أندرو سايمون: أسعى لاستكشاف الثقافة الشعبية المصرية باعتبارها «أرشيف الظل»

المؤرخ الأميركي يقول إن عالم «الكاسيت» يُظهر تحولات اللغة في «إعلام الجماهير»

أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه
أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه
TT

أندرو سايمون: أسعى لاستكشاف الثقافة الشعبية المصرية باعتبارها «أرشيف الظل»

أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه
أندرو سايمون يحمل نسخة من كتابه

منذ تخصصه الأكاديمي في مجال الثقافة الشعبية بالشرق الأوسط، يولي المؤرخ والكاتب الأميركي أندرو سايمون اهتماماً بحثياً خاصاً بهذا المجال الذي يعتبره محورياً، لفهم التحوّلات التاريخية والسياسية والاجتماعية. وكانت دراسته للغة العربية في القاهرة من أسلحته الأساسية للوقوف على تراث تلك الثقافة.

يعمل سايمون مُحاضراً بكلية «دارتموث» في الولايات المتحدة، وأنجز أخيراً كتاباً بعنوان «إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر الحديثة» الذي صدر عن مطبعة جامعة «ستانفورد»، ومن المُنتظر أن تصدر ترجمته إلى العربية قريباً.

هنا حوار معه حول كتابه الجديد، وعالم الثقافة الشعبية في مصر:

* بداية، ما دافعك الرئيسي لدراسة الثقافة الشعبية العربية؟

- منذ سافرت إلى مصر لأول مرة في صيف عام 2007، كنت أستمتع بالأغاني والأفلام العربية، وغيرها من المُنتجات الثقافية الشعبية، باعتبارها مواد خفيفة وترفيهية. ولكن بعد سنوات فقط بدأت في التعامل مع مثل تلك الأعمال الإبداعية بأسلوب نقدي وتحليلي. وكان أحد الأسئلة التي بدأت تقودني لعالم كتابي، هو سؤال: ماذا يمكن أن تُعلمنا الثقافة الشعبية العربية عن سياقات الماضي والحاضر؟ وحاولت في كتابي «إعلام الجماهير» استكشاف هذا السؤال، من خلال محاولة البحث في تاريخ ثقافي يحظى باهتمام مُجتمع عريض من الجمهور في العالم العربي وخارجه.

* كيف بدأ اهتمامك بـعالم «الكاسيت»؟

- بدأ مع ثورة يناير (كانون الثاني) المصرية في عام 2011. كنت أعيش وقتها في وسط القاهرة، وأُكمل زمالتي لتعلّم اللغة العربية، وأثارت فضولي تلك الأغنيات التي كانت تحفل بها مصر في هذه الفترة، فالتحقت ببرنامج دكتوراه في الولايات المتحدة للتعمّق أكثر في الثقافة الصوتية في مصر، في جامعة «كورنيل». وتعمقت في البحث عن الفنانين المصريين، والأنواع الموسيقية، والتيارات الدينية، وكان في قلب كل تلك المساعي خيط مشترك واحد، هو أشرطة «الكاسيت». وفي هذه المرحلة شرعت في كتابة تاريخ ظهور «الكاسيت» في مصر، كجانب مهم من جوانب التقصي التاريخي لمصر الحديثة.

غلاف ثقافة الكاسيت

* ما المصادر البحثية التي اعتمدت عليها في كتابك؟

- بدأت بالبحث في الصحافة المصرية؛ لا سيما المجلات الأسبوعية العريقة، مثل «روز اليوسف»، و«آخر ساعة» التي تُغطي مجموعة واسعة من الشؤون السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، من منتصف القرن العشرين إلى آخره. عند مطالعة تلك الدوريات، لفت نظري حضور شرائط «كاسيت» ليست بصورتها التقليدية والترفيهية بحفظها للأغنيات؛ بل ظهرت شرائط «الكاسيت» في تقارير استقصائية حول «تلوث» الذوق العام على سبيل المثال، وتقارير حول العمالة المصرية في الخارج، و«الكاسيت» بوصفه أحد تمظهراتها الاجتماعية، وغيرها من الموضوعات التي دفعتني للاقتراب والتفكير في كيفية استخدام «الكاسيت» كنافذة على الماضي القريب، باعتبار أنها قد تكشف عما لا نعرفه في وقت ديناميكي للغاية في تاريخ مصر الحديث.

