الغرب في مرايا أدباء المغرب العربي

زاهية صالحي ترصد افتتان الجيل الأول من المغاربة المتعلمين بفرنسا {لكن ذلك لم يدم طويلاً}


رشيد بو جدرة
رشيد بو جدرة
TT

الغرب في مرايا أدباء المغرب العربي


رشيد بو جدرة
رشيد بو جدرة

لكلمة «الاستغراب» (Occidentalism)، حسب قاموس «النفيس» (إنجليزي- عربي) للدكتور مجدي وهبة، معانٍ عدة، يعنينا منها هذا المعنى: «دراسة الحضارة الغربية من قِبَل من ليسوا غربيين». فالاستغراب هو الوجه المقابل للاستشراق (Orientalism) الذي هو دراسة الحضارة الشرقية من قِبَل من ليسوا بشرقيين. وإلى المفكر المصري الراحل، أستاذ الفلسفة، الدكتور حسن حنفي، يرجع الفضل في إذاعة مصطلح الاستغراب (وإن لم يكن هو من نحته) وذلك في كتابه «مقدمة في علم الاستغراب» (2000) الذي أراد به إقامة علم نرد به على الغرب، الغرب الذي طالما استذل الشرق ونظر إليه بعين الاحتقار، أو على أحسن تقدير بعين العطف المنطوي على استصغار: عطف القوي على الضعيف، والكبير على الصغير، والعالم على الجاهل. فكأنما نحن نقول للغرب: عين بعين، وكيل بكيل، وصاع بصاع. أو كما أتخيل أن الأديب يحيى حقي كان -بفكاهته- خليقاً أن يقول للغرب: لا تعيِّرني ولا أعيِّرك، فإنما نحن في السراء والضراء سواء.

مالك حداد

و«الاستغراب» عنوان كتاب باللغة الإنجليزية، صادر عن مطبعة جامعة إدنبره في 2019، من تأليف الدكتورة زاهية صالحي، رئيسة قسم الدراسات العربية بجامعة مانشستر، ونائبة رئيس الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط. وهي مؤلفة كتاب سابق عنوانه «السياسة وأصول الفن في الرواية الجزائرية» (1999).

يتناول كتاب «الاستغراب» اللقاء بين الشرق والغرب كما تمثل في الأدب المغاربي (الجزائري بخاصة) في حقبة ما قبل عام 1945، وموقف المثقفين الجزائريين من لغة فرنسا وثقافتها، وأثر الحركة النسوية الفرنسية في الحركة النسوية الجزائرية. ومن الأعمال الأدبية التي تسلط عليها المؤلفة الضوء: نصوص لشكري خوجة، وسعد بن علي، وجميلة دبيش، وفاطمة عمروش، ومولود فرعون، وفرحات عباس، وألبير ميمي، وغيرهم.

تنظر المؤلفة إلى موضوعها في إطاره الحضاري الواسع، ومنظوره التاريخي، مبرزة العلاقة بين المسلمين والغرب المسيحي في عصر الإمبراطور شارلمان (القرن الثامن الميلادي)، والحروب الصليبية، والحملة الفرنسية على مصر (1798- 1801)، وسياسة التمثل والاستيعاب التي عمد إليها الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس ومراكش، ومن أدواتها نشر اللغة الفرنسية والمذهب الكاثوليكي.

مولود فرعون

ومن الأطر المرجعية التي تتكئ عليها المؤلفة، حديث ابن خلدون في مقدمته عن ولع المغلوب بمحاكاة الغالب، وكتابا فرانز فانون: «معذبو الأرض»، و«بشرة سوداء، أقنعة بيضاء».

افتتن الجيل الأول من المغاربة المتعلمين بفرنسا بوصفها «الوطن الأم». ويعبر عن هذا الافتنان «مأمون»، بطل أول رواية (1928) لشكري خوجة (1891- 1967)، إذ يقول: «لأني أعرف العلماء الفرنسيين ومنجزاتهم واكتشافاتهم، ولأني أعرف أمثال فولتير ودي بوالو وبسكال وموسيه وكثيرين غيرهم، لا يسعني إلا أن أعشقهم جميعاً عشقاً حاداً. وبعشقي لهم أفلا يعني ذلك عشق أمتهم؟». ويضيف: «إني أحب فرنسا بعمق، وقد ازداد حبي لها منذ زرتها. اكتشفت مناظرها الجميلة وسكانها الفاتنين وكل الأشياء رائعة المظهر فيها».

