هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

بمناسبة مرور مائة سنة على صدور الكتاب

هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم
TT

هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

يحتفل لبنان بمرور مائة سنة على صدور «النبي» لجبران خليل جبران الذي صار عالمياً، ومن بين الأكثر انتشاراً وقراءة، ويشارك كل بما يراه مناسباً لتكريم هذا الأديب الكبير وكتابه الذي عدّه هو نفسه في حياته، المدماك والأساس في مسيرته الأدبية.

ومن بين المفاجآت السعيدة، صدور ترجمة جديدة للكتاب إلى العربية وضعها هذه المرة الشاعر هنري زغيب. وإذ يسأل واحدنا ما فائدة ترجمة جديدة، لكتاب لم نعد نعرف كيف نحصي ترجماته. وعن هذا السؤال يجيبنا المترجم نفسه قائلاً: «من زمان وأنا أفكر في ترجمة هذا الكتاب، بعد عقود على صدور ترجماته السابقة في لغة كانت بنت عصرها وعليها أن تتجدد. فاللغة، كأيّ كائن حي، تتجدَّد قاموساً وأُسلوباً كل فترة. ومن هنا فإن لغةَ اليوم الرشيقةَ غيرُ تلك التي كانت سائدة في عشرينات القرن الماضي. من هنا رأيتُ أن أنقل (النبي) إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم مع كل الأمانة للُغة جبران الأصلية».

غلاف النبي

كتاب جاء بعد حرب عالمية

وضع جبران كتابه في العقد الثاني من القرن العشرين، والعالَم خارج من ويلات الحرب العالمية الأُولى وما صاحبَها من نكباتٍ ومآسٍ وفواجعَ، فجاء «النبي» بمضمونه ولَهجته وحُبه الإِنساني لا الفردي. وجبران، في جميع فصول الكتاب، اعتمد لغةً تبشيرية تُناسب ما يريد إِيصاله من أَفكار، سكَبَها في إِيقاع عصره بلُغةٍ لا تخلو من البطْء والتراكيب والاستعارات الْتي كانت فترتئذٍ رائجةً بين القراء. لذا يقول زغيب: «سكبتُ النص العربي في لغة رشيقة هي بنتُ عصريَ اليوم لا عصر جبران. اللغة كائن حيٌّ يتطوَّر مع العصور والأَجيال المتعاقبة، حتى إِنجليزية جبران في كتابه تطوَّرت عما كانت عليه قبل 100 سنة (1923)، وإِخاله لو كان له أَن يكتبه اليوم لاتَّخذ لها إِيقاعاً آخر يناسب عصرَنا. لذا ترجمتُ إِنجليزيةَ جبران الأَمس بعَربية اليوم ورشاقتها وإِيقاعها العصري، بإِيجازٍ بليغٍ أَمينٍ لمبناها وأَمينٍ للمعنى الجبراني في نسيجه التأْليفي لا اللُغوي». ويضيف زغيب: «بذلك أَنقذْتُ ترجمتي من تراكيب النص الأَصلي بإِيقاعها العتيق، ومن غبار العربية العتيقة وما يعتَورها من تراكيبَ مأْلوفةٍ ومفرداتٍ مكرَّرةٍ وحواشٍ عتيقة مستعمَلة تُثْقل انسياب النص».

يقول الشاعر إنه راضٍ عن الطريقة التي بها ترجم الكتاب في مراحلَ ثلاثٍ. بدأ بترجمة المعنى، التي هي نقْل أَمين لمضمون النص، لا شكله ولا أُسلوبه. وفي مرحلة ثانية، الدخولُ إِلى معنى المعنى: وهو اختراق حجُب الكلمات بلوغاً لمدلولها الداخلي، عمقها الآخَر. وفي هذا الدخول ترجمةُ فكْر جبران لا نصِّه، أَي خدمة أَفكاره لا لغتِه. فهو شاعر في نثره الجميل، ولا يجوز نقْل شاعريته في ظاهرها بل فيما يرمز بها من معتقداتٍ لأَجلها أَو لأَجل أَكثرها وضَع هذا الكتاب. فالسفينة في الكتاب رمز، والبحر رمز، وجزيرة مولده رمز، وأُورفليس رمز، والميترا رمز. ومن يعرف إِيمان جبران بالتقمُّص ودورات الحياة المتتالية التي يُلْمِحُ إليها، يسْهل عليه اكتناهُ تلك الرموز وسواها في الكتاب. «من هنا وجبَ أَن يكون النصُّ المنقولُ على المستوى الأَقرب إِلى تلك الشاعرية الجبرانية. وهذا هو الدخول إِلى معنى المعنى. فالترجمةُ الحرفية غالباً ما تكون كاريكاتورية في مؤَدَّاها حين تَنقل حتى الصياغةَ من اللغة الأَصلية. الترجمة تنقُل فكرةَ كاتبِها لا أُسلوبَه ولا صياغتَه».

