«خزامى»: ...الوجه الآخر للقاء «الضحية» و«الجلاد»

سنان أنطون يكتب عن المصائر المستعادة في المكان الغريب

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«خزامى»: ...الوجه الآخر للقاء «الضحية» و«الجلاد»

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في «خزامى... الجمل 2023»، رواية سنان أنطون الأخيرة، تحافظ القصص على استقلالها المفترض كما لو أنها صياغة أخرى لمصائر أبطالها التعيسة، قصة سامي البدري، مثلاً، لا تشبه قصة عمر، ولا تتصل بها؛ القصتان تتشكلان وتسيران معاً في مسارين مختلفين. زمنياً تبدأ قصة عمر قبل قصة البدري. لكن زمن السرد يبدأ بلحظة اضطراب ذاكرة سامي وضياعه، من ثمّ، بعيداً عن بيت ابنه سعد، بعد أن يستبد به «الخرف». لحظة البداية تتحكم، ابتداءً، بعوالم السرد المختلفة. أتحدث هنا عن 3 عوالم يتداخل بعضها مع بعض، بقدر ما تختلف. عندنا صياغات المكان البديل، المسمّى هنا المنفى الاختياري المرتبط، أو بأدق، المتولد عن الطرد من المكان الأصلي؛ الوطن. وعندنا، أيضاً، الاقتصاد الحكائي فيما يتصل بقصة سامي البدري، يقابله توسع حكائي لا يبخل به سرد اليوميات. لكن الرواية تتعمّد خلط الحكايات لتنتج معاني ودلالات جديدة ترتبط برغبة عمر في إيجاد «سردية» معارضة للانتماء للوطن، أو في الأقل تصوره بصفته مكاناً صالحاً للحياة.

ليس هناك سوى «قصتي»

منذ البدء، وقبل أن تطأ قدمه أرض الخلاص، أميركا، يحسم عمر وجهته وعالمه القادم، بل إنه قبل أن يصعد الطائرة، يكون قد حسم قراره، بأن «يستأصل» بلاده من ذاكرته. وتبدو «الحقيبة»، شبه الفارغة المسافرة مع عمر، رمزاً نموذجياً لذاكرة يجري تفريغها، على أمل أن «تُختلق» هناك، في بلاد الخلاص، ذاكرة وهوية جديدة. لكن المفارقة تبدأ هنا، بالضبط من سردية الذاكرة الجديدة، فالرواية لا تحكي لنا سوى كيفية استعادة الذاكرة الأولى، التي تختصرها قصة عمر مع وطن لم يمنحه سوى العذاب، وكأن الهدف من فرار عمر هو أن يصل إلى أقصى «الشمال» ليختلي بنفسه ويروي حكايته. لا ذاكرة جديدة، إذاً، من دون قصص جديدة. لكن لماذا على عمر، ومن بعده سامي البدري، أن يذهب بعيداً عن بلاده ليحكي لنا ما حصل معه في بلاده السعيدة؟ ألم يكن بإمكانه أن يبقى، شأن أبطال روايات الكاتب السابقة، في بلاده ويروي حكايته؟

لا تنشغل «خزامى» بالإجابة عن هذه الأسئلة، إنما تقول لنا ضمناً ربما، إنها ستجيب عنها في سياق القصتين المتعارضتين. لكنها تدشن، عملياً، الاشتغال المكاني المختلف عن سابقاتها. وقد يكون من الأفضل أن نقول إن «خزامى» قد أكملت ما هجست به «فهرس»، رواية أنطون السابقة، التي اقترحت نهايات متعدِّدة لـ«ودود»، ولها أيضاً، منها «ارتحال» ودود لأميركا، وكان ذلك محض نهاية محتملة لم تتحقق. «خزامى» تقول لنا بوضوح كافٍ إنها رواية المكان البديل، وإن شئت الدقة أكثر قل إنها رواية المصائر المستعادة في المكان الغريب. ومثلما أنه لا ذاكرة جديدة تتشكَّل هناك، فإنه لا أثر للمكان البديل على عمر أيضاً. وربما الأرجح أن نفهم الأمر بطريقة أكثر جذرية بأنه لا ذاكرة جديدة تتشكّل هناك ما دام المكان البديل بلا أي تأثير. ولا تبخل علينا الرواية بالمداخل السردية الكاشفة لـ«انعدام» التأثير المكاني هناك على عمر، «هل تختلف الحال مع سامي البدري؟!». وفي الطليعة منها الرغبة الجامحة بالتنكر لسردية الوطن، ومن ثمّ، محاولة اختلاق هوية وتاريخ عائلي مغاير، بل مختلف كلياً عن التاريخ الحقيقي؛ فهذه الرغبة بـ«استئصال» الوطن هي ترجمان أخير لمحو العقاب وآثاره المدمرة على عمر جراء قطع أذنه اليمنى بسبب هروبه من الجيش. هذه قصة كاملة مكتملة غير قابلة للتجزئة أو الإضافة، كان على عمر أن يحملها معه أينما ذهب، لا قصة أخرى يمكن أن تنافسها، أو تنمو وتتشكَّل إلى جانبها. وهي تقبل أمراً واحداً هو أن تُستعاد وتروى من وجهة نظر صاحبها. ولا غرابة، إذاً، أن تفشل قصص الحب مع نساء «أجنبيات» التقى بهن عمر، فكانت علاقته بهن متقشفة، لا تزيد عن لحظة «الجنس»، فلا تتحول إلى علاقات حب واستقرار إنساني. مثلها، تماماً، تنتهي قصة عمر بفشل تنكره للهوية العراقية، ويصبح ادعاؤه بالأصل البورتوريكي، وسنجد عمر، في النهاية، يعترف بأصله العراقي حتى قبل أن يلتقي بقاطع أذنه اليمنى.

الخرف عقوبة من لا يعود

لكن «خزامى» هي رواية اللاعودة، أو هي السردية المعارضة لعودة المنفي لبلاده، كما هي حال عمر الرافض بشدة أن يعود لبلاد عاقبته، وهي كذلك العودة المستحيلة لبيت مغتصب ببغداد، وهذا شأن سامي البدري، طبيب القلب، الذي فرَّ بجلده من البلاد بعد مقتل زوجته، فإنه «يفقد» رويداً رويداً السيطرة على عقله؛ لأنه لا يستطيع العودة لبيته ببغداد. ثمة عقاب في الحالتين، إلا أن المعاقبة في حالة سامي البدري ترقى إلى أقصى حالات التقشف الحكائي. تستهل الرواية، مثلاً، نصها بـ«صمت» حكائي يمثِّله عجوز تائه في شارع بإحدى المدن الأميركية. وهذا العجوز ليس سوى سامي البدري. لا شيء هنا سوى راوٍ لا يعرف عن العجوز التائه سوى أمر واحد، هو أن عليه أن يصف ضياع العجوز نفسه. لا ذاكرة، لا شخصية، لا هوية تستشعر تفاصيل المكان. يتحول السرد هنا إلى ما يشبه الكاميرا التي تتبع شخصاً يتحرك بلا وجهة، وكأننا إزاء حركة أشياء لا يجمعها جامع سوى ضياع العجوز الذي يطلب المساعدة بإعادته لـ«بغداد». أفكر هنا بمعنى العقاب المتحصل جراء منع سامي من العودة لبيته في بغداد؛ أهو تطهُّر من ذنب كبير اقترفه طبيب أجبرته سلطة صدام، وهو المختص بالقلب وأوردته، أن يقطع أذن جندي هارب من الجيش؟ ربما.

تُفيد «خزامى» كثيراً من نصوص الكاتب السابقة، ولا سيّما «إعجام» و«فهرس»، وفي جانب مهم من «يا مريم»

لا تتورط الرواية، ولا سامي نفسه، بمشقة البحث عن أجوبة؛ سامي نفسه سيعترف لزوجته ولزميل له بأنه قد أجبر على «صلم» أذن جندي، ولا أثر يترتب على ذلك الاعتراف سوى أنه سيكون الثقب الذي تنفذ منه الذكريات والماضي وحياة سامي كلها؛ إذ سيبتلع «الخرف» كل شيء. وسيكون على سامي أن يدفع الثمن مضاعفاً؛ مقتل الزوجة، وخسارة البيت، ثم ضياع الذاكرة برمتها. هكذا سيبدو أن فعلاً غير مقصود أجبر الطبيب على تنفيذه، ثمنه الخرف؟ ربما، لكن الرواية تلتزم باقتفاء أثر العقوبة وتطبيقها. وأوضح مظاهر الالتزام هو التقشف أو الاقتصاد الحكائي في إيراد التفاصيل. وفي مواضع ليست قليلة يصل الاقتصاد منتهاه عندما تكتفي الرواية بجملة أو الجملتين تلخصان يوماً أو حادثة أو حكاية قديمة. وأيضاً، ثمة استعادة ملحوظة لسلطة الراوي العارف (العليم) على السرد؛ ليتولى بنفسه نقل مقاطع ليست قليلة ما لم يتمكن سردها. وقد يتحول سامي البدري نفسه إلى موضوع سردي يصلنا عبر منظور ممرضته «كارمن» في دار المسنين، أو عن طريق «سعد» في بيت الأخير. ولا أمل في التطهُّر من الإثم غير المقصود إلا بالمواجهة، بلحظة اللقاء الجامعة بين عمر وسامي. تضعنا الرواية في هذه المواجهة بلا أي مسوِّغات، حتى أي مزاعم تخص دوري الضحية والجلاد. لا شيء سوى ابتسامة بلا معنى، ربما رسمها سامي على وجهه، فيما كانت «كارمن» تدفع بكرسيه المتحرك صوب معرض بيع الخزامى، حيث يقف عمر. نعم، لا مزاعم كبرى سوى أن عمر بدأ للتوّ باستعادة اسمه، وهذه مقدمة أولى لتذكُّر البلاد. فيما تسقط باقة الخزامى من يد سامي على الأرض. لكن سؤال عمر ربما يظل بلا إجابة؛ إن كان سامي، الطبيب الذي قطع أذنه، سيتذكره؛ يتذكر جندياً أجلسوه أمامه على كرسي، وقبل أن يقطع أذنه كان قد اعتذر منه. فهل كانت ابتسامة سامي البدري بوجه «ضحيته»، وحرمانه، من قبل، من سرد وقائع قصته تطهيراً له من إثم مخالفة الوصايا؛ فلا قطع أو بتر لعضو في جسد الإنسان إلا بعد فساده وتورمه، لكن سامي تخاذل وترك نفسه تتحول إلى «قصاب» ورضي من ثمّ أن يكون مثل غيره خروفاً في مجتمع الخرفان. تلتزم الرواية بميثاقها الأول؛ منع سامي البدري من التصرف بقصته، ومنح الحرية كاملة لعمر ليحكي لنا قصته. وهي قسمة ضيزى.

سرد اليوميات

تُفيد «خزامى» كثيراً من نصوص الكاتب السابقة، ولا سيّما «إعجام» و«فهرس»، وفي جانب مهم من «يا مريم» في الاستعمال المفارق لسرد اليوميات؛ إذ يجنح الكاتب إلى توظيف اليوميات على مقربة من حافة الاعتراف. لكن سرد اليوميات في «خزامى» يعيد توجيه عوالم السرد وحكاياته اليومية، حتى كأن اليوميات هي اعترافات مؤجلة للشخصيتين. وقد يكون الأهم أن سرد اليوميات، هنا، يعيد قول الحقائق بطريقة مختلفة؛ نحن هنا إزاء رواية ذات بطلين وليس بطلاً واحداً كما نجد في أغلب روايات الكاتب السابقة سوى «فهرس» التي تولى البطولة فيها؛ فهرس ودود وقصة عودة نمير لبغداد. لكن يوميات «خزامى» تختلف؛ فهي لدى عمر حكاية كاملة بتحولاتها السردية المختلفة، فمرة تبدو أقرب إلى القناع كما في تنكره لبلاده، ومرة أخرى تقترب من سياق السرد الذاتي المشبع بصوت المتكلم. وفي سرد اليوميات في «خزامى» نجد استعمالاً جديداً، ربما، يدمج بين الاسترجاع الخارجي غالبا مع كلمات أغنية ما، عربية كما في أغاني أم كلثوم، أو عراقية. مثل هذا الاستعمال يخفف من غلواء الاقتصاد الحكائي في سياق يوميات سامي المستعادة. تظل اليوميات هي الصيغة السردية الأوضح، وربما الأنجح، ولا ينبغي علينا أن نبالغ في تحوّل اليوميات إلى اعترافات؛ فهذا قليل، سوى أن سرد اليوميات في «خزامى» يوحي لنا بأن الشخصيتين، عمر في الأقل، يريد أن يعترف لنا بقصته، يريد أن يرفع عن رأسه القبعة التي تخفي الأذن المقطوعة.


مقالات ذات صلة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

ثقافة وفنون «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك،

جنيفر سلاي
ثقافة وفنون خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

مجسّمات كلاسيكية أموية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».