ثلاث مدن وأربعة لقاءات

 الشاعر عبد المنعم رمضان
الشاعر عبد المنعم رمضان
TT

ثلاث مدن وأربعة لقاءات

 الشاعر عبد المنعم رمضان
الشاعر عبد المنعم رمضان

تعرضت لفتنة محمود درويش في زمن مبكر، كنت طالبا على حافة الجامعة، بعمر يدور حول الثمانية عشر عامًا مما جعلني رومانسيًا، وبعزلة جعلتني مفردًا بصيغة المفرد، ففى العام 1969، وفى سبيل الانتصار على آثار نكسة 1967، أصدر رجاء النقاش كتابه محمود درويش شاعر الأرض المحتلة، مازلت أذكر طبعته فى سلسلة كتاب الهلال، كنت قادمًا من شعر المدارس الذي ألزمونا بدراسته بدعوى أنه شعر كل العصور، وبسببه وبسبب عزلتي وبسبب عمري أصبحت أسيرًا لشعر الرومانسيين، لولا وقوعي على بعض شعر التالين عليهم والذين كانوا يحاولون البحث عن أرض جديدة، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى، كلاهما كان يحاول إسدال الستائر على الباقي فيهما من الرومانسية، كلاهما كان يحاول أن ينتقل من عامه السادس عشر، إلى عامه التاسع عشر وما بعده، لذلك فوجئت مرتين، مرة ذكراها مشوشة في رأسي، وذلك عندما قرأت ديوان "آخر الليل" لمحمود درويش ضمن مواد أحد أعداد مجلة الهلال، كان عنوان الديوان مضخة تفاؤل مطلوب بعد نكسة 67، آخر الليل نهار، وفيه قرأت قصائد درويش عن ريتا، بين ريتا وعيوني بندقية، وريتا سوف تظل فى ذاكرتي إلى أن رأيت صورة لها منذ وقت قريب، فى إحدى الصحف، لكنني رغم حرصي على الاحتفاظ بالصورة فقدتها للأسف.

أعود إلى ما سبق أن قلته، فوجئت مرتين، فبعد ديوان آخر الليل، صدر كتاب رجاء النقاش عن محمود درويش شاعر الأرض المحتلة، في سلسلة كتاب الهلال، الحقيقة أننى لا أذكر أيهما سبق الآخر، سيغريني الشعر المضموم في كتاب رجاء بتكرار قراءته، وسيغرينى أكثر بمحاولة الخروج على ما أكتبه من شعر عمودي، مثلما أغراني شعر صلاح وحجازي وأدونيس، فيما بعد، وعندما دعاني غالى شكري إلى منزله في سهرة على شرف محمود درويش، الذي سبق أن التقيت به، سألته عن المدعوين، فذكر لى اسم رجاء النقاش وزوجته واكتفيت، فى بيت غالي أتى آخرون، سمير سرحان، والسيدة بروين حبيب، فيما أذكر، وأظنها كانت مذيعة تليفزيونية، وصديقي الشاعر محمد سليمان، طوال السهرة كان الأكثر أناقة بيننا جميعًا وربما الأكثر حيوية هو محمود درويش، ولما اقترح أحدهم أن نسمع شعرًا، وطولبت بالقراءة، لم أعتذر، لكننى اشترطت أن يقرأ محمود درويش أيضًا، الذي بلغة قاطعة، بدت وكأنها قاطعة دائمًا، قال لي: لا حقًّ لك في ذلك، لأنك كنت منذ يومين مدعوًا إلى منزل حسن طلب بمناسبة وجودي، لكنك لم تحضر، هناك أنا قرأت، وهنا عند غالي أنت ستقرأ، فانحنيت أمام بلاغته، وقرأت ما قرأت، وهكذا تواددنا، حتى أنه دعاني لحضور ندوته بعد أيام بالجامعة الأمريكية، أذكر أنني عندما أوشكت على دخول القاعة لمحته جالسًا على المنصة.