وفي المرحلة الثالثة كان تنصيع اللغة والأُسلوب: «كنتُ أُغلق النص الأَصلي وأَعمل على نصِّيَ العربي صقْلاً وتنصيعاً دون أَيِّ ابتعادٍ عن الأَصل، معتبراً أَني نقلتُ مضمونَه بالإِنجليزية، أَما الأُسلوب بالعربية فمسؤُوليتي، لأَن ترجمة الأُسلوب الجبراني الأَصلي يفكِّك نصَّه مترجَماً إِلى خلل واضح في العربية. لكل لغة عبقريتُها الخاصة. وإِذا تستحيل ترجمةُ عبقريةِ اللغة الأَصلية، فمن الضروري الترجمةُ بعبقرية اللغة الجديدة. من هنا، في هذه المرحلة الثالثة، أَمام نصِّي العربيّ دون جواره الإِنجليزي، لا تعود الكلماتُ حروفاً أَمامي بل مَلامسَ پــيانو أَصوغُ بها أَنغاماً أَسمعها وأَنا أَتنقَّل من سطر إِلى سطر، أُزغردُها بما يفي جبران معناه ويرضي مبناي».

هنري زغيب

الاحتفالات بكتاب «النبي»

يتأسف زغيب لأن أياً من المؤسسات الأَكاديمية الكبرى في لبنان لم تحتفِ بمئوية «النبي» مخصِّصَة حدثاً مستقلّاً، كما احتفلَت الجامعة اللبنانية الأَميركية (LAU) بقسْمَين أَعدَّهما فيها «مركز التراث اللبناني»: المؤْتمر الدوَلي نهاراً، والقراءات المسرحية مساءً. وكان ذلك لافتاً، إذ لم يكن مأْلوفاً في سياق المؤْتمرات - أَن ينتهي المؤْتمر في جلسته الأَخيرة (الخامسة) بجمهور كثيف كان حضَر الجلسة الافتتاحية مالئاً كامل قاعة المحاضرات بمن جاءوا يُصغون إِلى 14 محاضرة مُتَتَالية عن جبران عُمُوماً و«النبي» خصوصاً - يعلق زغيب: «طالعَني التساؤُل: هل جبران - في عام 92 على غيابه - لا يزال يستقطب مريديه بعدَ ما حصد غيابُه حتى اليوم من كتُب عنه ودراسات وأَبحاث ومؤْتمرات وندوات؟ أَم هو كتاب (النبي) ما زال يستقطب مهتمِّين، هو الكتاب الآتي من الغدِ البكْر لا من ماضٍ بلغ اليوم 100 سنة؟ أَم هُمُ محاضرُون ممتازون تنوَّعَتْ مواضيعُ أَوراقهم على مساحة جديدة بمعالجات لم تبلُغْها دراسات سابقة في مؤْتمرات آنفة ومؤَلفات كثيرة؟ لذا لا أتوقف عند تقصير (برنامج رسمي في لبنان) يتعاطى في هذا الشأن لأن الدولة غائبة في جميع القطاعات، ومن هنا أتعاطى مع لبنان الوطن المبدع وأشيح عن هذه الدولة الفاشلة».