لكن هذه الصورة الوردية لم تدم طويلاً. فقد بدأت –وهو ما كان محتوماً- مصادمات بين المستوطنين الأوروبيين والأهالي، وارتفع منسوب العنف، ولجأت السلطات الفرنسية إلى القمع الوحشي، متوجة ذلك بمذبحة الفرنسيين ضد الأهالي في 8 مايو (أيار) 1945، فحل انقشاع الأوهام، والشعور بالاغتراب، وازدواج المشاعر الوجدانية محل حلم التعايش. ووجدنا هذا الاختلاط الشعوري لدى كتاب لا شك في نبل مقاصدهم، مثل ألبير كامي وإيمانويل روبلس.

غلاف الكتاب

وتقول المؤلفة إن رواية مولود فرعون (1913- 1962) «نجل الفقير» عُدت عند صدورها في 1950 إيذاناً بمولد أدب صادق معبر عن الجماهير المغاربية؛ ذلك أنها عزفت نغمة جديدة على الأدب المغاربي بعامة، والأدب الجزائري بخاصة. فعلى النقيض من كُتاب حقبة ما قبل عام 1945، كان فرعون –مثل «فورولو» الشخصية الرئيسية في الرواية- ابناً لفقراء، وقد منحت الرواية صوتاً للمسحوقين في مجتمع يحكمه الاستعمار، مجتمع كان الغرب يتجاهله. ويصور فرعون قريته في صورة بقعة بعيدة عن الحضارة بلا طرق ولا مستشفى، وكل ما تملكه مدرسة صغيرة بها فصلان، يديرها اثنان من الأهالي. ولأن القرية على هذا النحو البدائي لا يعيش فيها أوروبيون. ويوجه فرعون إصبع الاتهام إلى قرائه الفرنسيين، وكأنه يقول: أنتم تدَّعون أنكم جئتم برسالة حضارية، فأين هي هنا؟ وفي رسائله إلى أصدقائه الفرنسيين لا يترك مجالاً للشك في أن أبناء البلد الجزائريين والمستوطنين الأوروبيين يعيشون في عالمين منفصلين لا صلة بينهما، وأن حيواتهم بالغة الاختلاف. وفي رسالة منه إلى صديقه ألبير كامي يعاتب فرعون هذا الأخير لأن روايته «الطاعون»، وإن كان مسرحها مدينة وهران، لا تضم شخصيات جزائرية.

وفي أول رواية لمحمد ديب (1920- 2003) وهي «الدار الكبيرة» (1952) نجد أن سكان دار كبيرة -ترمز إلى الجزائر المحتلة- يصارعون الفقر والجوع (ترجم محمد البخاري ثلاثية ديب -وهي تبدأ بـ«الدار الكبيرة»- إلى العربية، في سلسلة «روايات الهلال»).

وفي رواية مولود معمري (1917- 1989) «التل المنسي» (1952) نلتقي بتل نسيته الحضارة، وصار أناسه على حافة الانفجار. ويتنامى الشعور بالاغتراب في رواية معمري الثانية «نوم الأبرار» (1955) إذ ترتمي الشخصية الرئيسية «أرزقي» في أحضان فرنسا، وتتنكر لأهلها وموروثها. ويحل المعلم الفرنسي «مسيو بواريه» محل أبي «أرزقي» مرشداً وموجهاً. ويسافر «أرزقي» إلى أوروبا ليحارب ضد النازي، ولكنه يصدم؛ إذ يجد أن الأوروبيين الذين يحارب في صفوفهم ينظرون إليه بعين عنصرية استعلائية، ويعدونه جزائرياً مسلماً لا يحمل الجنسية الفرنسية. يتولاه الغضب فيعود إلى الجزائر نادماً على ما فرط منه في حق وطنه، فيضرم النار في كتبه الفرنسية، ويبول عليها، وهي إيماءة رمزية يريد بها أن يتطهر من عبث هذه الكتب بعقله ووجدانه.

والشخصية الرئيسية في رواية معمري التالية «الأفيون والعصا» (1965) طبيب جزائري يدعى «بشير» يترك حياة المدينة وبيئتها الأوروبية، لكي ينضم إلى المجاهدين في حرب استقلال الجزائر، وبذلك يتم الطلاق البائن بينه وبين الغرب.