كان الجمهور غفيرًا، في صفه الأول يجلس محمد حسنين هيكل، بعدما جلست نظرت فى اتجاهه، أعني في اتجاه درويش، فوجئت به يومئ لي برأسه، فأحطت بمهارة جديدة من مهاراته، مهارة اللياقة الاجتماعية واليقظة، صحيح أنه كانت على رأس هذه المهارات قدرته على حشد المفردات الجميلة إلى حد أنني كنت أتمنى أحيانًا وأنا أقرأه أن ينخدش هذا الجمال ببذاءة ما، ذات زيارة تالية أخرى لمحمود درويش، وفى القاهرة، اصطحبتني صديقة صحافية إلى شقة السيدة منى أنيس بوسط البلد، حيث سيكون محمود درويش هناك، وفور دخولي أحسست بأنني غريب حقًا على العائلة، فأجبرت نفسى على الانصراف السريع بعد أن رأيت (محمود) منسجمًا وسط لفيف من يساريين ويساريات كانوا يدللونه، قلت لنفسي: لم يبق إلا الانصراف، وذلك خشية أن أفسد علاقتي بمحمود وبصاحبة المكان وبالصديقة التي اصطحبتني معها، الغريب أنني لا أذكر الآن اسمًا واحدًا ممن رأيتهم، كأن ذاكرتي أصرت على نسيان هذا اللقاء، عمومًا هذان اللقاءان في بيت غالي شكري الذي تبعته ندوة الجامعة الأمريكية، وبعده فى شقة منى أنيس، يجبراننى على أن أتذكر المرة الأولى التي التقيته فيها.

في سنة 1993، كانت وزارة الثقافة الفرنسية قد دعت وفدًا أدبيًا مصريًا مكونًا من تسعة روائيين وثلاثة شعراء، الروائيون هم لطيفة الزيات وإدوار الخراط وبهاء طاهر وإبراهيم أصلان ومحمد البساطى وجمال الغيطانى وإبراهيم عبد المجيد ونبيل نعوم وسلوى بكر، والشعراء أحمد عبد المعطى حجازى ومحمد عفيفى مطر وعبد المنعم رمضان، الشعراء دائمًا أقلية، وكانت التظاهرة هذه ذات اسم لافت، "المغتربات الجميلات"، والمقصود بالمغتربات آداب اللغات الأخرى غير الفرنسية، ولأن العام السابق على تظاهرتنا، أى عام 1992، كانت حفاوته معقودة للأدب الإسرائيلي، هكذا أبلغونا، لذا فإن فرنسا الحريصة دائمًا على إحكام توازناتها السياسية، اختارت الأدب المصري، أيامها كان محمود درويش يقيم في فرنسا، يقيم كشاعر نجم فوق العادة، لذا زارنا في فندق الإقامة ليرحب بنا، وبعفوية غالبًا مقصودة، أبلغنا اعتذاره عن عدم حضور حفل الافتتاح، لأنه فى الوقت ذاته، سيكون على منصة مركز اليونسكو، يقرأ بعضًا من شعره، بينما كانت احتفاليتنا في مكان بعيد عن قلب المدينة، كانت في مركز بومبيدو، المقام حديثا، عمومًا المنظمون الفرنسيون خصصوا لنا قاعة صغيرة متوقعين أن الحضور سيكون محدودًا، لكن حمّى "الإجيبتومانيا"هزمت توقعاتهم، فأتى الفرنسيون بأعداد أجبرت المسئولين على تأجيل الافتتاح لساعة أو أكثر، ربما ساعتين، حتى يتم تجهيز أكبر قاعة.

الحضور كلهم تقريبًا كانوا فرنسيين وفرنسيات، بعض شعراء الوفد المصري وبعض روائييه الذين يعرفون محمود درويش معرفة أوثق من معرفتي، غضبوا، بعضهم رأى ندوة درويش فعلا مقصودًا، أعترف أنني غضبت مثلهم، لكنني فيما بعد، سوف أراجع نفسي واضعًا في اعتباري أن السنة السابقة على سنتنا كانت "المغتربات الجميلات" تحتفل بالأدب الإسرائيلي، وأن لعبة التوازنات الفرنسية المعهودة، ألزمتهم باستضافة مصر في العام التالي مباشرة، عندها قلت لنفسي، لابد أن درويشًا رأى وجوب التزام اللعبة الفرنسية باستضافة الأدب الفلسطيني، فهو المعادل اللازم للأدب الإسرائيلي، كما يرى هو لا كما يرى الغرب، عند ذاك همست لنفسي، ثم جهرت لها ولبعض زملائي، وقلت: معه كل الحق، لو أنني مكانه لفعلت ما فعله، لو أنني مكانه لغضبت من مصر والمصريين، لو أنني مكانه لغضبت من الغرب، والغريب أنني تماديت وأكبرت فعل درويش، مما أثار إعجاب لطيفة الزيات كما أخبرتني فيما بعد. في برلين التقيت للمرة الثانية مع درويش، كانت الشاعرة العراقية أمل جبوري وراء تنظيم مهرجان للشعر العربي ببرلين، على أن ينقسم إلى أمسيتين في يومين متتاليين، الأولى ستضم محمود درويش وأمجد ناصر ووديع سعادة وأمل جبوري وفقرة غنائية من الطبيعي أن تكون من شعر درويش، والثانية ستضم أدونيس ولميعة عباس عمارة وعباس بيضون وعبد المنعم رمضان وفقرة غنائية من الطبيعى أيضًا أن تكون من شعر أدونيس، كنت سعيدًا جدًا بمصادفة رؤيتي للميعة عباس عمارة، واستعادة ذكرى أنها أولى محبوبات بدر شاكر السياب، وأنها من الصابئة، في الأمسية الأولى، كنت أجلس خلف درويش وأمجد، وذات لحظات مال أمجد على أذن درويش وأسرّ له بشيء، بعدها هب درويش واقفًا وغادر الأمسية، بالطبع لحقت به أمل جبوري بصفتها المنظمة، علمنا فيما بعد أن (درويش) كان ثائرًا بسبب ما بلغه فورًا عن أن الفقرة الغنائية ستكون من شعر أمل جبوري، وتمت تسوية الأمر وإعادته إلى صوابه، فالغناء لابد أن يقترن بنجم الأمسية، ودرويش نجم الأمسية وكل أمسية، في أثناء ذلك لم أستطع تحديد موقفى من درويش، هل أنا معه، أم أنه كان من الواجب أن يتعفف، هل فعله ينتسب إلى خفة الكائن التي لا تحتمل، أم هو فعل مشروع.

