درويش عقبة وجدار أم نافذة على المستقبل؟

بعد 15 عاماً من الغياب

درويش عقبة  وجدار أم نافذة على المستقبل؟
TT

درويش عقبة وجدار أم نافذة على المستقبل؟

درويش عقبة  وجدار أم نافذة على المستقبل؟

على مدار مسيرته الشعرية، تحوَّل محمود درويش (1941- 2008) إلى أيقونة، إلى رمز ثقافي، وناطق شعري باسم الفلسطينيين، رغم العدد الكبير من الشعراء الذين أسهموا في تشكيل المشهد الشعري، على أرض فلسطين التاريخية أو في المنافي القريبة أو البعيدة. لقد تفرَّد درويش، وصار اسمه الشعري كناية عن فلسطين وقضيتها، رغم غنى التجربة الشعرية الفلسطينية، والتنوع والتعدد اللذين وسما هذه التجربة، حتى كثر الحديث عن حجب اسمه لعدد كبير من الأسماء الشعرية اللامعة في هذا المشهد الشعري المتعدد، الذي استهله شعراء فلسطينيون بارزون في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، ونخصُّ بالذكر ابراهيم طوقان (1905- 1941) وأبو سلمى - عبد الكريم الكرمي (1909- 1980) اللذين دشَّنا التجربة الشعرية الفلسطينية المتطورة قبل حلول نكبة فلسطين عام 1948. ورغم أن البعض، من حاسدي درويش ، والغيارى من حضوره الشعري والإعلامي البارز والمستمر، يعيدون هذا الحضور إلى ارتباط اسمه بالفضية الفلسطينية، وقربه من قيادة منظمة التحرير، ومن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات شخصيًّا، إلا أن هذه الأصوات، التي ما زالت تبث في الإعلام، وعبر صفحات التواصل الاجتماعي، ما يسعى إلى تقويض مكانة درويش الشعرية، وتشويه صورته الإنسانية، وتلويث سمعته الأخلاقية، تضرب صفحًا عن حقيقة أساسية في تجربة هذا الشاعر العربي، والعالمي الكبير، وهي قدرته على التطور، والتحوُّل، وبناء عالم شعري يتصادى مع التجارب الشعرية الكبيرة في التراث، كما في الحاضر، وكذلك مع الشعريات العالمية، والمتعددة، الآتية من لغات مختلفة. إنه يبني من هذه التأثيرات، التي تسربَّت إلى تجربته، منذ أن نشر قصائده الأولى في فلسطين المحتلة، قبل خروجه منها، وعلى مدار مسيرته الشعرية، شعرًا مختلفًا، يمزج بين العمومي والشخصي، بين عذابات الفلسطينيين ورغبته في التعبير عن الوجود الإنساني، وهموم الشخص، والفرد فيه، في تجربة متفردة في الشعرية العربية المعاصرة.