محمد ديب

وكان مصرع ألبير كامي -الداعي إلى تعايش المستوطنين الفرنسيين والأهالي الجزائريين- في حادث سيارة مأسوي عام 1960، ثم اغتيال فرعون على يد المنظمة السرية للجيش الفرنسي في مارس (آذار) 1962، قبل إعلان استقلال الجزائر بأشهر قليلة، رمزين لنهاية حقبة وتبدد حلم التعايش بين الجزائر وفرنسا، وتمزق الأواصر بينهما على نحو آلم كثيراً من أصحاب الضمائر من الفريقين.

ولم تكن حرب التحرير هي ميدان المواجهة الوحيد بين فرنسا والجزائر، فقد كانت هناك أيضاً حرب اللغة: العربية في مواجهة الفرنسية. وتمثل هذا الصراع على أوضح الأنحاء في حالة مالك حداد (1927- 1978) الروائي الفرانكفوني صاحب المقولات المشهورة: «اللغة الفرنسية سجني ومنفاي»، و«اللغة الفرنسية تفصلني عن وطني أكثر من البحر المتوسط». وفي مقالته الطويلة المسماة «الأصفار تدور في حلقة مفرغة» (1961) (ترجمها إدوار الخراط إلى العربية) دعا أقرانه من الكتاب الجزائريين إلى اطراح اللغة الفرنسية أداة للتعبير، وذلك حتى تستكمل الجزائر استقلالها الثقافي عن فرنسا.

وإذ أدرك كتاب آخرون مثل كاتب ياسين (1929- 1989) أنه لا سبيل للوصول إلى جمهرة القراء بكتابة روايات فرنكوفونية، عمدوا إلى الكتابة للمسرح، مستخدمين لغة الناس العاديين، والعامية الجزائرية، مطعِّمين إياها بموروثات الثقافة الشعبية، ومدمجين الجمهور في العرض المسرحي، وبذلك رووا عطش الجمهور (وكثير من أفراده أميون لا يقرأون ولا يكتبون) إلى المتعة والمشاركة.

ونجد أن روائياً آخر هو رشيد بو جدرة (1941-) بعد أن كتب أعماله الأولى باللغة الفرنسية، فاجأ قراءه بأن أصدر في 1982 رواية باللغتين الفرنسية والعربية، هي «التفكك». على أنه ما لبث أن عاد إلى الكتابة بالفرنسية في تسعينات القرن الماضي، لا باعتبارها لغة المستعمر، وإنما باعتباره أقدر على التعبير بها.

والنتيجة التي تنتهي إليها زاهية صالحي، هي أن العلاقة بين الشرق والغرب علاقة معقدة وإشكالية. وتورد قول جبرا إبراهيم جبرا في مقالته عن «الأدب العربي الحديث والغرب» (1971): «العرب والغرب. إنها قصة طويلة معقدة، وكمثل القصص الجيدة المعقدة تشتمل على كثير من الصراع، كثير من الحب والكراهية. العلاقة قديمة قدم الإسلام: الانجذاب والنفور بينهما قد تعايشا جنباً إلى جنب أحياناً إلى درجة منتشية، وأحياناً إلى درجة فاجعة».

والكتاب إضافة علمية مهمة إلى جهود سابقة، مثل كتاب إبراهيم الكيلاني «أدباء من الجزائر» (دار المعارف، مصر، 1958)، و«موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين» (دار الحضارة، الجزائر، 2003)، ومواد الأدباء الجزائريين التي أسهم بها محمد حفيظ في «قاموس الأدب العربي الحديث» (إعداد وتحرير الدكتور حمدي السكوت، دار الشروق، القاهرة، 2009). والكتاب أيضاً مكمل لكتاب الدكتور رشيد العناني المهم «تمثيلات عربية للغرب: لقاءات الشرق والغرب في القصة العربية» (2006)، إذ على حين يركز العناني اهتمامه على أدباء المشرق العربي تركز زاهية صالحي اهتمامها على أدباء المغرب العربي، وبذلك تكتمل أركان الصورة ويحل –كما يقول التعبير الإنجليزي- لغز الصور المقطعة؛ إذ تسقط كل جزيئات الصورة في مكانها المعلوم.


مقالات ذات صلة

تأكيد سعودي - جزائري على عمق العلاقات وأهمية التعاون الثقافي

الخليج الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في القصر الرئاسي الثلاثاء (واس)

تأكيد سعودي - جزائري على عمق العلاقات وأهمية التعاون الثقافي

أكدت السعودية والجزائر على عمق العلاقة التي تجمعهما، وأهمية التعاون الثقافي المشترك، وتوحيد مواقفهما لخدمة مصالحهما في الموضوعات الثقافية لدى المنظمات الدولية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
يوميات الشرق وجه لا يُسلّم مفاتيحه لأحد (متروبوليس)

مونيكا فيتي... الحميمية المستحيلة مع العالم

كان أنطونيوني يعرف أين يضع الكاميرا وكيف يُوزّع الأجساد والأشياء أمامها. لكنه مع فيتي كان يترك مجالاً لِما لا يمكن إخضاعه لحسابات الإخراج...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تُخفي الموجة في زرقتها سيرةَ احتراق (الشرق الأوسط)

جان بوغوصيان يرسم بالنار ما يبقى بعد الاحتراق

الخشب الذي احتاج إلى سنوات طويلة لينمو، يستطيع الفنان تغيير مظهره خلال وقت قصير...

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)

«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

من أحلام التغيير إلى مرارة المنفى، ومن جاذبية باريس إلى ثقل الحنين إلى الوطن، يعود الروائي المغربي المديني في روايته «الأنشوطة الباريسية»

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)
يوميات الشرق اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

دشنت دارة الملك عبد العزيز في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت نسخة نادرة.

عمر البدوي (الرياض)

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي
TT

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي

يرى الروائي المغربي يونس أوعلي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تياراً أدبياً متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع في أسئلتها وتختلف في رؤاها وأساليبها. ويعتقد أن الرواية المغربية مطالبة باكتشاف عوالم اجتماعية وثقافية لم تنل نصيبها من الاهتمام، وتجاوز الموضوعات التي هيمنت على الكتابة الروائية لعقود.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، ينتقد أوعلي ما يصفه بـ«الشللية» وشبكات المصالح في المشهد الثقافي المغربي، معتبراً أن الاغتراب قد يعيشه الكاتب داخل وطنه. كما يرى أن الجوائز الأدبية، رغم دورها في التعريف بالكتّاب، لا تصنع القيمة الفنية للأعمال ولا تضمن بقاءها.

وينتمي أوعلي إلى جيل الروائيين المغاربة الشباب، وقد برز اسمه بعد فوز روايته «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2021، في دورتها السابعة، ضمن فئة الروايات غير المنشورة. وفي روايته الأحدث «حقيبة علي اليونسي»، يواصل انشغاله بأسئلة الهوية والذاكرة وقيمة الإنسان، متناولاً علاقة الفرد بالسلطة والمجتمع، وصور التمييز والانتماء.

وفيما يلي نص الحوار:

* تنتمي إلى جيل لم يعِش التحولات الكبرى التي صنعت أدب الأجيال السابقة، لكنه ورث نتائجها. من أين يستمد جيلك مادته الروائية، من ذاكرته الخاصة أم من ذاكرة لم يعشها؟

- أظن أن الكاتب يستمد مادته الروائية مما عاشه بنفسه، ومما سمعه وقرأه، ومن الآثار التي خلّفتها الأحداث في حياة الآخرين. فنحن نرث نتائج تحولات لم نعشها، لكننا نتأثر بها، ونحاول من خلال الكتابة أن نمنح صوتاً لأناس بسطاء لم يلتفت التاريخ إلى حكاياتهم.

لذلك تتشكل مادتي الروائية من تفاعل ذاكرتي الشخصية مع ذاكرة أوسع، تبدأ من ذاكرة المغاربة وتمتد إلى ذاكرة الإنسان عموماً، وما عرفه من حروب ومآسٍ ومعاناة.

وأعتقد أن روايتي «حقيبة علي اليونسي»، الصادرة حديثاً، تجسّد هذا الامتداد، إذ تنطلق من سؤال قيمة الإنسان المغربي في نظر المسؤول، وتتسع لتطرح قيمة الإنسان الأفريقي في نظر الإنسان الغربي. ومن خلال ذلك، أحاول الدفاع عن الإنسان لذاته، بعيداً عن جنسيته أو انتمائه أو موقعه في ميزان القوة.

* في روايتك «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» حضور للتاريخ والمكان والذاكرة. هل تكتب الرواية لاستعادة ما غاب من الحكايات، أم لمساءلة الروايات التي استقرت في وعينا عن الماضي؟

- أكتب انطلاقاً من الرغبة في إعادة النظر في الذاكرة واكتشاف ما تركه الماضي في حياة الإنسان، أكثر من اهتمامي باستعادة الحكايات كما وقعت، أو مساءلة الروايات المستقرة عن الماضي لذاتها.