اعتمدت على مجموعة واسعة من تحليل المواد الصوتية والمرئية والنصيّة الموجودة خارج الأرشيف الرسمي. وهي المواد التي تُمثل جزءاً من الحياة اليومية، ما بين تسجيلات «الكاسيت» والصور الشخصية والمجلات الشعبية، وهي عناصر تُشكّل جميعها معاً ما يمكن وصفه بـ«أرشيف الظل» في مصر، بما يقدمه لنا من لمحة حيّة عن لحظة ديناميكية في الماضي القريب لمصر.

* وفقاً لكتابك، كيف مثّلت الثقافة الصوتية أحد أشكال «الوسائط» الإعلامية قبل ظهور الإنترنت والمنصات الرقمية؟

- في مصر، مكّن «الكاسيت» عدداً لا يُحصى من الناس من تداول الثقافة ونشر المعلومات، قبل وقت طويل من دخول الإنترنت حياتنا اليومية، وذلك بطريقة مُغايرة عن الوسائط الجماهيرية الرسمية الأخرى، مثل الراديو. لذلك كانت تُمثل في حد ذاتها «إعلام الجماهير» كما يشير الكتاب الذي حاولت فيه استكشاف كيف كانت تكنولوجيا «الكاسيت»، من نواحٍ كثيرة، تمثل ثقافة جماهيرية قبل ظهور الإنترنت. وشرعتُ في الكشف عن كيف تُسفِر التكنولوجيا التي قد تبدو عادية، عن رؤى غير عادية في تاريخ مصر الحديث.

وإلى جانب فناني الأغاني المشهورين في فترة رواج «الكاسيت»، تطرقت أيضاً في الكتاب إلى ارتفاع موجة الأصوات الدينية الإسلامية، بما فيها أصوات «المشايخ» المحظورة في هذا الوقت.

وطرحت في الكتاب نماذج لثلاث شخصيات دينية، لتقديم لمحة صغيرة عن الثقافة الصوتية الإسلامية الحيّة في مصر التي جسدها «الكاسيت»، من بينها شرائط لشيخ يدعى عنتر سعيد مسلم، وهو شخصية كانت تتمتع بشعبية كبيرة في وقت الثمانينات؛ لكنها الآن منسية إلى حد بعيد، والذي منع الأزهر أشرطته في وقت ما، بسبب أسلوبه غير التقليدي في التلاوة.

وصوت آخر هو صوت الشيخ محمود خليل الحصري الذي كان أول شيخ يقرأ القرآن في الكونغرس الأميركي. وهناك الشيخ عبد الحميد كشك الذي عُرف بخطبه وتعليقاته على الأحداث الراهنة طوال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. وكان من اللافت ظهور أجهزة «الكاسيت» بشكل دائم إلى جانبه. وكان هناك حرص على تزويد المسجد الذي يخطب فيه بمنافذ كهربائية أكثر من المساجد الأخرى، لتسجيل خطبه التي كانت تتمتع برواج كبير بين جمهور «الكاسيت» في هذه الفترة.

* أشرت في الكتاب إلى أن ثمة رابطاً بين انتشار «الكاسيت» وصعود ثقافة الاستهلاك والهجرة.

