الأدب العربي إنساني وإن لم يوجد على الرفوف اللندنية!

خلل في عملية الترجمة ذاتها وما يسبقها ويصاحبها من إشكالات

أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته
أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته
TT

الأدب العربي إنساني وإن لم يوجد على الرفوف اللندنية!

أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته
أبراهام فِرغِيس وغلاف روايته

يبدي الزميل فاضل السلطاني - محرر الثقافة والكتب - في «الشرق الأوسط»، في مقالته «لا تستغربوا أن الأمم الأخرى لا تقرأنا» مزيجاً من استغراب واندهاش واستياء من عدم توفر الكتاب العربي المترجم في مكتبات العاصمة البريطانية (لندن). فعلى الرغم من تكرار ذكر الكثير من الأدباء العرب لترجمات أعمالهم إلى اللغات الأوروبية في سيرهم الذاتية على حد قوله، إلاّ أنه يُصدم بحقيقة عدم وجودها على رفوف المكتبات. ويتساءل: أين تمضي كل هذه الترجمات لجيش هائل من الكتّاب العرب؟... أين هذه الترجمات؟ ويخلص في تشخيصه لأسباب الظاهرة إلى أن خلو رفوف المكتبات من الكتب الأدبية العربية المترجمة مرده إلى «أننا لم نكتب أدباً إنسانياً بعد ممكن أن يصل إلى الإنسان في كل مكان غرباً وشرقاً، وفي كل زمان، ما عدا استثناءات قليلة في تاريخ طويل جداً...».

بصراحة لا أستطيع الاتفاق مع الزميل السلطاني في تجريده الأدب العربي من «إنسانيته»، وأقول جازماَ وبثقة إنني لست الوحيد الذي يخالفه الرأي، فالأدب العربي إنساني مثل كل آداب الأمم والشعوب الأخرى. أما عدم رواج المترجم منه في الثقافات الأخرى فتلك ظاهرة تكتنفها ظروف وملابسات خاصة ولها أسباب، ليس من المنطقي، ولا من العدل، اختزالها في سبب واحد، وتحميل الأدب العربي المسؤولية عن ذلك.

أعتقد أن أحد أسباب «كساد» الكتاب العربي المترجم في أسواق الكتب الأجنبية، إذا صح التعبير، هو الخلل في عملية الترجمة ذاتها وما يسبقها ويصاحبها من ظروف وإشكاليات. طبيعي أن لا ينتهي ما يبدأ بخلل نهايةً إيجابيةً، كما يحدث لبعض، إن لم يكن الكثير من مبادرات الترجمة الفردية، التي يتوهم أصحابها الوصول إلى العالمية، بمجرد نقل إبداعاتهم إلى لغات أجنبية، خصوصاً الإنجليزية أو الفرنسية.

كتاب لا يحقق انتشاراً في وطن مُؤَلِفِّه، تكون فرص رواجه ومقروئيته في أوطان الآخرين ضئيلة للغاية إن لم تكن معدومة

 فغالباً ما تبدأ تلك المشروعات الفردية ببحث الكاتب عمن يترجم كتابه، ثم تسليم الترجمة بعد إنجازها إلى ناشر - عادة ما يكون صغيراً أو مغموراً - لا يهمه سوى أن يتحمل المؤلف تكلفة النشر، وينتهي الأمر عند هذا الحد. فلا المؤلف، ولا المترجم، ولا الناشر تشغلهم مسألة ما بعد الترجمة وما بعد الطبع، وهي مسألة لا تقل أهمية عن الترجمة نفسها. فمن الطبيعي ألاّ تصل الكتب المترجمة إلى رفوف المكتبات في البلدان الأوروبية وغير الأوروبية، بالإضافة إلى أنه لا يرد لها ذكر في الصحافة الثقافية الأجنبية بسبب أن المؤلف لم يعر اهتماماً لانتشار ورواج كتابه المترجم، ولم يكن ذلك ضمن الاتفاقية بينه والناشر. فما لم يهتم به صاحب الكتاب لن يكترث به الناشر، الذي يتسلم تكلفة الطباعة مقدماً.

إلى جانب الرغبة في الوصول إلى العالمية بدون الأخذ بالإجراءات التي من شأنها تسهيل وصول الكتب المترجمة إلى قرائها في الثقافات الأجنبية، يتعثر معظم تلك الكتب، أو كلها، في الطريق إلى الطيات المستهدفة بسبب أنها لم تحقق، في موطنها الأصلي، مقروئية وشهرة واسعة تجذبان القراء الأجانب إليها. فكتاب لا يحقق انتشاراً في وطن مُؤَلِفِّه، تكون فرص رواجه ومقروئيته في أوطان الآخرين ضئيلة للغاية إن لم تكن معدومة؛ لذلك لا يرى السلطاني أو غيره كتباً من هذا النوع على الرفوف، سواء في لندن أو في غيرها من المدن، لأنها مشروعات ترجمة عبثية، لا تتجاوز أهميتها كونها خبراً في ملحق ثقافي أو تغريدة (تويترية) لحصد «اللايكات» من الأصدقاء، إنها ترجمات تولد لتموت، أو لـتسقط «في الطريق إلى نوافذ قرطبة» ونوافذ مدن غيرها.

لا أستبعد أن المصير نفسه ستواجهه حتى تلك الترجمات التي تنجز ضمن مشروع ثقافي وطني إن لم تؤخذ مسألة ما بعد الترجمة في عين الاعتبار والاهتمام. فوزارة الثقافة، في أي بلد، لا تملك عصا سحرية تؤمئ بها على ما تترجمه من كتب فتنتشر وتصبح مقروءة، وعلى نطاق واسع، في البلدان الأخرى. إن إهمال مسألة الترويج والتوزيع قمين بتحويل مشروعات الترجمة الوطنية إلى قنوات هدر للثروة.

والجوائز الأدبية عامل آخر يسهم بدرجة كبيرة في رواج الكتاب المترجم، وعدمها مانع أو مبطئ لرواجه وانتشاره. الجوائز تضفي على العمل الإبداعي قيمة إضافية، وترمز إلى اعتراف بأفضليته على أعمال أخرى؛ رغم حقيقة أن الجائزة، أي جائزة، تمثل رأي واختيار لجنة التحكيم، وبالتالي فإن أفضلية العمل الفائز نسبية. وعندما يستند مشروع الترجمة والنشر على اتفاقيات مع دور نشر مرموقة، أو بتعاون مع مؤسسات ثقافية يحدد واجبات وحقوق الأطراف، ستكون فرص انتشار وقراءة العمل المترجم عظيمة.

وتُحددُ مصيَر ترجمات الأعمال الأدبية العربية أيضاً، الميولُ القرائية عند الآخرين. فهنالك شعوب لا تهتم، بشكل عام، بالآداب الأجنبية المترجمة إلى لغاتها. ولعل الأميركان في طليعة تلك الشعوب. الأميركيون لا يقرأون الآداب الأجنبية - هذا ما يقوله الأميركيون عن أنفسهم - ما لم تكن الأعمال الأجنبية المترجمة فائزة بجوائز، أو لكونها للمشاهير من الأدباء.

 

لا أعتقد أن لهذا الموقف علاقة بالاستعلاء والتعالي على الآخر وإنتاجه الأدبي، إنما للشعور بالاستغناء والاكتفاء، لأن آداب العالم كلها في أمريكا إلى حد ما، وليس في هذا القول أي مبالغة. فلكون المجتمع الأمريكي مركب ديموغرافي فسيفسائي من أعراق وإثنيات متعددة تمتد جذورها وأصولها إلى جميع أنحاء العالم تقريباً، فإن الثقافة الأمريكية كآنية سلطة كبيرة من ثقافات متعددة، والأدب الأمريكي بِمجمله مركب من آداب لا مجال لحصرها وذكرها هنا. ربما لهذا السبب لا يلتفت الأميركيون لما هو أجنبي ما لم يأتِ إليهم تسبقه شهرته أو خبر فوزه بجائزة.

