هل يتجاوز المثقف المتحول طبقياً جذوره الاجتماعية؟

ظاهرة برزت بين الفنانين والأدباء والمثقفين الذين عرفوا شهرة واسعة

فرنسوا دوبيه
فرنسوا دوبيه
TT

هل يتجاوز المثقف المتحول طبقياً جذوره الاجتماعية؟

فرنسوا دوبيه
فرنسوا دوبيه

في ظل الثورة التكنولوجية المعاصرة أخذ العالم يتغير بسرعة هائلة، وبدأت آثار هذا التغيير تظهر في المجتمعات المختلفة من خلال الظواهر الاجتماعية التي تحاول كسر وتجاوز البنى التقليدية في سبيل تحريك المجتمعات وتعديل الشروط المتحكمة في التوزيع الطبقي، وفي إمكان الانتقال من طبقة اجتماعية إلى أخرى، وبالتالي تغيير النظرة التقليدية إلى الصراع الطبقي. وعلى مثال ظاهرة التحول الجنسي التي برزت في بعض المجتمعات المعاصرة قد يمكننا الحديث عن ظاهرة التحول الطبقي التي شهدناها وما زلنا نشهدها من خلال مشاهير المثقفين والفنانين والسياسيين والخبراء الاقتصاديين ورجال الأعمال والرياضيين والعلماء وخبراء التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والإعلام بكل مجالاته وغيرها من المجالات. ولكن ماذا نعني بالتحول الطبقي؟ إنه تعبير عن الحراك الاجتماعي والانتقال من بيئة أو طبقة اجتماعية متواضعة أو عادية إلى بيئة أو طبقة اجتماعية ميسورة ومشهورة بقوتها وثروتها وسلطتها. ولكن السؤال المطروح هو: هل يمكن للإنسان أن يتحرر كلياً من تحديداته الاجتماعية والثقافية والانتقال أو التحول كلياً إلى مستوى مختلف تماماً عن مستواه الأصلي؟ وأيضاً ما الذي يدعونا لطرح هذه المسألة؟ في الواقع، إن المجلة الفرنسية «Philosophie magazine» (مجلة الفلسفة) الصادرة في عدد أبريل (نيسان) 2023 طرحت هذا الموضوع في محور رئيسي، وكان الدافع باعتقادنا هو بمناسبة حصول الأديبة الفرنسية Annie Ernaux (آنّي إرنو) على جائزة نوبل في الآداب، وذلك لأن هذه الأديبة الشهيرة كانت قد نشأت في بيئة فقيرة ومتواضعة وأصبحت بمثابة متحولة طبقياً (transclasse). وكان السؤال الأساسي المطروح في عنوان المحور: هل نحن محددون بأصولنا الاجتماعية؟

ريمون بودون

في الواقع، إن حالة التحول الطبقي نشهدها في مختلف المجتمعات الغربية والشرقية، وبرزت بشكل أساسي بين الفنانين والأدباء والمثقفين الذين عرفوا شهرة واسعة بعد أن كانوا مغمورين في بيئاتهم الاجتماعية المتواضعة. ماذا يقول علماء الاجتماع حول هذه القضية؟ والسؤال المطروح حول هذه المسالة هو التالي: هل يجب أن يستند الترقّي الاجتماعي إلى الجدارة؟ عالم الاجتماع مايكل ساندل، يجيب بالنفي، وذلك لأنه يعد الجدارة بمثابة استبداد في كتابه تحت عنوان «استبداد الجدارة»، وذلك لأنه يعد أن فرص الميسورين عددها أكبر من فرص الفقراء في تحصيل الجدارة. أما عالم الاجتماع فرنسوا دوبيه (Dubet) فيجيب عن هذا السؤال بالإيجاب لأنه يعد أن الجدارة ليست بالتأكيد نسقاً كاملاً، ولكن ليس هناك أفضل أو أكثر عدالة منها، وهي حجر الزاوية في النظام التربوي.

