كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟

اهتم منذ الصغر بالمواضيع الإنسانية والتسامح في مجتمع متزمت

كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟
TT

كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟

كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟

غادر برتولد بريشت مسرح الحياة يوم 14 أغسطس (آب) 1956، لكن الحياة لم تغادر مسرحه، ولا تزال أعماله تعرض؛ برؤى جديدة دائماً، في مختلف بلدان العالم. لم يكن بريشت تقدمياً واشتراكياً منذ نعومة أظفاره، بل كان في شبابه قومياً متحمساً يروج لمبدأ القوة والحروب الألمانية، قبل أن تتفتح عيناه على طبيعة الحرب العالمية الأولى «اللصوصية».

من يقرأ كتابات برتولد بريشت المبكرة سيكتشف قرب آرائه آنذاك من القضايا الوطنية والحروب، ومن مواقف الأحزاب القومية الألمانية. هذا ما تكشف عنه كتاباته المبكرة التي سجلها في يومياته، وهذا يكشف لنا عن كيفية تحول الكاتب الصغير من قومي متحمس ومسيحي متزمت إلى يساري متحمس تجاوز الاشتراكية الديمقراطية خلال سنوات قليلة؛ إذ إنه من الواضح، وبريشت بعمر 15 سنة، نمو جدار قومي - ديني في رأسه بتأثير المدرسة والمجتمع الألماني القومي المحيط به. كان تأثره بالغاً بالرايخ الثاني و«جمهورية فايمار» التي تحولت إلى «الرايخ الألماني» لاحقاً. ناهيكم بتأثره بمن سبقوه من كتاب وموسيقيين قوميين رومانسيين من أمثال فريدريش نيتشه وريتشارد فاغنر وغيرهارد هاوبتمان.

فضلاً عن ذلك، تنير لنا اليوميات، التي بدأ كتابتها بعمر 15 سنة، موقف بريشت الصغير من الأديان والطائفية في مجتمع ديني متزمت كان سائداً في جنوب ألمانيا في العقدين الأولين من القرن العشرين. هذا النهج الذي تبلور تماماً في حياته وأدبه لاحقاً وحسم خياره لمصلحة الإنسان والفعل النشيط على عكس الدعوة للاعتماد على الرب في كل شيء.

كتب في «اليوميات10»، بعد أن تجاوز المراهقة، قبل نشر مسرحيته الأولى: «أي دين اتكالي هو المسيحية؟ يؤمن فيه الإنسان تماماً بانتظار العون من الرب. أنا أشك...». لم ترد كلمة «الرب» في يوميات بريشت المبكرة مطلقاً. وحينما كتب قصيدة «المسيح»، بعد سنوات من ذلك التاريخ، لم يكن المسيح فيها رباً ولا نبياً؛ وإنما كان إنساناً.

كان شاباً شغوفاً بشعب الألمان والقومية الألمانية. لنأخذ ما كتبه بريشت الصغير عن الحلف البروسي في مطلع القرن العشرين:

«الحلف البروسي. إنه الكرنفال. وقت الضحك والفرفشة. ولا بد للمرء حينها أن يتحدث عن الـ(ح ف) (الحلف البروسي suum cuique) مكتوبة على خوذات الجنود البروسيين. أي (كلٌ لوحده) خصوصاً للبروسيين. بضعة من (رؤوس الكرنب) والعسكريين المتبلدين اجتمعوا... بحدس يحسدون عليه... أخيراً، وتوصلوا بينهم، إذا جاز التعبير، إلى الموقف الصحيح الوحيد من الحرب البروسية - الفرنسية سنة 1870.

كان البروسيون بالضبط من كسب الحرب. اكتفى البافاريون وغيرهم من البرابرة بالتفرج. من دون شك! إذا كان هناك شيء كبير حصل فقد حققه البروسيون! وكان البروسيون بالطبع وراء (الواقعة) في الإلزاس. حينما وضع العسكريون المقاديم في تزابرن حداً للـ(واكيين) الوقحين».

تقع مدينة تزابرن في الإلزاس؛ حينما كانت تحت سيطرة القوات القيصرية الألمانية في نهاية سنة 1913. وقعت حالة تمرد شعبي قمعت بمجزرة من قبل الفيلق البروسي بعد أن أهان أحد الضباط أهالي الإلزاس بوصفهم بالـ«واكيين». و«الواكي» تستخدم في جنوب ألمانيا وشمال سويسرا بوصفها كلمة مهينة لأهالي الإلزاس. والـ«واكي» هو بهلول «كرنفال الأيام الثلاثة» في مناطق بافاريا وبادن وشمال سويسرا.

كتب بريشت في مرحلة نضوجه كثيراً من الأعمال التي يتخللها الغناء والرقص، مثل «أوروبا القروش الثلاثة» و«السيد بونتيلا وتابعه ماتي»، ولكن ماذا كان رأيه في ذلك وهو شاب يافع بعمر 15 سنة؟

تانغو

الألمان شعب غريب. ينهضون دائماً منذ القدم حينما تهدَّد حريتهم.

كان النصر حليفهم دائماً... ضد فرنسا، ضد إيطاليا.

للألمان أعظم العلماء والفلاسفة والشعراء الذين يمدونهم بالأعراف والعادات.

لكن شأن الألمان يقل أمام الآخرين حينما يتبنون عادات الأجانب... من فرنسا وإيطاليا.

يسمح الألمان بفرض الديانات القادمة من إيطاليا، والموضة القادمة من فرنسا، والتانغو من أميركا، عليهم. يصبح الرقص، ما لم يتحول إلى جمال فني، شيئاً لا قيمة له. بوابة أخلاقية خلفية للمجتمع.

يمكن للمرء أن يتصور نابليون، أو القيصر، أو المسيح يرقص. أو ليتصور أبسن يرقص التانغو.

لنتخلص من كل التصرفات الغريبة والعادات المستوردة، التي نبتلى بها لا أكثر... لنفكر بطريقة ألمانية:

Quod licet lovi non lcet bovi

أي:

«ما هو مسموح به لجيوبتر غير مسموح به للثيران»

وكتب في قصيدة «1813»

قبل مائة عام في الأرض الألمانية

ثارت عاصفة من الجبال إلى البحر،

أشعلت نار الحماس المتوهجة -

أثارت لعلعة أسلحة ثقيلة،

وانتفضت شعوب الألمان طويلاً،

في تلك الأزمنة الحديدية.

وفي قصيدة «1913» يكتب وهو بعمر 15 سنة:

والآن بعد 100 سنة، يقف مجدداً عالم

صلب ضدنا ونحن لا أحد لنا.

أن نكون أقوياء حقاً وموحدين

بين البلطيق والراين.

تطلعوا يا ألمان إلى الماضي!!

إلى تلك الأزمنة الحديدية.

ويدافع عن ريتشارد فاغنر ضد منتقديه وهو صغير:

اجتمعوا معاً وتحدثوا في الموسيقى. تعذر عليهم فهم كيف أن الناس قبل 70 سنة عجزوا عن فهم موسيقى فاغنر. مثل هذه الموسيقى الرائعة!! كيف سخروا وضحكوا من عبقري مثل فاغنر، ولاحقوه وحسبوه ممسوساً. فاغنر! عندما يفكر المرء في الحداثة، كل أولئك المجانين الفاشلين والمتعجرفين من أمثال شتراوس وبفيتزنر وريغر، لم يضحكوا منه!

في مدرية أوغسبورغ، في بافاريا، كانوا 7 شبان يافعين شكلوا حلقة ثقافية في إعدادية أوغسبورغ يناقشون الأعمال المقدمة ويقترحون تعديلها وتحسينها ويقدرون جدارتها بالنشر. يضطلع رئيس التحرير هنا، أي بريشت، بمهمة محرر أدبي متمرس، يناقش زملاءه حول النصوص ويعينهم في الصياغة... إلخ. هذا ما يقوله أيضاً في «اليوميات10»؛ إذ كان يساعد كل من لديه موهبة منهم، في الكتابة أو التأليف الموسيقي، كي يصبح شيئاً. ربما لهذا السبب كان ينشر بعض أعماله بأسمائهم.

يعتقد النقاد أن هذه الطريقة في النقاش في حلقة المحررين الصغار كانت البذرة التي أنطلق منها بريشت في أسلوب كسر الحاجز بين الممثل والمشاهد ومناقشة المسرحيات بعد عرضها مع الجمهور. كان جاداً وصادقاً في تقبل نقد زملائه الصغار في المدرسة كما كان جاداً وصادقاً في تقبل نقد أعماله وهو يبلغ العالمية.

لم يكتنز أدب بريشت بكل هذه الإنسانية والعمق الاجتماعي والرؤية والتسامح لولا اهتمامه منذ الصغر بهذا النوع من الإبداع. لنقل إن نهجه الأساسي في العمل والتأليف، الممتد بين هدم الجدار الرابع والتغريب وتفضيل المسرح الملحمي على المسرح «الاستعراضي» التقليدي، جاء بفضل مؤلفين عظام سبقوه مثل غيرهارد هاوبتمان (1862-1946) وغوتهولد إيفرايم ليسنغ (1729-1781) وهاينريش هاينه (1797-1865). هذا ما يستشفه القارئ حينما يدرس قصائد وقصص ومقالات بريشت الصغير في المدرسة ويفاجأ وهو يعرف عمق معارف واطلاعات الكاتب الناشئ. كانت بداياته مع «تنويرية ليسنغ» في مسرحيته الأولى والطبيعية والإنسانية الكبيرة، والاهتمام بالناس الفقراء والعاديين، في مسرحيات هاوبتمان، وكشف المستور عن الظاهر الذي ميّز أعمال هاينه.

كتب بريشت، هو بعمر 15 سنة، أكثر من قصيدة تمجد حروب التحرير والقادة الذين هزموا نابليون، ويطالب الألمان، بحس قومي لم نعرفه عنه في فترة نضوجه، باستعادة تاريخهم ونبذ الأفكار المستوردة من إيطاليا وفرنسا... إلخ. وهذه أفكار سرعان ما تخلى عنها بريشت بعد سنة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، خصوصاً مع اطلاعه على الأدبيات الماركسية؛ إذ رفض بريشت الانخراط في الجيش مقاتلاً، وفضل المساهمة مسعفاً في أحد المستشفيات العسكرية. تعرض بعدها للسخرية من زملائه بسبب «سلميته» و«لا وطنيته» رغم أن فرتز جيهفاير سقط في الحرب لاحقاً، وفقد رودولف بريستل ساقه فيها. كتب أحد الأصدقاء في مذكراته أن بريستل، زميل بريشت في الصف، اتهم بريشت بالخيانة وبصق في وجهه. كتب بريشت إلى صديقه كاسبر نيهر في 8 يونيو (حزيران) 1917 يسخر من سذاجة صديقه الكاتب ماكس هوهنسترز الذي خاض الحرب في الخطوط الأمامية.

انغمس بريشت تماماً في قراءة الماركسية في سنة 1924، وكان قد صنع لنفسه اسماً؛ كاتباً ومخرجاً. وكتب في اليوميات أنه وجد في الماركسية النظرية التي تستجيب لتطلعاته نحو مجتمع لا طبقي عادل. قرأ بعدها جان بول سارتر وفالتر بنجامين وجورج لوكاتش... وغيرهم، لكنه بقي أميناً لماركس وتأثرت كتاباته المسرحية كثيراً بهذه النظرية.


مقالات ذات صلة

جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

يوميات الشرق بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)

جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

جاء التكريم في وقت يحتاج فيه المسرح اللبناني إلى مَن يستعيد أسماءه المؤسِّسة.

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

اختتمت «روائع الأوركسترا السعودية» جولتها بحفل في روما بمشاركة أندريا بوتشيلي، في أمسية مزجت الموسيقى والفنون السعودية والإيطالية قرب الكولوسيوم.

شوقي الريّس (روما)
الولايات المتحدة​ متظاهرون ملثمون فوق معدات الحفر يوم الخميس الموافق 30 أبريل 2026 في مقاطعة بينينغتون بولاية ساوث داكوتا الأميركية حاملين لافتة كُتب عليها «أرض مقدسة لا مكان للتعدين» (أ.ب)

سكان أصليون يقيمون دعوى لمنع التنقيب عن الغرافيت في موقع يقدّسونه بأميركا

أقامت قبائل تسع من السكان الأصليين دعوى قضائية على الحكومة الأميركية في محاولة لوقف التنقيب عن معدن الغرافيت بالقرب من موقع مقدس لدى القبائل في منطقة بلاك هيلز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)

تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

وقّعت تركيا وأرمينيا، الاثنين، اتفاقاً لترميم جسر آني العائد إلى العصور الوسطى على الحدود بين البلدين، في خطوة رمزية على طريق تطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان.

«الشرق الأوسط» (أنقرة - يريفان)
يوميات الشرق تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)

فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

تبدأ مرحلة جديدة للفنون الأدائية التقليدية في السعودية، ينتقل فيها الموروث الشعبي المتنوع إلى آفاق جديدة وبأسلوب يحاكي لغة الفن العالمي، مع الحفاظ على بصمتها.

عمر البدوي (الرياض)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».