لم يكن محمود درويش مجرد ناطق شعري باسم الفلسطينيين، أو صدى للحدث الفلسطيني اليومي، بل كان مهمومًا بتطوير تجربته الشعرية، وأخذها إلى مسارب جديدة، والتأمل في عذابات الكائن، فرحه وبؤسه، انتصاره وهزيمته، والبحث الشعري في تجربة الوجود البشري. ونحن نقع على هذا البحث، بصوره البدائية البسيطة، في قصائده الأولى، لكننا نشهد نضج هذا البحث في شعره الذي كتبه بعد خروجه من فلسطين، ووصول تجربته الشعرية إلى معانقة حقائق الوجود والحب والموت، والعدم والفناء، وتضافر الشخصي بالجماعي، والمحلي بالكوني، واليومي بالأسطوري، في مجموعاته "أحد عشر كوكبًا"، و"ورد أقل"، و"لماذا تركت الحصان وحيدًا"، و"سرير الغريبة"، و"جدارية"، وصولًا إلى مجموعته الأخيرة "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي". ولعلَّ الواقعة المتكررة في أمسياته الشعرية، خلال السنوات العشرين الأخيرة من حياته، التي كان يعاند فيها جمهوره الذي يطالبه بقراءة قصيدته "سجل أنا عربي"، دلالة على رغبة الشاعر أن يغادر صورته النمطية التي حاول جمهوره المحبُّ سجنه في إطارها. كانت تلك القصيدة بنت زمانها، وأسيرة ظرفها الموضوعي، ورغبتها في مقارعة السجان، وإعلان الشاعر انتماءه لمحيط عربي واسع، وتجربة جماعية كبرى. وهي أيضًا نتاج تمارين كتابية أولى، ولم تعد صالحة للتعبير عن تطور تجربة درويش، وخبراته الثقافية، والوجودية، ورؤيته للعالم، في زمن شهدت فيه القضية الفلسطينية، كما التجربة الشخصية للشاعر، تعرجات، وانحناءات، وانكسارات، وآفاقًا مسدودة. ولقد أثبت درويش، في مجموعاته الشعرية التي نشرها بعد خروج الفلسطينيين من بيروت، قدرته على التعبير المركَّب عن تراجيديا الفلسطينيين، ورحيلهم الأبدي في عالم لم يعد يكترث بهم. في هذا الشعر الذي بدأنا نرى تباشيره الأولى في مجموعتيه "أحبك أو لا أحبك" (1972)، و"محاولة رقم 7" (1973)، نعثر على أعماق تجربة درويش، وقدرتها على التعبير عن الإنساني العميق، والكوني، في تجربة الفلسطينيين. ولعلَّ هذا ما يجعل تجربته متفردة في إطار المشهد الشعري الفلسطيني، وكذلك العربي، ويدفعها لتصطف إلى جانب شعريات عالمية عديدة، استطاعت أن تجتاز حدود اللغات والثقافات، لتصبَّ في نسيج الشعريَّات الكونيَّة، وتعبر عن تجارب الوجود الكبرى، متجاوزة محليَّتها، وسجنها اللغوي، لتصير تعبيرًا عن الإنسان، مطلق إنسان، ومأساة وجوده في هذا العالم.

لكن، إذا كان مستهجنَا النظر إلى شهرة درويش وانتشار شعره، وتحوله إلى رمز شعري لفلسطين، بوصفه نتاج الظرف السياسي، وقرب الشاعر من النخبة السياسية الفلسطينية العليا، فإن من المرفوض، من وجهة نظري، أن نفكَّ ارتباطه بالقضية الفلسطينية، والنظر إليه بوصفه شاعرًا متفردًا، هو نتاجُ اختباره للشكل الشعري، وإلحاقه بالشعريات العالمية، دون الاعتراف بأنه كتب في سياق أنساق شعرية طالعة من الشعرية العربية المعاصرة، ومن كونه فلسطينيًّا بالأساس يكتب عن عذابات شعبه المتواصلة مع عذابات الشعوب الأخرى في التاريخ وفي الحاضر. فالشاعر هو ابن زمانه، وثقافته ولغته، ونتاج المكان الذي طلع منه ونشأ فيه. ولو لم يكن درويش فلسطينيًّا، لقرأنا له شعرًا مختلفًا، وعاينَّا تجربة مغايرة لما كانت عليه تجربته.

كانت غاية درويش أن يكتب شعرًا يحكي عن الجرح الفلسطيني دون صخب؛ وكان حلمه أن يكتب شعرًا صافيًا لا ضجيج فيه ولا إيقاعات عالية. ويتمثَّل موقعه على خارطة الشعر العربي في قدرته على تزويج الإيقاع للمعاني والتجارب الوجودية العميقة، في تلقيح هذا الشعر بغبار طلع الكتابات الشعرية العالمية المميزة؛ بشعر فيدريكو غارسيا لوركا ووليم بتلر ييتس وبابلو نيرودا ويانيس ريتسوس، وغيرهم من الشعراء الكبار الذين تتألق قصائدهم في ذاكرة الشعر العالمي. ولأنه عرف كيف يطعِّم شعره بشعرهم، ويزوِّج التراجيديا الفلسطينية لتراجيديات البشرية وعذابات الإنسان في كل زمان ومكان، فقد أصبح، قبل وبعد رحيله، واحدًا من شعراء العالم الكبار.