وهناك سؤال آخر يمكن أن نطرحه: هل إعادة التناسل الاجتماعي تخدم الأقوياء والطبقات المسيطرة؟ إن عالم الاجتماع بيار بورديو يجيب بالإيجاب، وذلك لأن الأمور تجري كما لو أن ذلك يتم من خلال امتلاك الطبقات المسيطرة نموذجين من الرأسمال: الأول هو الرأسمال الاقتصادي الذي من خلاله يتم استغلال الطبقة العاملة، حسب كارل ماركس. أضف إلى ذلك أن الطبقة المسيطرة تمتلك أيضاً «رأسمالاً رمزياً» من خلال امتلاك القدرة على الولوج إلى عالم الفن والثقافة والتحكم بميدان المعرفة والعلم. وبالتالي، فإن الإرث الثقافي ينتقل إلى الأبناء من دون أي مجهود منهجي من قبلهم.

أما عالم الاجتماع ريمون بودون، فيجيب على السؤال المطروح أعلاه بالنفي، إذ إنه يعد أنه ليست هناك مؤامرة من قبل الطبقة المسيطرة ضد الطبقة الخاضعة. إذن، يمكننا القول إن بورديو يتبنى موقفاً حتمياً يفضح من خلاله بنيات السيطرة على المستوى الجمعي. وعلى العكس من ذلك فإن سوسيولوجيا بودون هي فردانية وتعطي القيمة «لاستقلالية الفاعل»، وبالتالي لأن على الفاعلين الاجتماعيين اتخاذ قرارات عقلانية. وبالتالي إن الأفراد يميلون إلى تجنب الانسلاخ عن طبقة أهلهم بأبخس الأثمان. ولكن تحليلات بودون تبدو متفائلة فيما يتعلق بموضوع المدرسة، إذ إنه يؤكد على أن حالات اللامساواة في ميدان التعليم تميل إلى التناقص، وذلك لأن كل جيل يجهد لأن يكون أفضل من جيل أهله. فإذا كان بودون على حق فإن هذا المنطق يدفع كل الناس إلى الأعلى مع بقاء إعادة التناسل الاجتماعي ولكن لمصلحة الأقل يسراً.

آنّي إرنو

وهناك مسألة أخرى تلعب دوراً أساسياً في عملية إعادة إنتاج البنى الاجتماعية ألا وهي مسألة الخجل. فما هو دور الخجل في عملية التحول الطبقي وفي محاولة خروج أفراد مميزين أو مشهورين من إطار عائلتهم أو بيئتهم الاجتماعية المتواضعة؟ حول هذه المسألة يقول كارل ماركس نعم إن الخجل يلعب دوراً محركاً للأفراد من أجل تجاوز أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المتواضعة، وذلك لأن الخجل بالنسبة إلى ماركس هو مفهوم ثوري حيث يقول: «إن الخجل هو بحد ذاته ثورة... إن الخجل هو نوع من الغضب، ذلك الغضب على الذات. وإذا كانت أمّة بكاملها تشعر بالخجل فقد تصبح كالأسد الذي يستجمع كل قواه كي يقفز بقوة». والفيلسوف الفرنسي فردريك غرو (Gros) يميز بين خجل الحزن وخجل الغضب. الأول يؤدي إلى الكسل والسكينة والطاعة. أما الثاني فيؤدي إلى تحمل المسؤولية وإلى التمرد لأنه يعي العنف البنيوي، ويعده غير مقبول، وبالتالي يندفع إلى الكفاح ضده. إن هذه التحليلات تبين التباس مفهوم الخجل الذي يتردد في مسيرة المتحولين طبقياً، حيث إن ذلك الآتي من أصل شعبي يشعر بضيق في صالون برجوازي أو في مواجهة قادة آخرين، ومع ذلك فإن الخجل هو أيضاً المحرك الذي يحرّض للوقوف بوجه اللامقبول. كل ذلك يدعو إلى فهم الشروط التي تجعل خجلاً فردياً يتحول إلى خجل جماعي وثوري.

وبالمقابل، إذا عدنا إلى تاريخ الفلسفة الحديثة نجد أن الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، يعد الخجل بمثابة انفعال حزين وبائس. ففي كتابه «الأخلاق» (1677) نجد إحدى الحجج الأكمل ضد الخجل، حيث إنه يعد أن الخجل نوعٌ من الحزن البائس يولد في الإنسان عندما يرى أعماله محتقرة من قبل الآخرين. لذلك فإن سبينوزا يدعونا إلى التخلي عن الحزن لأننا في حالة الحزن نصبح عاجزين عن الفعل الإيجابي. ومشكلة الخجل تكمن في أنه يجعلنا متأثرين بنظرة الآخر إلينا. وهذا يعود إلى أن فلسفة سبينوزا هي فلسفة تؤمن بالحتمية.

