هل يتجاوز المثقف المتحول طبقياً جذوره الاجتماعية؟

ظاهرة برزت بين الفنانين والأدباء والمثقفين الذين عرفوا شهرة واسعة

فرنسوا دوبيه
فرنسوا دوبيه
TT

هل يتجاوز المثقف المتحول طبقياً جذوره الاجتماعية؟

فرنسوا دوبيه
فرنسوا دوبيه

في ظل الثورة التكنولوجية المعاصرة أخذ العالم يتغير بسرعة هائلة، وبدأت آثار هذا التغيير تظهر في المجتمعات المختلفة من خلال الظواهر الاجتماعية التي تحاول كسر وتجاوز البنى التقليدية في سبيل تحريك المجتمعات وتعديل الشروط المتحكمة في التوزيع الطبقي، وفي إمكان الانتقال من طبقة اجتماعية إلى أخرى، وبالتالي تغيير النظرة التقليدية إلى الصراع الطبقي. وعلى مثال ظاهرة التحول الجنسي التي برزت في بعض المجتمعات المعاصرة قد يمكننا الحديث عن ظاهرة التحول الطبقي التي شهدناها وما زلنا نشهدها من خلال مشاهير المثقفين والفنانين والسياسيين والخبراء الاقتصاديين ورجال الأعمال والرياضيين والعلماء وخبراء التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والإعلام بكل مجالاته وغيرها من المجالات. ولكن ماذا نعني بالتحول الطبقي؟ إنه تعبير عن الحراك الاجتماعي والانتقال من بيئة أو طبقة اجتماعية متواضعة أو عادية إلى بيئة أو طبقة اجتماعية ميسورة ومشهورة بقوتها وثروتها وسلطتها. ولكن السؤال المطروح هو: هل يمكن للإنسان أن يتحرر كلياً من تحديداته الاجتماعية والثقافية والانتقال أو التحول كلياً إلى مستوى مختلف تماماً عن مستواه الأصلي؟ وأيضاً ما الذي يدعونا لطرح هذه المسألة؟ في الواقع، إن المجلة الفرنسية «Philosophie magazine» (مجلة الفلسفة) الصادرة في عدد أبريل (نيسان) 2023 طرحت هذا الموضوع في محور رئيسي، وكان الدافع باعتقادنا هو بمناسبة حصول الأديبة الفرنسية Annie Ernaux (آنّي إرنو) على جائزة نوبل في الآداب، وذلك لأن هذه الأديبة الشهيرة كانت قد نشأت في بيئة فقيرة ومتواضعة وأصبحت بمثابة متحولة طبقياً (transclasse). وكان السؤال الأساسي المطروح في عنوان المحور: هل نحن محددون بأصولنا الاجتماعية؟

ريمون بودون

في الواقع، إن حالة التحول الطبقي نشهدها في مختلف المجتمعات الغربية والشرقية، وبرزت بشكل أساسي بين الفنانين والأدباء والمثقفين الذين عرفوا شهرة واسعة بعد أن كانوا مغمورين في بيئاتهم الاجتماعية المتواضعة. ماذا يقول علماء الاجتماع حول هذه القضية؟ والسؤال المطروح حول هذه المسالة هو التالي: هل يجب أن يستند الترقّي الاجتماعي إلى الجدارة؟ عالم الاجتماع مايكل ساندل، يجيب بالنفي، وذلك لأنه يعد الجدارة بمثابة استبداد في كتابه تحت عنوان «استبداد الجدارة»، وذلك لأنه يعد أن فرص الميسورين عددها أكبر من فرص الفقراء في تحصيل الجدارة. أما عالم الاجتماع فرنسوا دوبيه (Dubet) فيجيب عن هذا السؤال بالإيجاب لأنه يعد أن الجدارة ليست بالتأكيد نسقاً كاملاً، ولكن ليس هناك أفضل أو أكثر عدالة منها، وهي حجر الزاوية في النظام التربوي.