ومن قرأ روايتي الأولى «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» سيلاحظ انشغالي بما يتركه الماضي في الإنسان، خصوصاً مرحلة الطفولة، لأن الإنسان امتداد لطفولته. وقد حاولت تعقّب الطريقة التي تستمر بها بعض التجارب في التأثير في حياته، حتى حين يعتقد أنه تجاوزها. فالحدث قد ينتهي في الزمن، لكنه يظل حاضراً في قرارات الإنسان واختياراته.

* ما الذي تستطيع الرواية أن تقوله عن المجتمع المغربي ولا تستطيع الصحافة أو الكتابة التاريخية قوله؟

- تستطيع الرواية الاقتراب من المناطق الداخلية في حياة الإنسان، ومن التناقضات والمشاعر التي يصعب اختزالها في الوقائع والمعلومات. فالصحافة تنشغل بنقل الأحداث وتفسيرها، وتشتغل الكتابة التاريخية على الوثائق والسياقات، بينما يتيح التخييل استكشاف ما يجري داخل الشخصيات، وكيف تعيش الأحداث وتتأثر بها، وكيف تتغير مصائرها.

ولا يعني ذلك أن الرواية أقدر من غيرها على قول الحقيقة، وإنما لكل شكل من أشكال الكتابة أدواته وحدوده، والرواية تفتح إمكانات مختلفة لفهم المجتمع والإنسان.

الرواد وأسئلة الشباب

* عرفت الرواية المغربية أسماء أسست حضورها العربي، مثل محمد شكري والطاهر بن جلون ومحمد برادة. هل يشعر الروائي المغربي الشاب بأنه امتداد لهذا الإرث أم أنه يسعى إلى القطيعة معه؟

- أرى أن العلاقة مع التجارب السابقة لا تستلزم الاختيار بين الامتداد والقطيعة. فنحن نقرأ ما كتبه السابقون، ونتأثر، بوعي أو من دونه، ببعض أسئلتهم واختياراتهم، لكن لكل جيل ظروفه وأسئلته الخاصة.

المهم ألا تتحول أسماء الرواد إلى قوالب جاهزة للكتابة، وألا تتحول الرغبة في الاختلاف إلى قطيعة مع إرث أدبي أسهم في تشكيل ذائقتنا.

* هل يمكن الحديث اليوم عن جيل روائي مغربي يمتلك أسئلته الجمالية والفكرية، أم أننا أمام تجارب فردية لا يجمعها سوى التقارب العمري؟

- أميل إلى النظر إلى المشهد الروائي المغربي باعتباره فضاءً تتجاور فيه تجارب متعددة، أكثر من كونه جيلاً متجانساً. صحيح أن هناك أسئلة مشتركة تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب ويشهدها، لكن طرق التعامل معها تختلف من كاتب إلى آخر.

وقد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري. فما يمنح التجارب قيمتها هو ما تقترحه من موضوعات وأسئلة، لا انتماؤها إلى فئة عمرية بعينها.

* نشأ جيلك في زمن الإنترنت والهجرة وتحولات الهوية. كيف انعكست هذه التجارب على بناء الشخصيات الروائية، وعلى تصور الشباب المغربي لذاته وللعالم؟

- وسّع الإنترنت آفاق الاطلاع على العالم، وأتاح الاحتكاك بثقافات وتجارب مختلفة، بينما جعلت الهجرة والسعي إلى الفردوس المفقود أسئلة الانتماء أكثر تعقيداً، خصوصاً في المجتمع المغربي.

وقد حاولت تجسيد هذا التعقيد من خلال إحدى شخصيات «حقيبة علي اليونسي»، التي وجدت نفسها، بعد حياة أمضتها في التعصب والدفاع عن قيم الجمهورية الفرنسية، تنتمي إلى الفئة التي طالما حاربتها.

أردت من خلال هذه الشخصية مساءلة تصوراتنا الجاهزة عن الهوية والانتماء، وكيف يمكن أن تنقلب علاقة الإنسان بالآخر حين يكتشف أنه أقرب إليه مما كان يظن، وأن الحدود التي نرسمها بيننا وبين الآخرين قد تكون أقل صلابة مما نعتقد.

عموماً، لم يعد الإنسان يعيش هويته بالضرورة داخل حدود مكان واحد أو ذاكرة واحدة. فقد ينتمي إلى أمكنة متعددة، ويشعر بالغربة في بعضها رغم معرفته بها. وأعتقد أن هذه التحولات جعلت سؤال الهوية أقل ارتباطاً بالبحث عن تعريف ثابت، وأكثر اتصالاً بالتفاوض المستمر بين الذات والعالم.