ثمَّة في شعر محمود درويش علامات كبرى تدلُّ القارئ على تطور تجربته الشعرية، ونضوجه الثقافي والفكري والوجداني والسياسي، وعلى قدرته، كمبدع خلاق، على تحويل الفردي والشخصي، في حياته وحياة الفلسطينيين، إلى تجربة جماعية كبرى تضيء القضية الفلسطينية وتضعها في وجدان العرب المعاصرين، كما في ضمير العالم ووعيه. ففي رحلته من "سجِّل أنا عربي"، التي كانت صرخته للتعبير عن الهُويَّة الفلسطينية – العربية التي سعت الحركة الصهيونية والدولة العبرية إلى محوها، إلى قصائده التي كتبها في أيامه الأخيرة، نعثر على منحنى صاعدٍ، عمومًا، في هذه التجربة الشعرية الغنية التي أصبحت، سنةً بعد سنةً، دلالةً ساطعة على اسم فلسطين ومأساتها ومقاومتها، وتحولها إلى قضية إنسانية كبرى.

يبقى محمود درويش حاضرًا بقوة في المشهدين الشعري والعام، رغم مرور 15 سنة على غيابه. إنه حاضر من خلال ما أنجزه من كتابة شعرية، ورؤيةٍ للشعر ودوره منبثة في كتاباته النثرية، والحوارات التي أدلى بها. كما أنه حاضر في التأثير الشعري، على شعراء ينتمون إلى أجيال مختلفة، ومن ضمنهم جيله هو، ومن خلال الصخب الذي دار، وما زال يدور حول التأثيرات والمطابقات والتناصَّات التي ينطوي عليها شعره. كلُّ ذلك يجعل من درويش طاقة شعرية خلاقة تتجدد من خلال قوة تأثيرها، وعبر العودة إلى نصها الشعري على نحو دائم، كما يجعل منه عقبةً وتجاوزًا في آن، جدارًا يحجب التطور، ونافذة تطل على مستقبل يأتي؛ نهايةً وكذلك بداية.


مقالات ذات صلة

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

ثقافة وفنون الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون الشاعر محمد عفيفي مطر

عودة جائزة محمد عفيفي مطر للشعراء العرب

عقدت الدورة الأولى لجائزة مطر في عام 2017 برئاسة الناقد الراحل الدكتور شاكر عبد الحميد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث.

شوقي بزيع
يوميات الشرق قد تعود الكلمات إلى أصحابها بعد سنوات طويلة (إنستغرام)

كتبت قصيدة عن ابنها... فوجدها في ورقة امتحانه بعد 7 سنوات!

الشاعرة الآيرلندية إميلي كولن كانت على موعد مع مفاجأة غير متوقَّعة...

«الشرق الأوسط» (لندن)

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
TT

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس». فقد انهالت السيناتورة الباراغوانية سيليستي أماريّا، عضوة الحزب الليبرالي الراديكالي، على قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي بوابلٍ من الشتائم العنصرية الفاضحة: وصفته بأنّه «كاميروني خاضع للاستعمار يتظاهر بأنّه فرنسي»، و«أحمق لم يتعلّم حتى الكتابة»، بل بلغت حدّ القول إنّه «رضع جوز الهند بدل حليب أمّه، وإنّ أكثر ما سمعه ثقافةً كان أصوات الشمبانزي». وقد يبدو الأمر مجرّد انفعالٍ فرديّ عابر صدر عن سياسيةٍ معروفة بإثارة الجدل. غير أنّ قراءةً أعمق تكشف عن أنّ ما التقطته السيناتورة من الخارج ليس اختراعاً جديداً، بل صدى لخطابٍ ظلّ يلاحق المنتخب من الداخل منذ عقود: خطابٌ يُنكر على لاعبين من أصولٍ أفريقية أو مغاربية حقّهم في تمثيل الأمة، رغم أنّهم يحملون جنسيّتها ويرتدون قميصها. وليست حادثة مبابي إلا الحلقة الأحدث في سلسلةٍ جعلت من كرة القدم مرآةً مكبّرة لجدلٍ فرنسيّ لا ينتهي حول الانتماء.