وفى هذه الرحلة الألمانية زارنا نصر حامد أبو زيد شبه المنفى في هولندا بسبب قضية تكفيره، وكانت حواراته مع أدونيس في الموضوع ذاته، في رؤية نصر ورؤياه هو، بينما كانت حواراته مع درويش فيما يحيط الموضوع من قضايا ومخاوف سياسية، وكمصريين، نصر وأنا، انشغلنا بمراجعة موقف جابر عصفور من قضية نصر بصفته صديقنا المشترك، وبصفته اتخذ موقفا يستحق المراجعة، رأيناه نحن الاثنين موقفا مائعًا، بقيت مناسبة أخرى جمعت بينى وبين ظلال محمود درويش، وذلك عندما قررت مجلة الكرمل التي كان يرأس تحريرها آنذاك محمود درويش أن تخصص عددها رقم 14 للأدب المصري، على أن يرأس تحرير هذا العدد إدوار الخراط، كان إدوار أيامذاك "عراب الحداثات المتتالية" وكاهنها، منذ الستينيات حتى التسعينيات، وكان كذلك صاحب" رامة والتنين" التي أحاطتها نميمة لطيفة حول رامة ومحمود، وكأن (محمود) هو الشاعر الذي غلب إدوار في علاقته برامة، عمومًا جاء العدد ممثلًا في الأغلب لحداثيي: 1- الستينيات التى يغلبها السرد الروائي والقصصي، 2- السبعينيات التي يغلبها الفعل الشعري بجناحيه "إضاءة وأصوات "، ولأن سليم بركات، كما أشيع، كان المسئول الفعلي عن المجلة، بينما درويش كان السيد الرئيس، فإن ثمة تدخلات من سليم أدت إلى إصدارنا بيانا يندد بخروج "الكرمل" على آداب النشر المعهودة عندنا كعرب، مثل تدخلات سليم بركات بالحذف والتعديل فى بعض النصوص دون حتى مراجعة أصحابها، لم يكن نصي ضمن هذه النصوص، أيامها شاركت في التوقيع على البيان غير أنني حافظت على إعجابي بما يكتبه سليم، مع العلم أن البيان صادف هوى الإذاعة في إسرائيل، فأذاعته أكثر من مرة مما أدى إلى غضب درويش وسليم، وغضب إدوار الخراط أيضًا، المهم أن موت درويش المبكر حرمنا من إكمال ما كانت كتاباته الأخيرة تدلنا عليه، فقد فطن متأخرًا إلى ضرورة أن تكون حركته الشعرية رأسية تجتهد في الحفر، بدلًا من كونها أفقية - في الغالب- تجتهد في الاتساع، كما فطن أيضًا إلى أن المسافات الشعرية بينه وبين الباقين آنذاك من رفاقه مثل سميح القاسم لابد أن تجعله في مكان بعيد وتبقيهم في أماكنهم، فالأخوة الإنسانية ليست الأخوة الشعرية، ورسائل محمود درويش وسميح القاسم عجزت عن تصويرهما كندين أو كأخوين، وحافظت على التفاوت الواسع مثلما حدث في حوار المشرق والمغرب، بين محمد عابد الجابري وحسن حنفي، حيث بدا التفاوت لصالح عابد الجابري. مات محمود درويش قبل أن يستمتع طويلًا بجحيمه الخاص وجنته الخاصة، وبخصومة محبيه، مات محمود درويش وهو على بُعد خطوات من فرادة حقة كان ينبغي أن تليق به، لولا أنه ظنها حياة وحشية، مع ضرورة الاعتراف بأن ما سيبقى من شعره كاف لدوام وجوده، كاف للسفر عبر الأزمنة.


مقالات ذات صلة

ما الإجراءات الإماراتية لكشف حقيقة اتهام «بنك مصر» بـ«معاملات إيرانية»؟

خاص مصرف الإمارات المركزي (وام)

ما الإجراءات الإماراتية لكشف حقيقة اتهام «بنك مصر» بـ«معاملات إيرانية»؟

يتعامل مصرف الإمارات المركزي مع القضية الخاصة بالتدابير الأميركية تجاه فروع «بنك مصر» العاملة في الإمارات وفق «الأطر القانونية دون استنتاجات مسبقة».

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال الرئيس الصيني في قصر الاتحادية بالقاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

القمة المصرية - الصينية تبحث «شواغل» البلدين وتدعم التنسيق الإقليمي

تبادلت القاهرة والصين الاهتمام بشواغل الطرف الآخر، لا سيما في قضايا الأمن المائي المصري والصين الواحدة والملاحة، بحسب ما ذهبت كلمات بيان مشترك لرئيسي البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الجانبان المصري والتركي خلال توقيع مذكرة التفاهم في سراييفو الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

مذكرة تفاهم مصرية - تركية تعزز التعاون في الصناعات الدفاعية

تُعزز مصر وتركيا تعاونهما في الصناعات الدفاعية، إذ وقَّع البلدان مذكرة تفاهم جديدة ضمن فعاليات معرض ومؤتمر «الدفاع الأول» بالبوسنة والهرسك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري يتابع توافر الأدوية والمستلزمات الطبية بمختلف المستشفيات (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

ارتفاع عدد ضحايا انقلاب حافلة بجنوب سيناء إلى 22 قتيلاً و28 مصاباً

قرر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تشكيل لجنة لتحديد أسباب الحادث وموقف سلامة وأمن المركبة وحالة السائق وكذا توضيح مدى سلامة الطريق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا سيارات تابعة لهيئة الاسعاف في مصر (هيئة الإسعاف المصرية)

مصر: مصرع 21 وإصابة 28 في حادث انقلاب حافلة ركاب جنوب سيناء

لقي 21 شخصا مصرعهم وأصيب آخرون في حادث انقلاب حافلة، صباح اليوم الأربعاء، على طريق (دهب – نويبع)، في محافظة جنوب سيناء شرقي مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.