الولايات المتحدة للتعمّق أكثر في الثقافة الصوتية في مصر، في جامعة «كورنيل». وتعمقت في البحث عن الفنانين المصريين، والأنواع الموسيقية، والتيارات الدينية، وكان في قلب كل تلك المساعي خيط مشترك واحد، هو أشرطة «الكاسيت». وفي هذه المرحلة شرعت في كتابة تاريخ ظهور «الكاسيت» في مصر، كجانب مهم من جوانب التقصي التاريخي لمصر الحديثة.

غلاف ثقافة الكاسيت

* ما المصادر البحثية التي اعتمدت عليها في كتابك؟

- بدأت بالبحث في الصحافة المصرية؛ لا سيما المجلات الأسبوعية العريقة، مثل «روز اليوسف»، و«آخر ساعة» التي تُغطي مجموعة واسعة من الشؤون السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، من منتصف القرن العشرين إلى آخره. عند مطالعة تلك الدوريات، لفت نظري حضور شرائط «كاسيت» ليست بصورتها التقليدية والترفيهية بحفظها للأغنيات؛ بل ظهرت شرائط «الكاسيت» في تقارير استقصائية حول «تلوث» الذوق العام على سبيل المثال، وتقارير حول العمالة المصرية في الخارج، و«الكاسيت» بوصفه أحد تمظهراتها الاجتماعية، وغيرها من الموضوعات التي دفعتني للاقتراب والتفكير في كيفية استخدام «الكاسيت» كنافذة على الماضي القريب، باعتبار أنها قد تكشف عما لا نعرفه في وقت ديناميكي للغاية في تاريخ مصر الحديث.

اعتمدت على مجموعة واسعة من تحليل المواد الصوتية والمرئية والنصيّة الموجودة خارج الأرشيف الرسمي. وهي المواد التي تُمثل جزءاً من الحياة اليومية، ما بين تسجيلات «الكاسيت» والصور الشخصية والمجلات الشعبية، وهي عناصر تُشكّل جميعها معاً ما يمكن وصفه بـ«أرشيف الظل» في مصر، بما يقدمه لنا من لمحة حيّة عن لحظة ديناميكية في الماضي القريب لمصر.

* وفقاً لكتابك، كيف مثّلت الثقافة الصوتية أحد أشكال «الوسائط» الإعلامية قبل ظهور الإنترنت والمنصات الرقمية؟

- في مصر، مكّن «الكاسيت» عدداً لا يُحصى من الناس من تداول الثقافة ونشر المعلومات، قبل وقت طويل من دخول الإنترنت حياتنا اليومية، وذلك بطريقة مُغايرة عن الوسائط الجماهيرية الرسمية الأخرى، مثل الراديو. لذلك كانت تُمثل في حد ذاتها «إعلام الجماهير» كما يشير الكتاب الذي حاولت فيه استكشاف كيف كانت تكنولوجيا «الكاسيت»، من نواحٍ كثيرة، تمثل ثقافة جماهيرية قبل ظهور الإنترنت. وشرعتُ في الكشف عن كيف تُسفِر التكنولوجيا التي قد تبدو عادية، عن رؤى غير عادية في تاريخ مصر الحديث.

وإلى جانب فناني الأغاني المشهورين في فترة رواج «الكاسيت»، تطرقت أيضاً في الكتاب إلى ارتفاع موجة الأصوات الدينية الإسلامية، بما فيها أصوات «المشايخ» المحظورة في هذا الوقت.

وطرحت في الكتاب نماذج لثلاث شخصيات دينية، لتقديم لمحة صغيرة عن الثقافة الصوتية الإسلامية الحيّة في مصر التي جسدها «الكاسيت»، من بينها شرائط لشيخ يدعى عنتر سعيد مسلم، وهو شخصية كانت تتمتع بشعبية كبيرة في وقت الثمانينات؛ لكنها الآن منسية إلى حد بعيد، والذي منع الأزهر أشرطته في وقت ما، بسبب أسلوبه غير التقليدي في التلاوة.

وصوت آخر هو صوت الشيخ محمود خليل الحصري الذي كان أول شيخ يقرأ القرآن في الكونغرس الأميركي. وهناك الشيخ عبد الحميد كشك الذي عُرف بخطبه وتعليقاته على الأحداث الراهنة طوال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. وكان من اللافت ظهور أجهزة «الكاسيت» بشكل دائم إلى جانبه. وكان هناك حرص على تزويد المسجد الذي يخطب فيه بمنافذ كهربائية أكثر من المساجد الأخرى، لتسجيل خطبه التي كانت تتمتع برواج كبير بين جمهور «الكاسيت» في هذه الفترة.