من الملعب إلى المختبر السياسي

لفهم هذا الجدل؛ ينبغي تجاوز الرياضة. فالمنتخب الوطني ليس فريقاً فحسب؛ إنّه تمثيلٌ رمزيّ للأمة على شاشة العالم؛ ما يجعل تركيبته البشرية موضوعاً سياسياً بامتياز. وقد بيّنت دراسات لعلم الاجتماع الرياضي أنّ تشجيع المنتخب فعلٌ سياسيّ صامت يعبّر فيه الجمهور عن تصوّره لمن يمثّله ولشكل الأمة التي يريدها. وفي هذا الاتّجاه، ذهب عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه، في دراساته الرائدة عن «شغف الجماهير»، إلى أنّ كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته؛ فالجمهور حين يهتف للفريق إنّما يهتف لصورةٍ عن ذاته الجماعية، ويعلن عبر اللعبة عمّن يَعُدّه منتمياً إلى «الـنحن». ويؤكّد الكتاب الجماعي «كرة القدم والهويّات»، بإشراف الباحث جان ميشيل دو ويل، هذا المعنى حين يبيّن أنّ المنتخبات أصبحت أدواتٍ لصياغة الهوية الوطنية أو للتنازع حولها. فمن يقف على أرض الملعب ومن يغيب، وكيف يُقرأ حضوره أو غيابه، هي أسئلةٌ تتحوّل سريعاً مادّةً للصراع حول تعريف «الفرنسي الحقيقي» في مقابل «الفرنسي المشكوك في فرنسيّته».

هذا الصراع ليس وليد اليوم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، رصد المؤرّخ جيرار نوارييل وعالم الاجتماع ستيفان بو ما سمّياه «أَعرقة الخطاب الاجتماعي» في فرنسا؛ أي ذلك التحوّل الذي جعل السياسيين والإعلاميين والمثقفين يحبسون الأفراد في هويةٍ عرقية جامدة، على حساب هويتهم الاجتماعية والطبقية. وحين انفجرت عام 2011 «قضية الحصص» في مراكز التكوين، إثر كشف موقع «ميديابارت» عن مشروعٍ لتحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، خلص الباحثان في «ليبيراسيون» إلى أنّ مسؤولي الاتحاد لم يبتكروا هذا المعجم العنصري، بل ورثوه بعد عقودٍ من السجّال حول الهجرة. وفي السياق ذاته، وصف عالم الاجتماع إيريك فاسان المفارقة الفرنسية بأنّها «عنصرية بلا عنصريين»؛ أي أنها بنيةٌ تُنتج التمييز في صمت، دون أن يعترف أحدٌ بأنّه عنصريّ.

ليس اليمين المتطرف وحده

واللافت، أنّ الطعن في انتماء اللاعبين لم يبقَ حبيس خطاب اليمين المتطرّف وحده، بل تبنّاه أحياناً مثقّفون مرموقون. ففي خريف 2005، في حوارٍ مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ذهب الفيلسوف آلان فينكلكروت إلى أنّ «الناس يقولون إنّ منتخب كرة القدم محبوبٌ لأنّه أسود- أبيض -عربي، لكنّه في الحقيقة صار اليوم أسود -أسود -أسود؛ وهو ما يجعله أضحوكةً في عيون أوروبا كلّها». عبارةٌ صادمة لأنّها لم تصدر عن سياسيّ متطرّف، بل عن مفكّرٍ محسوبٍ طويلاً على اليسار، وهي العبارة التي حوّلت لون بشرة اللاعبين مقياساً لـ«فرنسية» الفريق.

على أنّ هذا الخطاب أقدم من ذلك. فمنذ 1996، كان جان ماري لوبن الزعيم التاريخي لليمين المتطرف قد فتح الباب حين اتهم لاعبي المنتخب بأنّهم «أجانب جُنّسوا لغرضٍ واحد هو اللعب في الفريق»، مستدلّاً على ذلك بأنّهم «لا يعرفون النشيد الوطني، وببساطة لا يحفظونه». ومنذ ذلك الوقت، صار أداء «المارسييز» أو النشيد الوطني الفرنسي من عدمه اختباراً علنياً لوطنية اللاعب، تُصنَّف على أساسه الوجوه بين «الصالحين» و«المتمرّدين» غير جديرين بارتداء القميص الأزرق. وقد بلغ هذا المنطق ذروته الرمزية في مباراة فرنسا والجزائر عام 2001، حين قُوطع النشيد الفرنسي بأصوات صفير الجمهور في ملعبٍ باريسي، فصار الحدث ذخيرةً دائمة في يد كلّ من أراد التشكيك في ولاء الفرنسيين من أصولٍ مهاجرة.