عوالم على الهامش

* يعيش المجتمع المغربي بين تعدد لغوي وثقافي وتحولات اجتماعية. هل استطاعت الرواية المغربية الجديدة التعبير عن هذا التعقيد، أم أنها ما زالت أسيرة صور مألوفة عن المجتمع؟

- قدمت الرواية المغربية أعمالاً متنوعة في تعاملها مع التعدد الثقافي واللغوي والتحولات الاجتماعية، لكنني لا أعتقد أن أي مشهد أدبي يستطيع الإحاطة بكل تعقيدات المجتمع.

ما يزال هناك مجال واسع لاستكشاف تجارب تعيش على الهامش، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو وضعها الاجتماعي أو خصوصيتها الثقافية.

وأظن أن من رهانات الرواية المقبلة، بعد تجاوز موضوع «سنوات الجمر والرصاص» الذي هيمن على الرواية المغربية لوقت طويل، الاقتراب من هذه العوالم، وتجاوز الصور الجاهزة، وإتاحة المجال لأصوات لا تحظى بالظهور الكافي.

* تبدو الهجرة والاغتراب والبحث عن الانتماء موضوعات حاضرة في الأدب المغربي. هل تغير معنى الاغتراب لدى جيلكم، بحيث أصبح ممكناً أن يشعر الإنسان بالغربة وهو داخل وطنه؟

- بالتأكيد، فالاغتراب لا يرتبط بالمسافة الجغرافية وحدها. قد يعيش الإنسان في المكان الذي وُلد فيه، لكنه يشعر بأنه بعيد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عاجز عن العثور على موقع ينسجم فيه مع ذاته وتطلعاته.

وقد يكون الاغتراب نتيجة التهميش أو غياب الفرص، أو الشعور بأن العالم الذي يعيش فيه لا يتيح له تحقيق إمكاناته. وهذا ما يحدث مع كثير من الروائيين الشباب في المغرب، خصوصاً أولئك الذين يرفضون منطق الشللية، ويتمسكون باستقلاليتهم بعيداً عن مشهد ثقافي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة.

قد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري

يونس أوعلي

الجوائز لا تصنع الأدب

* بعد فوزك بجائزة كتارا، هل شعرت بأن الجوائز العربية تمنح الكاتب فرصة للوصول إلى القراء، أم أنها تضعه أمام توقعات قد تؤثر في حريته الإبداعية؟

- بالنسبة إلى كاتب في بداية تجربته، يشكل الفوز بجائزة كتارا فرصة للتعريف به عربياً، والوصول إلى قراء يصعب بلوغهم في بداية الطريق. كما تؤدي الجوائز دوراً في لفت الانتباه إلى أعمال أدبية قد لا تحظى بالانتشار نفسه في غيابها.

لكنني، باعتباري قارئاً أولاً، أرى أن القيمة الفنية للعمل لا يحسمها التتويج، وإنما قدرته على الصمود أمام الزمن، ومواصلة إثارة الأسئلة والقراءات.

فالجوائز لا تصنع الأدب، ولا تضمن خلود الأعمال. ولذلك أكتب من دون توقعات مسبقة، ولا أريد أن تتحكم التوقعات التي قد تخلقها الجائزة في رواياتي اللاحقة، لأن ما يهمني هو ما تفرضه عليّ أسئلتي ومشروعي الروائي.

الرواية والحرية

* هل تكتب الرواية انطلاقاً من قضية تريد الدفاع عنها، أم من أسئلة لا تملك إجابات عنها؟ وأين تضع الحدود بين التزام الروائي بقضايا مجتمعه وحريته في تخيل العالم؟

- أكتب انطلاقاً من أسئلة أكثر مما أكتب دفاعاً عن أجوبة جاهزة، وأعتقد أن هذه هي مهمة الرواية.

تشغلني قضايا الظلم والهوية وقيمة الإنسان والحب والحزن، لكنني لا أريد تحويل رواياتي إلى خطاب يلقّن القارئ موقفاً محدداً، لأن العالم معقد، ولا مجال فيه لتقديم إجابات جاهزة عن كل شيء.

أفضل أن أضع الشخصيات في مواقف تكشف تناقضاتها، وأن أترك للحكاية فرصة اختبار الأفكار بدلاً من الاكتفاء بتأكيدها.

أما التزام الكاتب بقضايا مجتمعه، فلا أراه متعارضاً مع حريته في التخييل. يمكن للروائي أن ينشغل بواقعه من دون أن يصبح أسيراً له، وأن يستلهم أسئلته من المجتمع من دون أن يتحول عمله إلى بيان.

بالنسبة إليّ، أعتبر الكتابة مساحة للحرية والاكتشاف، ومحاولة لفهم بؤس العالم وتعقيداته. لا أملك إجابات حاسمة عن القضايا التي أكتب فيها، لكنني أملك أسئلة كثيرة تدفعني إلى الكتابة.

 


الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل
TT

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر كامن في تفاصيل الحياة، وخلف أحداثها اليومية العابرة، في صخب الشوارع وعراك المارة. وكذا، تبدو القضايا الكبرى والأسئلة الوجودية قارة في أدق التفاصيل، متشظية ومنثورة في ما هو مهمل ومعيش. إن ما نتصوره جليلاً، نجده منبثاً في كل ما نظنه مبتذلاً وعابراً. هذا ما تومئ به قصائد ديوان «أقشِّر الاستعارات لكي أكوّن النص»، للشاعر المصري أمجد ريان؛ لذا تبدو مهمة الشاعر، هنا، كي يكتب قصيدته، وعلى عكس الشائع، هي أن يقشر الاستعارات، حتى يصنعها ويبتكرها، ويزيل طبقات من ركام اللغة والمجازات، ليكتشف الشعر المختبئ كلؤلؤة، في دهاليز العالم والحكايات وفي ممارسات البشر، محاولاً الإمساك بما يمور به العالم من سيولة واندياح.

الديوان الذي صدر في القاهرة عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» لا يتبنى منطق الثنائيات الضدية بصبغته البنيوية الحداثية، ويميل أكثر إلى مفهوم ينتمي إلى استراتيجيات ما بعد الحداثة وهو «التكملة»، بمعناها لدى الفيلسوف الأميركي، المصري الأصل إيهاب حسن، أو ربما مفهوم «الحلول»، بحمولاته الصوفية، فاليومي ليس مناقضاً للفلسفي، والعابر المعيش ليس متعارضاً مع الوجودي؛ فكل طرف من أطراف الثنائي يكمل نقيضه، ويحل فيه، حتى يصعب الفصل بينهما، بل إن غياب طرف يعني غياب الآخر المقابل له. يتجلى هذا التضافر في قوله:

«سيقان هزيلة تملأ الشارع

بطوله وعرضه،

وأنا أمشي تحت جدران الفقراء

ممتلئاً بالحنين

لمعرفة بدايات الإنسان

وأسراره التاريخية»

فالانتقال يأتي سلساً وطبيعياً، من وصف ما يحدث في الشارع ومرور الناس فيه، بوصفه حدثاً عادياً ويومياً، هذا الوصف يبدو محايداً وتسجيلياً للوهلة الأولى، لكنه مسكون بموقف آيديولوجي وإنساني متعاطف معهم، ومع ما يعانونه من هزال، ومن هنا ينتقل الشاعر من وصف الخارج إلى وصف نفسه كواحد وسط هذه الجموع، لكنه منحاز سياسياً واجتماعياً إلى طبقة الفقراء، الذين يسير تحت جدرانهم وفي ظلالها، لتبرز الحمولة السياسية والقناعات الآيديولوجية، ومن هذين المستويين - اليومي والسياسي - ينتقل إلى مستوى ثالث أكثر اختلافاً، وهو المستوى الوجودي، الذي تبحث فيه الذات الشاعرة في أسئلة الوجود، ومعرفة بدايات الإنسان وأسراره وتاريخه. هكذا يبدو العالم لدى الشاعر كلاً ملتبساً، لا يمكن تجزئته، ولا فصل أحد مناحيه عن الأخرى.

هذا الخلط والتداخل المركزي في الديوان، وفي رؤية الشاعر، يجعل معظم القصائد تنبثق مكانياً داخل البيت، وفي غرفة المعيشة، حيث يكون متكئاً على الكنبة، أو يشاهد التلفاز، أو يشاهد العالم من شرفته، هذه الشرفة التي يلجأ إليها كثيراً، فهي نافذته على الحياة وصخبها وتفاعلاتها، وتعد وسيلة تواصله مع العالم في مرحلة الشيخوخة، مدققاً في أصغر تفاصيل البشر من موقعه المتأمل، دون أن يملك القدرة على تغيير الواقع، أو حتى تفسيره؛ فكل ما في جعبته هو مجموعة تساؤلات كبرى، ومن ثم لا يميز نفسه عن الناس العاديين «وما زلت على المنضدة المنخفضة أقول لنفسي: «أنا مثل بقية الناس، خالي الوفاض... لا أملك أي شيء... سوى تلك البؤرة في القلب»؛ فالشاعر هنا يفقد كل ما يمكن أن يجعله في مكانة أعلى، ليس له سلطة، وليس «زرقاء اليمامة»، بل واحد من الناس، فقط يملك بؤرة صغيرة في القلب، تجعله يستشعر ما يدور حوله بشكل أكثر رهافة، ويمسك بما هو أصيل وجوهري في الوجود الإنساني، حتى لو كان متشظياً ومتناثراً في زحام الحياة.