* أشرت في الكتاب إلى أن ثمة رابطاً بين انتشار «الكاسيت» وصعود ثقافة الاستهلاك والهجرة.

- تزامن ظهور ثقافة «الكاسيت» في مصر مع بزوغ الثقافة الاستهلاكية الجماهيرية، تحديداً مع الطفرة النفطية والانفتاح الاقتصادي. وشهد المجتمع المصري تحولاً من الاشتراكية التي ترعاها الدولة إلى رأسمالية الباب المفتوح. ففي السبعينات والثمانينات، سافر عدد غير مسبوق من المصريين إلى الخارج، بحثاً عن فرص عمل بأجور أعلى، وتحديداً إلى دول الخليج وليبيا والعراق. وبمجرد وصولهم إلى الخارج، لم يكن المهاجرون المصريون يرسلون الأموال إلى عائلاتهم في الوطن وحسب؛ بل كانوا يشترون أيضاً السلع الاستهلاكية، وكان أشهرها على الإطلاق أجهزة «الكاسيت» التي وجدت طريقها إلى مصر. هنا أتذكر المشهد الافتتاحي للفيلم الكوميدي المصري «طير إنت»؛ حيث عاد والدا البطل إلى مصر من الكويت في عام 1985، بجهاز «كاسيت» ثبَّتاه على سطح سيارتهما. إذن، فإن أصول ثقافة «الكاسيت» في مصر عابرة للحدود بالأساس.

تزامن ظهور ثقافة «الكاسيت» في مصر مع بزوغ الثقافة الاستهلاكية الجماهيرية، تحديداً مع الطفرة النفطية والانفتاح الاقتصادي.

* كيف يمكنك وصف أهمية الذاكرة الشعبية مقارنة بالتاريخ الرسمي؟

- طرحت تلك النقطة للمناقشة في الكتاب، وتحديداً: كيف يمكننا عبر فهم الثقافة الشعبية أن يتغيّر لدينا بشكل كبير ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن التاريخ؟ أتذكر أني -خلال بحثي- لاحظت المشهد الحاشد لاستقبال الرئيس الأميركي نيكسون عند زيارته لمصر في صيف عام 1974؛ حيث نقلت وسائل الإعلام المصرية آنذاك الترحيب الحار بزيارة هذا الرئيس، لكن من خلال زاوية أخرى وجدت صورة مغايرة تماماً عند الاستماع لأغنية «نيكسون بابا» وتحليلها، والتي غناها الشيخ إمام، من تأليف الشاعر المعروف أحمد فؤاد نجم. وإمام فنان شهير فاقد للبصر، وكان معروفاً بنزعته المعارضة، وكانت أغنياته رائجة عبر شرائط «الكاسيت»، وتحمل وجهاً آخر للقصص التي يتبناها النظام الرسمي. من خلال تلك المقارنات تكمن أهمية إعادة النظر للتاريخ الشعبي.

* هل ننتظر ترجمة عربية لكتابك «إعلام الجماهير» المنشور باللغة الإنجليزية؟

- منذ بدأت العمل في كتاب «إعلام الجماهير» قبل نحو 10 سنوات، وأنا أحلم بمشاركته مع القراء العرب، وسعيد لاقتراب طرح الترجمة العربية للكتاب، ومتحمس للغاية لسماع رأي قُراء العربية فيه.

* بعد شرائط «الكاسيت»، هل تقود مشروعاً بحثياً تاريخياً جديداً في مصر هذه الأيام؟

- أتابع أكثر من مشروع بحثي خلال هذه الفترة؛ أولها كتابة سيرة الشيخ إمام، وما تحمله تلك السيرة من إضاءات عن اليسار العربي، والماضي القريب للشرق الأوسط. في الوقت نفسه، أخوض بحثاً مُطولاً حول ثقافة التسجيلات في الشرق الأوسط، كما أنني بصدد الأرشفة الرقمية لمجموعتي الخاصة من تسجيلات «الكاسيت» التي قمت بجمعها واقتنائها على مدار بحثي في الكتاب، حتى يتمكن أي شخص من الوصول إلى مصادر مختلفة للثقافة الصوتية في مصر واستكشافها، والاستمتاع بها.


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».


لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.