أي جرأة، أن يقدم هنري زغيب على ترجمة جديدة، تضعه في منافسة مع ترجمات كثيرة سابقة، بينها ما هو ممتاز؟ «نعم تساءلت، ولكنْ لم يعُد يؤَرِّقْني هذا التساؤُل حين بدأتُ بالترجمة. فالنصُّ المترجَم ليس ابنَ حقيقةٍ علمية ثابتة لا حيادَ عن صوابيَّتها، بل هو وليدُ احتمالات في النص الأَصلي يتَّسع لها النص المنقول إِلى اللغة الجديدة، خصوصاً حين هذه تكون، كالعربية، لغةً غنية بالمفردات والمرادفات والتورية والمجازات والاستعارات، ما يغْني المترجم حين هو متمكِّنٌ من لغته الأُم ومن لغة النص الأَصلي، فيُعطيه فسحةَ انطلاقٍ لا تتحدَّد بالحَرفيّ ولا تَجنح إِلى خيانة الأَصل. من هنا اعتباري أَنَّ الترجمة ليست (ماذا نترجم؟) بل (كيف نترجم ماذا؟)». وماذا لو جاءت ترجمة أخرى بعدك؟ نقول له: «طبعاً سيأتي من يترجم بعدي في لغة عصره، وسيكون أفضل مني لأنه سيترجم في لغة طازجة تبدو لغتي أمامها عتيقة. قاموس اللغة يتغير، يتطوّر، وعلى كاتبه أن يكون من مستوى هذين التطوُّر والتغيُّر».

أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

هنري زغيب

هل اعتمد زغيب على ترجمات سابقة؟ أم وضعها جميعها جانباً واشتغل على النص الإنجليزي كمادة خام؟ «لأَجل أَمانةٍ متشدِّدة في ترجمتي (النبي)، تعمَّدْتُ أَلَّا أَطَّلع على أَيِّ ترجمةٍ سابقة، كي لا أَكون متأَثراً بأَيِّ صيغةٍ لسواي، مع إِدراكي رصانةَ مَن ترجموا قبلي، وأَنني قد أَلتقي معهم ببعض المفردات، ربما أنأى عنهم في أَكثرها. هذا هو النهج الذي اتَّبعتُه وأنا وجهاً لوجه مع النص الإنجليزي مباشرةً كمادة خام. من هنا التمايز الذي في ترجمتي عن سواها عند مفاصل عدة، منها اعتمادي كلمة (الإله) بدل كلمة الله التي راجت في سائر الترجمات، وهي صحيحة في المطلق ديناً ومعتقَداً. غير أَنها لا تنطبق إِلَّا على المؤْمنين بأَديان إبراهيمية محدَّدة، ولا تشمل مَن عباداتُهم تناجي أُلوهيات أُخرى. من هنا استعملتُ كلمة (الإِله) لشموليتها إِيماناً (نؤْمن بإِله واحدٍ آبٍ ضابطٍ الكل، ولا إِله إِلَّا الله)، ومعتقداتٍ مختلفةً (لشعوبٍ متعددة في أَصقاع أُخرى من العالم) وميثولوجياتٍ (فيها طبيعيٌّ تَعَدُّدُ الآلهة). وجبران، في إِيمانه بالعالَم الواحد والإِنسان الكوني والحقيقة الأَزلية ووحدة العلاقة الشاملة المترابطة بين جميع الأَديان، إِنما يرمي إِلى (الإِله) في معنى الأُلوهة المطلَق».

اعتمد زغيب في ترجمته أيضاً كلمة «الحب» لا «المحبة»، ولو أن هذه الأخيرة راجَت في الأَوساط العربية، نصوصاً منشورةً، وغناءً بصوت فيروز. لكنّ في كلمة «المحبة»، في رأيه، ابتعاداً عن فكرة جبران الذي يقصد «الحب» لا «المحبة». المحبة طوباوية إِنسانية حَنون، فيما جبران يقصد ذاك الذي «يومَ يَندَهُكُمُ انقادوا لَه، ولو أنَّ دروبَه وعْـرةٌ شائكة... ويوم يَغمُرُكُم بِجناحَيه استسلِموا إِليه، ولو أنَّ السيف بين ريشِهما قد يجرَحُكُم... وهذا ما لا تفعله المحبة بل هو الحب بكل عَصْفِه». يضيف زغيب: «هنا الفارقُ بين ترجمة المعنى والدخول إِلى معنى المعنى. وهنا تكمن كل الصعوبة في الترجمة. مؤسف جدّاً أن تكون ترجمات (النبي)، في أكثرها، لم تبلُغ سوى المعنى المباشر فقط، دون معنى المعنى، ونقلت أسلوب جبران الإنجليزي كما هو، فبقيت بعيدةً عن روح جبران».