«أسود - أبيض - عربي»

في صيف 1998، حين توّجت فرنسا بكأس العالم بمنتخبٍ متعدّد الأصول، بدا أنّ التصوّر الجمهوري قد انتصر نهائياً؛ إذ رُفع شعار «أسود- أبيض- عربي» صورةً لفرنسا التي تتصالح مع تنوّعها، وأعلن الرئيس جاك شيراك أنّذالك أن «هذا الفريق متعدّد الألوان يرسم صورةً جميلة لفرنسا». لكنّ ذلك الإجماع كان أهشّ ممّا بدا، وسرعان ما تحوّل الشعار في نظر كثيرٍ من الباحثين «أسطورةً مستهلكة» تُخفي وراءها استمرار التهميش والتمييز في أحياءٍ بأكملها.

ومنذ ذلك الحين، عاد سؤال الهوية ليطلّ عند كلّ منعطف. ففي كلّ أزمة، من فضيحة إضراب اللاعبين في مونديال 2010 التي أثارت سيلاً من التعليقات عن «فريقٍ فقد روحه الوطنية»، إلى «قضية بنزيمة» حين اتّهم المهاجم الفرنسي من أصلٍ جزائري المدرّب ديدييه ديشان بأنّه «رضخ لضغط جزءٍ عنصريّ من فرنسا» بعد إبعاده عن القائمة؛ ليظلّ السؤال نفسه يفرض ذاته: من يملك حقّ تمثيل فرنسا؟ وهل تكفي الجنسية والموهبة، أم يجب أن يكون اللون واللقب والدين مطابقين لصورةٍ بعينها عن «الفرنسي الأصيل»؟ هذا السؤال الأخير هو ما دأب عليه اليمين المتطرّف، حيث جعل من المنتخب أداةً دائمةً للطعن، بفتح الجدل تارةً حول من لا ينشدون «المارسييز»، وتارةً حول من يرفعون راية بلدٍ آخر، ليبقى السؤال المسموم معلّقاً: «هل هؤلاء يمثّلوننا حقّاً؟».

فخّ الهوية

ما يجعل حادثة مبابي أبلغ من مجرّد إهانةٍ عابرة هو أنّها تكشف «فخّ الهوية» المزدوج الذي تقع فيه كرة القدم وفرنسا معاً. فخ تقع فيه كرة القدم حين تُحمَّل بما لا تحتمل من رموز، فتتحوّل مباراةٌ رياضية استفتاءً على معنى الانتماء، وفخاً تقع فيه فرنسا حين تترك صورتها تتحدّد بلون لاعبيها أكثر ممّا تتحدّد بقيمها المعلنة. واللافت، أنّ الاعتداء هذه المرّة جاء من الخارج، من سياسيةٍ في أميركا اللاتينية، لكنّه استعاد حرفياً المفردات ذاتها التي تتردّد في الداخل الفرنسي؛ وكأنّ الخطاب العنصريّ لغةٌ عابرة للحدود، تجد في جسد اللاعب الأسود شاشةً مشتركة تُسقط عليها مخاوفها من الآخر.

تبقى لردّ مبابي، في حزمه ووضوحه دلالة تتجاوز شخصه. فحين يرفض لاعبٌ أن تُترك الكراهية بلا جواب، يعيد بطريقته طرح سؤال المفكّر إرنست رينان في محاضرته الشهيرة بالسربون عام 1882: هل الأمة إرادةٌ في العيش المشترك تُجسّدها القيم، أم انغلاقٌ على لونٍ وعرق؟ الفيلسوف الفرنسي شرح آنذاك بأن الأمة لا تُبنى على العرق أو اللغة أو الدين، بل على «استفتاءٍ يوميّ» تصنعه الرغبة المشتركة في مواصلة الحياة معاً. وبين هذا التعريف المفتوح وذاك الانغلاق الضيّق، سيظلّ المنتخب الفرنسي مرآةً حسّاسة لصراعٍ لم يُحسم بعد حول مسألة الانتماء والهوية.

عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه: كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته


خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية
TT

خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية، من خلال سيرة الشخصية الرئيسية «فرح» التي يتقاطع مصيرها مع خمس حكايات نسائية لخمس شخصيات تتعرف عليهن في رحاب مسجد السيدة نفيسة.

تمر البطلة بتجربة خاصة مربكة، ورواية متعثرة تحاول أن تجد لها فكرة، وورطة ترتبط باتفاق غريب مع صديقة والدتها، ولكنها سرعان ما تكتشف أن المكان يفتح أمامها أبواباً إلى وجوه وحكايات لم تكن في الحسبان؛ إذ تتبدى لها مشكلات الآخرين بوصفها مرايا تكشف هشاشتها وأسئلتها المؤجلة.

يحمل عنوان الرواية دلالة مركزية، فالقطة ليست مجرد تفصيلة عابرة في فضاء المكان، وإنما هي رمز لكائن صامت يراقب ويتحرك بين الناس ويلتقط ما يخفونه. ومن هذه الزاوية تبدو البطلة شبيهة بالقطة: تقترب من الشخصيات، تنصت إلى اعترافاتهم، وتتعرف على ما وراء الأقنعة اليومية، كما تبدو في بحثها عن روايتها، كأنها تبحث في الوقت نفسه عن لغة جديدة لفهم حياتها ومواجهة مخاوفها.

وعبر رصد تنوع الطبقات الاجتماعية والهموم الصغيرة والأسئلة الوجودية، تقترب الرواية من معاناة النساء وضغوطهن الخفية، عبر الحاجة الإنسانية الدائمة إلى من يسمع ويمنح الأمل، وهي بذلك تقدم حكاية عن الخلاص الممكن، بعيداً عن المعجزات الجاهزة، ومن خلال الإنصات بصدق لصوت الذات والتماس المباشر والحميم مع أرواح الآخرين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سامح كان الحياة بالنسبة لي، كنت لا أتوقف لحظة عن تمجيده والاستماع إلى كل ما يطلبه مني وأنفذه، فهو لا يخطئ أبداً. حبيبي وصديقي وسيكون قريباً زوجي. كانت مشاكله كلها مع أسرته. كان والده نموذجاً للشخصية الشريرة التي يمكن أن نراها في السينما. شخص لا يتوقف لحظة عن إهانة والدتهم وضربها كلما أتيحت له الفرصة ولأتفه الأسباب، مع السخرية والتقليل من أولادهم.

لا يتذكر سامح -وهو الابن الأصغر- أن والده قد احتضن أبناءه الثلاثة يوماً، أو فرح بنجاحهم، كانت أمهم السيدة التي تتعرض للإهانة والخوف ليلاً ونهاراً نموذجاً للشخص المغلوب على أمره. تتحمل مسؤوليتهم بكل طاقتها، ولا تسمع كلمة شكر واحدة أو تقدير لمجهودها، في حين يذكِّرها والدهم في كل مناسبة بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة في فيلا ضخمة وكل طلباتها مجابة، يأكلون جيداً وفي وضع اجتماعي يحسدهم عليه الجميع.

ولكن سامح كان يجد أن هؤلاء الخدم لم يكونوا يسمعون سوى إهانات والدهم له ولإخوته وأمه، وكيف يمن عليهم طوال الوقت بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة بأمواله، ولكن الخبر الجيد -تبعاً لوصف سامح- أن والدهم أصيب منذ عدة سنوات بجلطة تسببت في النهاية بجعله يعاني من شلل نصفي، وبالتالي صارت الأمور أكثر هدوءاً؛ خاصة أنهم الثلاثة أصبحوا يتولون إدارة الشركة بأنفسهم.

لم تكن مرحلة الإعلان عن كل ما يتعلق بوضع أسرتي مسألة سهلة بالنسبة لسامح أو أسرته، فإخوانه الذين كانوا يعرفونني من خلال التدريب في شركتهم، وكانوا على علم بارتباطي بأخيهم، وكانوا شديدي اللطف معي، تحولوا لكائنات سخيفة عديمة الذوق في كل ما يتعلق بي وبأمي وأختي».


رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث