هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

بمناسبة مرور مائة سنة على صدور الكتاب

هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم
TT

هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

يحتفل لبنان بمرور مائة سنة على صدور «النبي» لجبران خليل جبران الذي صار عالمياً، ومن بين الأكثر انتشاراً وقراءة، ويشارك كل بما يراه مناسباً لتكريم هذا الأديب الكبير وكتابه الذي عدّه هو نفسه في حياته، المدماك والأساس في مسيرته الأدبية.

ومن بين المفاجآت السعيدة، صدور ترجمة جديدة للكتاب إلى العربية وضعها هذه المرة الشاعر هنري زغيب. وإذ يسأل واحدنا ما فائدة ترجمة جديدة، لكتاب لم نعد نعرف كيف نحصي ترجماته. وعن هذا السؤال يجيبنا المترجم نفسه قائلاً: «من زمان وأنا أفكر في ترجمة هذا الكتاب، بعد عقود على صدور ترجماته السابقة في لغة كانت بنت عصرها وعليها أن تتجدد. فاللغة، كأيّ كائن حي، تتجدَّد قاموساً وأُسلوباً كل فترة. ومن هنا فإن لغةَ اليوم الرشيقةَ غيرُ تلك التي كانت سائدة في عشرينات القرن الماضي. من هنا رأيتُ أن أنقل (النبي) إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم مع كل الأمانة للُغة جبران الأصلية».

غلاف النبي

كتاب جاء بعد حرب عالمية

وضع جبران كتابه في العقد الثاني من القرن العشرين، والعالَم خارج من ويلات الحرب العالمية الأُولى وما صاحبَها من نكباتٍ ومآسٍ وفواجعَ، فجاء «النبي» بمضمونه ولَهجته وحُبه الإِنساني لا الفردي. وجبران، في جميع فصول الكتاب، اعتمد لغةً تبشيرية تُناسب ما يريد إِيصاله من أَفكار، سكَبَها في إِيقاع عصره بلُغةٍ لا تخلو من البطْء والتراكيب والاستعارات الْتي كانت فترتئذٍ رائجةً بين القراء. لذا يقول زغيب: «سكبتُ النص العربي في لغة رشيقة هي بنتُ عصريَ اليوم لا عصر جبران. اللغة كائن حيٌّ يتطوَّر مع العصور والأَجيال المتعاقبة، حتى إِنجليزية جبران في كتابه تطوَّرت عما كانت عليه قبل 100 سنة (1923)، وإِخاله لو كان له أَن يكتبه اليوم لاتَّخذ لها إِيقاعاً آخر يناسب عصرَنا. لذا ترجمتُ إِنجليزيةَ جبران الأَمس بعَربية اليوم ورشاقتها وإِيقاعها العصري، بإِيجازٍ بليغٍ أَمينٍ لمبناها وأَمينٍ للمعنى الجبراني في نسيجه التأْليفي لا اللُغوي». ويضيف زغيب: «بذلك أَنقذْتُ ترجمتي من تراكيب النص الأَصلي بإِيقاعها العتيق، ومن غبار العربية العتيقة وما يعتَورها من تراكيبَ مأْلوفةٍ ومفرداتٍ مكرَّرةٍ وحواشٍ عتيقة مستعمَلة تُثْقل انسياب النص».

يقول الشاعر إنه راضٍ عن الطريقة التي بها ترجم الكتاب في مراحلَ ثلاثٍ. بدأ بترجمة المعنى، التي هي نقْل أَمين لمضمون النص، لا شكله ولا أُسلوبه. وفي مرحلة ثانية، الدخولُ إِلى معنى المعنى: وهو اختراق حجُب الكلمات بلوغاً لمدلولها الداخلي، عمقها الآخَر. وفي هذا الدخول ترجمةُ فكْر جبران لا نصِّه، أَي خدمة أَفكاره لا لغتِه. فهو شاعر في نثره الجميل، ولا يجوز نقْل شاعريته في ظاهرها بل فيما يرمز بها من معتقداتٍ لأَجلها أَو لأَجل أَكثرها وضَع هذا الكتاب. فالسفينة في الكتاب رمز، والبحر رمز، وجزيرة مولده رمز، وأُورفليس رمز، والميترا رمز. ومن يعرف إِيمان جبران بالتقمُّص ودورات الحياة المتتالية التي يُلْمِحُ إليها، يسْهل عليه اكتناهُ تلك الرموز وسواها في الكتاب. «من هنا وجبَ أَن يكون النصُّ المنقولُ على المستوى الأَقرب إِلى تلك الشاعرية الجبرانية. وهذا هو الدخول إِلى معنى المعنى. فالترجمةُ الحرفية غالباً ما تكون كاريكاتورية في مؤَدَّاها حين تَنقل حتى الصياغةَ من اللغة الأَصلية. الترجمة تنقُل فكرةَ كاتبِها لا أُسلوبَه ولا صياغتَه».

وفي المرحلة الثالثة كان تنصيع اللغة والأُسلوب: «كنتُ أُغلق النص الأَصلي وأَعمل على نصِّيَ العربي صقْلاً وتنصيعاً دون أَيِّ ابتعادٍ عن الأَصل، معتبراً أَني نقلتُ مضمونَه بالإِنجليزية، أَما الأُسلوب بالعربية فمسؤُوليتي، لأَن ترجمة الأُسلوب الجبراني الأَصلي يفكِّك نصَّه مترجَماً إِلى خلل واضح في العربية. لكل لغة عبقريتُها الخاصة. وإِذا تستحيل ترجمةُ عبقريةِ اللغة الأَصلية، فمن الضروري الترجمةُ بعبقرية اللغة الجديدة. من هنا، في هذه المرحلة الثالثة، أَمام نصِّي العربيّ دون جواره الإِنجليزي، لا تعود الكلماتُ حروفاً أَمامي بل مَلامسَ پــيانو أَصوغُ بها أَنغاماً أَسمعها وأَنا أَتنقَّل من سطر إِلى سطر، أُزغردُها بما يفي جبران معناه ويرضي مبناي».

هنري زغيب

الاحتفالات بكتاب «النبي»

يتأسف زغيب لأن أياً من المؤسسات الأَكاديمية الكبرى في لبنان لم تحتفِ بمئوية «النبي» مخصِّصَة حدثاً مستقلّاً، كما احتفلَت الجامعة اللبنانية الأَميركية (LAU) بقسْمَين أَعدَّهما فيها «مركز التراث اللبناني»: المؤْتمر الدوَلي نهاراً، والقراءات المسرحية مساءً. وكان ذلك لافتاً، إذ لم يكن مأْلوفاً في سياق المؤْتمرات - أَن ينتهي المؤْتمر في جلسته الأَخيرة (الخامسة) بجمهور كثيف كان حضَر الجلسة الافتتاحية مالئاً كامل قاعة المحاضرات بمن جاءوا يُصغون إِلى 14 محاضرة مُتَتَالية عن جبران عُمُوماً و«النبي» خصوصاً - يعلق زغيب: «طالعَني التساؤُل: هل جبران - في عام 92 على غيابه - لا يزال يستقطب مريديه بعدَ ما حصد غيابُه حتى اليوم من كتُب عنه ودراسات وأَبحاث ومؤْتمرات وندوات؟ أَم هو كتاب (النبي) ما زال يستقطب مهتمِّين، هو الكتاب الآتي من الغدِ البكْر لا من ماضٍ بلغ اليوم 100 سنة؟ أَم هُمُ محاضرُون ممتازون تنوَّعَتْ مواضيعُ أَوراقهم على مساحة جديدة بمعالجات لم تبلُغْها دراسات سابقة في مؤْتمرات آنفة ومؤَلفات كثيرة؟ لذا لا أتوقف عند تقصير (برنامج رسمي في لبنان) يتعاطى في هذا الشأن لأن الدولة غائبة في جميع القطاعات، ومن هنا أتعاطى مع لبنان الوطن المبدع وأشيح عن هذه الدولة الفاشلة».

أي جرأة، أن يقدم هنري زغيب على ترجمة جديدة، تضعه في منافسة مع ترجمات كثيرة سابقة، بينها ما هو ممتاز؟ «نعم تساءلت، ولكنْ لم يعُد يؤَرِّقْني هذا التساؤُل حين بدأتُ بالترجمة. فالنصُّ المترجَم ليس ابنَ حقيقةٍ علمية ثابتة لا حيادَ عن صوابيَّتها، بل هو وليدُ احتمالات في النص الأَصلي يتَّسع لها النص المنقول إِلى اللغة الجديدة، خصوصاً حين هذه تكون، كالعربية، لغةً غنية بالمفردات والمرادفات والتورية والمجازات والاستعارات، ما يغْني المترجم حين هو متمكِّنٌ من لغته الأُم ومن لغة النص الأَصلي، فيُعطيه فسحةَ انطلاقٍ لا تتحدَّد بالحَرفيّ ولا تَجنح إِلى خيانة الأَصل. من هنا اعتباري أَنَّ الترجمة ليست (ماذا نترجم؟) بل (كيف نترجم ماذا؟)». وماذا لو جاءت ترجمة أخرى بعدك؟ نقول له: «طبعاً سيأتي من يترجم بعدي في لغة عصره، وسيكون أفضل مني لأنه سيترجم في لغة طازجة تبدو لغتي أمامها عتيقة. قاموس اللغة يتغير، يتطوّر، وعلى كاتبه أن يكون من مستوى هذين التطوُّر والتغيُّر».

أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم

هنري زغيب

هل اعتمد زغيب على ترجمات سابقة؟ أم وضعها جميعها جانباً واشتغل على النص الإنجليزي كمادة خام؟ «لأَجل أَمانةٍ متشدِّدة في ترجمتي (النبي)، تعمَّدْتُ أَلَّا أَطَّلع على أَيِّ ترجمةٍ سابقة، كي لا أَكون متأَثراً بأَيِّ صيغةٍ لسواي، مع إِدراكي رصانةَ مَن ترجموا قبلي، وأَنني قد أَلتقي معهم ببعض المفردات، ربما أنأى عنهم في أَكثرها. هذا هو النهج الذي اتَّبعتُه وأنا وجهاً لوجه مع النص الإنجليزي مباشرةً كمادة خام. من هنا التمايز الذي في ترجمتي عن سواها عند مفاصل عدة، منها اعتمادي كلمة (الإله) بدل كلمة الله التي راجت في سائر الترجمات، وهي صحيحة في المطلق ديناً ومعتقَداً. غير أَنها لا تنطبق إِلَّا على المؤْمنين بأَديان إبراهيمية محدَّدة، ولا تشمل مَن عباداتُهم تناجي أُلوهيات أُخرى. من هنا استعملتُ كلمة (الإِله) لشموليتها إِيماناً (نؤْمن بإِله واحدٍ آبٍ ضابطٍ الكل، ولا إِله إِلَّا الله)، ومعتقداتٍ مختلفةً (لشعوبٍ متعددة في أَصقاع أُخرى من العالم) وميثولوجياتٍ (فيها طبيعيٌّ تَعَدُّدُ الآلهة). وجبران، في إِيمانه بالعالَم الواحد والإِنسان الكوني والحقيقة الأَزلية ووحدة العلاقة الشاملة المترابطة بين جميع الأَديان، إِنما يرمي إِلى (الإِله) في معنى الأُلوهة المطلَق».

اعتمد زغيب في ترجمته أيضاً كلمة «الحب» لا «المحبة»، ولو أن هذه الأخيرة راجَت في الأَوساط العربية، نصوصاً منشورةً، وغناءً بصوت فيروز. لكنّ في كلمة «المحبة»، في رأيه، ابتعاداً عن فكرة جبران الذي يقصد «الحب» لا «المحبة». المحبة طوباوية إِنسانية حَنون، فيما جبران يقصد ذاك الذي «يومَ يَندَهُكُمُ انقادوا لَه، ولو أنَّ دروبَه وعْـرةٌ شائكة... ويوم يَغمُرُكُم بِجناحَيه استسلِموا إِليه، ولو أنَّ السيف بين ريشِهما قد يجرَحُكُم... وهذا ما لا تفعله المحبة بل هو الحب بكل عَصْفِه». يضيف زغيب: «هنا الفارقُ بين ترجمة المعنى والدخول إِلى معنى المعنى. وهنا تكمن كل الصعوبة في الترجمة. مؤسف جدّاً أن تكون ترجمات (النبي)، في أكثرها، لم تبلُغ سوى المعنى المباشر فقط، دون معنى المعنى، ونقلت أسلوب جبران الإنجليزي كما هو، فبقيت بعيدةً عن روح جبران».