- تزامن ظهور ثقافة «الكاسيت» في مصر مع بزوغ الثقافة الاستهلاكية الجماهيرية، تحديداً مع الطفرة النفطية والانفتاح الاقتصادي. وشهد المجتمع المصري تحولاً من الاشتراكية التي ترعاها الدولة إلى رأسمالية الباب المفتوح. ففي السبعينات والثمانينات، سافر عدد غير مسبوق من المصريين إلى الخارج، بحثاً عن فرص عمل بأجور أعلى، وتحديداً إلى دول الخليج وليبيا والعراق. وبمجرد وصولهم إلى الخارج، لم يكن المهاجرون المصريون يرسلون الأموال إلى عائلاتهم في الوطن وحسب؛ بل كانوا يشترون أيضاً السلع الاستهلاكية، وكان أشهرها على الإطلاق أجهزة «الكاسيت» التي وجدت طريقها إلى مصر. هنا أتذكر المشهد الافتتاحي للفيلم الكوميدي المصري «طير إنت»؛ حيث عاد والدا البطل إلى مصر من الكويت في عام 1985، بجهاز «كاسيت» ثبَّتاه على سطح سيارتهما. إذن، فإن أصول ثقافة «الكاسيت» في مصر عابرة للحدود بالأساس.

تزامن ظهور ثقافة «الكاسيت» في مصر مع بزوغ الثقافة الاستهلاكية الجماهيرية، تحديداً مع الطفرة النفطية والانفتاح الاقتصادي.

* كيف يمكنك وصف أهمية الذاكرة الشعبية مقارنة بالتاريخ الرسمي؟

- طرحت تلك النقطة للمناقشة في الكتاب، وتحديداً: كيف يمكننا عبر فهم الثقافة الشعبية أن يتغيّر لدينا بشكل كبير ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن التاريخ؟ أتذكر أني -خلال بحثي- لاحظت المشهد الحاشد لاستقبال الرئيس الأميركي نيكسون عند زيارته لمصر في صيف عام 1974؛ حيث نقلت وسائل الإعلام المصرية آنذاك الترحيب الحار بزيارة هذا الرئيس، لكن من خلال زاوية أخرى وجدت صورة مغايرة تماماً عند الاستماع لأغنية «نيكسون بابا» وتحليلها، والتي غناها الشيخ إمام، من تأليف الشاعر المعروف أحمد فؤاد نجم. وإمام فنان شهير فاقد للبصر، وكان معروفاً بنزعته المعارضة، وكانت أغنياته رائجة عبر شرائط «الكاسيت»، وتحمل وجهاً آخر للقصص التي يتبناها النظام الرسمي. من خلال تلك المقارنات تكمن أهمية إعادة النظر للتاريخ الشعبي.

* هل ننتظر ترجمة عربية لكتابك «إعلام الجماهير» المنشور باللغة الإنجليزية؟

- منذ بدأت العمل في كتاب «إعلام الجماهير» قبل نحو 10 سنوات، وأنا أحلم بمشاركته مع القراء العرب، وسعيد لاقتراب طرح الترجمة العربية للكتاب، ومتحمس للغاية لسماع رأي قُراء العربية فيه.

* بعد شرائط «الكاسيت»، هل تقود مشروعاً بحثياً تاريخياً جديداً في مصر هذه الأيام؟

- أتابع أكثر من مشروع بحثي خلال هذه الفترة؛ أولها كتابة سيرة الشيخ إمام، وما تحمله تلك السيرة من إضاءات عن اليسار العربي، والماضي القريب للشرق الأوسط. في الوقت نفسه، أخوض بحثاً مُطولاً حول ثقافة التسجيلات في الشرق الأوسط، كما أنني بصدد الأرشفة الرقمية لمجموعتي الخاصة من تسجيلات «الكاسيت» التي قمت بجمعها واقتنائها على مدار بحثي في الكتاب، حتى يتمكن أي شخص من الوصول إلى مصادر مختلفة للثقافة الصوتية في مصر واستكشافها، والاستمتاع بها.


مقالات ذات صلة

حين تتآكل الدبلوماسية

كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق استراحة من التمرير... للقراءة (غيتي)

15 دقيقة قراءة... سنغافورة تدفع لمواطنيها!

باتت سنغافورة تدفع لمواطنيها مقابل قراءة كتاب لمدّة لا تقل عن 15 دقيقة يومياً، وذلك في إطار مساعيها للتصدّي لظاهرة التصفُّح السلبي المتنامية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».