فبعد فوز الروائي عبد الرزاق قرنح بجائزة نوبل، على سبيل المثال، أفاق الأميركيون على حقيقة عدم توفر كتبه. تقول ألكسندرا آلتر: «أصيب العديد من القراء الذين كانوا حريصين على تذوق أعمال قرنح بالإحباط. كان الجمهور هناك فجأة، لكن نسخ كتبه لم تكن متوفرة» (ذا نيويورك تايمز، 27/10/2021). ويكتب جون ماهر في «بَبْلِشَرْز ويكلي»: «غالباً ما تكون مبيعات الأدب الأجنبي في أميركا صغيرة بالنسبة للجميع باستثناء الكتب الأكثر شهرة، وأعمال قرنح ليست استثناء» 7/10/2021. فما بيع من روايته «Desertion, 2005» قبل فوزه بجائزة نوبل، مثلاً، أقل من 2000 نسخة. أما أكبر رقم مبيعات فكان 5763 نسخة من روايته «Paradise» منذ صدورها في 1994. إنه صغير للغاية إذا ما قورن، مثلاً، بمبيعات الرواية الأولى «Cutting for Stone, 2009» للروائي الأميركي الهندي المولود في أديس أبابا - إثيوبيا أبراهام فِرغِيس، إذ بِيْع منها أكثر من 1.5 مليون نسخة داخل الولايات المتحدة وحدها. وربما تحقق روايته الثانية «The Covenant of Water»، التي صدرت في الثاني من مايو (أيار) 2023، رقم مبيعات مليوني أيضاً. ذكرت فِرغِيس لأن سيرته تشبه سيرة قرنح، فكلاهما هاجرا من أفريقيا إلى الغرب: قرنح إلى بريطانيا وفرغيس إلى أميركا.

 


لا أتوقع أن روايات قرنح، حتى بعده فوزه بنوبل، ستحقق في الولايات المتحدة رقم مبيعات مليوني مثل رواية فِرغِيس، ما لم تهب أوبرا وينفري، مثلاً، لترويج بعض رواياته أو كلها، كما تفعل حالياً مع رواية فِرغِيس الجديدة، وكما فعلت لأربع من روايات توني موريسون فزادت مبيعات تلك الروايات الأربع بسبب ما يعرف بــ «تأثير أوبرا/Oprah’s effect» على مبيعات جميع رواياتها بعد هبة الإقبال على شرائها في أعقاب فوزها بجائزة نوبل. ربما يكفي ذكر أن رواية «العيون الأشد زرقة» باعت 800 ألف نسخة بعد إعلان أوبرا مناقشتها في «نادي أوبرا للكتاب».

ولا يختلف الإنجليز كثيراً عن الأميركان في عدم الاهتمام بالآداب الأجنبية، فالقارئ الإنجليزي، حسب المترجم الإنجليزي توني كالدربانك، لا يقرأ الكثير من الأدب المترجم، على النقيض من القارئ الألماني والفرنسي بانفتاحهما على الآداب الأجنبية.

لكن إذا كان القارئ الانجليزي لا يقرأ الأدب الأجنبي، فمن يقرأ إذن الآداب التي يجدها الزميل السلطاني في المكتبات اللندنية: اللاتيني، والصيني، والهندي، والتركي...إلخ؟ إلى أي حد ينطبق كلام كالدرنباك على الواقع؟ هل نحن إزاء قارئ إنجليزي واحد أم قراء عدة؟ وأخيراً، لماذا يغيب الأدب العربي المترجم؟ ربما لأسباب كثيرة ومعقدة، لكن ليس من بينها أن العرب لم يكتبوا «أدباً إنسانياً بعد»!

--------------------------------------

**ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»