هذا الشاعر، الإنسان العادي، وفي خضم مراوحته بين الثنائيات، كثيراً ما يستحضر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، ومتداخلة معها، فهو في شيخوخته ما زال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش. وتتجاور لديه الأزمنة، كما تتجاور الأمكنة، فتبرز «عزبة الصفيح» في عشوائيات القاهرة، التي تمثل مكان الطفولة وسط الفقراء المعدمين، مع مدينة «ست» الفرنسية التي زارها شاعراً، فلا أفضلية لمكان على آخر، ولا زمن على غيره؛ «فالزمان دائرة يصب آخرها في أولها، ولا يوجد في الأصل شيء قابل للفهم». إنه ينظر للعالم بوصفه سرديات متجاورة، لكل منها الحق في الوجود، يقول بشكل لافت:

«الماضي حكايات، والمستقبل حكايات

والأحداث متناثرة في كل اتجاه

وخلف الجدران والنوافذ:

ولدت حكايات لا أول لها ولا آخر

وولدت الأسرار والنكات والخزعبلات

ولولا هذا ما استمر الواقع الآدمي

الحزن حكاية، والجسد حكاية

الزمن حكاية، والأبواب حكاية

وكل شيء حاضر وغائب».

ينشغل الشاعر في كثير من قصائد الديوان بتقديم مفهومه للكتابة، ومفهومه للشعر، بما يجعل كثيراً من النصوص تقترب من «الميتا شعر»، هذا المفهوم يمزج بين المصادفة والعبثية والفوضى، فهي غير محكومة بخطة مسبقة، ولا بتصورات جاهزة عن ما هو الشعر، بل كل ما يبتغيه هو التعبير عن الذات، وتتكرر التعريفات كثيراً بنفس المعنى في أكثر من موضع داخل كثير من القصائد، فمرة يقول: «حين أبدأ الكتابة، لا أعلم ما الذي سأكتبه»، ومرة أخرى: «لا أعرف كيف أكتب... والكتابة عندي محض مصادفات»، ومرة ثالثة: «ليس للكتابة أي شروط لدي، بل أبدأ بالتعبير عن نفسي بشكل مباشر، وأريد أن أنطلق من المحلية إلى الكون». وليس من المصادفة أنه لم يقل من المحلية إلى العالمية، فهو ليس منشغلاً بهذا الوهم الاستهلاكي الذي يستنزف كثيراً من الشعراء والمثقفين.

 يستحضر الشاعر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، وهو لا يزال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش

ما يهم الذات الشاعرة هنا هو الكون؛ وفهم أسراره وخباياه، والوصول إلى معنى الوجود الإنساني، وهو ما يؤكد على الحمولة الفلسفية لمفردة الكون، التي تؤرق الشاعر حقاً، وليس الحمولة الدعائية عن الشاعر العالمي التي لا ينشغل بأوهامها. هذا التوق لفهم فلسفة الوجود نرى ترجمته الأسلوبية في التكرار المدهش لمفردات مثل «الناس»، و«الوجود»، و«الإنسان»، وهذه الأخيرة تحتل الصدارة في عدد التكرارات داخل متن الديوان، فالإنسان وسعادته هما المرتكز والمبتغى من رؤية الشاعر، لكنه في النهاية مغلوب على أمره، ذات ضئيلة، تعيش على حافة كل شيء «أقف أمام العدسة التي تكبر وجهي عشرات المرات، بينما أنا صغير... للدرجة التي قد أذوب فيها وأتلاشى». وككل الشعراء، لا يملك سوى الشعور بالحسرة، على ما آل إليه العالم من توحش:

«أكتفي بالحسرة التي حصلتها اليوم،

فلا مكان لحسرة أخرى

أنا الشاعر الغني بالأحاسيس السيالة،

ولكنني - مثل أقراني الشعراء -

مفلس لدرجة الفضيحة.

والإنسان دائماً على حافة التوهج

وعلى حافة الانطفاء».


جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.