كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟

اهتم منذ الصغر بالمواضيع الإنسانية والتسامح في مجتمع متزمت

كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟
TT

كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟

كيف تحطم جدار الرايخ الثاني في رأس بريشت قبل تحطيمه الجدار الرابع؟

غادر برتولد بريشت مسرح الحياة يوم 14 أغسطس (آب) 1956، لكن الحياة لم تغادر مسرحه، ولا تزال أعماله تعرض؛ برؤى جديدة دائماً، في مختلف بلدان العالم. لم يكن بريشت تقدمياً واشتراكياً منذ نعومة أظفاره، بل كان في شبابه قومياً متحمساً يروج لمبدأ القوة والحروب الألمانية، قبل أن تتفتح عيناه على طبيعة الحرب العالمية الأولى «اللصوصية».

من يقرأ كتابات برتولد بريشت المبكرة سيكتشف قرب آرائه آنذاك من القضايا الوطنية والحروب، ومن مواقف الأحزاب القومية الألمانية. هذا ما تكشف عنه كتاباته المبكرة التي سجلها في يومياته، وهذا يكشف لنا عن كيفية تحول الكاتب الصغير من قومي متحمس ومسيحي متزمت إلى يساري متحمس تجاوز الاشتراكية الديمقراطية خلال سنوات قليلة؛ إذ إنه من الواضح، وبريشت بعمر 15 سنة، نمو جدار قومي - ديني في رأسه بتأثير المدرسة والمجتمع الألماني القومي المحيط به. كان تأثره بالغاً بالرايخ الثاني و«جمهورية فايمار» التي تحولت إلى «الرايخ الألماني» لاحقاً. ناهيكم بتأثره بمن سبقوه من كتاب وموسيقيين قوميين رومانسيين من أمثال فريدريش نيتشه وريتشارد فاغنر وغيرهارد هاوبتمان.

فضلاً عن ذلك، تنير لنا اليوميات، التي بدأ كتابتها بعمر 15 سنة، موقف بريشت الصغير من الأديان والطائفية في مجتمع ديني متزمت كان سائداً في جنوب ألمانيا في العقدين الأولين من القرن العشرين. هذا النهج الذي تبلور تماماً في حياته وأدبه لاحقاً وحسم خياره لمصلحة الإنسان والفعل النشيط على عكس الدعوة للاعتماد على الرب في كل شيء.

كتب في «اليوميات10»، بعد أن تجاوز المراهقة، قبل نشر مسرحيته الأولى: «أي دين اتكالي هو المسيحية؟ يؤمن فيه الإنسان تماماً بانتظار العون من الرب. أنا أشك...». لم ترد كلمة «الرب» في يوميات بريشت المبكرة مطلقاً. وحينما كتب قصيدة «المسيح»، بعد سنوات من ذلك التاريخ، لم يكن المسيح فيها رباً ولا نبياً؛ وإنما كان إنساناً.

كان شاباً شغوفاً بشعب الألمان والقومية الألمانية. لنأخذ ما كتبه بريشت الصغير عن الحلف البروسي في مطلع القرن العشرين:

«الحلف البروسي. إنه الكرنفال. وقت الضحك والفرفشة. ولا بد للمرء حينها أن يتحدث عن الـ(ح ف) (الحلف البروسي suum cuique) مكتوبة على خوذات الجنود البروسيين. أي (كلٌ لوحده) خصوصاً للبروسيين. بضعة من (رؤوس الكرنب) والعسكريين المتبلدين اجتمعوا... بحدس يحسدون عليه... أخيراً، وتوصلوا بينهم، إذا جاز التعبير، إلى الموقف الصحيح الوحيد من الحرب البروسية - الفرنسية سنة 1870.

كان البروسيون بالضبط من كسب الحرب. اكتفى البافاريون وغيرهم من البرابرة بالتفرج. من دون شك! إذا كان هناك شيء كبير حصل فقد حققه البروسيون! وكان البروسيون بالطبع وراء (الواقعة) في الإلزاس. حينما وضع العسكريون المقاديم في تزابرن حداً للـ(واكيين) الوقحين».