وهناك سؤال آخر يمكن أن نطرحه: هل إعادة التناسل الاجتماعي تخدم الأقوياء والطبقات المسيطرة؟ إن عالم الاجتماع بيار بورديو يجيب بالإيجاب، وذلك لأن الأمور تجري كما لو أن ذلك يتم من خلال امتلاك الطبقات المسيطرة نموذجين من الرأسمال: الأول هو الرأسمال الاقتصادي الذي من خلاله يتم استغلال الطبقة العاملة، حسب كارل ماركس. أضف إلى ذلك أن الطبقة المسيطرة تمتلك أيضاً «رأسمالاً رمزياً» من خلال امتلاك القدرة على الولوج إلى عالم الفن والثقافة والتحكم بميدان المعرفة والعلم. وبالتالي، فإن الإرث الثقافي ينتقل إلى الأبناء من دون أي مجهود منهجي من قبلهم.

أما عالم الاجتماع ريمون بودون، فيجيب على السؤال المطروح أعلاه بالنفي، إذ إنه يعد أنه ليست هناك مؤامرة من قبل الطبقة المسيطرة ضد الطبقة الخاضعة. إذن، يمكننا القول إن بورديو يتبنى موقفاً حتمياً يفضح من خلاله بنيات السيطرة على المستوى الجمعي. وعلى العكس من ذلك فإن سوسيولوجيا بودون هي فردانية وتعطي القيمة «لاستقلالية الفاعل»، وبالتالي لأن على الفاعلين الاجتماعيين اتخاذ قرارات عقلانية. وبالتالي إن الأفراد يميلون إلى تجنب الانسلاخ عن طبقة أهلهم بأبخس الأثمان. ولكن تحليلات بودون تبدو متفائلة فيما يتعلق بموضوع المدرسة، إذ إنه يؤكد على أن حالات اللامساواة في ميدان التعليم تميل إلى التناقص، وذلك لأن كل جيل يجهد لأن يكون أفضل من جيل أهله. فإذا كان بودون على حق فإن هذا المنطق يدفع كل الناس إلى الأعلى مع بقاء إعادة التناسل الاجتماعي ولكن لمصلحة الأقل يسراً.

آنّي إرنو

وهناك مسألة أخرى تلعب دوراً أساسياً في عملية إعادة إنتاج البنى الاجتماعية ألا وهي مسألة الخجل. فما هو دور الخجل في عملية التحول الطبقي وفي محاولة خروج أفراد مميزين أو مشهورين من إطار عائلتهم أو بيئتهم الاجتماعية المتواضعة؟ حول هذه المسألة يقول كارل ماركس نعم إن الخجل يلعب دوراً محركاً للأفراد من أجل تجاوز أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المتواضعة، وذلك لأن الخجل بالنسبة إلى ماركس هو مفهوم ثوري حيث يقول: «إن الخجل هو بحد ذاته ثورة... إن الخجل هو نوع من الغضب، ذلك الغضب على الذات. وإذا كانت أمّة بكاملها تشعر بالخجل فقد تصبح كالأسد الذي يستجمع كل قواه كي يقفز بقوة». والفيلسوف الفرنسي فردريك غرو (Gros) يميز بين خجل الحزن وخجل الغضب. الأول يؤدي إلى الكسل والسكينة والطاعة. أما الثاني فيؤدي إلى تحمل المسؤولية وإلى التمرد لأنه يعي العنف البنيوي، ويعده غير مقبول، وبالتالي يندفع إلى الكفاح ضده. إن هذه التحليلات تبين التباس مفهوم الخجل الذي يتردد في مسيرة المتحولين طبقياً، حيث إن ذلك الآتي من أصل شعبي يشعر بضيق في صالون برجوازي أو في مواجهة قادة آخرين، ومع ذلك فإن الخجل هو أيضاً المحرك الذي يحرّض للوقوف بوجه اللامقبول. كل ذلك يدعو إلى فهم الشروط التي تجعل خجلاً فردياً يتحول إلى خجل جماعي وثوري.