لكن هل أسعف الشعر هنري زغيب في تحقيق ترجمة هفهافة لكتاب عده البعض تدشيناً لقصيدة النثر؟ «أسعفني الشعر كثيراً في ترجمة (النبي)، لأن جبران في الأصل الإنجليزي شاعر في لغته قبل مضمونه وأفكاره. لذا حاولتُ أَن أَنقل إِلى العربية أَصداءَ جَوّ جبران بالإِنجليزية في تحليقها إِلى فضاءاتٍ من الخيال نقَلَتْها إِنجليزيتُه بأُسلوب حاذى السرديةَ حيناً والشاعريةَ حيناً آخَر، في لغة جاءَت سليمةً أُصولاً وقواعدَ لأَن ماري هاسكل نقَّتْها حتماً من شوائبَ وسقطات. غير أَن ماري هاسكل عملَت على اللغة مُدَرِّسة لغةٍ إِنجليزية لا كاتبة. ولو قُدِّر لجبران أَن تُراجعَ نصَّه كاتبة أَو شاعرة، كما حال باربرة يونغ لاحقاً في حياته، لربما كان أُسلوبُه مُوَشًّى أَكثرَ بعطر الشعر الذي يليق بجوِّ الكتاب. لكنه جاء في لغة عادية بنْتِ عصره، وإِخالُ مترجميه الأُوَل وضعوا نصوصهم بلغةٍ عربيةٍ بنتِ عصرهم بتراكيبها العادية وبعضها الباروكيّ المتحذلق، وهي غير ما هي اليوم، ما يجعلها في حاجة إِلى ترشيق».

 

إذا تستحيل ترجمةُ عبقريةِ اللغة الأَصلية فمن الضروري الترجمةُ بعبقرية اللغة الجديدة

لا يعرف هنري زغيب عدد الترجمات العربية لـ«النبي» الصادرة قبل ترجمته. ففي كلٍّ منها خصائص لمترجمها تقترب أو تبتعد عن الأصل. ويصف ترجمة ميخائيل نعيمة بأنها «أمينة ودقيقة، لأن نعيمة عاش أفكار جبران فترجمها أفضل من سواه كأنه يسمعها من جبران مباشرة لا كأنه يقرأُها في نصه، لكنه وضع نصه المترجَم بِلُغته الأدبية الخاصة في عصره، وهي ابتعدت اليوم عن لغة العصر الرشيقة». يستطرد زغيب: «إيماني راسخٌ أَن الترجمة ثمرةُ احتمالات، فلا رضا كاملاً عن ترجمةٍ تظلُّ تحتملُ بعدُ صيَغاً أُخرى قد تكون جميعها صالحةً وصحيحةً في النص الواحد». ويروي زغيب أنه كان غالباً ما يبتعد عن ترجمته أَياماً طويلةً حتى يعود إِليها فيقرأَها بعين دون ذاكرة، ما يُتيحُ له تعديلاً وجدهُ ضروريّاً. و«أَنا واثقٌ بأَنني، بعد مدةٍ من صدور هذه الترجمة، سأَعود إِليها وأَجد ما يَجمُل بي بعدُ أَن أُعدِّل أَو أُبدِّل، خصوصاً في التراكيب لا المعاني. لأَن المعاني تكون انسكبَت في لغتي ويبقى أَن أُنصِّعَها بعدُ أَكثر. لا صحيحَ حاسماً في الترجمة بل احتمالات ضمن النص الواحد أَو المعنى الواحد. وهنا يكمُن العمل الإِبداعي».


مقالات ذات صلة

اقرأ كي تعيش

ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران

شرف الدين ماجدولين

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.