لكن هل أسعف الشعر هنري زغيب في تحقيق ترجمة هفهافة لكتاب عده البعض تدشيناً لقصيدة النثر؟ «أسعفني الشعر كثيراً في ترجمة (النبي)، لأن جبران في الأصل الإنجليزي شاعر في لغته قبل مضمونه وأفكاره. لذا حاولتُ أَن أَنقل إِلى العربية أَصداءَ جَوّ جبران بالإِنجليزية في تحليقها إِلى فضاءاتٍ من الخيال نقَلَتْها إِنجليزيتُه بأُسلوب حاذى السرديةَ حيناً والشاعريةَ حيناً آخَر، في لغة جاءَت سليمةً أُصولاً وقواعدَ لأَن ماري هاسكل نقَّتْها حتماً من شوائبَ وسقطات. غير أَن ماري هاسكل عملَت على اللغة مُدَرِّسة لغةٍ إِنجليزية لا كاتبة. ولو قُدِّر لجبران أَن تُراجعَ نصَّه كاتبة أَو شاعرة، كما حال باربرة يونغ لاحقاً في حياته، لربما كان أُسلوبُه مُوَشًّى أَكثرَ بعطر الشعر الذي يليق بجوِّ الكتاب. لكنه جاء في لغة عادية بنْتِ عصره، وإِخالُ مترجميه الأُوَل وضعوا نصوصهم بلغةٍ عربيةٍ بنتِ عصرهم بتراكيبها العادية وبعضها الباروكيّ المتحذلق، وهي غير ما هي اليوم، ما يجعلها في حاجة إِلى ترشيق».

 

إذا تستحيل ترجمةُ عبقريةِ اللغة الأَصلية فمن الضروري الترجمةُ بعبقرية اللغة الجديدة

لا يعرف هنري زغيب عدد الترجمات العربية لـ«النبي» الصادرة قبل ترجمته. ففي كلٍّ منها خصائص لمترجمها تقترب أو تبتعد عن الأصل. ويصف ترجمة ميخائيل نعيمة بأنها «أمينة ودقيقة، لأن نعيمة عاش أفكار جبران فترجمها أفضل من سواه كأنه يسمعها من جبران مباشرة لا كأنه يقرأُها في نصه، لكنه وضع نصه المترجَم بِلُغته الأدبية الخاصة في عصره، وهي ابتعدت اليوم عن لغة العصر الرشيقة». يستطرد زغيب: «إيماني راسخٌ أَن الترجمة ثمرةُ احتمالات، فلا رضا كاملاً عن ترجمةٍ تظلُّ تحتملُ بعدُ صيَغاً أُخرى قد تكون جميعها صالحةً وصحيحةً في النص الواحد». ويروي زغيب أنه كان غالباً ما يبتعد عن ترجمته أَياماً طويلةً حتى يعود إِليها فيقرأَها بعين دون ذاكرة، ما يُتيحُ له تعديلاً وجدهُ ضروريّاً. و«أَنا واثقٌ بأَنني، بعد مدةٍ من صدور هذه الترجمة، سأَعود إِليها وأَجد ما يَجمُل بي بعدُ أَن أُعدِّل أَو أُبدِّل، خصوصاً في التراكيب لا المعاني. لأَن المعاني تكون انسكبَت في لغتي ويبقى أَن أُنصِّعَها بعدُ أَكثر. لا صحيحَ حاسماً في الترجمة بل احتمالات ضمن النص الواحد أَو المعنى الواحد. وهنا يكمُن العمل الإِبداعي».


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.