وبالمقابل، إذا عدنا إلى تاريخ الفلسفة الحديثة نجد أن الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، يعد الخجل بمثابة انفعال حزين وبائس. ففي كتابه «الأخلاق» (1677) نجد إحدى الحجج الأكمل ضد الخجل، حيث إنه يعد أن الخجل نوعٌ من الحزن البائس يولد في الإنسان عندما يرى أعماله محتقرة من قبل الآخرين. لذلك فإن سبينوزا يدعونا إلى التخلي عن الحزن لأننا في حالة الحزن نصبح عاجزين عن الفعل الإيجابي. ومشكلة الخجل تكمن في أنه يجعلنا متأثرين بنظرة الآخر إلينا. وهذا يعود إلى أن فلسفة سبينوزا هي فلسفة تؤمن بالحتمية.

إن الخارجين من طبقتهم الاجتماعية هم السوبر أبطال على الطريقة الفرنسية

الروائي الفرنسي نيكولا ماتيو

وفي نهاية هذا المقال المكثف، سوف نوجز وجهة نظر أحد المصنّفين كمتحول طبقي في فرنسا، وهو الروائي نيكولا ماتيو، حيث يقول رداً على السؤال: هل تعد نفسك متحولاً طبقياً (Transclasse)؟: «أنا أتساءل حول نجاح هذا المصطلح. إن الخارجين من طبقتهم الاجتماعية هم السوبر أبطال على الطريقة الفرنسية، إذ إن هناك نظرة أسطورية جمهورية حول الخارج عن طبقته ذلك الذي يتميز ويبدع في المدرسة ويلفت أنظار الأساتذة، والذي تحول فأصبح بمثابة (الرجل العنكبوت) بالنسبة إلينا. إن هذه الصورة يمكنها أن تسحر الجمهور. أما الناس فيرغبون بأن يتم وصفهم كمتحولين طبقياً. أما أنا فقد انتبهت بأنني خلال بعض المقابلات، ومن دون قصد كنت قد بالغت حول تواضع أصولي الاجتماعية. برأيي، إن الخارج عن طبقته هو بمثابة مونتي كريستو الذي يثأر من القدَر، الذي يمجد فكرة الصعود الاجتماعي من خلال الجدارة. ومع الأسف، في موضوع إعادة التناسل الاجتماعي فإن الشواذ لا يكسر القاعدة أبداً. ومن جهة أخرى أنا منزعج من استغلال المتحولين طبقياً لوضعيتهم، وذلك لأن هذه التسمية تحمل مخاطرة بالنسبة إلى الكاتب أو المثقف بشكل عام. على ذلك إن نيكولا ماتيو بالرغم من شهرته الواسعة لم يستطع أو لم يرغب تجاوز جذوره الاجتماعية وبقي على تواصل دائم مع بيئته».

أخيراً، يمكننا القول إن ظاهرة التحول الطبقي قد تكون إيجابية وسلبية في الوقت نفسه، وهذا يعود إلى غاية وشروط وظروف المتحول.


مقالات ذات صلة

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يوميات الشرق يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية (الشرق الأوسط)

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية بمختلف مجالاتها وأجيالها، ضمن مبادرات الدار الهادفة إلى خدمة الثقافة اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق نجاحات السوق تدفع بالشخصية نحو تجربة سينمائية (رويترز)

بعد اجتياحها الأسواق... «لابوبو» إلى السينما

أعلنت شركة الألعاب الصينية «بوب مارت»، بالتعاون مع «سوني بيكتشرز»، أنّ دمى «لابوبو» ذات الشعبية الواسعة ستخوض قريباً تجربة السينما، عبر فيلم روائي طويل خاص بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يطلق تأسيس «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته علمياً.

عمر البدوي (الرياض)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.