تقع مدينة تزابرن في الإلزاس؛ حينما كانت تحت سيطرة القوات القيصرية الألمانية في نهاية سنة 1913. وقعت حالة تمرد شعبي قمعت بمجزرة من قبل الفيلق البروسي بعد أن أهان أحد الضباط أهالي الإلزاس بوصفهم بالـ«واكيين». و«الواكي» تستخدم في جنوب ألمانيا وشمال سويسرا بوصفها كلمة مهينة لأهالي الإلزاس. والـ«واكي» هو بهلول «كرنفال الأيام الثلاثة» في مناطق بافاريا وبادن وشمال سويسرا.

كتب بريشت في مرحلة نضوجه كثيراً من الأعمال التي يتخللها الغناء والرقص، مثل «أوروبا القروش الثلاثة» و«السيد بونتيلا وتابعه ماتي»، ولكن ماذا كان رأيه في ذلك وهو شاب يافع بعمر 15 سنة؟

تانغو

الألمان شعب غريب. ينهضون دائماً منذ القدم حينما تهدَّد حريتهم.

كان النصر حليفهم دائماً... ضد فرنسا، ضد إيطاليا.

للألمان أعظم العلماء والفلاسفة والشعراء الذين يمدونهم بالأعراف والعادات.

لكن شأن الألمان يقل أمام الآخرين حينما يتبنون عادات الأجانب... من فرنسا وإيطاليا.

يسمح الألمان بفرض الديانات القادمة من إيطاليا، والموضة القادمة من فرنسا، والتانغو من أميركا، عليهم. يصبح الرقص، ما لم يتحول إلى جمال فني، شيئاً لا قيمة له. بوابة أخلاقية خلفية للمجتمع.

يمكن للمرء أن يتصور نابليون، أو القيصر، أو المسيح يرقص. أو ليتصور أبسن يرقص التانغو.

لنتخلص من كل التصرفات الغريبة والعادات المستوردة، التي نبتلى بها لا أكثر... لنفكر بطريقة ألمانية:

Quod licet lovi non lcet bovi

أي:

«ما هو مسموح به لجيوبتر غير مسموح به للثيران»

وكتب في قصيدة «1813»

قبل مائة عام في الأرض الألمانية

ثارت عاصفة من الجبال إلى البحر،

أشعلت نار الحماس المتوهجة -

أثارت لعلعة أسلحة ثقيلة،

وانتفضت شعوب الألمان طويلاً،

في تلك الأزمنة الحديدية.

وفي قصيدة «1913» يكتب وهو بعمر 15 سنة:

والآن بعد 100 سنة، يقف مجدداً عالم

صلب ضدنا ونحن لا أحد لنا.

أن نكون أقوياء حقاً وموحدين

بين البلطيق والراين.

تطلعوا يا ألمان إلى الماضي!!

إلى تلك الأزمنة الحديدية.

ويدافع عن ريتشارد فاغنر ضد منتقديه وهو صغير:

اجتمعوا معاً وتحدثوا في الموسيقى. تعذر عليهم فهم كيف أن الناس قبل 70 سنة عجزوا عن فهم موسيقى فاغنر. مثل هذه الموسيقى الرائعة!! كيف سخروا وضحكوا من عبقري مثل فاغنر، ولاحقوه وحسبوه ممسوساً. فاغنر! عندما يفكر المرء في الحداثة، كل أولئك المجانين الفاشلين والمتعجرفين من أمثال شتراوس وبفيتزنر وريغر، لم يضحكوا منه!

في مدرية أوغسبورغ، في بافاريا، كانوا 7 شبان يافعين شكلوا حلقة ثقافية في إعدادية أوغسبورغ يناقشون الأعمال المقدمة ويقترحون تعديلها وتحسينها ويقدرون جدارتها بالنشر. يضطلع رئيس التحرير هنا، أي بريشت، بمهمة محرر أدبي متمرس، يناقش زملاءه حول النصوص ويعينهم في الصياغة... إلخ. هذا ما يقوله أيضاً في «اليوميات10»؛ إذ كان يساعد كل من لديه موهبة منهم، في الكتابة أو التأليف الموسيقي، كي يصبح شيئاً. ربما لهذا السبب كان ينشر بعض أعماله بأسمائهم.