إن الخارجين من طبقتهم الاجتماعية هم السوبر أبطال على الطريقة الفرنسية

الروائي الفرنسي نيكولا ماتيو

وفي نهاية هذا المقال المكثف، سوف نوجز وجهة نظر أحد المصنّفين كمتحول طبقي في فرنسا، وهو الروائي نيكولا ماتيو، حيث يقول رداً على السؤال: هل تعد نفسك متحولاً طبقياً (Transclasse)؟: «أنا أتساءل حول نجاح هذا المصطلح. إن الخارجين من طبقتهم الاجتماعية هم السوبر أبطال على الطريقة الفرنسية، إذ إن هناك نظرة أسطورية جمهورية حول الخارج عن طبقته ذلك الذي يتميز ويبدع في المدرسة ويلفت أنظار الأساتذة، والذي تحول فأصبح بمثابة (الرجل العنكبوت) بالنسبة إلينا. إن هذه الصورة يمكنها أن تسحر الجمهور. أما الناس فيرغبون بأن يتم وصفهم كمتحولين طبقياً. أما أنا فقد انتبهت بأنني خلال بعض المقابلات، ومن دون قصد كنت قد بالغت حول تواضع أصولي الاجتماعية. برأيي، إن الخارج عن طبقته هو بمثابة مونتي كريستو الذي يثأر من القدَر، الذي يمجد فكرة الصعود الاجتماعي من خلال الجدارة. ومع الأسف، في موضوع إعادة التناسل الاجتماعي فإن الشواذ لا يكسر القاعدة أبداً. ومن جهة أخرى أنا منزعج من استغلال المتحولين طبقياً لوضعيتهم، وذلك لأن هذه التسمية تحمل مخاطرة بالنسبة إلى الكاتب أو المثقف بشكل عام. على ذلك إن نيكولا ماتيو بالرغم من شهرته الواسعة لم يستطع أو لم يرغب تجاوز جذوره الاجتماعية وبقي على تواصل دائم مع بيئته».

أخيراً، يمكننا القول إن ظاهرة التحول الطبقي قد تكون إيجابية وسلبية في الوقت نفسه، وهذا يعود إلى غاية وشروط وظروف المتحول.


مقالات ذات صلة

جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

يوميات الشرق بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)

جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

جاء التكريم في وقت يحتاج فيه المسرح اللبناني إلى مَن يستعيد أسماءه المؤسِّسة.

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

اختتمت «روائع الأوركسترا السعودية» جولتها بحفل في روما بمشاركة أندريا بوتشيلي، في أمسية مزجت الموسيقى والفنون السعودية والإيطالية قرب الكولوسيوم.

شوقي الريّس (روما)
الولايات المتحدة​ متظاهرون ملثمون فوق معدات الحفر يوم الخميس الموافق 30 أبريل 2026 في مقاطعة بينينغتون بولاية ساوث داكوتا الأميركية حاملين لافتة كُتب عليها «أرض مقدسة لا مكان للتعدين» (أ.ب)

سكان أصليون يقيمون دعوى لمنع التنقيب عن الغرافيت في موقع يقدّسونه بأميركا

أقامت قبائل تسع من السكان الأصليين دعوى قضائية على الحكومة الأميركية في محاولة لوقف التنقيب عن معدن الغرافيت بالقرب من موقع مقدس لدى القبائل في منطقة بلاك هيلز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)

تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

وقّعت تركيا وأرمينيا، الاثنين، اتفاقاً لترميم جسر آني العائد إلى العصور الوسطى على الحدود بين البلدين، في خطوة رمزية على طريق تطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان.

«الشرق الأوسط» (أنقرة - يريفان)
يوميات الشرق تعزيز حضور الفلكلور السعودي بأساليب إبداعية تمزج بين أصالة الموروث وروح المعاصرة (واس)

فرقة وطنية للفنون الأدائية في السعودية تبرز موروثها عالمياً

تبدأ مرحلة جديدة للفنون الأدائية التقليدية في السعودية، ينتقل فيها الموروث الشعبي المتنوع إلى آفاق جديدة وبأسلوب يحاكي لغة الفن العالمي، مع الحفاظ على بصمتها.

عمر البدوي (الرياض)

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.