يعتقد النقاد أن هذه الطريقة في النقاش في حلقة المحررين الصغار كانت البذرة التي أنطلق منها بريشت في أسلوب كسر الحاجز بين الممثل والمشاهد ومناقشة المسرحيات بعد عرضها مع الجمهور. كان جاداً وصادقاً في تقبل نقد زملائه الصغار في المدرسة كما كان جاداً وصادقاً في تقبل نقد أعماله وهو يبلغ العالمية.

لم يكتنز أدب بريشت بكل هذه الإنسانية والعمق الاجتماعي والرؤية والتسامح لولا اهتمامه منذ الصغر بهذا النوع من الإبداع. لنقل إن نهجه الأساسي في العمل والتأليف، الممتد بين هدم الجدار الرابع والتغريب وتفضيل المسرح الملحمي على المسرح «الاستعراضي» التقليدي، جاء بفضل مؤلفين عظام سبقوه مثل غيرهارد هاوبتمان (1862-1946) وغوتهولد إيفرايم ليسنغ (1729-1781) وهاينريش هاينه (1797-1865). هذا ما يستشفه القارئ حينما يدرس قصائد وقصص ومقالات بريشت الصغير في المدرسة ويفاجأ وهو يعرف عمق معارف واطلاعات الكاتب الناشئ. كانت بداياته مع «تنويرية ليسنغ» في مسرحيته الأولى والطبيعية والإنسانية الكبيرة، والاهتمام بالناس الفقراء والعاديين، في مسرحيات هاوبتمان، وكشف المستور عن الظاهر الذي ميّز أعمال هاينه.

كتب بريشت، هو بعمر 15 سنة، أكثر من قصيدة تمجد حروب التحرير والقادة الذين هزموا نابليون، ويطالب الألمان، بحس قومي لم نعرفه عنه في فترة نضوجه، باستعادة تاريخهم ونبذ الأفكار المستوردة من إيطاليا وفرنسا... إلخ. وهذه أفكار سرعان ما تخلى عنها بريشت بعد سنة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، خصوصاً مع اطلاعه على الأدبيات الماركسية؛ إذ رفض بريشت الانخراط في الجيش مقاتلاً، وفضل المساهمة مسعفاً في أحد المستشفيات العسكرية. تعرض بعدها للسخرية من زملائه بسبب «سلميته» و«لا وطنيته» رغم أن فرتز جيهفاير سقط في الحرب لاحقاً، وفقد رودولف بريستل ساقه فيها. كتب أحد الأصدقاء في مذكراته أن بريستل، زميل بريشت في الصف، اتهم بريشت بالخيانة وبصق في وجهه. كتب بريشت إلى صديقه كاسبر نيهر في 8 يونيو (حزيران) 1917 يسخر من سذاجة صديقه الكاتب ماكس هوهنسترز الذي خاض الحرب في الخطوط الأمامية.

انغمس بريشت تماماً في قراءة الماركسية في سنة 1924، وكان قد صنع لنفسه اسماً؛ كاتباً ومخرجاً. وكتب في اليوميات أنه وجد في الماركسية النظرية التي تستجيب لتطلعاته نحو مجتمع لا طبقي عادل. قرأ بعدها جان بول سارتر وفالتر بنجامين وجورج لوكاتش... وغيرهم، لكنه بقي أميناً لماركس وتأثرت كتاباته المسرحية كثيراً بهذه النظرية.


مقالات ذات صلة

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

يوميات الشرق اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

دشنت دارة الملك عبد العزيز في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت نسخة نادرة.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تتيح البرامج الجديدة فصلاً جديداً في تطوير الدراسات الأكاديمية المتخصصة بالأزياء (واس)

معهد مارانجوني في الرياض يطلق برامج أكاديمية جديدة بمجال الأزياء

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، إطلاق برامج البكالوريوس والماجستير بمجال الأزياء في معهد مارانجوني بمدينة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

خاص بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية